منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لِمَاذَا يَا وَطَنِي (قصيدة)

لِمَاذَا يَا وَطَنِي (قصيدة)/ أَبُو عَلِيٍّ الصُّبَيْح

0

لِمَاذَا يَا وَطَنِي (قصيدة)

بقلم: أَبُو عَلِيٍّ الصُّبَيْح

يَا مَوْطِنِي وَاللَّيْلُ حَوْلَكَ يَزْأَرُ
وَالرِّيحُ فَوْقَ رُبُوعِ أَرْضِكَ تَعْبُرُ

مَا بَالُ صُبْحِكَ كُلَّمَا نَادَيْتُهُ
جَاءَتْ طَلَائِعُهُ الجِرَاحَ تُبَشِّرُ

نُمْسِي عَلَى خَبَرٍ يُكَدِّرُ لَيْلَنَا
وَنَفِيقُ وَالأَنْبَاءُ فِينَا تَزْأَرُ

حَتَّى غَدَا صَبْرُ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ
طَوْدٌ عَلَى مَتْنِ العَوَاصِفِ يَصْبِرُ

يَا مَوْطِنِي، مَاذَا دَهَاكَ وَإِنَّنِي
مِنْ هَوْلِ مَا تَلْقَى أَكَادُ أُسَعَّرُ

أَيْنَ الخِيَامُ وَأَيْنَ نَارُ عَشِيرَةٍ
فَوْقَ الرُّبَى لِلطَّارِقِينَ تُسَعَّرُ

أَيْنَ الجِيَادُ إِذَا الصَّهِيلُ تَدَافَعَتْ
أَصْدَاؤُهُ وَالصَّخْرُ مِنْهُ يُزَمْجِرُ

أَيْنَ الفَوَارِسُ وَالقَنَا وَسُيُوفُهُمْ
وَالنَّقْعُ تَحْتَ سَنَابِكٍ يَتَفَجَّرُ

أَيْنَ الَّذِينَ إِذَا الكَرِيهَةُ أَقْبَلَتْ
خَاضُوا لَظَاهَا وَالحِمَامُ يُحَذِّرُ

قَوْمٌ إِذَا احْمَرَّتْ حَدَائِقُ حَرْبِهِمْ
شَرِبُوا المَنَايَا وَالسُّيُوفُ تُشَهَّرُ

وَإِذَا دَعَا دَاعِي المَكَارِمِ أَقْبَلُوا
كَالسَّيْلِ لَا سَدٌّ أَمَامَهُ يَصْبِرُ

لَبِسُوا مِنَ الهَيْجَاءِ ثَوْبَ مَهَابَةٍ
وَالنَّقْعُ فَوْقَ جِبَاهِهِمْ يَتَعَطَّرُ

لَا يَحْنُونَ لِلطُّغْيَانِ يَوْمًا هَامَةً
فَالحُرُّ دُونَ مَذَلَّةٍ لَا يُقْهَرُ

وَإِذَا الغَرِيبُ أَتَى الخِيَامَ مُرَوَّعًا
بَاتَتْ سُيُوفُ القَوْمِ حَوْلَهُ تَسْهَرُ

وَالنَّارُ فَوْقَ رُؤُوسِ شُمِّ جِبَالِهِمْ
لِلسَّارِيَاتِ مِنَ الظَّلَامِ تُبَشِّرُ

يَا وَيْحَ قَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ مَجْدُهُمْ
كُرْسِيَّ حُكْمٍ حَوْلَهُ يَتَشَاجَرُ

بَاعُوا المَوَاثِيقَ العَتِيقَةَ بَعْدَمَا
كَانَ الوَفَاءُ بِصَدْرِهِمْ يَتَجَذَّرُ

وَتَقَاسَمُوا خُبْزَ اليَتِيمِ كَأَنَّهُمْ
ذِئْبُ الفَلَاةِ عَلَى الفَرِيسَةِ يَزْأَرُ

وَتَنَازَعُوا فَوْقَ الخَرَائِبِ مَنْصِبًا
وَالبَيْتُ مِنْ نَارِ الفَجِيعَةِ يُسْعَرُ

يَتَسَابَقُونَ إِلَى المَنَابِرِ بَيْنَمَا
صَوْتُ المُرُوءَةِ فِي الزِّحَامِ مُحَاصَرُ

أُسْدٌ إِذَا حَضَرَتْ غَنَائِمُ قَوْمِهِمْ
وَإِذَا دَعَا دَاعِي الوَغَى يَتَأَخَّرُوا

مَا هَكَذَا كَانَتْ سَجَايَا يَعْرُبٍ
فَالعَارُ عِنْدَ ذَوِي المَرُوءَةِ مَنْكَرُ

كَانَتْ مَآثِرُنَا النُّجُومَ وَإِنَّهَا
فَوْقَ الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تُنَوِّرُ

كَانَتْ لَنَا لُغَةُ الصَّوَارِمِ حِينَ لَا
يُجْدِي الكَلَامُ وَحَدُّهَا يَتَكَلَّمُ

مِنْ صَخْرِ بَيْدَائِي بَنَيْنَا عِزَّةً
وَعَلَى ظُهُورِ العَادِيَاتِ نُغِيرُ

حَتَّى النُّسُورُ إِذَا رَأَتْ فُرْسَانَنَا
فَوْقَ الجِيَادِ مِنَ المَهَابَةِ تَحْذَرُ

يَا مَوْطِنِي، وَالقُدْسُ تَشْهَدُ أَنَّنِي
مَا خُنْتُ عَهْدًا فِي دَمِي يَتَجَذَّرُ

وَالأَقْصَى المَكْلُومُ يَسْأَلُ أُمَّتِي
أَيْنَ الرِّجَالُ وَمَنْ لِصَوْتِي يَنْصُرُ؟

أَيْنَ الَّذِينَ إِذَا اسْتَغَاثَ مَنَارُهُ
هَبُّوا وَمَوْجُ الخَيْلِ حَوْلَهُمُ يَثُورُ

أَيْنَ الَّذِينَ إِذَا تُرَابُ دِيَارِهِمْ
دِيسَ اسْتَحَالَ الصَّبْرُ فِيهِمْ خَنْجَرُ

يَا أَقْصَى، يَا تَاجَ البِلَادِ وَإِنَّنِي
بِكَ كُلَّمَا اشْتَدَّ البَلَاءُ لَأَفْخَرُ

سَتَظَلُّ مِئْذَنَةُ الزَّمَانِ شُمُوخَهَا
وَالظُّلْمُ مَهْمَا طَالَ يَوْمًا يُقْهَرُ

مَا مَاتَ حَقٌّ خَلْفَهُ أَهْلُ الحِمَى
مَا دَامَ فِي صَدْرِ الكَرِيمِ تَذَكُّرُ

الأَرْضُ تَعْرِفُ أَهْلَهَا وَتُرَابُهَا
بِخُطَى الجُدُودِ عَلَى المَدَى يَتَعَطَّرُ

وَالزَّيْتُ يَعْرِفُ كَفَّ مَنْ قَدْ غَرَسَتْ
وَالتِّينُ يَعْرِفُ مَنْ سَقَاهُ وَيَذْكُرُ

وَالدَّارُ تَعْرِفُ وَقْعَ خُطْوَةِ أَهْلِهَا
وَالبَابُ عِنْدَ مَرُورِهِمْ يَسْتَبْشِرُ

وَالبِئْرُ تَحْفَظُ وَجْهَ جَدٍّ عَابِرٍ
وَالحَقْلُ يَحْفَظُ مَنْ أَتَاهُ وَيَبْذُرُ

حَتَّى الحِجَارَةُ فِي الدُّرُوبِ كَأَنَّهَا
سِفْرٌ عَلَى صَفَحَاتِهِ الدَّهْرُ يَسْطُرُ

لَا تَسْأَلُوا الصَّحْرَاءَ عَنَّا إِنَّهَا
مِنْ وَقْعِ خَيْلِ جُدُودِنَا تَتَذَكَّرُ

سَلُوا الرِّمَالَ عَنِ الصَّهِيلِ إِذَا سَرَى
فِي جَوْفِ لَيْلٍ وَالصَّوَارِمُ تُشْهَرُ

سَلُوا الفَيَافِي كَمْ حَمَلْنَا نَكْبَةً
فَأَتَى الصَّبَاحُ وَصَبْرُنَا لَا يُكْسَرُ

سَلُوا السَّنَابِكَ كَيْفَ كَانَ دَوِيُّهَا
حَتَّى يُرَجَّ مِنَ الصَّهِيلِ العَبْقَرُ

نَحْنُ الَّذِينَ مِنَ الرَّمَادِ إِذَا خَبَا
جَمْرُ المَصَائِبِ فِي عُرُوقِنَا يُسْعَرُ

نَحْنُ الَّذِينَ إِذَا الزَّمَانُ تَكَشَّرَتْ
أَنْيَابُهُ فِي وَجْهِهِ نَتَكَبَّرُ

لَا اليَأْسُ يَسْكُنُ فِي الخِيَامِ وَإِنْ عَوَتْ
رِيحُ المَصَائِبِ وَالرِّمَالُ تُبَعْثَرُ

فَالحُرُّ يُولَدُ مِنْ جِرَاحِ بِلَادِهِ
حُرًّا وَإِنْ جَارَ الزَّمَانُ وَأَقْفَرُ

وَالنَّخْلُ لَا يَرْمِي الجُذُورَ لِعَاصِفٍ
بَلْ كُلَّمَا هَبَّتْ عَلَيْهِ تَجَذَّرُ

وَالصَّخْرُ يَبْقَى فِي الجِبَالِ مَهَابَةً
أَمَّا غُثَاءُ السَّيْلِ يَمْضِي وَيَعْبُرُ

يَا مَوْطِنِي إِنِّي حَمَلْتُكَ فِي دَمِي
وَالنَّبْضُ بِاسْمِكَ فِي عُرُوقِي يَجْهَرُ

حَمَلْتُ زَيْتُونَ الدِّيَارِ بِأَضْلُعِي
وَعَلَى جَبِينِي مِنْ تُرَابِكَ أَسْطُرُ

حَمَلْتُ أَقْصَاكَ الجَرِيحَ كَأَنَّهُ
طَوْدٌ عَلَى وَجْهِ الزَّمَانِ مُعَمَّرُ

حَمَلْتُ تَارِيخَ الجُدُودِ كَصَارِمٍ
فِي وَجْهِ مَنْ بِدِمَاءِ قَوْمِي يَتَّجِرُ

وَحَمَلْتُ صَوْتَ الخَيْلِ فِي أَعْمَاقِنَا
فَإِذَا دَعَا دَاعِي الكَرَامَةِ نَزْأَرُ

لَا تَسْأَلُونِي عَنْ هَوَاهُ فَإِنَّهُ
دِينُ الوَفَاءِ وَفِي ضُلُوعِي مِجْمَرُ

وَطَنِي وَإِنْ نَهَشَتْ جِرَاحُكَ أَضْلُعِي
فَالجَمْرُ تَحْتَ رَمَادِ قَلْبِي يُسْعَرُ

سَيَعُودُ فَجْرُكَ لَوْ تَطَاوَلَ لَيْلُنَا
فَاللَّيْلُ مَهْمَا طَالَ حَتْمًا يُدْبِرُ

وَسَيَخْرُجُ الأَحْرَارُ مِنْ رَحِمِ الأَسَى
كَاللَّيْثِ مِنْ جَوْفِ العَرِينِ يُزَمْجِرُ

وَتَعُودُ خَيْلُ المَجْدِ تَضْرِبُ بِالقَنَا
أَرْضَ الفَلَاةِ وَنَقْعُهَا يَتَفَجَّرُ

وَتَعُودُ أَخْلَاقُ الرِّجَالِ كَعَهْدِهَا
فَالبَيْتُ بِالأَخْلَاقِ يَبْقَى يُعْمَرُ

وَتَعُودُ نَارُ القَوْمِ فَوْقَ رُبُوعِهِمْ
لِلطَّارِقِ المَلْهُوفِ لَيْلًا تُسَعَّرُ

وَيَعُودُ لِلْجَارِ القَدِيمِ جِوَارُهُ
وَعُرَى الوَفَاءِ عَلَى المَحَبَّةِ تُعْصَرُ

يَا مَوْطِنِي لَا تَنْحَنِ رَغْمَ الأَسَى
فَالطَّوْدُ وَسْطَ العَاصِفَاتِ مُوَقَّرُ

تَبْقَى عَزِيزًا مَا بَقِيَتْ عَقِيدَةٌ
أَنَّ الحُقُوقَ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ تُظْفَرُ

تَبْقَى عَزِيزًا مَا بَقِيَتْ مَنَارَةٌ
فَوْقَ الثَّرَى بِاسْمِ الكَرَامَةِ تَجْهَرُ

تَبْقَى عَزِيزًا مَا بَقِيَتْ قَصِيدَةٌ
فِي حَرْفِهَا خَيْلُ المَعَالِي تَزْأَرُ

تَبْقَى عَزِيزًا مَا بَقِيَتْ حَنَاجِرٌ
لِلْحَقِّ لَا تَخْشَى الطُّغَاةَ وَتَجْهَرُ

هَذَا تُرَابُكَ وَالعُهُودُ شُهُودُنَا
وَالعَهْدُ عِنْدَ بَنِي المَكَارِمِ أَكْبَرُ

إِنْ مِتُّ أَحْمِلُ مِنْ تُرَابِكَ حَفْنَةً
وَإِذَا حَيِيتُ فَفِي ثَرَاكَ سَأُقْبَرُ

يَا مَوْطِنِي مَهْمَا تَكَاثَفَ حَوْلَنَا
لَيْلُ المَصَائِبِ فَالصَّبَاحُ سَيَظْهَرُ

فَالشَّمْسُ قَدْ تَخْفَى وَرَاءَ سَحَابَةٍ
لَكِنَّ نُورَ الشَّمْسِ لَا يَتَسَتَّرُ

وَالحَقُّ قَدْ يَدْمَى وَيَثْقُلُ خَطْوُهُ
لَكِنَّ صَوْتَ الحَقِّ يَبْقَى يَظْفَرُ

فَانْهَضْ فَإِنَّكَ مَوْطِنٌ لَا يَنْحَنِي
وَعَلَى ثَرَاكَ مِنَ المَكَارِمِ مَفْخَرُ

وَانْهَضْ كَلَيْثِ البِيدِ هُزَّ عَرِينُهُ
فَأَتَى وَصَوْتُ زَئِيرِهِ يَتَفَجَّرُ

وَارْكَبْ جِيَادَ العِزِّ وَارْفَعْ رَأْسَكَ الـ
عَالِي فَإِنَّ الحُرَّ لَا يَتَصَاغَرُ

وَاكْتُبْ عَلَى صَخْرِ الزَّمَانِ حِكَايَةً
أَنَّ الكَرِيمَ وَإِنْ يُضَامُ سَيَصْبِرُ

حَتَّى إِذَا انْشَقَّ الصَّبَاحُ عَنْ الدُّجَى
وَتَهَادَتِ الأَنْوَارُ وَهْيَ تُبَشِّرُ

عَرَفَ الزَّمَانُ بِأَنَّ شَعْبَكَ شَامِخٌ
وَبِأَنَّ هَذَا المَوْطِنَ لَا يُقْهَرُ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.