منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفرح برمضان (الحلقة 1)| سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

0

الفرح برمضان (الحلقة 1)| سلسلة سرج رمضانية

بقلم: رشيد كريم

الحمد لله الملك العلام، القدوس السلام، ذي الطول والإنعام، والعزة والإكرام، نحمده أن هدانا للإسلام، وبيّن لنا الحلال والحرام، وشرفنا بالصيام والقيام، ونصلي ونسلم على مسك الختام، وخير من صلى وصام، وطاف بالبيت الحرام، وعلى آله وصحبه الأعلام، مصابيحَ الظلام، وعلى التابعين لهم بإحسان والتزام.

هلت علينا أعظمُ نفحات الدهر والزمان، إنه شهر رمضان شهر المغفرة والرحمات، شهر يقترن فيه خيران عظيمان هما الصيام والقرآن لا يفترقان.

شهر جعله الله مجالا للتوبة والاجتهاد والجهاد، فيه تكثر أبواب الخير وأسباب المغفرة فمن أدركه ولم يغفر له فيه فهو محروم غاية الحرمان.

كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصالح المسلمين يعظمون هذا الشهر ويدعون الله أن يمد أعمارهم ليشهدوه وينهلوا فيه من صالح الأعمال فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ويبشر أصحابه بقدومه ويهنئهم به فيقول: “جاء شهر رمضان بالبركات فمرحباً به من زائر وآت”.

اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، هلال رشد ورشاد، وبركات وخيرات، وفتح ونصر وتمكين إن شاء الله.

يقول الله تعالى في كتابه الحكيم ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ (1)

لما قدم خراج العراق إلى عمر- رضى الله عنه- خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله-تبارك وتعالى- ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته.
فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله-تبارك وتعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله-تبارك وتعالى- من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.

على هذا المعنى فإن شهر رمضان خير ما يفرح به المؤمن، كيف لا يفرح وقد مدَّ الله في عمره فبلغه هذا الشهر الكريم، ليكون فرصة له لرفعة الدرجات وزيادة الحسنات وتلاوة الآيات والإكثار من الختمات والدعاء في السجدات وتخليص العبادات وغير ما ذكرنا من الهبات والأعطيات المباركات.

ثبت أن عمر الفاروق رضي الله عنه كان يفرح لقدوم رمضان فينير المساجد بالقناديل، ويجمع الناس على صلاة التراويح، فكان بذلك أول من أنار بيوت الله بالأنوار المادية بالقناديل والمعنوية بتلاوة القرآن.

ولله ذر القائل:

وحافظ على شهر الصيام فإنه¯ لَخَامس أركان لدين محمد

تغلق أبواب الجحيم إذا أتى ¯ وتفتح أبواب الجِنان لعُبَّد

ترفرف جنات النعيم وحورها ¯ لأهل الرضا فيه وأهل التعبد

وقد خصه الله العظيم بليلة ¯ على ألف شهر فُضلت فتزود

أخي الكريم، أختي الكريمة

قدم عليك ضيف عزيز، ضيف عظمه الله تعالى وكرمه ﴿إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به﴾ (2)، فها هو يطرق بابك، فقم وأشعل مصابيح البهجة والفرح، وزين قلبك واخلع نعال غفلته وبُعده.

أطلَّ على الناس شهر الصيام ¯ فبُشراك بالوافد المكرم

هلموا هلموا به نحتفي ¯ ونعلن عن فرحة المَقدم

أعيذك من نزغات الهوى ¯ وفي موسم الخِصب أن تحرم

على عتبات الرضا والسلا ¯ م أطيل الوقوف ولا تسأم

فإن جاد بالعفو رب السما ¯ ء فحسبك ذلك من مغنم

كيف لا نفرح برمضان؟

ففيه يمنح المؤمن أكرم ما يحمله بين جنبات صدره: التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(3) ، التي هي عماد العمل و ميزان الكرم ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾(4) و خير الزاد ليوم المعاد﴿ُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ(5)

أخي الغالي، أختي الغالية

سارع في إعداد عدة قلبك لضيافة شهرك الذي أكرمك الله به فبلغته يوم حُرمه كثيرون، أكرم شهرك ولا تضيعه بين تلفاز وأسواق وألعاب …فما ذاق قلبهم طعم محبته ولا وجد أنس صحبته، فأنى لهم أن ينالوا حظا من شفاعته.

استحضر وصية ابن الجوزي في المدهش: من لمح فجر الأجر، هان عليه ظلام التكليف، فقم وتزود من خيراته، وأقبل على حياة قلبك في رحاب طاعاته، فما وراء ذلك إلا جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين

واستمع لنصيحة ابن القيم في فوائده: اشتر نفسك اليوم، فإن السوق قائمة والثمن موجود، والبضائع رخيصة وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير

واجلس إلى ابن القيم ناصحا محفزا من كتابه الفذ طريق الهجرتين وباب السعادتين: اندب نفسك للمكارم وادفع أهلك للمراشد، واصحب أبنائك لتيك الفضائل، وذكر جيرانك وأحبابك، فالصادق لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه، قد رفع له علم الحب فشمر إليه، وناداه داعي الاشتياق فأقبل بكليته عليه…

  من صحت بدايته صحت نهايته (فاللهم سلمنا الى رمضان وسلم رمضان لنا وتسلمه منا متقبلا) (6)

وتذكر أن السابقون في الدنيا الى الخيرات هم السابقون يوم القيامة الى الجنات.

واحفظ وصية نبيك ﷺ (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) (7)

نفرح برمضان ونكرمه حق الإكرام ونحفظ اللسان من قبيح الكلام والبطن من الحرام ونصحب أهل الطاعة والإحسان.

وللحديث بقية وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وآله وإخوانه وحزبه

يتبع ….


الآيات والأحاديث:

1- سورة يونس 58

2- كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إلى سَبْع مِائَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لي، وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ.

الراوي: أبو هريرة – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح-التخريج: أخرجه البخاري مختصراً، ومسلم واللفظ له.

3- سورة البقرة 182

4 -سورة المائدة 29

5- سورة البقرة 196

6-حديث: (اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي مِنْ رَمَضَانَ، وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لِي، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلًا).  ليس له إسناد صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لكن رُوي عن جمع من السلف أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء؛ ومن ذلك ما رواه الطبراني بإسناد ظاهره الحسن، عن مكحول؛ حيث روى في “الدعاء” (913) عن الْهَيْثَم بْن حُمَيْدٍ، حدثنا النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَكْحُولٍ: “أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي لِرَمَضَانَ، وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لِي، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلًا “.

7- أن رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَأَى في أصْحابِهِ تَأَخُّرًا فقالَ لهمْ: تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بي، ولْيَأْتَمَّ بكُمْ مَن بَعْدَكُمْ، لا يَزالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ. وفي رواية: رَأَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَوْمًا في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.

الراوي: أبو سعيد الخدري – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.