منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في خدمة أهل الدعوة والصبر على الأذى(3) الأربعون حديثا الدعوية

في خدمة أهل الدعوة والصبر على الأذى(3) الأربعون حديثا الدعوية / يعقوب زروق

0

في خدمة أهل الدعوة والصبر على الأذى(3) الأربعون حديثا الدعوية

بقلم: يعقوب زروق

 

في الحث على الدعوة وبيان فضلها (1) الأربعون حديثا الدعوية 

في التعاون على الدعوة(2) الأربعون حديثا الدعوية 

 

الحديث الثامن:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ” خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي، فَقُلْتُ لَهُ : لَا تَفْعَلْ. فَقَالَ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ. زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِمَا : وَكَانَ جَرِيرٌ أَكْبَرَ مِنْ أَنَسٍ. وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ.”[1]

خدمة أهل الدعوة ليست تفضيلا لهم ومحاباة. إنما هي من التعاون المطلوب. ذاك أنها توفر الوقت والجهد للداعية ليتفرغ للمهمة العظيمة. وهذه الخدمة هي نفسها دعوة للغير حين يرى المحبة والذلة بين المؤمنين يترجمونها خدمة لبعضهم. اقتداء بالأنصار رضي الله عنهم . رضي الله عن الرميساء أم سليم التي ما إن نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حتى أتته بابنها أنس وأعطته له خادما يخدمه رضي الله عنه. فشكر الله له ذلك ويسر له سيدنا جرير بن عبد الله البجلي يخدمه وهو أكبر منه سنا.

الحديث التاسع:

عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ السَّاحِرُ قَالَ لِلْمَلِكِ إِنِّى قَدْ كَبِرَتْ سِنِّى وَحَضَرَ أَجَلِى فَادْفَعْ إِلَىَّ غُلاَماً فَلأُعَلِّمُهُ السِّحْرَ. فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلاَماً فَكَانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ وَكَانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ رَاهِبٌ فَأَتَى الْغُلاَمُ عَلَى الرَّاهِبِ فَسَمِعَ مِنْ كَلاَمِهِ فَأَعْجَبَهُ نَحْوُهُ وَكَلاَمُهُ فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ وَقَالَ مَا حَبَسَكَ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا مَا حَبَسَكَ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ إِذَا أَرَادَ السَّاحِرُ أَنْ يَضْرِبَكَ فَقُلْ حَبَسَنِى أَهْلِى وَإِذَا أَرَادَ أَهْلُكَ أَنْ يَضْرِبُوكَ فَقُلْ حَبَسَنِى السَّاحِرُ. وَقَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى دَابَّةٍ فَظِيعَةٍ عَظِيمَةٍ وَقَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا فَقَالَ الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرُ السَّاحِرِ فَأَخَذَ حَجَراً فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى لَكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ النَّاسُ وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ فَأَخْبَرَ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ فَقَالَ أَىْ بُنَىَّ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَىَّ. فَكَانَ الْغُلاَمُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَسَائِرَ الأَدْوَاءِ وَيَشْفِيهِمْ وَكَانَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَعَمِىَ فَسَمِعَ بِهِ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ اشْفِنِى وَلَكَ مَا هَا هُنَا أَجْمَعُ. فَقَالَ مَا أَشْفِى أَنَا أَحَداً إِنَّمَا يَشْفِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ يَا فُلاَنُ مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ فَقَالَ رَبِّى. قَالَ أَنَا قَالَ لاَ وَلَكِنْ رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ . قَالَ أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِى قَالَ نَعَمْ . فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلاَمِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَىْ بُنَىَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَهَذِهِ الأَدْوَاءَ. قَالَ مَا أَشْفِى أَنَا أَحَداً مَا يَشْفِى غَيْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ أَنَا قَالَ لاَ. قَالَ أَوَلَكَ  رَبٌّ غَيْرِى قَالَ نَعَمْ رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَأَخَذَهُ أَيْضاً بِالْعَذَابِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَأَتَى بِالرَّاهِبِ فَقَالَ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِى مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ وَقَالَ لِلأَعْمَى ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِى مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ فِى الأَرْضِ وَقَالَ لِلْغُلاَمِ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَدَهْدِهُوهُ مِنْ فَوْقِهِ. فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمَّا عَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ قَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ وَجَاءَ الْغُلاَمُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَبَعَثَهُ مَعَ نَفَرٍ فِى قُرْقُورٍ فَقَالَ إِذَا لَجَجْتُمْ بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَغَرِّقُوهُ. فَلَجَّجُوا بِهِ الْبَحْرَ فَقَالَ الْغُلاَمُ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَغَرِقُوا أَجْمَعُونَ وَجَاءَ الْغُلاَمُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِى حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِى وَإِلاَّ فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ قَتْلَى. قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ ثُمَّ تَصْلُبُنِى عَلَى جِذْعٍ فَتَأْخُذُ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِى ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِى. فَفَعَلَ وَوَضَعَ السَّهْمَ فِى كَبِدِ قَوْسِهِ ثُمَّ رَمَى فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. فَوَضَعَ السَّهْمَ فِى صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلاَمُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ . فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ فَقَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ. فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدِّدَتْ فِيهَا الأُخْدُودُ وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ وَقَالَ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ وَإِلاَّ فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا. قَالَ فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِى النَّارِ فَقَالَ الصَّبِىُّ يَا أُمَّهِ اصْبِرِى فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ ».[2]

“يا أمه اصبري فإنك على الحق” أنطقه الله الذي أنطق كل شيء. تثبيتا للأم المؤمنة، الخائفة. أنطقه الله معجزة منه سبحانه، إذ ليس ثمة كتاب منزل يحث على الصبر. فالقوم حديثو عهد بإيمان. أما نحن فآيات الله ناطقة آمرة بالصبر، مبشرة بالنصر. قال سبحانه: ﱩ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﱨ [الروم: 60]

بالصبر آتت دعوة الغلام أكلها بإذن ربها. صبره على أخذ العلم من الراهب، وتحمله أذى الساحر حين يتخر عنه. وصبره حين كتم أمره حتى تبين له الحق. وصبره على تعذيب الملك له، وعودته إليه مرات وقد نجاه الله منه. ما كان يطلب عافية نفسه، إنما كان يريد تبليغ دعوة الله للناس، وإن لقي ما لقي في سبيل ذلك.

ذكرت القصة موجزة في سورة البروج وذكرت مفصلة في الحديث. وقعت القصة في اليمن. فغيرت مجرى التاريخ. إذ يذكر كتاب السيرة أن الطاغية ” ذو نواس”  لما قتل المؤمنين بحرقهم في الأخدود، نجى الله منهم رجلا ففر إلى هرقل ملك الروم وكان على دين عيسى عليه السلام فاستغاثه. فبعث هرقل إلى نجاشي الحبشة وكان على دينه وحليفا له يأمره بأن يغيث أهل اليمن. فأرسل النجاشي جيشا عظيما أزال ملك الطاغية. وبقيت اليمن تحت حكم الأحباش المؤمنين يومها. اتبعوا دين عيسى عليه السلام. وقرؤا الإنجيل وما فيه من أوصاف النبي الخاتم. كل ذلك تهيئ يحدثه قدر الله الحكيم  لتستعد اليمن لقبول دعوة الإسلام بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإنه لم يلبث إلا قليلا حتى شدت أنظار اليمن إلى مكة بتلك الواقعة المعجزة، واقعة الفيل حيث هلك ملك اليمن “أبرهة” الذي تولى كبر الفعلة الحمقاء. في عام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما إن بلغتهم دعوته حتى أسلموا لله رب العالمين. فانظر كيف يهيئ المولى الأحداث لنصرة دينه وكيف يسخر أضعف خلقه ليخزي المستكبرين.


الهوامش:

[1]  – صحيح مسلم – فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ – الحديث:  2513

[2]  – مسند أحمد- حديث صهيب –  حديث: 24655

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.