الدعوة إلى الاجتهاد في عصر سيادة التقليد «نموذج الأستاذ علال الفاسي»
د. عبد الله الجباري
الدعوة إلى الاجتهاد في عصر سيادة التقليد
«نموذج الأستاذ علال الفاسي»
د. عبد الله الجباري
باحث في العلوم الشرعية
اشتهر علال الفاسي رحمه الله بالعمل السياسي، وكان من زعماء الحركة الوطنية إبان الفترة الاستعمارية، ومن قادة العمل الحزبي والسياسي بعد الاستقلال، وتقلد مناصب متعددة، منها مناصب وزارية، كما كان مبعوثا رسميا للدولة المغربية في قضايا حساسة.
لم يكن الأستاذ علال الفاسي قائدا سياسيا فحسب، بل كان متعدد الأبعاد، متنوع الاهتمامات، فهو العالم المتبحر خريج القرويين، والأستاذ المحاضر في الجامعات المغربية، والأديب المبدع في الشعر، وله إسهامات أدبية نقدية متميزة، وله كتابات متميزة ذات نفَس إصلاحي، بعقلية سلفية تجديدية، دون أن ننسى دراساته الفلسفية الرصينة، وانفتاحه على الثقافة الغربية المعاصرة.
قد لا نبالغ إن زعمنا صعوبة دراسة تراث هذه الشخصية وغيرها من النوابغ متعددي الاهتمامات، لكننا سنعمل على حصر هذه الدراسة في جانب من جوانب شخصية الأستاذ علال الفاسي رحمه الله، مؤطَّرين بأسئلة كبرى رئيسة، أهمها: هل كان علال الفاسي مؤمنا بضرورة الاجتهاد؟ وهل دعا إلى ممارسة الاجتهاد وفتح أبوابه؟ وهل دعا إلى فتح باب الاجتهاد دون ضوابط أو قيود؟ وكيف نظر إلى أهل الاجتهاد وأرباب التقليد؟
إلماعات من سيرة علال الفاسي:
ولد علال الفاسي بفاس سنة 1910م، ينتسب إلى العائلة القرشية الفهرية، لنسبتها إلى بني محارب بن فهر، وكان لهذه الشجرة فروع متعددة بالأندلس، منها العائلة الفاسية التي كانت تسمى آل الجد، وهم الذين نعتهم المقري التلمساني في نفح الطيب بقوله: “بنو الجد الأعيان العلماء”[1]، من أهل لبلة، واستوطنوا إشبيلية، ومن مشاهير أعلامهم: أبو بكر يحيى بن عبد الله بن الجد الفهري (ت:507هـ) المشاور بإشبيلية[2]، وأبو القاسم محمد بن عبد الله بن الجد الفهري (ت:515هـ) مفتي لبلة[3]، وأبو بكر بن الجد (ت:586هـ) حافظ المذهب المالكي في عصره[4]، وغير هؤلاء. وبعد مدة، انتقلت العائلة إلى فاس، ثم تحولوا إلى مدينة القصر الكبير شمال المغرب، فسُمّوا بالفاسي لترددهم ووفودهم عليها من فاس، ومن أعلامهم في المغرب: أبو المحاسن يوسف الفاسي (ت:1013هـ)، وأخوه العارف عبد الرحمن الفاسي (ت:1036هـ) محشي الجلالين، وحفيد أبي المحاسن العلامة المجتهد عبد القادر الفاسي (ت:1091هـ)، والعلامة محمد الفاسي (ت: 1109هـ)، وغيرهم كثير، وكل هؤلاء المذكورين وُلدوا بالقصر الكبير وماتوا ودفنوا بفاس، لهذا نجد في مكتوبات بعض العلماء أو في كتب التراجم عبارات “الجَدِّي”، أو “القصري”، نسبةً إلى آل الجد أو إلى القصر الكبير.
ومما لا يجوز إغفال ذكره من أعلام هذه الأسرة، العلامة أبو حفص عمر الفاسي (ت:1188هـ) صاحب المؤلفات النافعة.
إلى هذا البيت الحسيب الوجيه، ينتسب الأستاذ علال الفاسي، وقد أثنى على هذا البيت وأعلامه غير واحد من العلماء، منهم العلامة محمد البشير الإبراهيمي الجزائري الذي قال عن أحد الفاسيين: “ذو النسب الواضح المرفوع إلى أبي بكر ابن الجدّ الفهري، ذو البيت الرفيع العماد في التاريخ العلمي بالأندلس والمغرب، الذي لا يحصى عدد المتخرّجين في العلوم الإسلامية منه، وناهيك بالإمام أبي المحاسن الفاسي”، وقال في أرجوزة له[5]:
والجَدّ جدّ أسرة شهيرة سيماؤها التعظيم والإجلال
ومن بقايا نسلها علّال ووسمها الأوضاح لا الأغفال
وقريبا من علال الفاسي، نجد والده الشيخ عبد الواحد الفاسي من علماء القرويين، اشتغل بالقضاء مدة، كانت له مواقف سياسية، منها أنه كان عزيزيا، وبقي وفيا للسلطان عبد العزيز يدعو له في خطبة الجمعة إلى أن بويع أخوه عبد الحفيظ سلطانا، وكان يدعو ضد فرنسا، وبسبب ذلك عزل عن منصبه[6]، ومن مبادراته السياسية أنه كان كاتب الوفد الذي توجه صيف 1930م من فاس إلى الرباط لتقديم عريضة المطالب إلى الملك محمد الخامس، ومن الناحية العلمية، كان خطيب المسجد السلطاني بفاس، وكان مفتيا شهيرا بها[7]، وتوفي سنة 1361هـ وابنه آنئذ منفي في الغابون[8].
وإضافة إلى والده، نجد عميه الشيخ عبد الله الفاسي (ت:1348هـ)، وهو من الجامعين بين العملين السياسي والعلمي، تولى القضاء بمقصورة الرصيف، وعين سفيرا بفرنسا زمن السلطان عبد الحفيظ[9]، والشيخ محمد السعيد الفاسي (ت:1391هـ)، ترجمه ابن سودة بقوله: “الفقيه العالم المشارك الخطيب المطلع المستحضر المذاكر، كان خطيبا بالمسجد المحمدي بالدار البيضاء”[10].
نهل علال الفاسي من أبيه وعمه عبد الله، واستفاد من مكتبتيهما[11]، ولعل هاتين المكتبتين كانتا حافلتين بمصنفات وحواشي ومراسلات أجدادهم الفاسيين، وإفادة علال الفاسي منهما جعلته يتميز عن أقرانه بإشارات ونقول لا نلفيها عندهم، كنقوله من فتاوى الشيخ عبد القادر الفاسي، وأقوال أبي المحاسن الفاسي، والعارف الفاسي محشي الجلالين، وغيرهم، إضافة إلى مدّ القارئ بمعلومات نادرة تلقاها عن عائلته، مثل إشارته الدالة على مركزية زاوية سيدي عبد القادر الفاسي ومكانتها في الحياة السياسية المغربية، لدرجة أنها كانت المحل الخاص بقراءة الرسائل الملكية[12]، وفي أرجائها أعلن أهل فاس خلع السلطان عبد العزيز واستقلالهم عنه[13].
لم يكن لعلال ابنِ هذه العائلة أن يندّ عن نظرائه في طلب العلم، فانتسب إلى القرويين واجتهد ونبغ، وكان مقربا من الشيوخ، وكان هو السارد على شيخه أبي العباس أحمد البلغيثي في دروس أحكام القرآن لابن العربي المعافري[14].
نال عالمية القرويين سنة 1930، وقبل ذلك شارك في التدريس، ونظم الشعر في حداثة سنه، ومما يدل على ذلك قوله في قصيدة:
أبعد مرور الخمس عشرة ألعب وألهو بلذات الحياة وأطرب.
جمع بين العلم الشرعي تدريسا وتأليفا ومحاضرة، وبين العمل السياسي والحزبي، وعُيّن وزيرا بعد الاستقلال، أما قبله، فعرضت عليه السلطات الاستعمارية منصب وزير العدل واعتذر بعلة أنه لا يقبل وظيفة لن تكون سوى أداة تنفيذية ليس لها من الأمر شيء[15].
ألقى محاضرات متعددة في المغرب وخارجه، وشارك في نداوت كثيرة، منها في الأزهر بمصر[16] والهند[17] ومكة المكرمة[18] وتيزي أوزو بالجزائر[19]، وزار تركيا[20] والأردن[21] والقدس الشريف[22] والكويت[23] ودمشق وبيروت[24] وغيرها من المدن والأقطار، دون أن ننسى رحلاته الإجبارية إلى الغابون والكونغو[25] وإسبانيا[26]، أو الاختيارية إلى فرنسا وسويسرا وغيرهما، وهي الجولات التي غالبا ما يكون لها الأثر البالغ في صقل تجارب الإنسان وبناء ثقافته، خصوصا إن كان من أمثال علال الفاسي الذي يطلع على ثقافات هذه البلاد ويستفيد من محادثاته مع نخبها علماء وسياسيين ومسؤولين.
ونظرا لجمعه بين مجالات العلم والسياسة وقيادته للحركة الوطنية، كان مقربا من السلطان محمد الخامس ومحل ثقته، وكان الملك الحسن الثاني يمنحه الأولوية في المشاركة في الدروس الرمضانية السلطانية[27]، ويستفتيه في النوازل[28]، كما أن قرب الفاسي من دوائر القرار جعلتنا نطلع بين ثنايا كتاباته على معلومات عزيزة المنال، نادرة التداول، كغرفة البخاري الموجودة في القصر الملكي بالرباط[29]، وغيرها من الإفادات والمعلومات.
لم تكن الطرق معبدة أمام علال الفاسي، بل كانت تعترضه عقبات كأداء، سواء من قبل دولتي الاحتلال (إسبانيا – فرنسا)، أو الصعوبات الأخرى التي تعترض المقاومين الوطنيين عادةً، لكن علال الفاسي لم يتراجع ولم يتوان، بل واصل عمله وجهوده، رغم أن “بلادنا خذلها الأوفياء، وخانها الأقربون”[30] كما خبَرَ ذلك ورآه.
استمر في جهوده الفكرية والإصلاحية والسياسية رغم هذه المثبطات والصعوبات، إلى أن وافاه الأجل المحتوم وهو في مهمة رسمية ببوخارست عاصمة رومانيا سنة 1974م، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه.
الاجتهاد في فكر علال الفاسي.
عاش علال الفاسي في عصر وصل فيه الفقه إلى أدنى دركات الانحطاط، وشاع التقليد وانغرس في أذهان الفقهاء، وصار يجري منهم مجرى الدم، وكانت فتاواهم لا تُحرَّر إلا بالإكثار من سرد أقوال المتقدمين، مع ندرة أو انعدام الاستدلال بالقرآن أو الحديث أو القواعد، وقد سطر هذا الانحدار ووثقه الأستاذ علال الفاسي في كتاباته، فقال رحمه الله: “مضى على العالم الإسلامي ردح استسلم فيه إلى الخمود، وآمن بضرورة الجمود، فأعرض عن النظر في الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها، وأحل أقوال الأئمة والفقهاء مقام الكتاب والسنة، حتى أصبح من ينظر فيها محكوما عليه بالفسق، ومن يتجرأ على الاستدلال بها منظورا إليه النظر الشزر”[31]، وأشار إشارة عابرة إلى أن “الجمود كان يمنع العلماء من تدريس التفسير، وقراءة الحديث”[32]، وهذا ليس من باب إرسال الكلام وإطلاقه من قبل الأستاذ علال الفاسي، بل بناء على الواقع الذي خبره وعرفه من كثب، لأن العلماء في عصره ومن قبله كانوا يتطيرون من دراسة القرآن والحديث، ويربطون بين ذلك وبين موت السلطان[33]، لذا كان الإعراض عن هذين المصدرين مقصودا، ولم يكن إعراضا عرضيا فحسب.
وإذا وقع الإعراض عن نصوص الشارع بهذه الطريقة، فإنه لا محالة سيحل محلها في القدسية نصوص الفقهاء، لذا كان العلماء يتعاملون مع نصوص الأئمة وأقوالهم كما يتعاملون مع نصوص الشرع، فيبحثون فيها عن المتقدم والمتأخر لمعرفة الناسخ والمنسوخ، ويحملون خاصها على العام، وغير ذلك، وهو ما أشار إليه علال الفاسي بقوله عن المقلد: “يطبق آراء الفقه الذي يتبعه، والإمام الذي يقلده، ويجعل نصوص مذهبه بمثابة نصوص الشارع”[34].
ونظرا لهذه المكانة والقدسية لنصوص الفقهاء، فإن الإعراض عنها بسبب الاجتهاد قد يُعَرّض صاحبه إلى مخاطر لا تخطر على بال، قد تصل إلى القول بمروقه وزندقته، وهذا ليس مبالغة منا، بل حكاه علال الفاسي بقوله الصريح وبيانه الفصيح: “من يدعي الاجتهاد ولو في جزئية ما، فهو المارق من الدين، السالك سبيل غير المؤمنين”[35].
في هذا السياق، وفي هذه البيئة، كان بإمكان علال الفاسي أن يركن إلى التقليد، ويهنأ بالعيش الرغيد، وأن يتمسك من الأقوال بالقديم، وألا يميل إلى الاجتهاد والتجديد، لكن طبيعة شخصيته تأبى عليه سلوك هذا المهيع، لأن انقباع الإنسان داخل أقوال مذهب بعينه بالطريقة التي كان عليها غالب فقهاء المغرب، هي بمثابة أَسرٍ واعتقال، والفاسي مهووس بالحرية مُنَظّر لها، مُكثر من الكتابة فيها، تواق إليها، فكيف لشخصيته أن تجمع بين التحرر المنشود وهذا الأسر أو الاعتقال الاختياري؟
بناء على هذا، كان لا بد للفاسي أن ينقض مقولات القوم التي تكرر على الأذهان ضرورة التقليد وعُسر الاجتهاد وإقفال أبوابه، مع وضع إشارات هي بمثابة صوى منهجية تهدي سالكي طريق الاجتهاد إلى المسلك الصويب والمحج الصحيح.
مفهوم الاجتهاد:
ذكر العلامة علال الفاسي مفهوم الاجتهاد في سياقين اثنين، سياق أصلي، حيث ركز على إيراد المفهوم بالطريقة المدرسية صدْر مبحث الاجتهاد من كتاب مقاصد الشريعة، وسياق عرَضي، وذلك في مواضع من كتبه.
بالنسبة للسياق الأول، أورد المفهوم المتداول عند علماء الأصول وأحال عليهم، وهو “استفراغ الوسع في طلب العلم بأحكام الشريعة”[36].
أما بالنسبة للسياق الثاني، فيهمنا أكثر، لأنه وإن كان عبارات عابرة منثرة بين ثنايا كلامه هنا وهناك، إلا أنه يعكس عمق نظرته إلى الموضوع، وإضافة بعض التدقيقات التي نفتقدها في التعريف المدرسي السابق.
بتتبع كتابات الأستاذ علال الفاسي، نجد تعريفات الاجتهاد كالآتي:
** الاجتهاد هو بذل الجهد في استنباط الأحكام، في دائرة الأصول العامة الشرعية، والأخلاقية الإسلامية[37].
** الاجتهاد هو الطريق الذي يتمكن به أهله من تطبيق الكليات القرآنية على جزئيات الأحكام المستجدة[38].
** الاجتهاد هو تطبيق القواعد الشرعية على جزئيات الأحداث التي لا تنتهي[39].
بهذه العبارات، نحس بأن الفاسي ينفلت من الصرامة المعهودة في صياغة الحدود ويتحرر من قيودها، ويعبّر بعفوية عن المفهوم العام للاجتهاد، وعباراتُه وإن كانت عرَضية وعابرة، فإنها تحمل إضافات وتنبيهات مهمة، منها أن المفهوم المتداول يقتصر على بذل الوسع أولا، ونيل الحكم ثانيا، وأحيانا يضاف إليهما المصدر الذي يُنال منه الحكم، وهو الأدلة التفصيلية، لكن تعريفات علال الفاسي المشار إليها، تضيف معطى بالغ الأهمية، وهو ضرورة تأطير الأحكام المستنبطة بما أسماه “الأخلاقية الإسلامية”، لأن الفقيه قد يستنبط أحيانا أحكاما فقهية غير أخلاقية، وهذا ما لا يستسيغه علال الفاسي الذي ركز في مكتوباته على الأخلاق، لدرجة أنه يختصر المسألة بقوله: “أحكام الشريعة هي أخلاق الإسلام”[40]، وأن “الأخلاق جزء من الإيمان”[41]، ولم يخلص إلى هذه الاستنتاجات المفيدة إلا بعد الإشارة إلى أن الإسلام “لا يقف عند وضع الأصول المباحة والمحرمة فحسب، بل يعتمد على روح الإنسانية، فيدعو إلى اعتبار مكارم الأخلاق في المعاملة؛ إلى العدل والإحسان، وإلى عدم اعتبار القانون هو كل شيء؛ بل إلى اعتبار الشريعة الخلقية التي هي المصدر الأول للقوانين”[42].
هذا بالنسبة للتعريف الأول، أما التعريفان الثاني والثالث، فلهما مدلول واحد، وهو صناعة الربط بين الكليات والجزئيات، تلك الكليات سماها “الكليات القرآنية”، وأطلق عليها “القواعد الشرعية”، ولا تعارض- في العمق – بين العبارتين.
إغلاق وفتح باب الاجتهاد:
غانٍ عن البيان، أن جمهور الفقهاء أغلقوا باب الاجتهاد منذ قرون، وهذا من الأخطاء الحضارية التي أوقعت الأمة في مناقضات مع الفطرة الإنسانية أولا، ومع أصول الشريعة ثانيا، والخطير في الأمر أن هذا الإغلاق كان محكما، لدرجة أن بعض من وصل إلى درجة الاجتهاد لم يستطع ممارسته، خوفا من الرأي العام الذي يتمسك بالمألوف، أو خوفا من فَقْد المناصب التي لا تعطى إلا لمقلدي المذاهب، وأحيانا، كان الإغلاق بسبب ما يتوهمه المسلمون “أنه لم يبق لديهم من يستحق الاجتهاد أو بلغ درجته”[43]، وذلك لتعسير شروط الاجتهاد وتعقيدها.
استكان غالب الفقهاء لمثل هذه المقولات، وأسهموا في نشرها والدفاع عنها والتنظير لها، حتى قال المهدي الوزاني أقوالا مغرقة في ذلك، منها ما صاغه كالقاعدة: “القول إذا جرى به العملُ بمحلٍّ صار لازما لأهله كلهم، وإذا جرى به العمل في المغرب كله، فلا سبيل لواحد منهم إلى الخروج عنه بحال، ويُحكَم عليه به، ولو أبى منه فإنه يُجبَر عليه به”[44]، وقال أيضا: “الذي يجب الجزم به أنه لا يجوز اليوم في المغرب تقليد واحد من الأئمة الثلاثة كالصحابة، لعدم معرفة مذاهبهم هنا، وقلة الاطلاع عليها، وعدم وجود من يعرف شيئا منها، بل علماء المغرب اليوم قاطبة ليس فيهم واحد يعرف تلك المذاهب، وإنما هم قاصرون على مذهب مالك، فتقليد غيره في المغرب باطل لا يصح”[45]، ومعلوم ان كلام المفتي المهدي الوزاني كان عند علماء المغرب كالدستور المعمول به، لكن علال الفاسي لم يسايرهم في هذا المسلك، ورفض كل المسوغات التي تدعو إلى هذه الدعوى، وقال بوضوح: “لسنا من الذين يقولون بإغلاق باب الاجتهاد، بل باب الاجتهاد مفتوح للقادرين عليه بشروطه المعروفة عند علماء الأصول”[46].
مفاسد التقليد ومقاصد الاجتهاد:
لما كان علال الفاسي ذا عقلية مقاصدية، فإنه لن يغفل عن إيراد مآلات التقليد للتنفير منه، ومقاصد الاجتهاد وما يترتب عليه من المصالح للحض عليه.
أما التقليد، فذكر له مفسدتين اثنتين:
الأولى: الجمود والتقليد والقضاء على مبدأ الاجتهاد “أوقف نمو الفقه الإسلامي”[47]، وهذه مفسدة تنعكس على واقع المجتمع الذي لم يكن مؤطَّرا إلا بالفقه، ولا يقوده إلا الفقهاء.
الثانية: وهي أخطر من سابقتها، ومفادها أن التقليد والجمود سبب لنشر الإلحاد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والمسؤولية في ذلك ترجع “إلى جمود بعض العلماء، وعدم القيام بواجبهم”، ومنه الاجتهاد. وهذا ما يؤدي إلى تقهقر بيّن في الدراسات الإسلامية، والإعراض عن الناصحين المجددين، وهو ما يثمر هوّة سحيقة بين الدراسات العربية والدينية، والفكر الجديد الذي تقدمه معاهد الغرب، “وإذا استمر الحال على ما هو عليه، ولم تقم المعاهد الأصيلة بواجبها نحو العربية، فإنه لا يمر زمن قليل، حتى يعمّ الإلحاد المدن والقرى، ويصبح الكل مقلدا للغرب في انزلاقة نحو لادينية هدامة”[48].
أما الاجتهاد، فله مقاصد وغايات، أهمها:
أولا: من المعروف أن الشريعة الإسلامية مرنة قابلة لاستيعاب الجزئيات المستجدة، وأنها صالحة ومُصلحة لكل زمان ومكان. وغني عن البيان أن التقليد والانكفاء على أقوال المتقدمين لا يفيد هذا ولا يؤدي إليه، لذا كان لا مناص من الاجتهاد، لأن اجتهاد المجتهدين هو الذي يثمر الاختلاف في جزئيات الدين، وهذا “الاختلاف الناشئ عن الاجتهاد في المسائل، دليل على حيوية الملة وقبولها للتطور، وصلاحية الشريعة لكل الأزمنة والأمكنة”[49].
ثانيا: إذا اكتفينا بالتقليد المحض، فلن يكون بين أيدينا إلا فقه المتقدمين وأقوالهم ونوازلهم وقضاياهم، وكثير من المقلدين المعاصرين حين يتحدثون في الفقه، لا يقوون حتى على إبداع الأمثلة من واقعهم، بل يرددون أمثلة الأقدمين، وكأنك تستمع أو تقرأ لأحد فقهاء القرن العاشر، وهذا السلوك لا يعطي للفقه حيوية وتقدما وموقعا مهما في الحياة العملية، بخلاف الاجتهاد، وهذا ما أشار إليه علال الفاسي بقوله: “يمكننا أن نؤكد أن حل باب الاجتهاد الإسلامي – بناء على أسس الفكر القانوني الإسلامي – هو الطريق الصحيح لإعادة الفقه الإسلامي لمجده ورفعته، واحتلاله مكان الحياة العملية في البلاد الإسلامية”[50].
ثالثا: هذه المكانة التي نطمح أن يحتلها الفقه الإسلامي في الحياة العملية، لا يمكن أن تتحقق إلا إن نجحنا في إحلاله مكان القانون المعمول به، وهذا الإحلال لا يمكن أن يتحقق إلا بممارسة الاجتهاد، لذلك كان حرص علال الفاسي على مغربة القانون لا يقلّ عن حرصه على الدعوة إلى الاجتهاد، فربط بين الأمرين في أكثر من مناسبة، منها قوله: “الغاية عندنا ليس هي أن يحكم المغربي مكان الأجنبي، ولكن الغاية هي أن يستعمل المغربي قانونا غير القانون الذي كان يستعمله الأجنبي. الغاية عندنا هي إعادة النظر في القوانين النافذة في المغرب في مختلف المحاكم الموجودة، وتوحيدها في قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية، أو هي الشريعة الإسلامية مدونة تدوينا عصريا، مع الاجتهاد الضروري لسد حاجة العصر”[51].
رابعا: يعد علال الفاسي من أبرز العلماء المعاصرين الذين انتبهوا إلى موضوع الحرية، واجتهد في المطالبة به، والتنظير له، ويمكن اعتبار “الحرية” من المفاهيم المركزية في المتن العلالي، لذا نجدها حاضرة بقوة في جل المواضيع التي تطرق إليها، ومنها موضوع الاجتهاد، حيث جعل تحقيق الحرية مقصدا من مقاصد الاجتهاد، وهو يدل على أن التقليد مقيد للحرية ومكبل لإرادة الإنسان ولعقله، فقال: “ومن نتائج وجوب الاجتهاد في الشريعة، إعطاء الإسلام الحرية التامة للمسلمين ليدلوا بآرائهم، ويعبروا عن ما اهتدوا إليه من استنباط للأحكام، أو فهم لمصادرها، أو انتقاد على رجالها، وقد نهى القرآن على قوم امتنعوا عن التفكير واستعمال رأيهم في اكتشاف كنه الدين، وحقيقة ما يخاطبون به من الوحي، وكانوا إذا قيل لهم آمنوا أو فكروا، قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا”[52].
وجوب الاجتهاد:
إذا كان تحقيق مبدأ صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وإعادة المجد إلى الفقه الإسلامي، وسد حاجيات العصر بإناطة الأحكام الشرعية للحوادث المستجدة، مقاصد أساسية لا غنى عنها، وهي من الواجبات التي لا بد للأمة من تحقيقها، فإن الوسائل الموصلة إليها والمحقِّقَة لها لا تقل أهمية عنها، وأهم وسيلة لتحقيق تلك المقاصد هي سلوك طريق الاجتهاد وفتح أبوابه للقادرين عليه كما بيّناه مما اقتبسناه من أقوال الأستاذ علال الفاسي.
وإذا كانت للوسائل أحكام المقاصد، فإن علال الفاسي لن يحيد عن القول بوجوب الاجتهاد، ووجوب وجود المجتهدين، فقال: “يجب أن يكون في الأمة الإسلامية مجتهدون للقيام بهذه المهمة الدينية العظيمة”[53]، واستدل لذلك بأدلة، منها قوله تعالى: “فاعتبروا يا أولي الأبصار”، ومنها السنة الفعلية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمارس الاجتهاد، ومنها عمل الصحابة، كقول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري في رسالته الشهيرة: “الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك”[54].
وتناول المسألة بدقة أكثر في كتاب مقاصد الشريعة، حيث أسس لوجوب الاجتهاد وبناه على مقدمات مسلّمة لا يمكن نقضها أو القول بخلافها، فقال في نص مطول: “بما أن الشريعة الإسلامية عامة تشمل كل الشعوب والقبائل، وأبدية لكل العصور والأجيال، وبما أن أفعال البشر في كل الأزمنة والأمكنة متنوعة إلى ما لا نهاية لها، فإن الشريعة لم تنزل على شكل واحد من التفصيل، ولكن أرشد الشارع إلى كثير من مسائلها عن طريق كليات محكمة وأصول راسخة ومقاصد دائمة، تدل عليها دلائل خاصة وقرائن بينة وأمارات معقولة، ولا يستطيع إدراك تلك الأدلة والأمارات واستنباط الأحكام منها إلا الذين أوتوا العلم، ونالوا نصيبا ممتازا من الإدراك والفهم، وهم المجتهدون. ومن هنا يعلم ضرورة وجود المجتهدين الذين يقوون على استنباط الأحكام غير المعلومة من الأصول والأمارات المعلومة، وضرورة استمرار ذلك الوجود في كل الأزمنة والبقاع”[55].
لعل علال الفاسي كان يستشعر رد فعل خصوم الاجتهاد، لذلك أطال النفس في البناء المنطقي للقول بالوجوب، ولم يكتف بذلك، فبادر بعقليته المقاصدية إلى تحصين ما ذهب إليه، وذلك بإظهار مفاسد عدم الاجتهاد والضرر الناتج عن التقليد، فقال تكملةً للفقرة السابقة: “ويعلم كذلك الضرر الذي يحدثه انقطاع الاجتهاد، أو العجز عنه، بجمود الفكر أو ضعف العلم”، وهما مفسدتان لا مناص من درئهما، وهو درء لا يتحقق إلا بالقول بوجوب الاجتهاد وضرورته.
ووجوب الاجتهاد نوعان[56]:
أ – وجوب عيني:
يكون الاجتهاد واجبا عينيا “على كل إنسان تعرض له حادثة، ويخاف فوتها”، وهو ما أسماه “الاجتهاد المتعلق بتطبيق الأحكام الشرعية على وقائعها”، وأورد له مثالين، أولهما: الاجتهاد في تعيين العدل الذي ينطبق عليه معنى العدالة في قوله تعالى: “وأشهدوا ذوي عدل منكم”، ثانيهما: التحقق من ابن السبيل ليعطى حصته في الزكاة[57].
ب – وجوب كفائي:
وهذا الوجوب هو المرتبط بالاجتهاد الشرعي موضوع نقاشنا، وهو وجوب على الجماعة وليس وجوبا على كل أفرادها، قال علال الفاسي: “الأوضح هو أن يقال: إن وجود نسبة من العلماء الأكفاء للاضطلاع بمهمة الاجتهاد في الأمة واجب وجوبا كفائيا، وأن الأمة تأثم إذا انقطع عنها الاجتهاد ورضيت بالتقليد والجمود”[58].
دواعي الاجتهاد:
لعل التمسك بالتقليد، ورفض الاجتهاد والتجديد لم يكن حكرا على مجايلي الفاسي ومن قبلهم، بل امتد حتى وقتنا الحالي، حيث نجد كتابات فقهاء ودكاترة معاصرين مؤيدة للتقليد رافضة للاجتهاد، مشنعة على المجتهدين، ولما كان علال الفاسي يدعو إلى الاجتهاد، كان يستحضر هذه المقاومة الشديدة، لذلك تناوله من زوايا متعددة، وكأنه يقدم دفوعات ومرافعات في وجه مناهضي الاجتهاد.
ومما يتمسك به دعاة التقليد أن المجتهد لن يضيف شيئا ذا بال، ولا يمكنه أن يأتي بجديد، وأنه ليس بالإمكان أفضل أو أحسن مما كان، لذا كان حفظ المتون المختصرة وفك عباراتها وإيراد أقوال شراحها ومحشيها أولى وأفضل، وأن الاعتكاف عليها وضبط فروعها وجزئياتها هو الفقه، ومن لا يضبط تلك الفروع وما عليها من تقريرات فليس بفقيه.
لتفنيد هذه الدعوى، بيّن علال الفاسي أن الفقه ليس عقيما يفرض على أهله الاقتصار على تراث الأقدمين دون إضافة تذكر، بل الفقه يقبل الجديد ويستوعبه، ارتباطا بالأصول والأسس الشرعية دون أدنى انفصال عنها، لأن الاجتهاد يرجع “إلى استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية:
- إما بفهم جديد لآية من كتاب الله، أو لحديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛
- أو انتباه لعلة يرجع إليها مناط الحكم؛
- أو استعمال لمقتضى مقصد من مقاصد الشريعة”[59].
وما دامت هذه الدواعي قائمة، فلا يمكن أن نرفض الاجتهاد، بل الأولى أن نشجعه وندعو إليه.
التشجيع على الاجتهاد:
جرت العادة أن يواجَه من يأتي بقول جديد في الفقه أو غيره من العلوم الشرعية مِن قبل خصومه، ويوصم بالشذوذ أو البدعة، وهذا وصف ينَفّر الناس من ذلك العالم أولا، ويثبط عزيمته عن المضي في طريق الاجتهاد ثانيا، وهذا ما تنبه إليه علال الفاسي، فأشار إلى سلامة القول الجديد؛ إن سلك صاحبه المسالك العلمية الصحيحة؛ من البدعة ولو كان مخطئا، لأن الاجتهاد – كما هو مقرر- لا يشترط فيه الخلوص إلى الصواب دائما، بل إن المخطئ في اجتهاده مأجور كما ورد في النص، قال رحمه الله: “ولا تشمل البدعة فتاوى العلماء المجتهدين ولو ابتكروا قولا لم يسبقهم غيرهم إليه إذا كان له مستند شرعي، ولو كان رأيهم مرجوحا أو مخالفا لما مضى عليه جمهور العلماء، فالاجتهاد مطلوب، وأثره هو استنباط الأحكام وقبول أقوال الأئمة أو معارضتها”[60].
وهذا الرأي قريب جدا من رأي العلامة محمد بخيت المطيعي المصري (ت:1354-1935) الذي قال: “ولو كان كل ما يؤخذ بطريق القياس الصحيح من الأحكام بدعةً مذمومة شرعا، لكان ثلاثة أرباع الأحكام الشرعية فيما حدث بعد زمنه صلى الله عليه وسلم من الحوادث من البدع المذمومة”[61].
الإشادة بدعاة الاجتهاد ونقد شيوخ الجمود:
من لوازم التشجيع على الاجتهاد والحض عليه، الثناء على دعاة الاجتهاد والإشادة بجهودهم، وهذا ما طرز به علال الفاسي مصنفاته في مواضع متعددة، فتراه يذكر بإعجاب وإكبار كُلًّا من “مالك بن أنس وابن حنبل وابن تيمية وابن القيم والأشعري والباقلاني والطرطوشي وابن العربي والشاطبي وابن الحاج وابن حزم والغزالي وغيرهم من زعماء السلفية والأثرية والنظر في العصر الحديث”[62]، وهذه قامات علمية مختلفة المشارب، متباينة التوجهات والمسالك، لكن الجامع بينها الذي أثار إعجاب الفاسي هو الرجوع إلى “الكتاب والسنة، والدفاع عنهما وعن ما يأمران به”، وهو ما يؤدي بهم إلى “العمل على تجديد الإسلام في دائرة أصوله، وبمصباح العقل ونوره”[63].
وقد حظي الشيخ محمد عبده ومدرسته خصوصا بتنويه خاص من الفاسي، وأثنى عليه مرات متعددة، قال في إحداها: “وهذا ما يؤدي بنا طبعا إلى دعوته للاجتهاد في الشريعة، كما دعا للجهاد في العقيدة، فقد صرخ صرخات متوالية ضد أولئك العلماء الجامدين الذين كانوا يدافعون عن فكرة التقليد، ويؤمنون بإقفال باب الاجتهاد”، ثم بيّن بعد ذلك ما يدل على أن محمدا عبده لم يكن زنيما لا أصل له، بل كان مسبوقا بغيره ممن سلك سبيل الاجتهاد، كما أنه ليس أبترا لا عقب له، بل ترك أعلاما متأثرين بفكره ونهجه، فقال: “و[محمد]عبده لم يسلك في هذا الباب غير ما سلكه المصلحون السلفيون من قبله، منذ عهد المصلح الأكبر شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ردد الشيخ رشيد رضا أفكار [محمد] عبده في هذا الموضوع في محاورته بين المجتهد والمقلد”[64].
ولم يقف عند حد الإشادة بالمدرسة العبدية التي رفعت راية الاجتهاد ونبذت التقليد، بل تعدى ذلك ليوضح الآثار السلبية لعدم التفاعل مع دعوات دعاة الاجتهاد، وأن “عدم استماع العلماء لنصح الناصحين من أمثال عبده وجمال الدين ومحمد إقبال وغيرهم من المفكرين العصريين، كاد أن يحدث هوة سحيقة بين الدراسات العربية والدينية المحافظة على أساليبها العتيقة ومراكزها غير المجددة وبين الفكر الجديد الذي يتلقفه أبناء المسلمين في معاهد الغرب الكبرى مباشرة، أو بواسطة المعاهد العربية الجديدة، التي أقصى شرفها أن تردد دروس العلماء الغربيين في غير نقد ولا ملاحظة”، وهذا ما سيؤدي – حسب الفاسي – إلى انتشار الإلحاد في المجتمع[65].
هذه الإشادة بمدرسة محمد عبده كانت إشادة ذكية وحصيفة، لأن علال الفاسي لم يتماهَ مع المدرسة العبدية تماهيا مطلقا، بل كانت إشادته بها تبنيا لمنهجها، وليس تبنيا لآحاد أقوالها وأفكارها، فقال عن رائدها: “إذا كان التوفيق قد خانه أحيانا، فإن ذلك لا ينقص من قيمة الجهد الذي بذله”[66]، لذا انتقده وانتقد رشيد رضا ومحمد مصطفى المراغي وأبا زهرة وغيرهم في مواضع ومواضيع متعددة.
واللافت في كتابات علال الفاسي، أن علماء القرويين وغيرهم من معاصريه ومن هم في طبقة شيوخه[67] لم يحظوا بأي إشادة منه، بل نعى على أغلبهم دون أن يسميهم، فتحدث عن تخرجه العلمي، وبداياته العلمية، وأوائل عهده وثلة من أصحابه بالحركة الوطنية، ووصفهم بأنهم وقفوا “موقف المقاومة للمشايخ والمرابطين الذين أعادوا في المغرب وغيره من العالم الإسلامي عهد الجمود والجحود”[68].
هذا الجمود انتبه إليه علال الفاسي في بداياته العلمية والحركية، لكن الواقع سيُظهر له جمودا آخر، خصوصا في معركة سن القوانين الجنائية والمدنية بهدف محاربة المحاكم الشرعية إبان الفترة الاستعمارية، حيث لم يُحمّل الأجانب وحدهم المسؤولية، بل أناطها بذمتين اثنتين، وصف كلتيهما بالجمود، فقال: “من الحق أن نعترف بأن الجمود وحده هو الذي ترك القضية تتكيف على هذا الشكل، وإذا قلت الجمود، فإني أعني به جمود كل من فقهاء الإسلام المعاصرين، وجمود رجال القانون الأجانب الذين أبوا إلا تركيز فكرهم ضد الشريعة التي لم يضعوها هم أو لم يدرسوها”، ثم بيّن تفهمه لجمود الأجانب لاعتبارات سياسية وديبلوماسية، لكنه لم يستسغ جمود رجال الفقه الإسلامي الذين لم تكن لهم “من المرونة ما يسهل عليهم مجابهة الحقائق العصرية بكل أشكالها”[69].
مجالات الاجتهاد:
لا ننكر أن الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد واكبها تطرُّفان اثنان، تطرفٌ رافض متمسك بالإغلاق المحكم لباب الاجتهاد، وتطرف متساهل داعٍ إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه.
لم تقتصر مواجهة علال الفاسي على من يسميهم “الشيوخ الجامدين”، بل تعدتها إلى مواجهة أهل التسيب والفوضى في الاجتهاد، فبيّن أولا أنه وإن كان من دعاة الاجتهاد، إلا أن للاجتهاد مجاله الذي لا ينبغي تعديه، وهو الظنيات دون القطعيات، لأنه “لا يقع فيما له دليل قطعي، أو اتفقت عليه الأمة حتى أصبح معلوما من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والزكاة ونحوهما، وأما فيما لا دليل قطعيا عليه، فيجوز فيه الاجتهاد دائما”[70].
وبما أن الاجتهاد في الظنيات جائز دائما، فإنه يواجِه أصحاب التوسع في الاجتهاد بأنه ممنوع دائما في القطعيات، لأن “الأحكام التي نص عليها القرآن، أو استمدها منه إجماع المسلمين، لا يمكن أن يقع فيها تطور أو تطوير، ولن تحتاج لذلك لأنها ستظل صالحة لكل زمان ومكان”[71].
وهكذا يضع علال الفاسي سياجا أمام الثوابت والقطعيات حتى لا يقتحم حماها من يستسهل الصعاب، ويقتحم العقبة الكؤود دون زاد، فميّز بين الاجتهاد والهوى، فدعا إلى الأول وحض عليه، وشنع على الثاني وانتقد أهله، لذا، لا يعتبر الاجتهاد اجتهادا شرعيا سائغا عند الفاسي “إلا إذا صدر من أهله الذين يضطلعون بمعرفة ما يفتقر إليه الاجتهاد، وأما إذا صدر عمن ليس بعارف عما يفتقر الاجتهاد إليه، فلن يُعتمد ويُعمل بالأحكام التي تُستنبط منه، لأنه يعدّ من قبيل التشهي والأغراض وخبط في عماية واتباع للهوى”، واستحضارا للسياق الزماني، لم يهوّن الفاسي من التفرقة بين الاجتهاد السائغ والهوى المنبوذ، بل عدّ ذلك “ضروري الاعتبار، خاصة في هذا العصر الذي ظهر به دجالون ممن يحرفون الكلم عن مواضعه”.
ومن أمثلة تحريف الكلم عن مواضعه، ذكر الفاسي نماذج من الاجتهادات السائبة، مثل[72]:
** الدعوة إلى إسقاط الصيام على الأغنياء، وإبقائه خاصا بالفقراء، بدعوى الاستنباط من قوله تعالى: “وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين”.
** الدعوة إلى إسقاط الصيام “بدعوى أن الصوم يضعف الإنتاج، ونحن في جهاد ضد التخلف، قياسا على ما أذن فيه صلى الله عليه وسلم من الإفطار زمن الغزو.
** جواز تعدد الزوجات للأغنياء الذين ثبتت قدرتهم على النفقة على النساء الكثيرات، ومنع ذلك على الفقراء.
هذه المواجهة مع أدعياء الاجتهاد، لم تُنسِ الفاسي مواجهة ثالثة، وهي مواجهته مع ما يمكن تسميته بـ”الاجتهاد الفقهي في خدمة الاستعمار”، وقد أطال النفَس في مناقشة الفقهاء التونسيين الذين وافقوا الفرنسيين أعضاء لجنة تورنس في مسألة رفض مبدأ الغبن، وذلك أثناء صياغة القانون التونسي، مع أن الهدف من هذا القانون هو تمكين المستعمرين من اغتصاب الأراضي من الأهالي حين يُكرهون على بيعها لهم، وكان رأي الفقهاء التونسيين مؤسسا “على بعض الأقوال المالكية غير المعمول بها”، ولم يجتهدوا في رفض القول المعمول به وترجيح القول غير المعمول به في المذهب إلا “خدمة لمصلحة الاستعمار، وما سموه من بعد بالضرورة الاقتصادية للمغرب”[73].
منهج الصناعة الاجتهادية:
اعترضت الدعوة إلى الاجتهاد التي تبناها علال الفاسي رحمه الله، عدة تساؤلات وإشكالات، كان لا بد من توضيحها وتدقيق تفاصيلها، من قبيل: كيف نتعامل مع التراث الفقهي؟ وهل سنتبنى منهج القطيعة المطلقة معه بهدف البحث عن الجديد في كل مجال؟ وكيف نتعامل مع المذاهب الفقهية السنية وغيرها؟ إلخ.
تنبه الأستاذ الفاسي إلى هذه الإشكالات، وقدم إجابات دقيقة عنها، تعتبر صوى منهجية يهتدي بها كل من سلك سبيل الاجتهاد.
فبالنسبة للتراث الفقهي الضخم، أوضح الفاسي أن التعامل معه يتجلى في سلوكين اثنين[74]:
سلوك سلبي: وهو التمسك بتقليد التراث المذهبي دون سواه، مع إغلاق باب الاجتهاد، وهذا ما يؤدي بالعقل الإسلامي إلى الوقوع في أَسْر القديم، وهو ما ذيّل به كلامه عن الدعوة إلى الاجتهاد بقوله: “حتى لا يقع الجمود الذي ينشأ عن تقليد المذاهب، والوقوف عند آراء فقهائها”.
سلوك إيجابي: وهو سلوك تحرري بالضرورة، بخلاف السلوك السابق، ولا يتحقق التحرر إلا بثلاثية منهجية، تتجلى أولاها في الرجوع إلى المصادر التشريعية الأصيلة المتمثلة في القرآن والسنة، وثانيتها في التفاعل مع مستجدات العصر وقضاياه، وثالثتها في الانفتاح على التراث الفقهي للاهتداء بمنهجه، وليس للاستدلال بأقواله، قال رحمه الله: “فالعودة للنظر في الكتاب والسنة يحرر المسلمين في كل جيل وعصر من مجموع الآراء التي قالها الفقهاء، والتي لا يبقى لها إلا قيمة رأي أصحابها. فيمكن إذن للعصور المقبلة 1) فهمُ الكتاب والسنة 2) على ضوء الظروف التي يعيشون فيها، والحاجات المستجدة لديهم، 3) مع الاستعانة بالثروة الفقهية، وبما تعرضه من آراء ومن طرق للفهم أو للاستدلال”.
من خلال هذا النص، يتبين أن علال الفاسي لا يدعو إلى القطيعة مع التراث كما قد يتبادر إلى الأذهان، وفي الوقت نفسه، لا يتعامل مع التراث كما يتعامل معه عامة الفقهاء، بل يدعو إلى التعامل معه تعاملا منهجيا، حيث يستعين به الفقيه ولا يستدل به، إضافة إلى أنه يستفيد منه في طرق الفهم والاستدلال، وليس في الاكتفاء بسرد الأقوال، لأن أقوال الفقهاء “مورد خصب لكل الذين يريدون الاستمداد من مجهودات من سلف والنهج على منواله”[75]، وهذا ما أوضحه أكثر حين ميّز بين “أصول الفقه” وبين “أقوال الفقهاء” من خلال تراث أسلافنا، لأنهم “اعتمدوا قبل كل شيء على أصول الفقه العامة التي أجمعت الملل والنحل عليها، ثم لم ينظروا إلى أقوال الفقهاء والأئمة إلا كمادة يستقى منها إلى جانب غيرها من المواد”[76].
هذه الإشارات التي قد تبدو بسيطة في عصرنا، كانت طفرة منهجية في عصره، لأنه خالط الفقهاء وسبر أحوالهم، وعرف كيف يتمسكون بأقوال الفقهاء رغم تطورات الأحوال وتغيراتها، قال: “وقد تطورت الأحوال، وبقي معظم علمائنا على القول بما قال به الأولون، إلا فئة يسيرة ممن أعملوا رأيهم من العلماء في كل عصر”[77]، وهذه الكلمة وإن كانت عابرة، إلا أنها تعكس واقعا علميا لا تخطئه العين.
هذه التوجيهات المنهجية سيبرزها علال الفاسي أكثر حين يميز بين “الشريعة” و”الفقه”، ليبين قدسية الأولى وإطلاقيتها، ونسبية الثاني وبشريته، ويربط بين ذلك وبين الاجتهاد الذي لا ينفك عن مبدأ الحرية، لذلك جزم بأن “حرية الاجتهاد والاختيار تعني التفرقة بين أحكام الشريعة الأساسية وفروعها المثبتة بنص قطعي أو ظني صريح، وبين آراء المجتهدين والفقهاء الذين أعطوا للشريعة ثروة هائلة، هي هذا الفقه المدون في مختلف الكتب والنوازل”، هذا التمييز سيثمر فائدة جليلة، وهي أن نصوص الفقهاء وأقوالهم ليست واجبة الاتباع، وأن مدوناتهم ليست كتبا مقدسة لا تصح مناقشتها أو الأخذ والرد فيها، لأن “مبدأ الاجتهاد نفسه يعني حرية قبول ورفض مختلف الأقوال والمذاهب مهما كانت قيمة أصحابها جليلة، ومكانتهم في نفوس المسلمين عالية”، بخلاف “نصوص الكتاب والسنة، وما ثبت بهما من الأحكام”، فإنها واجبة الاتباع، ولا يجوز الخروج عنها[78].
والفاسي حين يقرر هذا، لا يبالغ في الأمر، بل يعلم من خلال ممارسته واحتكاكه بالفقهاء ومصنفاتهم أن منهم من يقدس آراء فقهاء مذهبه، وللمقلدة في ذلك أقوال متعددة، نكتفي بإيراد نصوص عصريه القاضي محمد المرير التطواني (ت:1398-1977) رحمه الله الذي قال في سياق نصرة إرسال اليدين في الصلاة: “إن صحة الحديث لا تكون حجة عند المقلد حتى يرد بها على ما ثبت من مذهب إمامه الذي يقلده، وأن رواية الإمام المجتهد للحديث وصحته عنده، لا توجب أن يكون ذلك مذهبا له، بل يصح عنده الحديث ويرويه ولا يأخذ به”[79].
وقريب من هذا النص قول العلامة التسولي (ت:1258هـ): “المقلد لا يعدل عن المشهور وإن صح مقابله، وأنه لا يطرح نص إمامه للحديث، وإن قال إمامه وغيره بصحته”[80].
وهذ الخلل المنهجي متوارث خلفا عن سلف، وموجود في المصنفات قبل الفاسي والمرير والتسولي، وقد نبه إليه غير واحد من العلماء، قال العلامة صالح الفلاني (ت:1218هـ) عن المقلد المتعصب للمذهب: “إن وجد حديثا صحيحا سالما من النسخ والمعارض مؤيدا لمذهب غير إمامه، فتح له باب الاحتمالات البعيدة، وضرب عنه الصفح والعارض، ويلتمس لمذهب إمامه أوجها من الترجيح، مع مخالفته للصحابة والتابعين والنص الصريح”[81]، والعلامة علال الفاسي بهذه التنبيهات والتوجيهات كان يقوم بواجب النصيحة المفروض على العالم، ولم يخضع للسائد من الأقوال والمشهور عند الفقهاء.
وبعد الإشارة إلى ضرورة التفريق بين الشرع والفقه، أشار الفاسي إلى وجوب “التفرقة بين ما هو تعبدي لا يتغير، وبين ما هو مصلحي يدور مع المصلحة المعتبرة شرعا، وجودا وعدما”[82]، ومن لا يميز بين الأمرين، فإنه سيعتمد على أقوال الفقهاء التي قيلت لمصلحة اقتضتها، ويفتي بها رغم اختلاف الأعصار والأمصار، وهذا خلل منهاجي وقع فيه كثير من الفقهاء.
ورغم انتساب علال الفاسي إلى المذهب المالكي، لكنه باعتباره داعية اجتهاد، لم يكن يتمسك بكل أقوال المذهب، بل كان يدعو إلى الانفتاح على المذاهب السنية الأخرى إن تبين له أن القول المالكي مرجوح أو غير ملائم، وقد مارس ذلك مرات متعددة، خصوصا في قضايا ذات الصلة بالأسرة، مثل إجبار البكر من قبل وليها على الزواج بالزوج وإن لم تُرِد ذلك، فقد رفض هذا الإجراء، رغم أنه “مبني على مذهب الإمام مالك”، وسبب رفضه مبني على النص أولا، وتفاعله مع الواقع ومخالطته للناس، وانفتاحه على الثقافات المتعددة ثانيا، وهو ما عبّر عنه بأن “روح العصر لم تعد صالحة لتطبيق مذهب المالكية في الموضوع، لأن المرأة المغربية على أبواب التطور الذي لا يجعلها مستعدة لقبول مثل هذا التحكم في مصيرها، فالوقت قد حان للعمل بمذهب جمهور الأئمة المسلمين من تخيير البكر والثيب على السواء فيمن تختاره ليكون قرين حياتها، على أننا حينما نرجع لمستند التشريع الإسلامي، نجد مذهب المالكية في هذه القضية محجوجا، فإن الحديث الشريف الذي يقول: “البكر تستأمر وإذنها صماتها، والثيب تعرب عن نفسها”، صريح في غير ما ذهب إليه إمام دار الهجرة، وحملُ الأمر فيه على الاستحباب ليس له دليل، لأن الأمر متى أطلق انصرف إلى الوجوب”، وبعد أن أورد أحاديث نبوية تفيد خلاف ما ذهب إليه المالكية، قال: “إن هذا الإصلاح المحمدي يجب أن لا تظل المرأة المغربية محرومة منه،… إن كل جمود على العمل الأول لا يؤدي إلا إلى فتنة في الأرض وفساد كبير”[83].
من خلال هذا النص، يتبين الفرق بين علال الفاسي وكثير من مجايليه، لأنهم بقوا متمسكين بمقولة المذهب في مسألتنا، ولم يعبأوا بالتطورات التي تمر بهم وبجانبهم، وكان العمل القضائي المغربي متمسكا بالمذهب في هذه الجزئية[84]، بخلاف الفاسي، فإنه لم يتمسك بالمذهب أولا، وانفتح على مذهب الجمهور ثانيا، ورجع إلى الأصول الشرعية (الأحاديث) ثالثا، واستعمل مبدأ سد الذرائع رابعا (الخوف من الفتنة والفساد)، وهذه كلها إشارات منهجية يبرزها للفقهاء ليستعينوا بها في الصناعة الاجتهادية.
وفي الطلاق، نظر علال الفاسي إلى الواقع المغربي المتوارث عبر قرون، ووجد الرجال يتسرعون في الطلاق، لأتفه الأسباب أو لغير سبب، ويستعملون الطلاق في الأيمان، فاجتهد لتحصين الأسرة من هذه الآفة، واقترح إجراء مؤداه معاقبة الرجل وتعويض المرأة في آن واحد، وهو ضرورة “فرض تمتيع المطلقة، أي إعطائها تعويضا لائقا بحسب مركزها، ويسر الزوج”، وهو بهذا الإجراء يستدل كعادته بالنص الشرعي، وهو قوله تعالى: “ومتعوهن على الموسر قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المتقين”، والأمر في هذه الآية مختلف فيه بين العلماء، فهو مندوب عند المالكية، وواجب عند الشافعية، أما الفاسي، فانفتح على غير المذهب المالكي، ورجح الوجوب، “نظرا للمصلحة التي تفرضها الظروف الحالية، لحماية المرأة ومساعدتها، وكبح جماح الرجال الذين يتسرعون للتطليق”[85].
خاتمة:
يعد علال الفاسي نموذج الفقيه والعالم الذي يجب على مؤسسات الأمة أن تسهر على تخريج أمثاله ونظرائه من العلماء، لأنه العالم الذي جمع بين العمل الفكري والفقهي التنظيري، والعمل السياسي والاجتماعي الميداني. العالم الذي انغمس في الواقع بِرِهان إصلاحه، والعالم الذي ذاق ويلات الاعتقال، فعرف طعم الحرية، وقديما قيل: “من ذاق عرف”، لذلك ناقش جميع القضايا بهذا الطعم وأقصى سواه.
ومن ذكاء علال الفاسي أنه لم يناقش قضايا الحرية في الجوانب الفكرية والسياسية فحسب، بل استصحب موضوعها في القضايا والإشكالات الفقهية، لذا برز عنده موضوع الاجتهاد بقوة، لأنه لازم ممن لوازم الحرية، بخلاف الجمود والتقليد، فهو لازم من لوازم الأسر الفكري والاعتقال الثقافي، وهذا من أخطر أنواع الاعتقال، حيث يعتقل الإنسان نفسَه، ولا يعتقله غيرُه.
ولم يكن علال الفاسي ليسمح لأهل العلم باعتقال أنفسهم وتكبيل عقولهم، لذا دعاهم إلى الاجتهاد للتحرر، وبيّن لهم مسالكه ومساربه، وشجعهم على اقتحام عقبته، وذلل لهم الصعاب التي قد تواجههم، فكان سابقا لزمانه، ونابغة أهله ولِداته، إلا أن غالب معاصريه لم يؤيدوا دعوته، فمكثوا على القديم معتكفين، ولأقواله مرددين، وما زلنا نرى أعضاء المجالس العلمية ورؤساءها، ونخبة العلماء فيها، يُنظرون للتقليد، و”يجتهدون” لترسيخه وتثبيته، وهذا ليس بدعا من الأمر، وقد قال رحمه الله: “الجمود لا يميل إلا لرفض ما هو صالح”[86]، ولا ينبئك مثل خبير.
[1] المقري، نفح الطيب: 1/291.
[2] ابن بشكوال، الصلة: 635.
[3] ابن بشكوال، الصلة: 544.
[4] ابن الأبار، التكملة: 2/65.
[5] البشير الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي: 5/311.
[6] قال علال الفاسي في مراسلة وجهها إلى الأستاذ محمد داود: “تقرر عزل الوالد من منصبه بناء على شهادة خمسة من العدول بأنه يدعو ضد فرنسا ويبشر بفتح الهر هتلر للمغرب”. الرسائل المتبادلة بين علال الفاسي ومحمد داود: 86.
[7] حقق الباحث محمد النويور الجزء الأول من فتاواه في بحث أكاديمي، بكلية الآداب بفاس.
[8] علال الفاسي، الديمقراطية وكفاح الشعب المغربي من أجلها: 24-32. علال الفاسي، الحركات الاستقلالية: 146. ابن سودة، إتحاف المطالع: 2/491.
[9] ابن سودة، إتحاف المطالع: 2/454.
[10] ابن سودة، إتحاف المطالع: 2/610.
[11] أشار إلى مكتبة عمه في محاضرته التي ألقاها عن العلامة الشهيد “عبد السلام جسوس”، ينظر: علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 123.
[12] علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 119.
[13] علال الفاسي، الديمقراطية وكفاح الشعب المغربي: 25.
[14] علال الفاسي، أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: 78.
[15] علال الفاسي، الحركات الاستقلالية: 158.
[16] القادري أبو بكر، رجال عرفتهم: 4/17.
[17] القادري أبو بكر، رجال عرفتهم: 4/23.
[18] علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 242. القادري، أبو بكر، رجال عرفتهم: 4/18.
[19] كان مقررا أن يشارك علال الفاسي في ندوة بتيزي أوزو، لكنه عاقه عن الحضور طارئ صحي، واكتفى المنظمون بتوزيع مداخلته على الحاضرين. علال الفاسي، أفكار وآراء واجتهادات: 53.
[20] علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي: 146.
[21] زار علال الفاسي الأردن لتقديم الشكر للملك عبد الله الهاشمي بسبب عدوله عن السفر إلى إسبانيا التي قامت باعتداءات على المغاربة في الشمال الذي كان محتلا من قِبَلها. علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 197.
[22] شارك علال الفاسي في المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس برئاسة العلامة العراقي المجاهد أمجد الزهاوي، والتقى على هامشه بالشهيد سيد قطب. علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 232.
[23] القادري، أبو بكر. رجال عرفتهم: 4/40. من الكويت وجه نداء – قبل وفاته بأيام – إلى الأمة العربية يدعو من خلاله إلى وجوب الاهتمام بالصحراء المغربية.
[24] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 102.
[25] نفي إلى الغابون سنة 1937، ومكث بها إلى 1941، وبعدها رحّلته السلطات الاستعمارية إلى الكونغو. الحركات الاستقلالية: 235-236-239.
[26] زار علال الفاسي المنطقة الشمالية، وضاقت به إسبانيا ذرعا بسبب احتفاء الوطنيين به، وتوجه إلى سبتة، وأثناء عودته إلى تطوان، منعته الجمارك من الدخول إلى أرض الوطن، فاضطر إلى الذهاب إلى إسبانيا ليدخل إلى المغرب عبر بوابة طنجة، لكنه فوجئ بأخبار تفيد أن فرنسا تبحث عنه لاعتقاله، فعاد إلى إسبانيا مدة كانت مناسبة للتعريف بالقضية الوطنية، إلى أن سمحت له فرنسا بالعودة. الحركات الاستقلالية: 156.
[27] تنعقد بالقصر الملكي دروس رمضانية يشارك فيها علماء من دول مختلفة، تسمى “الدروس الحسنية”، وكان علال الفاسي مشاركا رسميا فيها، نشرت دروسه الملقاة بحضرة الملك في كتاب بعنوان “علال الفاسي في الدروس الحسنية”، نشر سنة 2000.
[28] طلب الملك الحسن الثاني من العلامة علال الفاسي ومن غيره فتوى حول نازلة فاس ذات الصلة بموضوع تعدد المطالع أو توحيدها، وأجابه الفاسي برسالة عنوانها “الجواب الصحيح والنصح الخالص عن نازلة فاس، وما يتعلق بمبدأ الشهور الإسلامية العربية”، ختمها بقوله: “إنني أنصح أمير المؤمنين، كما أنصح ولاة المسلمين في كل الأرض، بالقيام بعمل موحد لضمان توحيد المواسم والأعياد والصوم والإفطار، تحقيقا لأعظم مظهر للأخوة الإسلامية في هذا العصر”. علال الفاسي: أفكار وآراء واجتهادات: 217.
[29] كوّن السلطان إسماعيل العلوي جيشا سماه عبيد البخاري، أو جيش البخاري، وسبب التسمية أن السلطان جاء بالجامع الصحيح للإمام البخاري، وأقسم معهم على الإخلاص، وأن يكونوا يدا واحدة على حفظ الدولة، وبعد حكاية هذه المعلومة التاريخية، قال علال الفاسي: “ولا يزال بالقصر الملكي في الرباط غرفة تعرَف بغرفة سيدي البخاري، كانت عادةً تُحفظ فيها أسفار الصحيح، ولكنها اليوم خاوية من ذلك، وإنما بقيت مكانا يتبرك به الملك وأسرته، ويجتمعون فيه للمسائل المهمة، وفيها غُسل وجُهز جثمان الملك الراحل سيدي محمد الخامس رحمه الله”. علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 118.
[30] حسناء داود، الرسائل المتبادلة بين علال الفاسي ومحمد داود: 92.
[31] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 160.
[32] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 129.
[33] قال العلامة الحجوي في ترجمة امحمد كنون الفاسي (ت:1326هـ): “وأحيى قراءة التفسير بالبيضاوي، لكن القاصرين لَمْ يرق ذلك في أعينهم، فزعموا أنه يتسبب عنه موت السلطان، فشغلوه بولاية قضاء أسفى، ويا أسفي على العلم قضى عليه الحسد، وأذهب الروح وترك الجسد، لكن لم يلبث إلا نحو سنة، ثم استعفى فاعفي مشوقا إلى ما تعود من نشر العلم، طاهر الذيل، قائما بحقوق العدل، فرجع لدروسه تاركا التفسير في دروسه”. الفكر السامي: 2/373.
[34] علال الفاسي، مدخل في النظرية العامة لدراسة الفقه الإسلامي: 137.
[35] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 160. لم يكن هذا التعبير من مبالغات علال الفاسي، بل يمكن اعتباره شاهدا على أهل عصره من مجايليه ومن طبقة شيوخه، ووجدت نصوصا تعضد ما ذهب إليه، فالحافظ أحمد بن الصديق ــ وهو معاصر لعلال الفاسي ــ حكى بعض الوقائع الدالة على صدق دعوى علال الفاسي، منها أن أحد الشيوخ في شمال المغرب ادعى أن العلامة سيدي محمد بن جعفر الكتاني مات على غير ملة الإسلام وأنه من أهل النار، لأنه ألف كتابا في نصرة سنية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، (أحمد بن الصديق، الجواب المفيد للسائل المستفيد: 61)، وحكى عن أحد المصريين الذي نعته بكونه من “المبتدعة الداعين إلى الاجتهاد”. (أحمد بن الصديق، در الغمام الرقيق: 183).
[36] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 159.
[37] علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي: 144.
[38] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 131.
[39] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 182.
[40] علال الفاسي، أفكار وآراء واجتهادات: 15.
[41] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 86.
[42] علال الفاسي، النقد الذاتي: 160.
[43] علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي: 136.
[44] المهدي الوزاني، المعيار الجديد: 1/339.
[45] المهدي الوزاني، المعيار الجديد: 1/340.
[46] علال الفاسي، نحو وحدة إسلامية: 24.
[47] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 131.
[48] علال الفاسي، مهمة علماء الإسلام: 32.
[49] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 169.
[50] علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي: 147.
[51] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 25.
[52] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 103.
[53] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 102.
[54] الدارقطني، السنن، كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك، باب كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري.
[55] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 160.
[56] الإحالة السابقة.
[57] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 162.
[58] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 160.
[59] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 102.
[60] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 184.
[61] المطيعي، محمد بخيت. أحسن الكلام:84.
[62] علال الفاسي، أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: 11.
[63] الإحالة السابقة.
[64] علال الفاسي، أعلام من المغرب والمشرق: 155.
[65] علال الفاسي، مهمة علماء الإسلام: 32.
[66] علال الفاسي، أعلام من المغرب: 157.
[67] باستثناء الشيخين أبي شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي.
[68] علال الفاسي، أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: 12.
[69] علال الفاسي، النقد الذاتي: 126-127.
[70] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 102.
[71] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 100.
[72] علال الفاسي، مقاصد الشريعة: 163-164.
[73] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 191.
[74] علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي: 157.
[75] علال الفاسي، النقد الذاتي: 211.
[76] علال الفاسي، النقد الذاتي: 126.
[77] علال الفاسي، أفكار وآراء واجتهادات: 207.
[78] علال الفاسي، دفاع عن الشريعة: 110.
[79] المرير، القول الفصل: 40-41.
[80] التسولي، البهجة في شرح التحفة: 1/40.
[81] الفلاني، صالح. إيقاظ همم أولي الأبصار: 78.
[82] علال الفاسي، تاريخ التشريع الإسلامي: 166.
[83] علال الفاسي، النقد الذاتي: 211-212.
[84] كتب الأستاذ محمد الأمراني مقالا بعنوان “لا حق للأب أن يجبر ابنته على الزواج”، ختمه بقوله: “وإذا كان قضاة المحاكم الشرعية يتمشون مع مذهب الإمام مالك، فإن مذهبه – كما رأينا – محجوج بالأحاديث الصحيحة التي سقناها في هذا المقال”، وهذه العبارات تدل على أن الإجبار كان معمولا به في العمل القضائي المغربي في بدايات الاستقلال، قبيل صدور مدونة الأحوال الشخصية. مجلة دعوة الحق التي تصدرها وزارة الأوقاف المغربية، السنة الأولى، العدد المزدوج 4-5.
[85] علال الفاسي، النقد الذاتي: 224.
[86] علال الفاسي، النقد الذاتي: 229.