فإنه لي وأنا أجزي به (الحلقة 2)| سلسلة سرج رمضانية
بقلم: رشيد كريم
الحمد لله على نعمة الإسلام، ومنزلة الإيمان، ومنحة رمضان، وكرامة القرآن، وفتح باب الغفران، والعتق من النيران.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وصحبه وآله والتابعين له بإحسان وعلى الإخوان.
الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وامتثال لله وخضوع.
فضائله جمة، وخيراته مُلمَّة، وهو بشرى وبشارة لهذه الأمة.
قال ربنا في الحديث القدسي
﴿كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي فصيامُهُ لَه وأنا أجزِي بِه كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ﴾ (1)
﴿كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إلى سَبْع مِائَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لي، وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. ﴾(2)
لا يختلف شخصان أنه لا توجد في قاموس اللغة لفظة يمكن أن تعبر عن مكانة أعلى من اختصاص الله الصوم من بين الأعمال بإضافته إلى الذات العلية إضافة تشريف بتلكم الياء المقدسة (ترقبوا مقالة تربوية عنونتها بالياء المقدسة)
و في هذه الإضافة مزية عظيمة ليست لغير الصوم من الأعمال، بل إن الرب تكفل بنفسه بجزاءها ، فما أعظمها من مكانة و ما أعلاها من منزلة.
السؤال: لماذا أضاف الله الصوم إلى نفسه العظيمة؟
نترك الجواب لإبن القيم يقول رحمه الله تعالى: لما كان المقصود من الصيام : حبس النفس عن الشهوات، و فطامها عن المألوفات، و تعديل قوتها الشهوانية ، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها و نعيمها، و قبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، و يكسر الجوع و الظمأ من حدتها و سَورتها، و يذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين …و تُضيَّق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام و الشراب، و تُحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحُكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها و معادها، و يُسكِّن كل عضو منها ، و كل قوة عن جماحها و تٌلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، و جُنّة المحاربين، و رياضة الأبرار و المقربين ، و هو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، و إنما يترك شهوته و طعامه و شرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس و تلذذاتها لمحبة الله و مرضاته، وهو سر بين العبد و ربه لا يطلع عليه سواه، و العباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة ، و أما كونه ترك طعامه و شرابه و شهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر و ذلك حقيقة الصوم.
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة
فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، و يعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(3) – انتهى كلام ابن القيم من زاد المعاد –
فأكرم بعبادة اختص الرحمان بثوابها: ﴿كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي فصيامُهُ لَه وأنا أجزِي بِه كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ ﴾(1)
ويا أنس كل صائم بعبادة جعل عبير رائحتها أكرم وأطيب من كل رائحة ﴿وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ﴾. (2)
قد ذكر شراح الحديث وجوهاً عديدة في معنى قوله تعالى في الحديث القدسي ﴿إلا الصوم فإنه لي﴾ فمن ذلك ما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني قال: وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى ﴿الصيام لي وأنا أجزي به﴾ مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها.
أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب. ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ليس في الصيام رياء﴾ وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وهذا وجه الحديث عندي، انتهى.
نرجع لنقول: سبب تفضيل الله تعالى لهذه العبادة بقوله ﴿ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. ﴾ (2) فيصبر عن محبوباته من الشهوات ليكون ممن قال الله فيهم
﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (4)
من صام نال الفوز من رب العلا وبوجهه أضحى عليه مقبلا
يا من يروم توسلا وتوصلا صم رغبة في قول رب قد علا:
الصوم لي وأنا الذي أجزي به
وللحديث بقية وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وآله وإخوانه وحزبه
يتبع ….
الآيات والأحاديث:
1الراوي: أبو هريرة – المحدث: أحمد شاكر – المصدر: تخريج المسند لشاكر – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد واللفظ له
2الراوي: أبو هريرة – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح-التخريج: أخرجه البخاري مختصراً، ومسلم واللفظ له.
3 سورة البقرة 182
4 سورة الزمر 10