منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقل والدين (7)

العقل والدين (7)/ خالد صادق

0

العقل والدين (7)

بقلم: خالد صادق

الحمد لله العزيز الوهاب، حافظ السنة والكتاب، الهادي إليه من تفكر وأناب، وعلى سيد اولي الألباب ، والآل والأصحاب، ومن أحبهم وتبعهم فانسلك في سلك المصطفين و الأحباب.

يُخَيل لبعض من يتكلم اليوم في كل شيء أن مجرد ولادة فخامته في زمن الانفجار المعلوماتي والثورة التكنولوجية يجعله أعلى ذكاء وأوسع اطلاعا ممن عاش في سالف القرون، فيُنصٍّب نفسه حكما على علومهم وإنتاجهم المعرفي بخفة ونزق تناسب زمن السرعة الذي ولد فيه، دون أن ينتبه إلى خطورة الحقول المعرفية التي يخوضها من غير سابق دراسة وفهم وتنقيح وجلوس وتساؤل في حلقات العلماء حيث قُتلت مسائل العلوم بحثا وأخذا وردا ونقدا قبل أن تثبت صلاحيتها لأن تُبث في بطون الكتب ومناهج التدريس.
إنتاج معرفي كُتِب ونُخِل لقرون متطاولة تنسخه وتطوح به نظرة عجلى من أشخاص يظنون أن “النقد” يُقبَلُ من كل أحد ولو كان غريبا دخيلا على ما يتكلم فيه.
تأسيس العلوم وتقعيدها ونقدها وتصحيحها يكون على أيدي أئمة ورواد كل فن، ولا يتأتى حتى ممن له معرفة ومشاركة في ذلك الفن من العلوم لا ترقى إلى مستوى الإمامة فيه.

وعلم الحديث لا يخرج عن هاته القاعدة مع تميزه بكون الحافز القلبي الإيماني الباعث عليه أقوى من سائر العلوم، وهو حفظ السنة من الزيادة أو النقصان.
هذا العلم خرج من بين جوانح قلوب هائمة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم مُعَظِّمة لسنته، أرفدتها عقول منضبطة لا تدع شاردة ولا واردة ، ولا تعتمد على الذاكرة وإن كانت خارقة للعادة دون أن تعينها بالكتاب، ولا تكتفي بالظن حين يمكن اليقين، ولا تقنع بطريق واحد لتلقي الحديث إن أمكن تلقيه من طرق كثيرة، ولا تكتفي بلفظ واحد إن أمكن جمع الألفاظ ومقارنتها، وترى التعب والنصب والسفر وإنفاق العمر والمال في هذا السبيل هو غاية المنى وراحة الفؤاد، مع التفرغ التام من كل العوائق والذكاء العجيب وكمال التقوى والاستقامة وخشية الله تعالى.
علم الحديث قواعد عقلية لاجتناب الكذب أوالخطإ في نقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :

1- فاشتراط العلماء لعدالة الراوي لا يختلف عليه عاقل، لأن من عرف بالصلاح والتقوى وترك الكذب على الناس في اقل الأشياء قيمة لا يجرؤ على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبوء مقعد في النار، وقد فهم هذه القاعدة هرقل ملك الروم حين سأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يكذب، فلما سمع الجواب قال: ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله.

2 – أما اشتراط الضبط فتقضي به بديهة العقل، لأن من عرف بكثرة الخطإ والنسيان ينبغي أن يُحذر ويُتَوقٌَفَ في حديثه حتى يُنظَر هل ورد ما يقويه أم لا.
3- واشتراط اتصال الإسناد ضمان لعدم ورود كذابين أو ضعفاء في سلسلة الحديث دون أن يذكروا، وكفى بها مفخرة لهذه الأمة أن خصها الله بالإسناد المتصل الذي لا تتشرف أمة على وجه الارض بحفظ تراثها عن طريقه.

4- أما شرط انتفاء الشذوذ فشرط عقلي باذخ
إذ أن الراوي الثقة إن تفرد بأمر في السند او المتن خالفه فيه راو أوثق منه أو عدد من الثقات فإن التشكيك في روايته وتضعيفها هو مقتضى العقل والحكمة من غير نزاع

5- إضافة إلى شرط انتفاء العلل الخفية التي لا يكشفها إلا حذاق الحفاظ الذين هم أهل الشأن في تصحيح الحديث وتضعيفه وتوثيق الرواة وتوهينهم، مع أن نفي الشذوذ والعلة لا يكفي فيهما عدم العلم، بل لا بد من العلم بعدم وجودهما لتصحيح الحديث.

ومع هذا لا يفتأ أعداء الدين ومن تأثر بهم يردد أنه قد دخلت كثير من الأحاديث الزائفة في كتب المسلمين سهوا او عمدا، فلهم نقول: ها هو منهج علماء الحديث في نقد الروايات وتوثيقها، فهل يوجد في العالم القديم أو المعاصر منهج للتوثيق أفضل منه؟ فإن وجد فسموه لنا حتى يعرفه الناس، وما أنتم بفاعلين. وإن كان من شرط عقلي ضروري لتوثيق النصوص أغفله المحدثون فأضيفوه وما أنتم على ذلك بقادرين، ذلك أن الذي حفظ القرآن هو الذي حفظ السنة التي تبينه، وأقام رجالا من أوليائه بذلوا حياتهم في حفظها ونخلها، ورزقهم من السداد والتوفيق ما يرتفع إلى مقام الخوارق والكرامات، وبالله الذي لا إله إلا هو إنهم لمن المعجزات التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم كما قيل في الصحابة إنهم من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنهم لأحق من الفرزدق بقوله:
إن الذي رفع السماء بنى لنا
بيتا دعائمه أعز وأطول
بيتا بناه لنا المليك وما بنى
حكم السماء فإنه لا ينقل

ولله در العلامة الشريف حاتم العوني الذي فصل في كتابه العظيم: ” الأسس العقلية لمنهج نقد المحدثين” الأساس العقلي المنطقي لقواعد المحدثين بما لا يدع لبسا عند من تجرد من الهوى ورزقه الله الفهم. وإني لأعترف بفضل هذا الرجل وكتابه في تنبيهي إلى ضرورة مناقشة المخالفين في صحة المنهج لا في تفاصيل مخرجاته، لأن المنهج العلمي الصحيح يضمن صحة المخرجات أوتصحيحها إن وقع خلل في التطبيق، وهذا أمر ثابت في تاريخ علوم الحديث ونقد العمل الحديثي من داخل منظومته بأقوى وأقسى نقد يمكن أن يتصوره إنسان.
فالحمد لله الذي جعل دين الإسلام مؤيدا بالعقل في مضامين نصوصه وفي كيفية تناقلها بين الأجيال، فجعل القرآن منقولا بالتواتر اللفظي جيلا عن جيل، وجعل طرفا من السنة القولية والعملية منقولا كذلك بالتواتر، وقيض لما دون ذلك منها منهجا متكاملا فريدا في النقد والتوثيق شكل حالة استثنائية في تاريخ الإنسانية حُقَّ لها أن تكون مدعاة فخر واعتزاز.

اللهم طهر قلوبنا من الهوى ونور عقولنا بالعلم وأكرمنا بنور الفهم وأخرجنا من ظلمات الوهم، وصل على منقذ الأنام ومصباح الظلام من أرسلته رحمة وبشيرا ونذيرا، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى خطاه واهتدى بهداه، وعلينا معهم يا واسع الفضل والعطاء.

والحمد لله أولا وآخرا

العقل والدين (1)

العقل والدين (2)

العقل والدين ( 3 )

العقل والدين(4)

العقل والدين ( 5 )

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.