صلاة في محراب العجائز (قصة قصيرة)
بقلم: رشيد فائز
منذ أن فقدت الحاجة رحيمو زوجها وهي تصارع من أجل البقاء حتى يكبر ولدها اليتيم وينجو من براثن الحياة القاسية. حياة بدأت تفقد كل يوم عروة من عرى التزاور والتعاطف والخدمة والمواساة لصالح العلاقات الافتراضية والتواصل المزيف بألوان النصح من بعيد والقطيعة المرة المغلفة بحلاوة السؤال عبر الأثير.
وفي كل مناسبة دينية أو موسم من مواسم الخير، تجد الحاجة رحيمو نفسها وحيدة بين مذياعها المؤنس وهاتفها القديم الذي يرن من وقت لآخر، حيث لم تعد الحاجة رحيمو تقوى على المشي ولا على حمل متاعها، وهي التي كانت في شبابها تهد الجبال وتقطع الأرض غير آبهة لا بحر بصيف و لا بقر شتاء.
وزاد من ألمها فراقها لولدها الوحيد الذي سافر بعيدا عنها من أجل لقمة العيش، فرغم أنها حاولت الذهاب معه إلى البلدة التي يعمل بها، لكنها لم تستطع التأقلم مع الحياة المتسارعة هناك، والظروف الجوية القاسية للبلدة، فقررت العودة إلى منزلها الذي استوحش بدوره لغيابها ولبس الحداد لفراقها. حداد كان عبارة عن طبقة سوداء من الرطوبة كست جدران بيتها زادته الأمطار الغزيرة انتشارا على الحيطان.
ظلت الحاجة رحيمو ترقب بدون جدوى من يعبد الله في هذه الحيطان ويعيد لها بريق طلائها الأخضر اليانع، وهي التي جربت مرارا أن تنادي على من يساعدها مقابل أجر معلوم، لكنها وفي كل مرة تصاب بخيبة أمل من العمل غير المتقن أو من ضجر النساء اللواتي كن يأتين للخدمة. ففضلت الحاجة رحيمو انتظار قدوم ابنها ليساعدها في أعمال البيت، فهو على الأقل يساعفها فيما تريد من أعمال، ولا يضجر من ملاحظاتها وتصويباتها المتكررة.
وكلما اقترب شهر رمضان إلا واختلطت فرحة الحاجة رحيمو بقدوم الشهر الفضيل مع مرارة الصورة القاتمة لإفطارها وحيدة في بيتها، لا من يشاركها طعامها ولا من يواسيها إلا مذياعها وتلفازها القديمين. وكأن بيتها لم يكن يوما يعج ويضج برفاق إبنها حين كان شابا، حتى أن جرس البيت لم يكن يستريح من كثرة زوار إبن الحاجة رحيمو، لكنه اليوم تقاعد مع صاحبة البيت، اللهم إلا من صاحبين فاضِلَين إصطفاهما الله، حفظا الود واستمرا في زيارة الحاجة رحيمو وقضاء بعض أغراضها من حين لآخر.
رحم الله أبابكر وعمر الذين كانا بخدمتهما يعشقان الصلاة في محراب العجائز، ولم تكن العبادة عندهما مجرد ذكر وتسبيح وقراءة قرآن، بل كانا يحرصان رضي الله عنهما على خدمة العجائز حرصهما على الصلاة !