منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أجوبة الحافظ ابن حجر عن الأحاديث المنتقدة في الجامع الصحيح للإمام البخاري |نقد العلماء القدامى لبعض أحاديث البخاري.

ذ. أحمد شلاط

0
الفهرس إخفاء

أجوبة الحافظ ابن حجر عن الأحاديث المنتقدة في الجامع الصحيح للإمام البخاري

نقد العلماء القدامى لبعض أحاديث البخاري.

إعداد: ذ. أحمد شلاط[1]

مقدمة

الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وأصحابه والتابعين له إلى يوم الدين، فقد اقتضت حكمة الله الحكيم الخبير أن يجعل الإسلام خاتمة شرائعه المنزلة، فجعل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وذلك يقتضي بقاء رسالته صالحة إلى قيام الساعة لتكون هدى للعالمين، ولا صلاح لها إلا ببقاء أصولها النقلية محفوظة، وأصلها الأول كتاب الله، و أصلها الثاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك اتجهت همم أهل العلم في كل عصر إلى خدمة هذين الأصلين بأقصى ما يوفره لهم زمانهم ومكانهم من الوسائل، فحفظ الصحابة رضي الله عنهم القرآن والسنة في صدورهم وفي الوسائل البسيطة المتاحة في زمانهم، وتوالى الحفظ في السطور وفي الصدور جيلا بعد جيل، ولما ظهرت المصنفات في السنة النبوية وكثير منها لم يميز بين صحيحها وضعيفها، انبرى الإمام البخاري لهذه المهمة الدقيقة، من الجمع والترتيب، والتصحيح  والتبويب، فأخرج للأمة جامعه الصحيح، الذي تلقته بالقبول والترجيح، ولذلك ينال اليوم النصيب الأوفر من الهجوم من قبَل من لبسوا زورا ثوب النقد من الخصوم، لأن الجامع الصحيح بمثابة حصن السنة الأول، وسقوطه يُسهل سقوط ما بعده، وإذا تحقق لهم الهدف المعلن وهو النيل من السنة تحقق تبعا لذلك الهدف الأكبر غير المعلن وهو القرآن، ولعل هذه المحاولات من قدَر الله ليتحرك أهل العلم في كل عصر للذب عن كتاب الله وسنة رسوله، وليتحقق وعده سبحانه بحفظهما، فيمكن القول بأن الصحيح خدمه النقاد قبل الشراح، بدفعهم لأهل العلم وخاصة المحدثين لإبراز ثاقب نظر مؤلفه وعلمه بعلل الحديث، ومعرفته بالرجال، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني بشرحه الشهير فتح الباري، حتى قيل لا هجرة بعد الفتح، ومما بذل فيه جهدا مشكورا أجوبته عن الأحاديث المنتقدة على البخاري، فخصها بفصول في المقدمة المشهورة بهدي الساري، وأجاب عنها حديثا حديثا، كما بين منهج البخاري في الرواية عن الرجال المتكلم فيهم، وكنت أنجزت في هذا الباب بحثا لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة بدار الحديث الحسنية، تحت إشراف الدكتورة فريدة زمرد، فاختصرت فصولا منه بعنوان: أجوبة الحافظ ابن حجر عن الأحاديث المنتقدة في الجامع الصحيح للإمام البخاري، للمشاركة في هذا العمل العلمي الجليل الذي دعا إليه مركز فاطمة الفهرية دفاعا عن الجامع الصحيح. وجعلته في ثلاثة فصول: الأول في النقد المتعلق باتصال الأسانيد، والثاني في النقد المتصل بعدالة رواة الصحيح، والثالث في نقد ضبطهم.

الفصل الأول: أجوبة الحافظ ابن حجر عن نقد

اتصال أسانيد صحيح البخاري

تمهيد في تعريف الاتصال وتشدد الإمام البخاري فيه

 اتصال السند أبرز شروط صحة الحديث، “ووصفهم الحديث بأنه مسند يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، واتصال الإسناد أن واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره”[2].

والبخاري من أكثرهم حرصا على الاتصال قال الحافظ:” تقرر أنه التزم فيه الصحة وأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا، هذا أصل موضوعه وهو مستفاد من تسميته إياه: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه.”[3] ونص على تشدده في الاتصال بقوله: “البخاري معروف أنه كان ممن يشدد في مثل هذا “[4].

المبحث الأول: أجوبة ابن حجر عن نقد الاتصال بالإرسال.

  • تمهيد في تعريف المرسل:

عرفه الحافظ بقوله: “وصورته أن يقول التابعي سواء كان كبيرا أو صغيرا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، … ونحو ذلك.”[5].

وبين سبب اعتبار المرسل من المردود وهو الجهل بحال المحذوف، فقال:” لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد…”[6].

  • أولا: الجواب عن النقد بإرسال الصحابي

ذكر الحافظ اتفاق المحدثين على قبول مرسل الصحابي ووصف المخالف بالشذوذ فقال:” …وقد اتفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك إلا من شذ ممن تأخر عصره عنهم فلا يعتد بمخالفته والله أعلم”[7].

و مثاله ما رواه البخاري عن أبي معمر عن عبد الوارث عن الحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع أهله ولا يمني، فقال عثمان: يتوضأ ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وسألت عن ذلك عليا والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك: قال يحيى بن أبي كثير: وأخبرني أبو سلمة أيضا أن عروة أخبره، أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الدارقطني رحمه الله: وهذا وهم وهو قوله: إن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه من أبي بن كعب، كذلك رواه هشام بن عروة عن أبيه، وقد أخرجه البخاري من حديث هشام على الصواب”. فأجاب الحافظ: وعلى تقدير أن يكون أبو أيوب في نفس الأمر لم يسمعه إلا من أبي بن كعب، فهو مرسل صحابي، وقد اتفق المحدثون على أنه في حكم الموصول”[8].

فهذا يدل على تتبع الدارقطني لأحاديث لا علة فيها، بل يذكر كل اختلاف وجده.

  • ثانيا: الجواب عن الموصول في صورة المرسل

ذكر الحافظ قول الدارقطني: ” وأخرج البخاري حديث محمد بن طلحة عن أبيه عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم”[9]. بأنه مرسل. فأجاب: صورته صورة المرسل إلا أنه موصول في الأصل معروف من رواية مصعب بن سعد عن أبيه، وقد اعتمد البخاري كثيرا من أمثال هذا السياق فأخرجه على أنه موصول إذا كان الراوي معروفا بالرواية عمن ذكره… وقد ترك الدارقطني أحاديث في الكتاب من هذا الجنس لم يتتبعها.”[10].

  • ثالثا: الجواب عن المرسل والموقوف فيما لا يقال بالرأي

ما لا يقال بالرأي يكون حكمه الرفع، “كالإخبار عن الأمور الماضية…وأحوال القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص.”[11]. ذكر الحافظ قول الدارقطني: ” وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما.”[12]. وهذا لم يسنده غير العوام وخالفه مسعر … قوله: لم يذكر أبا موسى ولا النبي صلى الله عليه وسلم… فأجاب: مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلا أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع.”[13]. وذكر قوله: أخرج البخاري حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس” من صور صورة …” [14] ورواه خالد وهشام عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا، وقال قتادة: عن عكرمة عن أبي هريرة موقوفا، واختلف عليهم فيه، فأجاب الحافظ: تعارض الوقف والرفع فيه لا أثر له لأن حكمه الرفع…”[15]

المبحث الثاني: أجوبة ابن حجر عن نقد أسانيد البخاري بالتدليس

تمهيد في تعريف التدليس وحكم المدلس

قال ابن الصلاح: التدليس قسمان: أحدهما تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر، ومن شأنه أن لا يقول في ذلك أخبرنا فلان ولا حدثنا وما أشبههما وإنما يقول: قال فلان، أو عن فلان ونحو ذلك…

القسم الثاني: تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف….[16]

ذكر الحافظ في معنى التدليس قريبا من قول ابن الصلاح [17]. وقال في حكمه: “وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلا ألا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح.”[18]، وهو تلخيص لتفصيل ابن الصلاح[19].

  • أولا: الجواب عن النقد بالتدليس بإثبات السماع في الصحيح

ذكر الحافظ قول الدارقطني:” وأخرج البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن سعيد بن سليمان عن هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات.”[20]. قال: وقد أنكر أحمد بن حنبل هذا من حديث هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر وقال: إنما رواه هشيم عن محمد بن إسحاق عن حفص بن عبيد الله عن أنس، وقيل إن هشيما  كان يدلسه عن عبيد الله بن أبي بكر، …” فأجاب: قوله: إن هشيما كان يدلس فيه فمردود، فرواية البخاري نفسها عن هشيم قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر…” [21]

وقال: “وهي علة غير قادحة لأن هشيما صرح فيه بالإخبار فأمن تدليسه.”[22]. وفعل مثل هذا في سند حديث: “أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار…”[23] وختم الجواب بقوله: فانتفت ريبة التدليس عن أبي إسحاق … لأنه صرح عن عبد الرحمن بالتحديث….”[24].

  • ثانيا: الجواب عن النقد بالتدليس بإثبات التحديث أو الإخبار عند غير البخاري

قال البخاري: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين قال يحيى وأخبرني أبو سلمة  أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره ثم إنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن…”[25] ذكر الحافظ قول ابن العربي: فيه ثلاث علل: الأولى أن مداره على الحسين بن ذكوان المعلم، ولم يصرح بسماعه له من يحيى بن أبي كثير….فقال:”الجواب عن الأولى أن ابن خزيمة والسراج والإسماعيلي وغيرهم رووا الحديث من طريق حسين المعلم وصرحوا فيه بالإخبار، ولفظ السراج بسنده إلى حسين أخبرنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه…”[26]

  • ثالثا: الجواب بكون رواية المدلس متابعة أو مقرونة، وإقلال البخاري عن المدلسين

قال الحافظ في محمد بن تدرس:”…وثقه الجمهور وضعفه بعضهم لكثرة التدليس…لم يرو له البخاري سوى حديث واحد في البيوع قرنه بعطاء عن جابر.”[27]. وقال في عبد الرحمان بن محمد بن زياد: تكلم فيه للتدليس.”[28] وقال عن رواية البخاري عنه: “ليس له في البخاري سوى حديثين متابعة.”[29].

وقال مثله في طلحة بن نافع الواسطي: “تكلم فيه للتدليس.”[30] وقال: ما أخرج له البخاري عن جابر غير أربعة أحاديث وهو مقرون فيها عنده بغيره.”[31].

وقال في مغيرة بن مقسم الضبي بعدما ذكر وصفه بالتدليس عن إبراهيم النخعي: “ما أخرج له البخاري عن إبراهيم النخعي إلا ما توبع عليه.”[32].

  • رابعا: الجواب بنفي التدليس عن الراوي

قال الحافظ: قال الدارقطني: وأخرجا جميعًا حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس يعني في قصة القبرين وأن أحدهما كان لا يستبرئ من بوله.”[33]. قال: وقد خالفه منصور فقال: عن مجاهد عن ابن عباس وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاطه طاوسا انتهى …وهذا في التحقيق ليس بعلة لأن مجاهدًا لم يوصف بالتدليس، وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة من الأحاديث، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش، مع أن الأعمش أيضا من الحفاظ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة، والإسناد كيفما دار كان متصلا، فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث إذا لم يكن راويه مدلسا”[34].

المبحث الثالث: أجوبة الحافظ ابن حجر عن نقد اتصال أسانيد الصحيح بالانقطاع

  • أولا: الجواب عن الانقطاع بالتصريح بالسماع أو بثبوته

قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث أيوب ونافع بن عمر كلاهما عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت: توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي …” قال: وأخرجه أيضا من حديث عمر بن سعيد عن ابن أبي مليكة أن ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: فذكره، فأجاب الحافظ: أخرج البخاري الطريقين على الاحتمال لصحة سماع بن أبي مليكة من عائشة …”[35] وذكر مثله في الشرح.”[36]

  • ثانيا: الجواب عن الانقطاع بإمكان السماع

ذكر الحافظ قول الدارقطني بالانقطاع في حديث أبي مروان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:” إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك …”[37]… وأنه وصله حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة. فأجاب: “سماع عروة من أم سلمة ممكن فإنه أدرك من حياتها نيفا وثلاثين سنة وهو معها في بلد واحد”[38].

  • ثالثا: الجواب عن الانقطاع بضعف الرواية المعتمدة في إثباته

قال الخطيب: أخرج البخاري عن مسروق عن أم رومان رضي الله عنها وهي أم عائشة طرفا من حديث الإفك …[39] وهو وهم، لم يسمع مسروق من أم رومان رضي الله عنها، لأنها توفيت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان لمسروق حين توفيت ست سنين. قال: وخفيت هذه العلة على البخاري وأظن مسلما فطن لهذه العلة فلم يخرجه له …”. ذكر الحافظ تقليد بعض المحدثين للخطيب…و أجاب: وعندي أن الذي وقع في الصحيح هو الصواب والراجح، وذلك أن مستند هؤلاء في انقطاع هذا الحديث إنما هو ما روي عن علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف أن أم رومان ماتت سنة ست، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حضر دفنها، وقد نبه البخاري في تاريخه الأوسط والصغير على أنها رواية ضعيفة… فبان ضعف ما قال علي بن زيد في تقييد وفاة أم رومان، مع ما اشتهر من سوء حفظه… “[40]. وذكر ” قصة تخيير الرسول لنسائه وأمره عائشة باستشارة أبويها أبا بكر وأم رومان وآية التخيير نزلت سنة تسع …”[41].

  • رابعا: الجواب عن الانقطاع باحتمال كون الرواية المعتمدة في إثباته حديثا آخر

ذكر الحافظ قول الدارقطني:” أخرج البخاري حديث أبي مروان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:” إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون”[42]… عروة لم يسمعه من أم سلمة وإنما من بنتها زينب، وذكر نفس العلة في سند آخر عند البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن محمد بن أبي زكرياء الغساني عن هشام عن زينب عن أم سلمة رضي الله عنها شكوت إلى رسول الله ….

فأجاب: “ويحتمل أن يكون ذلك حديثا آخر فإن حديثها هذا في طواف الوداع …فإذا عرف ذلك تبين التغاير بين القصتين فإن إحداهما صلاة الصبح يوم النحر والأخرى صلاة الصبح يوم الرحيل من مكة”[43].

  • خامسا: الجواب عن الانقطاع بوصل البخاري للحديث في موضع آخر

ذكر الحافظ قول الدارقطني: وقال حجاج بن محمد عن شعبة لم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان شيئا. قال: وقد أخرج البخاري حديثا من طريق أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن عن عثمان. قلت: الحديث الذي أشار إليه ذكره البخاري في كتاب الوقف تعليقا وهو مناشدة عثمان للصحابة عند حصاره في ذكر حفر بئر رومة وغير ذلك من مناقبه، والحديث عند البخاري من طرق غير هذا موصولة، فلهذا لم أفرده بالذكر لأنه إنما أورده اعتبارا”[44].

  • سادسا: الجواب عن الانقطاع بإثبات صحة الرواية بالإجازة والمكاتبة والمناولة

قال الحافظ: “ربما علل بعض النقاد أحاديث ادعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة، كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.”[45].

ومن ذلك قول الدارقطني: “اتفقا على إخراج حديث أبي عثمان قال: كتب إلينا عمر في الحرير إلا موضع إصبع، وهذا لم يسمعه أبو عثمان من عمر، ولكنه حجة في قبول الإجازة”[46].

وذكر الحافظ قول الدارقطني:” وأخرجا جميعًا حديث موسى بن عقبة عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لا تمنوا لقاء العدو…” قال: وأبو النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى، وإنما رواه عن كتابه فهو حجة في رواية المكاتبة. فأجاب: فلا علة فيه…”[47] فهذا مما يدل على منهج الدارقطني فلم يقصد بتتبعه ذكر العلل القادحة في الصحة، بل يذكر كل اختلاف وإن لم يقدح.

  • سابعا: الجواب عن الانقطاع بترجيح البخاري الاتصال عند اختلاف الروايات.

كثيرا ما ينتقد الدارقطني اتصال أسانيد البخاري ويعتمد على روايات فيها زيادة رجل في الإسناد، وعند الجواب يبين الحافظ منهج البخاري وأنه يرجح الاتصال باعتبار القرائن، قال في بيانه: “والتحقيق أنهما (البخاري ومسلم) ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد، بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله.”[48]

1-الترجيح بكثرة رواة الوصل

قال الحافظ: “وإنما أورد طرق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن روايته مرجوحة، لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فوصلوه.”[49]

2-الترجيح بحفظ الواصل

قال الحافظ:”… الاختلاف الواقع على أبي مجلز في إرساله حديث أبي ذر ووصله، فوصله عنه أبو هاشم في

رواية الثوري…وأما منصور فوقفه على أبي مجلز، ولا يخفى أن الحكم للواصل إذا كان حافظا….والثوري أحفظ من منصور فتقدم روايته”[50].

3ترجيح رواية الثقة على رواية الضعيف

ذكر الحافظ قول الدارقطني:” وأخرجا جميعًا حديث الزبيدي عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية بها سفعة[51] فقال: استرقوا لها. وقد رواه عقيل عن الزهري عن عروة مرسلا، فأجاب: …وأما رواية عقيل فقد أشار إليها البخاري إلا أن راويها عنه ليس بحافظ، وحديث الزبيدي رواه عنه ثقتان فكان هو المعتمد”[52].

4 الترجيح بقرينة القرابة

ذكر الحافظ قول الدارقطني: “أخرج البخاري عن موسى عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عميرٍ عن أبي بردة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن …وقد خالفه الهيثم بن جميل فرواه عن أبي عوانة عن عبد الملك عن أبي بردة عن أبيه فأجاب:… فاعتمد أن أبا بردة حمله عن أبيه، وترجح ذلك عنده بقرينه كونها تختص بأبيه فدواعيه متوفرة على حملها عنه، كما تقدمت نظائره في حديث عروة عن عائشة، وفي حديث نافع عن ابن عمر في غير موضع.”[53].

  • ثامنا: الجواب عن الانقطاع بالتعليق

المعلق هو: “ما حذف من مبتدإ إسناده واحد فأكثر ولو إلى آخر الإسناد. وتارة يجزم به كقال، وتارة لا يجزم كيذكر”[54]. وقسمه إلى قسمين: “ما يوجد في موضع آخر من كتابه هذا موصولا، وثانيهما ما لا يوجد فيه إلا معلقا.”[55]  وقسم النوع الثاني على صورتين: الأولى صيغة الجزم قال:” فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق…”[56]  “والصيغة الثانية: وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبينه[57]:” “وأما ما لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف فرد، إلا أن العمل على موافقته، ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له.”[58] وقال عن النوع الأخير: “وهو في الكتاب قليل جدا وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله.”[59]

وذكر وصله لما علقه البخاري في “تغليق التعليق” قال: ذكرت فيه جميع أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة، وذكرت من وصلها بأسانيدي إلى المكان المعلق، فجاء كتابا حافلا…”[60]

فقال: إلا أن الجواب عما يتعلق بالمعلق سهل لأن موضوع الكتابين إنما هو للمسندات، والمعلق ليس بمسند، ولهذا لم يتعرض الدارقطني فيما تتبعه على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر، لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناسا واستشهادا والله أعلم”[61].

إلا أنه رغم التنبيه على منهج البخاري، رد عن بعض الانتقادات لأحاديث معلقة كالحديث السابع والعشرين فختم الجواب بقوله: “لا يلحق الشيخين في ذكرهما لطريق أبي خالد لوم لأن البخاري علقه بصيغة يشير إلى وهمه فيه، وأما مسلم فأخرجه مقتصرا على إسناده دون سياق متنه.” [62]

وقال في موضع آخر: ” قد ذكر البخاري حديث عدي تعليقا ووصله مسلم، وعندي أنه حديث آخر غير حديث أبي بشر، لاختلاف المتنين لفظا ومعنى”[63].

وقال: “طعن أبو محمد بن حزم في رواية ابن أبي الزناد المعلقة فقال: عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف جدا، وحكم على روايته هذه بالبطلان، وتعقب بأنه مختلف فيه، ومن طعن فيه لم يذكر ما يدل على تركه فضلا عن بطلان روايته، وقد جزم يحيى بن معين بأنه أثبت الناس في هشام بن عروة ، وهذا من روايته عن هشام، فلله در البخاري ما أكثر استحضاره وأحسن تصرفه في الحديث والفقه”[64].

الفصل الثاني: أجوبة الحافظ ابن حجر عن نقد عدالة رواة صحيح البخاري

  • تمهيد في تعريف العدالة

من شروط الصحة أن يكون السند متصلا بالعدول الضابطين، فبعد ثبوت الاتصال ينظر في رجال الإسناد بميزاني العدالة والضبط، وإن اختل منهما شرط نزل الحديث من الصحة إلى الحسن أو الضعف. “والعدل من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحرى الحق والواجب في أفعاله ومعاملته، والتوقي في لفظه ما يثلم الدين والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه”[65].

وعرفه الحافظ بقوله:” من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة.”[66].

المبحث الأول: أجوبة الحافظ ابن حجر عن الجرح بالبدعة

  • تمهيد في حكم رواية المبتدعة

للمحدثين في حكم رواية المبتدعة ثلاثة مذاهب: القبول مطلقا، والرد مطلقا، والتفصيل باعتبار الدعوة إلى البدعة وعدمه، أو باعتبار التحرز من الكذب وعدمه، وكذا التمييز بين البدعة المكفرة والمفسقة.

نسب الحافظ القول بالرد مطلقا لمالك وابن عيينة والحميدي…[67] وممن قالوا بالقبول مطلقا الشافعي وسفيان الثوري[68]، وفصل الحافظ فقال: وأما البدعة فالموصوف بها إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق، فالمكفر لابد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض.”[69]

ثم فصل في البدعة المفسقة فقال:” والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض …اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله إذا كان معروفا بالتحرز من الكذب، مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة موصوفا بالديانة والعبادة، فقيل يقبل مطلقا وقيل يرد مطلقا، والثالث التفصيل بين أن يكون داعية أو غير داعية، فيقبل غير الداعية ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة.”[70] ونسب لبعضهم رد حديث غير الداعية إذا اشتملت روايته على ما يشيد بدعته ويزينه…”[71]

وقسم البدع إلى كبرى وصغرى، وبيّن مفسدة ردّ حديث كل ذي بدعة ولو صغيرة، وهي ذهاب الكثير من الأحاديث فقال: “البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع أو التشيع بلا غلو ولا تحرق، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، ولو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك فهؤلاء لا يقبل حديثهم ولا كرامة.”[72]

  • أولا: الجواب عن النقد بالبدعة بنفي ثبوتها

كقوله في عكرمة مولى ابن عباس:” أما ذم مالك فقد بين سببه وأنه لأجل ما رمي به من القول ببدعة الخوارج، وقد جزم بذلك أبو حاتم …والذي أنكر عليه مالك إنما بسبب رأيه على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برأه أحمد والعجلي من ذلك فقال في كتاب الثقات له: عكرمة مولى ابن عباس مكي تابعي ثقة بريء مما يرميه الناس به من الحرورية.”[73]

  • ثانيا: نفي رواية البخاري عمن بدعته مكفرة

نفى الحافظ رواية البخاري عمن بدعته مكفرة فقال:” فالمكفر لابد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض…وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة”[74].

  • ثالثا: نفي رواية البخاري عن المبتدعة ما يتعلق ببدعتهم

قال الحافظ عن محمد بن جحادة الكوفي: “وتكلم فيه بعضهم من أجل قول أبي عوانة كان يتشيع، وما له في البخاري سوى حديثين لا تعلق لهما بالمذهب.”[75] وقال عن عدي بن ثابت الأنصاري:” وثقه أحمد والعجلي والدارقطني إلا أنه كان يغلو في التشيع، قلت احتج به الجماعة وما أخرج له في الصحيح شيء مما يقوي بدعته.”[76]

  • رابعا: نفي الدعوة إلى البدعة

نقل الحافظ قول ابن عبد البر عن ثور بن يزيد الديلي: “صدوق لم يتهمه أحد وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك “[77].

وقال عن خالد  القطواني: “أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضر، لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه.”[78] ونفى الدعوة عن  الوليد بن كثير من الإباضية.”[79]

  • خامسا: الجواب بالرجوع عن البدعة

قال الحافظ عن وهب بن منبه: “وثقه الجمهور وشذ الفلاس فقال: كان ضعيفا وكانت شبهته في ذلك أنه كان يتهم بالقول بالقدر وصنف فيه كتابا، ثم صح أنه رجع عنه، وذكر قوله: كنت أقول بالقدر …فتركت قولي”[80]. وذكر رجوع شبابة بن  سوار عن الإرجاء.”[81] ورجوع عمران بن حطان السدوسي عن رأي الخوارج.[82]

  • سادسا: الجواب بإقلال البخاري عن المبتدعة

قال الحافظ في عمير بن هانيء العبسي بعدما ذكر من وصفه بالقدر: “ليس له في البخاري سوى ثلاثة أحاديث”[83].

وقال عن يحيى بن صالح الوحاظي وقد نسب إلى الجهمية:” إنما روى عنه البخاري حديثين أو ثلاثة “[84].

المبحث الثاني: أجوبة ابن حجر عن نقد أسانيد البخاري بالجهالة

  • تمهيد في تعريف الجهالة

قال الخطيب: “المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ومن يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد…وأقل ما ترفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم.”[85]

وذكر الحافظ سببين للجهالة: الأول: كثرة النعوت كالاسم والكنية واللقب فيشتهر الراوي بشيء منها فيذكر بغير ما اشتهر به. والثاني: الإقلال من الرواية فلا يكثر الأخذ عنه كمن لم يرو عنه إلا واحد.”[86] وعد هذا مجهول العين، ومن روى عنه اثنان فصاعدا مجهول الحال أو المستور.”[87]

  • أولا: الجواب بارتفاع الجهالة عمن أخرج لهم البخاري

قال الحافظ:” فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح، لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته، لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا كما سنبينه.”[88]

  • ثانيا: الجواب بنفي الطعن بالجهالة في الصحابة رضي الله عنهم

قال الحافظ: أما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول.”[89] ونفى تأثير الإبهام في الرواية إذا كان المبهم صحابيا فقال في الحديث المائة وفيه حدثني رجل من الأنصار:” وإبهام الصحابي لا يضر.”[90] ولذلك يحسن بأهل الاصطلاح استثناء الصحابة من تعريف المجهول.

  • ثالثا: الجواب بمناقشة دعوى الجهالة

إذا طعن الناقد في سند البخاري بالجهالة يجيب الحافظ بما ينفيها، إما بإثبات الرواية عن الراوي بالقدر الذي ترتفع به الجهالة، أو بنص أئمة النقد على نفيها، ومن ذلك قوله في أسامة بن حفص المدني: “ضعفه الأزدي وقال أبو القاسم اللالكائي مجهول…وقرأت بخط الذهبي في ميزانه ليس بمجهول فقد روى عنه أربعة.”[91] وقال مثله في الحكم بن عبد الله البصري:…ليس بمجهول من روى عنه أربعة.”[92] وقال في بيان بن عمرو البخاري: ليس بمجهول من روى عنه البخاري وأبو زرعة وعبيد الله بن واصل، ووثقه من ذكرنا.”[93]

المبحث الثالث: أجوبة الحافظ ابن حجر عن جرح رواة الصحيح بالكذب

  • أولا: الجواب بنفي صحة الطعن بالكذب

أطال الحافظ في مناقشة الطعن في عكرمة مولى ابن عباس وقال:” فأما أقوال من وهاه فمدارها على ثلاثة أشياء:.. فأشدها ما روي عن ابن عمر أنه قال لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس.”[94] وأجاب: فقول ابن عمر لم يثبت عنه، لأنه من رواية أبي خلف الجزار عن يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر يقول ذلك، ويحيى البكاء متروك الحديث، قال ابن حبان: من المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح.”[95]

  • ثانيا: الجواب ببيان اصطلاح أهل الحجاز في الكذب

ذكر الحافظ قول ابن حبان: “أهل الحجاز يطلقون كذب في موضع أخطأ…وأيده بقول: “ويؤيد ذلك إطلاق عبادة بن الصامت قوله كذب أبو محمد لما أخبر أنه يقول: الوتر واجب فإن أبا محمد لم يقله رواية، وإنما قاله اجتهادا…والمجتهد لا يقال إنه كذب، إنما يقال: إنه أخطأ”[96].

  •  ثالثا: الجواب برد التكذيب بما لا يقدح في الصدق

ذكر الحافظ قول القاسم بن محمد في عكرمة: كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه عشية فأجاب:”…وليس بقادح، لأنه لا مانع أن يكون عند المتبحر في المسألة القولان والثلاثة، فيخبر بما يستحضره منها، ويؤيد ذلك ما رواه ابن هبيرة قال: قدم علينا عكرمة مصر فجعل يحدثنا بالحديث عن الرجل من الصحابة ثم يحدثنا بذلك الحديث عن غيره، فأتينا إسماعيل بن عبيد الأنصاري وكان قد سمع من ابن عباس فذكرنا ذلك له فقال: أنا أخبره لكم، فأتاه فسأله عن أشياء كان سمعها من ابن عباس فأخبره بها على مثل ما سمع، قال ثم أتيناه فسألناه فقال: الرجل صدوق، ولكنه سمع من العلم فأكثر فكلما سنح له طريق سلكه”[97].

المبحث الرابع: أجوبة ابن حجر عن جرح النقاد لرواة الصحيح بما لا يقدح

يقول الحافظ: “وينبغي ألا يقبل الجرح والتعديل إلا من متيقظ، فلا يقبل جرح من أفرط فيه فجرح بما لا يقتضي رد حديث المحدث.”[98]

  • أولا: الجواب عن الجرح بسبب العمل للسلطان أو قبول جوائزه

قال عن التضعيف بهذا السبب إجمالا: “وكذلك عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط.”[99]

ومنهم حميد بن هلال العدوي: “قال ابن القطان كان ابن سيرين لا يرضاه أجاب الحافظ: بين أن ذلك بسبب أنه دخل في شيء من عمل السلطان.”[100]

ومنهم خالد بن مهران الحذاء: “أحد الأثبات…تكلم فيه شعبة لدخوله في شيء من العمل.”[101]

ومنهم أحمد بن عبد الملك وذكر قول أحمد عن سبب الطعن فيه: أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان وهو يغشى السلطان…ثم أجاب بقوله: وهو غير قادح.”[102]

وقال الحافظ عن عكرمة مولى ابن عباس: “أما قبول الجوائز فلا يقدح فيه أيضا إلا عند أهل التشدد، وجمهور أهل العلم على الجواز.”[103]

  • ثانيا: الجواب عن الجرح بالحد تحاملا

ذكر الحافظ قول ابن أبي خيثمة في يعقوب بن حميد بن كاسب المدني: قلت لمصعب الزبيري: إن ابن معين يقول في ابن كاسب: إن حديثه لا يجوز لأنه محدود. فقال: إنما حده الطالبيون تحاملا عليه. ثم أجاب: فمن هذه الجهة ليس الجرح فيه بقادح”[104].

  • ثالثا: الجواب عن الطعن بسبب المزاح

قال الحافظ في أبي الأشعث أحمد بن المقدام: طعن فيه أبو داود لمزاحه.”[105] كما ذكر عنه قوله فيه: لا أحدث عنه لأنه كان يعلم المجان المجون…”وذكر قصة المجان بالبصرة وأنهم كانوا يصرون صرر دراهم فيطرحونها على الطريق، فإذا أخذها أحد صاحوا به…. فعلم أبو الأشعث المارة أن يهيئوا صرر زجاج وقال لهم: فإذا صاحوا بكم فاطرحوا صرر الزجاج وخذوا صرر الدراهم…أجاب الحافظ بقول ابن عدي: لايؤثر ذلك فيه لأنه من أهل الصدق. ثم أيده بقوله: ووجه عدم تأثيره فيه أنه لم يعلم المجان كما قال أبو داود وإنما علم المارة…وكأنه كان يذهب مذهب من يؤدب بالمال …”[106]

  • رابعا: الجواب عن الطعن بسبب الطنبور في البيت

ذكر الحافظ ما رواه وهب بن جرير عن شعبة أنه قال: أتيت منزل المنهال فسمعت منه صوت الطنبور[107] فرجعت ولم أسأله، قلت فهلا سألته عسى كان لا يعلم، ثم قال الحافظ: وهذا اعتراض صحيح فإن هذا لا يوجب قدحا في المنهال.”[108]

  •  خامسا: الجواب عن الجرح غير المفسر

قال الحافظ عن الرواة الذي أخرج لهم البخاري وتكلم فيهم غيره: “وإذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه

مطلقا، أو في ضبطه لخبر بعينه، لأن أسباب الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.”[109]

ومن الذين رد الحافظ الطعن فيهم بسبب وروده غير مفسر: محمد بن بشار المعروف ببندار، قال فيه: ” أحد الثقات المشهورين ….ضعفه عمرو بن علي الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك فما عرجوا على تجريحه.”[110]

وأجاب بمثله عن يزيد بن أبي مريم.[111] وعن موسى بن إسماعيل التبوذكي[112].

  • سادسا: الجواب برد جرح الضعيف للثقة

ذكر الحافظ كلام الأزدي في إسرائيل بن موسى: ثم أجاب:” الأزدي فيه لين لا يعتمد إذا انفرد، فكيف إذا خالف.”[113] وقال في موضع آخر عنه: والأزدي لا يعرج على قوله.”[114]

وقال في مبشر بن إسماعيل الحلبي:” لم أر فيه كلاما لأحد من أئمة الجرح والتعديل، لكن قال ابن قانع في الوفيات إنه ضعيف، وابن قانع ليس بمعتمد.”[115]

  • سابعا: رد الجرح الذي يرويه الضعيف

قال الحافظ عن المنهال بن عمرو الأسدي: “وروى ابن أبي خيثمة بسند له عن المغيرة بن مقسم أنه كان ينهى الأعمش عن الرواية عن المنهال، وأنه قال: ليزيد بن أبي زياد نشدتك بالله هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟ قال: اللهم لا، ثم أجاب: وهذه الحكاية لا تصح، لأن راويها محمد بن عمر الحنفي لا يعرف…”[116]

الفصل الثالث: أجوبة الحافظ ابن حجر عن

 نقد ضبط رواة صحيح البخاري

  • تمهيد في تعريف الضبط

الضبط هو ثالث شروط الصحة بعد الاتصال والعدالة، ويشترط المحدثون تمام الضبط كما يظهر ذلك من تعريفهم كقول الحافظ:” خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته.”[117]

وقال في أقسامه:” والضبط: ضبط صدر وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، ضبط كتاب وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤديه منه، وقيد بالتام إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك.”[118]

المبحث الأول: أجوبة ابن حجر عن نقد ضبط رجال البخاري بالاختلاط.

  • تمهيد في تعريف الاختلاط وحكمه:

يقول ابن الصلاح: “هذا فن عزيز … وهم (يعني المختلطين) منقسمون: فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه، ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك، والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده”[119]. وذكر الحافظ قريبا منه وقال:…. وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه”[120].

  • أولا: الجواب بنفي التحديث حال الاختلاط:

أجاب الحافظ عن وصف ابن سعد لجرير بن حازم الأزدي بالاختلاط بقوله: لكنه ما ضره اختلاطه، …وروى قول ابن مهدي: كان لجرير أولاد فلما أحسوا باختلاطه حجبوه فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئا”[121].

وقال عن حجاج بن محمد الأعور المصيصي: “لكن ما ضره الاختلاط فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحدا.”[122]

  • ثانيا: الجواب بإبراز انتقاء البخاري لأحاديث المختلطين:

قال الحافظ عن حصين بن عبد الرحمان السلمي: “متفق على الاحتجاج به، إلا أنه تغير في آخر عمره، وأن البخاري أخرج حديث من سمع منه قبل تغيره كشعبة والثوري، ومن أخذ عنه بعد ذلك لم يخرج لهم إلا ما توبعوا عليه”[123].

وقال في عبد الرزاق بن همام الصنعاني: احتج به الشيخان في جملة من حديث من سمع منه قبل الاختلاط … قبل المائتين فإما بعدها فكان قد تغير”[124].

          وقال عن عمرة بن عبد الله السبيعي: “أخرج له عن القدماء من أصحابه كالثوري وشعبة لا عن المتأخرين كابن عيينة”[125]. وفي إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي ذكر رواية البخاري ثلاثة أحاديث عنه فقال: “وكأنها مما أخذه من كتابه قبل ذهاب بصره”[126].

وقال في محمد بن الفضل السدوسي: “سمع منه البخاري سنة ثلاث عشرة قبل اختلاطه بمدة”[127].

  • ثالثا: إخراج البخاري حديث المختلط إذا توبع عليه أو اقترن بغيره.

قال الحافظ في سعيد بن إياس البصري بعدما ذكر اختلاطه: “نعم وأخرج له البخاري من رواية خالد الواسطي عنه، ولم يتحرر لي أمره إلى الآن هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، لكن حديثه عنه بمتابعة بشر بن المفضل… وذكر بشر فيمن أخذ عنه قبل الاختلاط”[128].

وقال في حصين بن عبد الرحمان السلمي: “ومن أخذ عنه بعد ذلك (يعني بعد الاختلاط) لم يخرج لهم إلا ما توبعوا عليه”[129].

المبحث الثاني: أجوبة ابن حجر عن النقد بالوهم والغلط

  • تمهيد في حكم رواية الموصوف بالوهم

قال الخطيب: “باب ترك الاحتجاج بمن كثر غلطه وكان الوهم غالبا على روايته…  وروى قول ابن مهدي: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه”[130].

قال الحافظ:” أما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء”[131].

  • أولا: انتقاء البخاري حديث من وصف بالوهم والغلط:

ذكر الحافظ من وثق عمرو بن محمد بن بكير الناقد … وأنكر عليه علي بن المديني حديثا أخطأ فيه عن ابن عيينة، فأجاب:” البخاري روى عنه ثلاثة أحاديث ولم يخرج له عن ابن عيينة شيئا”[132].

وقال في معمر بن راشد صاحب الزهري: “كان من أثبت الناس فيه …” وذكر من ضعف حديثه عن الأعمش وثابت البناني وأنه غلط في حديثه بالبصرة، ثم قال: “ولم يخرج له …من روايته عن الأعمش شيئا، ولم يخرج له من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه عنه”[133].

  • ثانيا: نفي صحة التضعيف بكثرة الغلط.

قال الحافظ في إسماعيل بن إبراهيم بن معمر: “وجاء عن جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين أنه أخطأ في حديث كثير، واستنكر الخطيب صحة ذلك عن يحيى، ولا يصح عنه إن شاء الله”[134].

  • ثالثا: حمل الغلط على الراوي عن البخاري.

ينسب بعض النقاد أحيانا الوهم والغلط إلى البخاري ويكون سبب ذلك ما وقع لهم من الروايات، ومن ذلك قول عبد الغني بن سعيد الحافظ: روى البخاري عن مسدد عن أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم:… أفنذبح بالقصب…[135] قال وأخطأ أبو الأحوص في هذا حيث قال: عن أبيه عن جده، وقد حذف البخاري في الصحيح قوله: عن أبيه فصار عن عباية عن جده رافع وهو الصواب، قال: وهذا أصل يعمل عليه من بعد البخاري إذا وقع له خطأ في حديث أن يسقطه… قال أبو علي: “إنما تكلم عبد الغني على ما وقع له من رواية أبي علي بن السكن فظن أنه من عمل البخاري، وإنما هو من عمل ابن السكن، فإنه في رواية أبي ذر عن شيوخه وفي رواية الأصيلي عن شيخه بإثبات قوله: “عن أبيه”، وكذا هو في رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري”[136].

  • رابعا: الجواب عن الوهم بالمتابعة.

قال الحافظ في العلاء بن المسيب بن رافع بعدما ذكر من وثقه… قال الحاكم: له أوهام وذكر أن البخاري روى له ما توبع عليه ثم قال: فصح أنه ما أخرج له إلا ما توبع عليه”[137]. وأجاب عن قول ابن حبان في سهل بن بكار: “ربما وهم وأخطأ”. بأن البخاري أخرج له حديثين بالمتابعة”[138]. وأجاب عن قول أحمد في مخلد بن يزيد الحراني: “لا بأس به وكان يهم…” بقوله: “أخرج له البخاري أحاديث قليلة… توبع عليها”[139].

  • خامسا: نفي الوهم بالجمع بين الروايات.

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة[140].

ذكر الحافظ نقد الدارقطني والنسائي لرواية مالك برواية غيره العوالي بدل قباء فأجاب: “ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث”[141]. وقال: “فنسبة الوهم فيه إلى مالك منتقد، فإن كان وهما احتمل أن يكون منه وأن يكون من الزهري… ومع ذلك فالمعنى متقارب لكن رواية مالك أخص، لأن قباء من العوالي وليست العوالي كل قباء… فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكا وهم فيه…”[142].

  • سادسا: اعتبار الحديث المستدل به على الوهم حديثا آخر لاختلاف السياق:

قال الدارقطني وأخرجا حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر “لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا”، ورواه عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ولم يتابع عليه عدي وتابع أبا بشر المنهال بن عمرو وغيره وحديث عدي وهم…”فأجاب الحافظ: “قد ذكر البخاري حديث عدي تعليقا ووصله مسلم، وعندي أنه حديث آخر غير حديث أبي بشر لاختلاف المتنين لفظا ومعنى”[143].

  • سابعا: قصر الوهم على ضبط الصدر دون ضبط الكتاب:

قال الحافظ في أبي بكر بن عياش الأسدي بعدما ذكر من وصفه بالغلط وسوء الحفظ، كأحمد وابن حبان: “ساء حفظه لما كبر، وكتابه معتمد”[144].

المبحث الثالث: أجوبة ابن حجر عن النقد بقبول زيادة الثقة

  • أولا: نفي التعليل بقبول زيادة الثقة:

قال الحافظ: “لكن الزيادة من الثقة مقبولة ولاسيما إذا كان حافظا”[145]. وذكر قول الدارقطني: وأخرجا جميعا حديث يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المسيء صلاته، وقد خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم منهم: أبو أسامة وعبد الله بن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم، فرووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة لم يذكروا أباه[146]. صرح الحافظ بترجيح الرواية التي فيها زيادة فقال: “لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ”[147]. ورجح زيادة الحافظ في الحديث التاسع عشر فقال:”… العلة ليست بقادحة لأن وهيبا حافظ، تقدم روايته لأن معه زيادة”[148].

أجاب عن حديث آخر[149]:”الليث إمام وقد زاد فيه عن أبيه فلا يضره من نقصه، على أنه في مثل هذا لا يبعد أن يكون الحديث عند سعيد على الوجهين”[150].

  • ثانيا: الاستدلال بالزيادة على صحة الطريقين:

قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال: “اللهم ارزقني شهادة في سبيلك”[151]. ناقشه الدارقطني برواية زيد بن أسلم عن أمه عن حفصة. أجاب الحافظ: “الظاهر أنه كان عند زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، وعن أمه عن حفصة عن عمر، لأن الليث وروح بن القاسم حافظان… وفي سياق حديث زيد بن أسلم عن أمه عن حفصة، زيادة على حديثه عن أبيه عن عمر كما بينته في كتاب تغليق التعليق، فدل على أنهما طريقان محفوظان”[152].

وقال في حديث لمجاهد: “فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس”[153]. وسبق في مباحث الانقطاع والتدليس أمثلة له.

المبحث الرابع: أجوبة ابن حجر عن النقد بالاختلاف والاضطراب

  • أولا: شروط القول بالاضطراب:

قال الحافظ: “الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح. ثانيهما: أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فيحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب”[154].

  • ثانيا: التقليل من شأن الاختلاف في اسم الصحابي:

          من أمثلته الحديث التاسع بعد المائة حيث اختلف فيه عن سفيان بن عيينة هل عن عبد الله بن عمر أم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فأجاب: “ليس في التعليل بذلك كبير تأثير”[155].

  • ثالثا: حمل المبهم في سند على المسمى في سند آخر:

قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين قتلى أحد…[156] وهو حديث مضطرب.. قال الحافظ: …إمكان نفي الاضطراب عنه بأن يفسر المبهم الذي في رواية سليمان (رواه سليمان بن كثير عن الزهري حدثني من سمع جابرا) بالمسمى الذي في رواية الليث (هي التي أخرجها وفيها: حدثني ابن شهاب عن عبد الرحمان بن كعب عن جابر…)، وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين”[157].

  • رابعا: نفي الاضطراب باحتمال صحة الطريقين.

قال الدارقطني: وأخرجا حديث عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” يتقارب الزمان…”[158] وقد خالفه فيه شعيب ويونس والليث بن سعد وابن أخي الزهري رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة…”.

أجاب الحافظ: “الزهري صاحب حديث، فلا استبعاد أن يكون عنده عن حميد وسعيد جميعا”[159]. وقال مثله في الحديث الثامن والتسعين[160].

  • خامسا: نفي الاضطراب بضعف الرواية المخالفة.

من أمثلته الحديث التاسع الذي أعله الدارقطني برواية أبي معشر، فأجاب: “أما أبو معشر فضعيف لا معنى للتعليل بروايته”[161].

وأجاب عن قول أبي مسعود: “هكذا في كتاب البخاري أبو إسحاق عن أبي طوالة وسقط عليه بينهما زائدة بن قدامة”. بقوله: “واستند في ذلك إلى رواية المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبي طوالة، وهو مستند في غاية الوهاء، فإن المسيب ضعيف”[162].

وأجاب بمثله عن الحديث الحادي عشر، و الواحد والثلاثين “[163].

  • سادسا: نفي الاضطراب باختلاف الحديثين.

قال الدارقطني: “وأخرجا حديث الثوري وهشيم عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن قوله تعالى: “هذان خصمان…”[164] وأخرجاه أيضا من حديث سليمان التيمي عن أبي مجلز عن قيس عن علي قال: أنا أول من يجثو للخصومة قال قيس: وفيهم نزلت هذان خصمان قال: فاضطرب الحديث.

قال الحافظ: “أما حديث سليمان التيمي عن أبي مجلز فلا مخالفة بينه وبين حديث أبي هاشم عنه، لأن رواية التيمي لحديث علي غير رواية أبي هاشم لحديث أبي ذر …، فهما حديثان مختلفان وبهذا يجمع بينهما وينتفي الاضطراب والله أعلم”[165].

  • سابعا: حمل الاضطراب على الراوي عن الثقة.

قال الحافظ في الحسين بن ذكوان المعلم: “وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وأبو زرعة… وقال يحيى القطان: فيه اضطراب، قلت: لعل الاضطراب من الرواة عنه، فقد احتج به الأئمة”[166].

  • ثامنا: بيان اتقاء البخاري لما اضطرب فيه الراوي.

قال الحافظ في عباد بن العوام بن عمر:” وقال الأثرم عن أحمد: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة، قلت: لم يخرج له البخاري من روايته عن سعيد شيئا”[167].

وقال في إسحاق بن راشد الجزري الذي قال فيه الذهلي: “مضطرب في حديث الزهري”: “غالب ما أخرج له البخاري ما شاركه فيه غيره عن الزهري وهي مواضع يسيرة”[168].

  • تاسعا: إثبات الاختلاف في الرواية المعتمدة في القول بالاضطراب.

قال البخاري: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة”. تابعه يحيى بن أبي كثير وسهيل ومالك عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه[169]. قال الدارقطني: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل عن سعيد عن أبي هريرة، يعني لم يقولوا عن أبيه. فأجاب الحافظ: “وقد اختلف فيه على مالك فرواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث بشر بن عمر عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة”[170]. أي كما رواه البخاري، وفيه إثبات الاختلاف على مالك

المبحث الخامس: أجوبة ابن حجر عن النقد بترجيح صنيع البخاري

  • أولا: الترجيح بقرينة القرابة

قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس عن أبي بكر حديث الصدقات، وهذا لم يسمعه ثمامة من أنس ولا عبد الله بن المثنى من ثمامة قال علي بن المديني: حدثني عبد الصمد حدثني عبد الله بن المثنى قال: دفع إلي ثمامة هذا الكتاب.

اعتمد الدارقطني هذا للقول بأن عبد الله بن المثنى لم يسمع من ثمامة، أجاب الحافظ: “وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد الله الأنصاري في الثقة، ولا أعرف بحديث أبيه منه والله أعلم”[171].

  • ثانيا: الترجيح بقرينة الحفظ.

قال الدارقطني: وأخرجا جميعا حديث عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة … وقد رواه حماد بن زيد عن عمرو عن طاوس أن عمر قال…قال الحافظ: “صرح ابن عيينة عن عمرو بسماع طاوس له من ابن عباس وهو أحفظ الناس لحديث عمرو، فروايته الراجحة”[172]. وذكر في مواضع أخرى الترجيح بحفظ وهيب،[173] والزهري،[174] وابن أبي ذئب.[175]

  • ثالثا: الترجيح بحضور القصة.

قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس: وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذلك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته…”[176]

انتقده الدارقطني بأن حماد لم يذكر فيه المسور، فأجاب الحافظ: “والمسور قد حضر القصة، فالظاهر أن ابن أبي مليكة رواه عن كل منهما”[177].

  • رابعا: الترجيح بكثرة الرواة.

قال البخاري: حدثنا أصبغ أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان…[178] قال الدارقطني: … وقال شعيب عن الزهري مثله إلا أنه وقفه، وقال الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة…قال الحافظ: “حكى البخاري هذه الأوجه كلها وكأنه ترجح عنده طريق أبي سلمة عن أبي سعيد، فإن أكثر أصحاب الزهري رووه كذلك”[179].

  • خامسا: الترجيح بكثرة الملازمة:

قال الدارقطني: “وأخرجا جميعا حديث قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة من أعتق شقيصا وذكرا فيه الاستسعاء [180]من حديث ابن أبي عروبة وجرير بن حازم وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت الناس في قتادة فلم يذكرا في الحديث الاستسعاء…”[181] قال الحافظ: “لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد… فإن ملازمة سعيد لقتادة أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره”[182].

المبحث السادس: أجوبة ابن حجر عن نقد الضبط بالمتابعات

  • أولا: إثبات المتابعة في الصحيح.

قال الحافظ في محمد بن عبد العزيز الرملي الواسطي:”…وثقه العجلي، وذكر قول ابن حبان: “ربما خالف”، وذكر أن البخاري روى عنه حديثين… وأنه أخرج كلا منهما من طريق آخر عن زيد بن أسلم”[183].

وقال في محمد بن يزيد الكوفي: “لكن ضعفه البخاري وغيره، وقواه آخرون، فلا يبعد أن يخرج له في صحيحه ما يتابع عليه، فقد تابعه عليه عنده علي بن المديني”[184].

  • ثانيا: إثبات المتابعة عند البخاري وعند غيره.

قال البخاري: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري قال: أخبرني أبي عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل رجل يوم الجمعة…[185] قال الدارقطني: … وقد اختلف فيه على المقبري فقال ابن عجلان: عنه عن أبيه عن ابن وديعة عن أبي ذر وأرسله أبو معشر عنه…

قوى الحافظ رواية البخاري عن آدم … بقوله:”وكذا رويناه في صحيح ابن حبان من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب، ورواه أحمد في مسنده عن أبي النضر وحجاج بن محمد جميعا عن ابن أبي ذئب كذلك”[186].

ذكر الحافظ من وثق عبد الرحمان بن حماد بن شعيب البصري، وقول أبي حاتم: “ليس بالقوي”. فأجاب: “روى عنه البخاري حديثا واحدا في الجنائز… وقد تابعه عليه يزيد بن هارون عند النسائي …”[187].

المبحث السابع: أجوبة ابن حجر عن نقد الضبط بضعف الحجة، أو ضعف قائلها أو ناقلها

  • أولا: رد الطعن في الضبط لضعف قائله.

ذكر الحافظ من وثق خيثم بن عراك بن مالك الغفاري فقال: “وشذ الأزدي فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي… وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟”[188].

  • ثانيا: رد الطعن في الضبط لعدم صحته أو لانعدام الحجة:
  • قال الحافظ عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: “لم يثبت عن أحمد تضعيفه”[189].

قال ابن سعد في أبي بكر بن أبي موسى الأشعري: ” وكان قليل الحديث يستضعف، قال الحافظ: “هذا جرح مردود”[190]. وقال في محمد بن بكر البرساني: “لينه النسائي بلا حجة”[191].وقال عن القاسم بن مالك المزني: “ضعفه الساجي بلا مستند”[192].

  • ثالثا: حمل التضعيف على المقارنة بالأثبات.

ذكر الحافظ موسى بن عقبة المدني ومن وثقه، وقول ابن معين فيه: “في روايته عن نافع شيء، ليس فيه كمالك وعبيد الله بن عمر”. ثم قال: فظهر أن تليين ابن معين له إنما هو بالنسبة إلى رواية مالك وغيره، لا

 فيما تفرد به، فقد اعتمده الأئمة كلهم”[193] وقال في عبد الرحمان بن سليمان: “تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه، وقد احتج به الجماعة”[194]. وقال في عبد ربه بن نافع الخياط:”…والظاهر أن تضعيف من ضعفه إنما هو بالنسبة إلى غيره من أقرانه كأبي عوانة وأنظاره”[195].

خاتمة في نتائج البحث ومنهج  الحافظ ابن حجر في أجوبته عن نقد  صحيح البخاري

1-أفرد الحافظ الأحاديث المنتقدة بالفصل الثامن من المقدمة و رتبها حسب ورودها في الصحيح، ورقمها من الحديث الأول إلى العاشر بعد المائة.وجعل الفصل التاسع للرواة المتكلم فيهم وأخرج لهم البخاري.

2-يبدأ بذكر كلام الناقد وأغلب ما ذكر للدارقطني، وقل ما ذكره لغيره كأبي علي الغساني أو الخطيب البغدادي أو أبي مسعود الدمشقي، وبعد عرض كلامه وأدلته يجيب ويلخص الحكم غالبا في نهاية المناقشة.

3-أكثر المحدثين نقدا للصحيح هو الدارقطني، إلا أنه لم يقتصر على العلل، بل يذكر كل اختلاف وإن لم يقدح في الصحة، مما رفع من عدد الأحاديث المنتقدة، ولو اقتصر على العلل القادحة لنقص العدد كثيرا.

4-كان الحافظ حريصا على التفصيل في الحكم على الرجال، وإبراز سبب الجرح ليبين اتقاء البخاري له.

5-ليس كل ما انتقده المحدثون على البخاري ضعيفا، بل بين الحافظ ضعف النقد أو ضعف دليله أحيانا.

6-يعمل الحافظ المتابعات الواردة في الصحيح وفي غيره مع عزوها إلى مصادرها، كما يحيل على كتبه كالفتح وتغليق التعليق وغيرهما…

7-يحرص على إثبات علم البخاري بمعتمد الناقد ودليله، وإذا تعلق الأمر بالاتصال بين بعض الرواة يثبته برواية البخاري أو برواية غيره ما وسعه ذلك، ويظهر منهج البخاري في الأسانيد المنتقدة هل أخرجها أصولا أم في المتابعات.

8-يشير إلى منهج البخاري في الرواية عن المتكلم فيهم إقلالا وإكثارا، وكثيرا ما يذكر الأرقام كقوله: روى له حديثا واحدا أو اثنين … ويبين اتقاء البخاري لما ضعف فيه المتكلم فيه..

9-أغلب النقد يتعلق بالضبط والاتصال، أما النقد المسقط للعدالة كالكذب، والبدع المكفرة، فليس فيمن روى عنهم البخاري شيء من ذلك.

10-يمحص الحافظ كلام الناقد فإن كان مستنده صحيحا أجاب، وإن كان ضعيفا بين ضعفه، وإن أخطأ بينه، وإن تضمن كلامه الجواب اكتفى به وأقره، فيقول: وهو كما قال وما أشبه…

11-يجتهد كثيرا في الاحتمالات التي من شأنها نفي العلة، كتصحيح الطريقين وأن مجرد الاختلاف لا يلزم منه الاضطراب.

12-يقارن بين الرواة المختلف أداؤهم من حيث الحفظ والملازمة، ويرجح بالحفظ وغيره.

13-رتب الرواة المتكلم فيهم في الفصل التاسع حسب حروف المعجم، ويذكر غالبا اسم الراوي واسم أبيه وجده وكنيته وبلده… ويقدم كلام من وثقه ومن توسط ثم من جرحه، ولحرصه على التفصيل في رواية المتكلم فيه، يذكر من بين سبب الطعن إن وجده أو من فصل في الحكم، ويناقشه، وهل يقدح أم لا، ويذكر غالبا من روى عن المتكلم فيه من أصحاب الكتب الستة، وكثيرا مايختم به …

14-يرد التعليل بالاختلاف في الصحابي أو جهالته أو إرساله ….اكتفاء بما ثبت من عدالتهم.

15-يثني على البخاري ويظهر نفوذ رأيه إذا قارنه بغيره كقوله في الحديث الأول: “وبه يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه.” وفي  العاشر: “ومن هنا يظهر شفوف نظر البخاري على غيره.”

16-يقر ببقاء العلة إذا لم يجد جوابا سديدا، كالحديث الثامن عشر، والواحد والثمانين، قال فيه: “وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد، ولا بد للجواد من كبوة.” وقال في الثالث والثمانين:” وعلته ظاهرة والجواب عنه فيه تكلف وتعسف”.

17-كثيرا ما يفوض العلم لله تعالى فيختم المناقشة بقوله: “والله أعلم”، وقد يختم بحمد الله، وما أشبه.

18-الأحاديث المنتقدة في مجموعها 110 أحاديث، ونسبتها في مجموع أحاديث الصحيح أقل من 2بالمائة، وبأجوبة الحافظ يتبين أن أغلب الانتقادات لا تقدح في الصحة، فتنزل النسبة إلى أقل من 1 بالمائة، ولا يسلم أي عمل بشري من النقص، والكمال لله.

19-نقد البخاري خدمة له، وخدمة للسنة باعتبار أثره، فهو دافع للكشف عن دقائق منهجه، فالنقد أثبت أنه أصح كتب السنة، فلم يضره نقد المختصين فكيف يضره تشغيب الجاهلين؟.

20-إبراز نقد المحدثين لصحيح البخاري وأجوبة ابن حجر وغيره من أحسن الردود على من يدعون تقديس المسلمين للبخاري وصحيحه، مع التمييز بين النقد العلمي المبني على قواعد المحدثين وبين النقد الساخر، والمبني على الجهل بالحديث وقواعده.


المصادر

التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، العراقي، دار الفكر.1401-1981

الخطيب البغدادي، الكفاية في معرفة أصول الرواية. تحقيق إبراهيم  الدمياطي دار الهدى، ط1. 2003

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، مكتبة الصفا. ط1 .1424-2003.

صحيح البخاري، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، 1422هـ

ابن الصلاح، المقدمة(معرفة أنواع علوم الحديث). دار الفكر، بيروت .1408-1988

لسان الميزان، مؤسسة الأعلمي، ابن حجر العسقلاني، للمطبوعات ط3 ، بيروت، لبنان، 1406-1986.

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. تحقيق نور الدين عتر . مطبعة الصباح ط3، 1993

هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، مكتبة الصفا. ط1 .1424-2003.


[1] – أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي.

[2] – الكفاية في معرفة أصول الرواية للخطيب البغدادي، تحقيق إبراهيم  الدمياطي، دار الهدى، ط1. 2003، 1/93.

[3] – هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، مكتبة الصفا. ط1 .1424-2003. ص: 15

[4] – المصدر نفسه، 425، فتح الباري 8/596

[5] -نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، تحقيق نور الدين عتر، مطبعة الصباح، ط:3، 1993 ص:82

[6]  -المرجع نفسه، ص: 82

[7]  -الهدي، 448.

[8]  -الهدي، 420-421

[9]  -الصحيح، كتاب الجهاد، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب.

[10]  -الهدي، 433

[11]  -النزهة، 106-107

[12]  -الصحيح، كتاب الجهاد، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة.

[13]  -الهدي، 434

[14]  -الصحيح، كتاب التعبير، باب من كذب في حلمه.

[15]  -الهدي، 451

[16]  -مقدمة ابن الصلاح، دار الفكر، بيروت، 1988 ص: 34-35

[17]  -النزهة، 85

[18]  -نفسه ، 85

[19]  -المقدمة، 35

[20]  -الصحيح، كتاب العيدين، باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج

[21]  -الهدي، 424- 419

[22]  -فتح الباري، 2/550

[23]  -الصحيح، كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث.

[24]  -الهدي، 419

[25]  -الصحيح ،كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من فرج المرأة.

[26]  -الهدي، 420-421

[27]  -نفسه، 519

[28]  -انفسه، 544

[29]  -نفسه، 492

[30]  -نفسه، 543

[31]  -نفسه، 484

[32]  -نفسه، 523

[33]  -الصحيح، كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول …

[34]  -الهدي، 420

[35]  -نفسه، 442-443

[36]  -الفتح، 8/631

[37]  -الصحيح، كتاب الحج، باب من صلى ركعتي الطواف خارجا من المسجد

[38]  -الفتح، 3/598

[39]  -الصحيح ،كتاب التفسير، باب قوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ….

[40]  -الهدي، 443-444

[41]  -الفتح، 7/533(باختصار)

[42]  -الصحيح ،كتاب الحج، باب من صلى ركعتي الطواف خارجا من المسجد

[43]  -الفتح، 3/597-598

[44]  -الهدي، 445

[45]  -نفسه، 417

[46]  -نفسه، 448

[47]  -الهدي، 432

[48]  -الفتح، 10/235

[49]  -نفسه، 7/677

[50]  -نفسه، 8/333-334

[51]  -لون يخالف لون الوجه كالسواد والحمرة، مختصر من الفتح، 10/234.الحديث في كتاب الطب، باب رقية العين.

[52]  -الهدي، 448

[53]  -الهدي، 442

[54]  -نفس المرجع، 24

[55]  -نفسه، 24

[56] – نفسه.

[57] – نفسه، 25

[58]  – نفسه

[59]  -نفسه، 26

[60]  – نفسه، 27

[61]  -الهدي، 416. حقق التغليق سعيد القزقي في رسالة دكتوراه بمصر.

[62]  -الهدي، 429-430

[63]  -نفسه، 447

[64]  -الفتح، 9/541

[65]  -الخطيب البغدادي، الكفاية، 1/272

[66]  -النزهة، 58

[67]   -النزهة، 54

[68]  -التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح دار الفكر.1401-1981 ص: 176.

[69]  -الهدي، 455

[70]  -نفسه، 455

[71]  -نفسه، 455

[72]  -لسان الميزان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط3 بيروت لبنان1406-1986. (1/9)

[73]  -الهدي، 503

[74]  -الهدي، 455

[75]  -نفسه، 514

[76]  – نفسه، 499

[77]  – نفسه، 465

[78]  -نفسه، 472

[79]  – نفسه، 528

[80]  – نفسه، 528

[81]  -نفسه، 482

[82]  -نفسه، 508

[83]  -نفسه، 509

[84]  -الهدي، 530

[85]  -الكفاية، 1/289-290

[86]  -نزهة النظر، 99-100

[87]  -نفس المرجع، 101-102

[88]  -نفسه، 454

[89]  -الفتح، 10/671

[90]  -نفسه، 12/211

[91]  -الهدي، 459

[92]  -نفسه، 470

[93]  – نفسه، 465

[94]  – نفسه، 500

[95] – نفسه، 502

[96]  – نفسه.

[97]  -نفسه، 503

[98]  -النزهة،   138

[99]  -الهدي، 455

[100]  -نفسه، 471

[101]  – نفسه، 543

[102]  – نفسه، 457

[103]  – نفسه، 505

[104]  – نفسه، 533

[105]  – نفسه، 542

[106]  -الهدي، 457

[107]  -اسم آلة موسيقية تشبه العود

[108]  -الهدي، 524

[109]  -نفسه، 454

[110]  – نفسه، 514

[111]  – نفسه، 532

[112]  -نفسه، 524

[113]  – نفسه، 460

[114]  – نفسه، 463

[115]  -الهدي، 520

[116]  -نفسه، 524

[117]  -نفسه، 58

[118]  -نفسه، 65

[119]  -المقدمة، 194-195

[120]  -النزهة، 104-105

[121]  -الهدي، 466، و542

[122]  -الهدي، 467، و542

[123]  -نفسه، 469

[124]  -نفسه، 493

[125]  -نفسه، 507

[126]  -نفسه، 460

[127]  -نفسه، 518

[128]  -نفسه، 477

[129]  -الهدي، 469

[130]  -الكفاية، 1/427

[131]  -الهدي، 454

[132]  -نفسه، 508

[133]  -نفسه، 522

[134]  -نفسه، 461

[135]  -الصحيح: كتاب الذبائح، باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنما أو إبلا بغير أمر أصحابهم لم تؤكل.

[136]  -الهدي، 447-448

[137]  -نفسه، 510

[138]  -نفسه، 481

[139]  -نفسه، 521

[140]  -الصحيح، كتاب الصلاة، باب وقت العصر

[141]  -الهدي، 422

[142]  -الفتح، 2/36

[143]  -الهدي، 447

[144]  -نفسه، 546

[145]  -الفتح، 2/704

[146]  -الهدي، 423

[147]  -الفتح، 2/343

[148]  -الهدي، 427

[149] -الصحيح، كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني

[150]  -الهدي، 430

[151]  -الصحيح، كتاب فضائل المدينة، الباب 12 بدون ترجمة الحديث، برقم: 1890

[152]  -الهدي، 429

[153]  -الفتح، 1/398

[154]  -الهدي، 419-420

[155]  -الهدي، 453

[156]  -الصحيح، كتاب الجنائز، باب اللحد والشق في القبر

[157]  -الهدي، 426

[158]  -الصحيح، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن وذكر البخاري الطريقين معا

[159]  -الهدي، 451

[160]  -الفتح، 11/526

[161]  -الهدي، 423

[162]  -نفسه، 432-433

[163]  -نفسه، 424 و 431، 432،433

[164] -الصحيح، كتاب التفسير، باب قتل أبي جهل

[165] – الهدي، 443، الفتح، 8/333

[166]  -الهدي، 469

[167]  -نفسه، 485

[168]  -نفسه، 460

[169]  -الصحيح، كتاب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا

[170]  -الهدي، 425

[171]  -الهدي، 428

[172]  -نفسه، 430-431. وقع التصريح بالسماع في رواية البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: بلغ عمر … (الصحيح كتاب البيوع باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه)

[173] -نفسه، 451

[174] -الفتح، 13/230

[175] -الفتح، 2/456

[176]  -الصحيح، كتاب المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه وذكر الطريقين

[177]  -الهدي، 438

[178]  -الصحيح ، كتاب الأحكام، باب بطانة الإمام وأهل مشورته

[179]  -الهدي، 452

[180]  -الصحيح،كتاب العتق، باب إذا أعتق نصيبا في عبد وليس له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة والاستسعاء إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد وكان معسرا، فيستسعى العبد في عتق بقيته، مختصر من الفتح، 5/189.

[181]  -الهدي، 432

[182]  -الفتح، 5/188

[183]  -الهدي، 518

[184]  -نفسه، 520

[185]  -الصحيح ،كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة

[186]  – الهدي، 423

[187]  -نفسه، 491

[188]  – نفسه، 472

[189]  – نفسه، 494

[190]  – نفسه، 535 و546

[191]  – نفسه، 545

[192]  – نفسه، 545

[193]  -الهدي، 524

[194]  -نفسه، 491

[195]  -نفسه، 490

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.