منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللقاء الأول بين الوحي والإنسان: مقارنة أنطولوجية بين تجربة موسى ومحمد عليهما السلام

يحي عباسي بن أحمد

0

اللقاء الأول بين الوحي والإنسان:

مقارنة أنطولوجية بين تجربة موسى ومحمد عليهما السلام

يحي عباسي بن أحمد

 

مقدمة

تمثّل لحظة الوحي في التاريخ الديني لحظة انبثاق العلاقة بين الإلهي والإنساني، بين اللامحدود والمحدود، بين الكلمة الأولى والوعي الأول. ومن بين جميع التجارب النبوية التي حفظها لنا القرآن الكريم، نجد أن بداية الوحي قد وُصفت بتفصيلٍ واضح في تجربة موسى عليه السلام، بينما جاءت في تجربة النبي محمد ﷺ على نحوٍ يكتنفه الغيب والرهبة والدهشة. هذا الاختلاف ليس عرضيًا، بل هو مفتاح لفهم طبيعة العلاقة بين الكلمة والوعي، بين القراءة والتعليم، وبين النبوة كاصطفاء والرسالة كحملٍ معرفي وجودي.

أولًا: في السياق التاريخي والمعرفي للنبيّين

يشير النصّ القرآني إلى أن موسى عليه السلام نشأ في بيئة حضارية قارئة؛ فقد تشرّب من علوم بيت فرعون، وامتلك أدوات الفهم والمنطق واللغة، ثم خرج إلى الصحراء بعد أن قتل مصريًّا دفاعًا عن مستضعف من قومه، فكان الهروب من فرعون هروبًا من سلطةٍ بشرية نحو قدرٍ إلهي. أما محمد ﷺ فقد نشأ في بيئة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، لكنه كان يحمل في داخله قلق الباحث عن الحقيقة، فانقطع إلى غار حراء يتأمل ويتحنّث، أي يمارس فعلاً روحانيًا استعداديًا للوحي قبل أن يلقاه.

يقول نصر حامد أبو زيد: “إن الأمية النبوية ليست عجزًا معرفيًا بل هي حالة صفاءٍ أول، تُتيح للكلمة الإلهية أن تنقش وعيًا جديدًا غير مسبوق بالثقافة السائدة”[1].

ثانيًا: اختلاف الظرف الوجودي

في لحظة الوحي، كان موسى عليه السلام هاربًا من بطش السلطة، يبحث عن مأوى جسدي، فوجد النار فأنسها. لم يكن في حالة انتظار للوحي، بل كان في حالة نجاةٍ من الموت. أما محمد ﷺ فكان في مأمنٍ من الخطر، لكنه في توترٍ وجودي، يبحث عن معنى، لا عن مأوى. ومن هنا يلتقي الجسدان في طريقين متعاكسين: موسى يخرج من الصراع المادي إلى النداء الروحي، ومحمد يخرج من التأمل الروحي إلى النداء الكوني.

يقول الفيلسوف محمد إقبال في تجديد التفكير الديني في الإسلام: “النبوة ليست انقطاعًا عن العالم بل هي لحظة اكتمال في التجربة الإنسانية؛ لحظة يتصل فيها المحدود باللامحدود عبر الوجدان الحيّ”[2].

ثالثًا: في طبيعة الخطاب الإلهي

خاطب الله موسى مباشرة:“إني أنا الله رب العالمين”[3].

فكان التعريف الإلهي سابقًا للأمر بالرسالة، أي أن موسى بدأ بمعرفة المصدر ثم بحمل التكليف.

بينما في تجربة محمد ﷺ، جاء الخطاب أولًا بالأمر:“اقرأ”[4] ،

دون أن يُصرَّح له بالمصدر إلا بعد مراحل متدرجة من التثبيت والتعليم، كما في قوله تعالى:“علم الإنسان ما لم يعلم”[5] ،

ثم بعد ذلك:“إنه لقول رسول كريم”[6].

أي أن الوعي بالمصدر جاء نتيجة لتجربة القراءة نفسها، لا مقدمةً عليها.

هنا تكمن الحكمة: موسى بدأ من اليقين إلى الرسالة، ومحمد بدأ من الدهشة إلى اليقين. الأولى تجربة “تعيين”، والثانية تجربة “تكوين”.

يقول عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية: “الوحي في الإسلام ليس حدثًا لغويًا فحسب، بل هو عملية تَخلّق للنبي في مدار الكلمة؛ إن محمداً لم يتلق النص بل تخلّق به حتى صار هو عين بيانه”[7].

رابعًا: البيئة كمنظومة رمزية

كان موسى في بيئةٍ متحضّرةٍ تقيس الإلهي بالسلطة، فجاء الوحي نداءً من النار، رمزًا للرهبة والقوة والجبروت، ليكسر صورة الإله الفرعوني في ذهنه.

أما محمد ﷺ فقد كان في صحراء قاحلة، حيث السكون والفراغ، فجاء الوحي كلمة، لا نارًا؛ لأن المطلوب لم يكن هدم سلطة، بل بناء وعيٍ بالكلمة نفسها. فالنار في تجربة موسى تحرق الزيف، والكلمة في تجربة محمد تخلق المعنى.

خامسًا: من الانفعال إلى التعليم

يظهر من رواية بدء الوحي أن النبي ﷺ عاش حالة انفعالٍ وجودي حادٍّ: “لقد خشيت على نفسي”، فكان الخوف هو مدخل المعرفة.

أما موسى، فعندما ناداه الله، استجاب بارتباكٍ لكنه تلقى التثبيت فورًا بالأمر الإلهي “فاستمع لما يوحى”[8].

الفرق إذن أن موسى تعلّم من الخطاب، ومحمد تعلّم بالقراءة، أي أن القرآن كان فعل تعليمٍ لا تلقينٍ.

كما يقول محمد عابد الجابري: “النبوة في الإسلام هي فعل قراءة في الوجود، لا تلقٍّ ميكانيكي للوحي؛ إذ الوحي لا يُملى، بل يُفهم ويتحوّل إلى وعيٍ عملي”[9].

خاتمة

تجربة موسى هي نداءُ الله إلى الإنسان الخارج من الخوف، وتجربة محمد ﷺ هي نداءُ الله إلى الإنسان الداخل في الوعي. الأولى تأسيسٌ للعلاقة بين الإله والإنسان، والثانية تأسيسٌ للعلاقة بين الكلمة والوعي. ومن هنا يتبيّن أن الاختلاف في طريقة الوحي هو اختلاف في طبيعة المشروع الإلهي نفسه: من التوحيد كقانونٍ وجودي إلى القراءة كقانونٍ معرفي.


[1]  نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990، ص 22

[2] محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار المعارف، القاهرة، 1968، ص 45.

[3] القصص: 30

[4] العلق: 1

[5] العلق: 5

[6] التكوير: 19

[7] عبد الكريم سروش، بسط التجربة النبوية، دار الساقي، بيروت، 2001، ص

[8] طه: 13

[9]  محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 119

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.