منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أُنْشُودَةُ الظَّمْآنِ (قصيدة)

أُنْشُودَةُ الظَّمْآنِ (قصيدة)/ أَبُو عَلِي الصُّبَيْح

0

أُنْشُودَةُ الظَّمْآنِ (قصيدة)

بقلم: أَبُو عَلِي الصُّبَيْح

قِفَا نَسْأَلِ الْأَطْلَالَ عَنْ عَهْدِ أَهْلِهَا
وَعَنْ سَالِفِ الْأَيَّامِ وَالْحَدَثَانِ

وَقُوفِي بِهَا وَاللَّيْلُ أَرْخَى سُدُولَهُ
أَثَارَ بِصَدْرِي لَوْعَةَ الْهَجَرَانِ

دَعَوْتُ رُسُومَ الدَّارِ وَالرِّيحُ حَوْلَهَا
تُجَرْجِرُ أَذْيَالًا مِنَ الْكُثْبَانِ

فَمَا رَدَّ إِلَّا الرِّيحُ تَنْعَى رُبُوعَهَا
وَنَوْحُ الْقَطَا فِي وَحْشَةِ الْوِدْيَانِ

عَفَتْهَا سَوَافِي الرِّيحِ حَتَّى كَأَنَّهَا
عِظَامُ مَهَارٍ بُدِّدَتْ بِالْقِيعَانِ

وَقَدْ كَانَ فِيهَا لِلظِّبَاءِ تَبَخْتُرٌ
وَلِلْعِيسِ تَرْحَالٌ مَعَ الرُّكْبَانِ

وَكَانَتْ بِهَا سُمْرُ الْقَنَا مُتَأَلِّقَاتٍ
كَلَمْعِ بُرُوقٍ فِي دُجَى الْهَتَّانِ

فَيَا دَارَ مَنْ أَهْوَى سَقَاكِ مِنَ الْحَيَا
سَحَابٌ غَزِيرُ الْوَدْقِ وَالْهَتَّانِ

وَيَا رَبْعَ أَحْبَابٍ تَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ
أَيَرْجِعُ بَعْدَ الْبَيْنِ عَهْدُ تَدَانِ؟

ذَكَرْتُ الَّتِي لَوْ أَبْصَرَ الْبَدْرُ وَجْهَهَا
لَغَضَّ ضِيَاءَ الْوَجْهِ كَالْخَجْلَانِ

لَهَا مُقْلَتَا ظَبْيٍ تَرَعْرَعَ طَرْفُهُ
بِخِدْرٍ مَصُونٍ بَيْنَ بَانٍ وَبَانِ

إِذَا سَلَّتِ الْأَلْحَاظَ مِنْ غِمْدِ جَفْنِهَا
أَصَابَتْ فُؤَادَ الصَّخْرِ بِالطَّعَنَانِ

وَإِنْ أَقْبَلَتْ مَالَ الْأَرَاكُ لِمَشْيِهَا
كَأَنَّ خُطَاهَا مِشْيَةُ الْغِزْلَانِ

وَإِنْ أَدْبَرَتْ أَلْقَى الظَّلَامُ وَرَاءَهَا
ضَفَائِرَهُ السُّودَاءَ فَوْقَ الْمَكَانِ

لَهَا شَعْرُ لَيْلٍ فَوْقَ مَتْنَيْهَا انْثَنَى
كَسَيْلِ دُجًى يَنْهَلُّ فَوْقَ جُمَانِ

وَثَغْرٌ إِذَا مَا افْتَرَّ عَنْ دُرِّ مُبْتَسَمٍ
تَنَفَّسَ مِنْهُ الصُّبْحُ بَعْدَ دُجَانِ

رَمَتْنِي بِلَحْظٍ كَالسِّنَانِ فَمَا نَجَا
فُؤَادِيَ مِنْ ذَاكَ اللِّحَاظِ الْيَمَانِي

فَلَمَّا تَوَلَّتْ وَاسْتَبَانَ رَحِيلُهَا
أَقَامَ الْأَسَى فِي مُهْجَتِي وَجَنَانِي

فَقُلْتُ لِقَلْبِي: لَا تَذُبْ فِي صَبَابَةٍ
فَكَمْ صَرَعَتْ عَيْنَا الْمَهَاةِ حِصَانِ

فَقَالَ: دَعِ الْعُذَّالَ، مَا الْحُبُّ سَامِعٌ
مَقَالَةَ وَاشٍ أَوْ عِتَابَ جَفَانِ

فَشَدَدْتُ عَلَى وَجْنَاءَ تَطْوِي فَلَاتَهَا
كَسَهْمٍ هَوَى مِنْ قَوْسِ رَامٍ يَمَانِي

طَوِيلَةِ عُنْقٍ، صُلْبَةِ الْخُفِّ، حُرَّةٍ
تَشُقُّ عُبَابَ الرَّمْلِ شَقَّ سَفَانِ

إِذَا ضَرَبَتْ بِالْخُفِّ صَلْدَ صُخُورِهِ
تَطَايَرَ مِنْ تَحْتِ الْمَنَاسِمِ وَمْضَانِ

تُجَاوِزُ وَعْثَاءَ الْفَلَا وَكَأَنَّهَا
سَفِينَةُ بَحْرٍ فِي عُبَابِ كُثْبَانِ

وَأَسْرَيْتُ وَالْجَوْزَاءُ فَوْقِي كَأَنَّهَا
قِلَادَةُ دُرٍّ فَوْقَ جِيدِ حِصَانِ

وَسُهَيْلٌ عَلَى أُفْقِ الْمَفَازَةِ لَامِعٌ
كَنَصْلِ حُسَامٍ سُلَّ مِنْ غِمْدِ فَانِ

وَلَيْلٍ بَهِيمٍ قَدْ تَدَلَّتْ سُدُولُهُ
عَلَيَّ كَأَسْتَارٍ مِنَ الْقَطِرَانِ

شَقَقْتُ دُجَاهُ وَالسَّمُومُ كَأَنَّهَا
أَنَافِثُ أَفْعَى هَيَّجَتْهَا الْمَثَانِي

وَذِئْبٍ رَأَيْتُ الْجُوعَ يَقْدَحُ نَارَهُ
بِعَيْنَيْهِ حَتَّى لَاحَ كَاللَّهَبَانِ

يُطَوِّفُ حَوْلِي ثُمَّ يَقْعِي مُرَاقِبًا
كَصَاحِبِ ثَأْرٍ رَابَهُ الْحَدَثَانِ

فَقُلْتُ لَهُ: يَا ذِئْبُ إِنَّا كِلَانَا
طَرِيدَا فَلَاةٍ أَضْنَيَاهَا الْحِرْمَانِ

أَنَا أَبْتَغِي مَاءً يُبَلِّلُ غُلَّتِي
وَأَنْتَ تَرُومُ الزَّادَ لِلْجَوَعَانِ

فَلَمَّا رَآنِي لَا أَهَابُ وُثُوبَهُ
تَوَلَّى كَطَيْفٍ غَابَ خَلْفَ دُخَانِ

وَأَصْبَحْتُ وَالصَّحْرَاءُ تَقْذِفُ حَرَّهَا
وَيَغْلِي ثَرَاهَا غَلْيَةَ الْمَرْجَانِ

وَفَوْقِيَ شَمْسٌ كَالتُّرْسِ صَفْرَاءُ أَلْقَتِ
لَهِيبًا عَلَى الْآفَاقِ كَالنِّيرَانِ

وَتَحْتِيَ رَمْلٌ لَوْ وَطِئْتَ حَصَاتَهُ
لَخِلْتَ لَظَى الْجَمْرِ تَحْتَ الْبَنَانِ

أَرَى الْآلَ فِي أَقْصَى الْمَفَازَةِ لَامِعًا
كَأَنَّ بِهِ مَاءً وَظِلَّ جِنَانِ

فَأَمْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ
سِوَى الرَّمْلِ وَالآفَاقِ وَالْكُثْبَانِ

فَيَا لَظَمَإٍ قَدْ صَيَّرَ الْحَلْقَ مَوْقِدًا
وَأَجْرَى لَهِيبَ الْقَيْظِ فِي الشِّرْيَانِ

وَيَا لَفُؤَادٍ كُلَّمَا ذَاقَ مَاءَهُ
تَزَايَدَ فِيهِ الْوَجْدُ وَالْخَفَقَانِ

فَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مُرَادَهُ
وَأَنَّ ظَمَاهُ لِلْهُدَى الرَّبَّانِي

فَخَرَرْتُ فَوْقَ الرَّمْلِ وَاللَّيْلُ شَاهِدٌ
وَنَادَيْتُ رَبِّي خَاشِعَ الْأَرْكَانِ

إِلَهِيَ هَذَا الْقَلْبُ أَضْنَاهُ ظَمْؤُهُ
وَلَا غَيْرُ فَيْضِ النُّورِ مِنْكَ سَقَانِي

إِلَهِيَ قَدْ جَرَّبْتُ كُلَّ مَنَاهِلٍ
فَمَا أَطْفَأَتْ نَارَ الْجَوَى فِي جَنَانِي

وَذُقْتُ مِنَ الدُّنْيَا حُلُوًّا وَمُرَّهَا
فَمَا زَادَنِي إِلَّا طَوِيلَ حَنَانِي

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُورُ الْهِدَايَةِ مَوْرِدِي
فَمَا نَفْعُ أَنْهَارٍ وَفَيْضِ جِفَانِ؟

سَقَيْتَ ثَرَى الْبَيْدَاءِ مِنْ بَعْدِ جَدْبِهَا
فَفَاضَتْ رِيَاضًا بَعْدَ قَفْرٍ عَوَانِ

فَأَحْيِ فُؤَادِي كَمَا أَحْيَيْتَ رَوْضَةً
وَصُبَّ عَلَيْهِ الْوَدْقَ صَبَّ هَتَّانِ

وَطَهِّرْهُ مِنْ حِقْدٍ وَغِلٍّ وَزَلَّةٍ
كَمَا غَسَلَ الْوَسْمِيُّ وَجْهَ الْقِيعَانِ

فَمَا الْمَرْءُ إِلَّا عَابِرٌ فِي مَفَازَةٍ
وَمَا الْعُمْرُ إِلَّا رِحْلَةُ الظَّعْنَانِ

وَمَا الْمَالُ إِلَّا بَارِقٌ ثُمَّ يَنْطَفِي
كَطَيْفِ سَرَابٍ لَاحَ فِي الْقِيعَانِ

وَمَا الْجَاهُ إِلَّا ظِلُّ غَيْمٍ تَقَشَّعَتْ
سَحَائِبُهُ عَنْ قَاحِلٍ ظَمْآنِ

وَيَبْقَى جَمِيلُ الذِّكْرِ بَعْدَ رَحِيلِنَا
كَطِيبِ شَذَى الْخُزَامَى فِي الْوِدْيَانِ

وَمَا الْحُرُّ مَنْ يَرْضَى الْمَذَلَّةَ مَرْكَبًا
وَلَوْ أَلْبَسُوهُ حُلَّةَ الْمَلِكِ ثَانِ

وَلَكِنَّ حُرَّ الْقَوْمِ مَنْ صَانَ وَجْهَهُ
وَصَانَ عُهُودَ الْحَيِّ وَالْجِيرَانِ

إِذَا الْحَرْبُ شَبَّتْ كَانَ لَيْثَ عَرِينِهَا
وَإِنْ حَلَّ ضَيْفٌ فَاضَ كَالْهَتَّانِ

يُجِيرُ طَرِيدَ الْخَوْفِ إِنْ جَاءَ بَابَهُ
وَيَحْمِي حِمَاهُ صَوْلَةَ الْغَضْبَانِ

وَيُطْعِمُ فِي الْمَحْلِ الشِّوَاءَ وَإِنْ غَدَا
عِيَالُهُ بَيْنَ الْجُوعِ وَالْحِرْمَانِ

وَيَرْكَبُ جَرْدَاءَ الْعَنَانِ كَأَنَّهَا
إِذَا كَرَّتِ الْهَيْجَا شِهَابُ عِنَانِ

لَهَا حَافِرٌ يَسْتَنْطِقُ الصَّخْرَ وَقْعُهُ
فَيَقْدَحُ مِنْ صَلْدِ الصَّوَانِ شَرَارَانِ

إِذَا أَقْبَلَتْ وَالنَّقْعُ يَلْفَحُ جَمْعَهَا
رَأَيْتَ دُجَى الْهَيْجَاءِ فَوْقَ الْمَيْدَانِ

وَإِنْ صَهَلَتْ هَزَّ الصَّهِيلُ قُلُوبَنَا
وَأَيْقَظَ فِي أَعْمَاقِنَا عِزَّ عَدْنَانِ

وَإِنْ سُلَّ سَيْفُ الْحُرِّ فِي نَقْعِ وَغْيَةٍ
بَدَا كَبَرِيقِ الْبَرْقِ فِي غَسَقَانِ

يُقَابِلُ وَجْهَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ عَابِسٌ
كَأَنَّ الْمَنَايَا وَالْكَمِيَّ رَهَانِ

فَمَا هَابَ حُرٌّ صَوْلَةَ الدَّهْرِ إِنَّهُ
يَرَى الْمَوْتَ أَهْوَنَ مِنْ يَدِ الْهَوَانِ

وَلَا خَيْرَ فِي عُمْرٍ يَطُولُ بِذِلَّةٍ
وَلَا فِي حَيَاةِ الْمَرْءِ وَهْوَ مُهَانِ

فَإِنْ عَضَّنِي دَهْرِي كَشَفْتُ لَهُ الْقَنَا
وَقَابَلْتُ أَنْيَابَ الزَّمَانِ بِأَسْنَانِي

وَإِنْ أَوْقَدَتْ أَيَّامُهُ فِيَّ جَمْرَهَا
جَعَلْتُ لَهَا مِنْ صَبْرِ نَفْسِيَ نِيرَانِي

أَنَا الصَّخْرُ، لَا تَثْنِي الْعَوَاصِفُ هَامَتِي
وَلَا يَسْتَبِيحُ الْخَوْفُ يَوْمًا جَنَانِي

أَنَا اللَّيْثُ، إِنْ ضَاقَ الْعَرِينُ بِصَوْلَتِي
جَعَلْتُ فَلَاةَ الْقَفْرِ رَحْبَ مَيْدَانِي

أَنَا الصَّقْرُ، لَا أَرْضَى السُّفُوحَ مَنَازِلًا
وَإِنْ مَزَّقَتْ رِيحُ الذُّرَى جَنَاحِي

أَنَا السَّيْفُ، إِنْ صَقْلُ الْحَوَادِثِ مَسَّنِي
تَضَاعَفَ فِي وَجْهِ الْخُطُوبِ لَمَعَانِي

أَنَا الْجَمْرُ تَحْتَ الرَّمْدِ، إِنْ هَبَّتِ الصَّبَا
تَلَظَّى لَهِيبُ الْعَزْمِ بَيْنَ جَنَانِي

وَلَسْتُ بِمَنْ يَشْكُو لِخَلْقٍ جِرَاحَهُ
فَرَبِّيَ أَدْرَى بِالَّذِي قَدْ عَرَانِي

إِذَا ضَاقَ صَدْرِي قُمْتُ فِي جُنْحِ لَيْلَةٍ
أُنَاجِي إِلَهَ الْعَرْشِ سِرًّا بِجَنَانِي

وَأَرْفَعُ كَفِّي وَالدُّمُوعُ كَأَنَّهَا
غُيُوثٌ هَوَتْ فَوْقَ الثَّرَى الْعَطْشَانِ

فَيَهْدَأُ فِي صَدْرِي صَهِيلُ عَوَاصِفٍ
وَيَخْمُدُ بَعْدَ الْجَمْرِ فَوْرُ كِيَانِي

وَأَعْلَمُ أَنَّ الْعُسْرَ مَهْمَا تَجَبَّرَتْ
لَيَالِيهِ لَا يَبْقَى مَدَى الْأَزْمَانِ

وَأَنَّ ظَلَامَ اللَّيْلِ مَهْمَا تَكَاثَفَتْ
سَدَائِفُهُ يَنْجَابُ عِنْ فَلَقٍ بَانِ

فَيَا أَيُّهَا الظَّمْآنُ لَا تَسْقِ مُهْجَةً
مِنَ الآلِ؛ إِنَّ الآلَ وَهْمُ عَيَانِ

وَلَا تَسْأَلِ الدُّنْيَا شِفَاءَ جِرَاحِنَا
فَكَمْ زَادَ دَوَاءُ الدَّهْرِ مِنْ أَحْزَانِ

وَخُذْ مِنْ يَقِينِ الْقَلْبِ زَادَكَ إِنَّهُ
لِرَاكِبِ هَذِي الْبِيدِ خَيْرُ عَنَانِ

وَشُدَّ عَلَى جَرْدَاءِ صَبْرِكَ رَحْلَهَا
وَخُضْ لُجَّةَ الْأَيَّامِ خَوْضَ حِصَانِ

سَأَمْضِي وَإِنْ عَضَّتْ خُطَايَ مَفَاوِزٌ
وَصَبَّتْ عَلَيَّ الشَّمْسُ حَرَّ هَجِيرَانِ

سَأَمْضِي وَخَيْلُ الْعَزْمِ تَحْتِي كَأَنَّهَا
صَوَاعِقُ رَعْدٍ فِي عُرُوقِ مَيْدَانِ

سَأَمْضِي وَسَيْفُ الصَّبْرِ فِي الْكَفِّ صَارِمٌ
وَرُمْحُ يَقِينِي فِي الْخُطُوبِ سِنَانِي

سَأَمْضِي، فَمَا خُلِقَتْ نُفُوسُ أَعِزَّةٍ
لِتَرْضَى بِأَغْلَالِ الْأَسَى وَالْهَوَانِ

وَإِنِّي لَظَمْآنٌ، وَلَكِنَّ مَوْرِدِي
هُدَى اللَّهِ، لَا مَاءُ السَّرَابِ الْفَانِي

فَإِنْ فَاضَ نُورُ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ مَرَّةً
غَدَتْ زَهْرَةُ الدُّنْيَا كَقَبْضِ دُخَانِ

وَإِنْ سَقَانِي مِنْ رَحِيقِ هِدَايَةٍ
فَمَا بَعْدَ ذَاكَ الْفَيْضِ ظَمْأٌ عَرَانِي

فَيَا رَبِّ هَذَا آخِرُ اللَّيْلِ فَاسْتَجِبْ
لِعَبْدٍ أَتَاكَ الْيَوْمَ عَانِيَ جَنَانِ

وَأَشْرِقْ عَلَى قَلْبِي بِنُورِكَ إِنَّنِي
سَئِمْتُ طَوِيلَ السَّيْرِ بَيْنَ الْمَعَانِي

وَخُذْ بِيَدِي حَتَّى إِذَا الْمَوْتُ أَقْبَلَتْ
طَلَائِعُهُ لَاقَيْتُهُ بِاطْمِئْنَانِ

وَأَخْتِمْ لِيَ الْأَيَّامَ بِالْخَيْرِ إِنَّنِي
رَأَيْتُ طَوِيلَ الْعُمْرِ طَيْفَ ثَوَانِ

هَذِي أَنَاشِيدُ الظَّمَاءِ نَظَمْتُهَا
مِنَ الْجَمْرِ لَا مِنْ رِقَّةِ الْأَلْحَانِ

بِهَا صَهْوَةُ الْجَرْدَاءِ وَالرُّمْحُ وَالْفَلَا
وَذِئْبُ الدُّجَى وَالسَّيْفُ وَالْكُثْبَانِ

بِهَا وَقْفَةُ الْحُرِّ الَّذِي لَوْ تَكَالَبَتْ
عَلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ لَمْ يَتَوَانِ

وَبِهَا فُؤَادُ الظَّامِئِ الْحُرِّ كُلَّمَا
سَقَتْهُ يَدُ الدُّنْيَا يَزِدْ بِظَمَانِ

إِلَى أَنْ يَرَى نَبْعَ الْيَقِينِ بِقَلْبِهِ
فَيَرْوَى وَيَطْوِي رِحْلَةَ الْحِرْمَانِ

فَإِنْ قِيلَ: مَنْ هَذَا الَّذِي شَقَّ لَيْلَهُ؟
فَقُولُوا: فَتًى مَا طَأْطَأَ الرَّأْسَ لِلْهَوَانِ

وَإِنْ قِيلَ: مَا أَبْقَى الزَّمَانُ بِصَدْرِهِ؟
فَقُولُوا: صَهِيلَ الْعِزِّ فِي الشِّرْيَانِ

وَإِنْ قِيلَ: مَا مَاءُ الْحَيَاةِ لِظَمْئِهِ؟
فَقُولُوا: هُدَى الرَّحْمَنِ رِيُّ الظَّمْآنِ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.