الجمالِ الذبيح (قصيدة)
الجمالِ الذبيح (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
الجمالِ الذبيح (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
قِــــفْ بالدِّيــــــــارِ وسَــــلْ رُباهــــا مــــا جَــــرى
حتّى اسْتَبــــاحَ الظّالِمــــونَ حِمــــاهــــا
وابكِ الدُّوْحَ، فالسَّمْهَرِيُّ كأنَّـــــــــــــــــــهُ
نَهَشَ الجُــــذوعَ، وفــــأسُهُمْ أَدْمــــاهــــا
هَجَمُوا عليهــــا كالعَــــرَمْرَمِ في الدُّجــــى
والغــــدرُ يَسْبِــــقُ في الوَغــــى خُطْواهــــا
وتَساقَطَتْ أغصانُهــــا فكأنَّهـــــــــــــــــــــا
قَتْلَى الكِــــرامِ تَخَضَّبَتْ بِدِمــــاهــــا
يا لَلجَمــــالِ مُجَنْدَلًا في عَرْصَــــــــــــــــةٍ
والفــــأسُ تَشْرَبُ مِنْ صَميمِ دِمــــاهــــا
كانتْ عَروسَ البيدِ، تَلبَسُ حُلَّــــــــــــــــــةً
خَضْــــراءَ، والشَّمْسُ المُنيرةُ حَلّاهــــا
وتَميلُ إنْ هَبَّ الصَّبــــا بأريجِـــــــــــــــــــهِ
مَيْلَ الخَريدةِ حينَ هَبَّ هَواهــــا
والطيرُ فوقَ غصونِهــــا مُتَرَنِّــــــــــــــــــــمٌ
حتى تَخــــالَ الوَحْيَ بعضَ غِناهــــا
والنَّحْلُ يَغْدو في الرَّحيقِ كأنَّــــــــــــــــــــهُ
وَفْدُ الملوكِ، وزَهْرُها مَثْواهــــا
والغيمُ يسكبُ فوقَ هامَتِهـــــــــــــــــــــــــــا النَّدى
فتَرُدُّهُ ثَمَرًا يَطيبُ جَناهــــا
والشَّمسُ تَنسجُ من خُيوطِ ضِيائِهــــــــــــــــــا
تاجًا، وتَرفَعُ في السَّماءِ ذُراهــــا
حتى أتاهــــا منْ بني الجَهْلِ امــــــــــــــــــرؤٌ
صَلْفٌ، فَسَلَّ على الجَمالِ ظُباهــــا
ما كانَ يعرفُ أنَّ جِذعًا شامخًــــــــــــــــــــــا
سِفْرٌ، وأنَّ الدهرَ خَطَّ حِكاهــــا
ضَرَبَ الجُذوعَ كأنَّ بينَ ضُلوعِهــــــــــــــــــــا
ثأرًا قَديمًا، فاستباحَ حَشــــاهــــا
فَتَصَدَّعَتْ، والريحُ تصرخُ حولَهـــــــــــــــــــا
وتَلُمُّ فوقَ التُّربِ بعضَ شَظاهــــا
وتَهاوَتِ الأفنانُ فوقَ ثَراهـــــــــــــــــــــــــــا
كالخيلِ أرداها الطِّعانُ وَغاهــــا
وكأنَّ أوراقَ الخريفِ إذا هَــــــــــــــــــــــــــوَتْ
راياتُ جيشٍ قد أُبيدَ لِواهــــا
وتَفَرَّقَتْ أسرابُ طيرٍ حولَهـــــــــــــــــــــــــا
حَيْرى، تُفَتِّشُ في الفضاءِ خُطاهــــا
نادَتْ فراخُ الطيرِ: أينَ عُشوشُنــــــــــــــــــــــا؟
مَن بعدَ أمِّ الدَّوحِ سوفَ يَرعاهــــا؟
أينَ الظِّلالُ إذا الهجيرُ تَسَعَّــــــــــــــــــــــرَتْ
نيرانُهُ، واشتدَّ فينا لَظاهــــا؟
أينَ الغصونُ إذا الرِّياحُ تَكَشَّــــــــــــــــــــــرَتْ
عن نابِها، فوجدْنَ فيها حِماهــــا؟
يا قاتلَ الدَّوحِ العتيقِ بأيِّـــــــــــــــــــــــــــةٍ
سُنَّتْ شريعةُ فأسِكَ العَمْياها؟
أرأيتَ جِذعًا في التُّرابِ مُضَرَّجًــــــــــــــــــــا
وسمعتَ قبلَ سقوطِهِ شَكواهــــا؟
أرأيتَ كيفَ تَزلزلتْ جَلامِــــــــــــــــــــــــــــدٌ
لمّا هوى، فبكى الثَّرى مَصْرَعاهــــا؟
هذي التي عَبَرَتْ قُرونًا لم تَــــــــــــــــــــــــزَلْ
كالطَّوْدِ تَحمِلُ في الزمانِ عُلاهــــا
هذي التي شَهِدَتْ صهيلَ جيادِنــــــــــــــــــــــــا
والنَّقعُ يَحجبُ عن عيونٍ سَماهــــا
هذي التي عرفتْ حُداةَ رِكابِنـــــــــــــــــــــــــا
والعيسَ تشقُّ من الفلاةِ فَلاهــــا
هذي التي نَزَلَ الغريبُ بظلِّهــــــــــــــــــــــــــا
فأمِنَ الطريقَ، وأودعَتْهُ قِراهــــا
هذي التي نَصَبَ الأصيلُ بجِذعِهـــــــــــــــــــــــا
رُمْحًا، وشدَّ إلى الظلالِ مَطاهــــا
هذي التي عُلِّقْنَ عندَ جُذوعِهـــــــــــــــــــــــــا
بيضُ الظُّبا، وتفيَّأوا بفَيْاهــــا
والنارُ عندَ جذوعِها مشبوبـــــــــــــــــــــــــــــةٌ
والهيلُ فاحَ، فطيَّبَتْ نَجواهــــا
والضيفُ يُكرَمُ عندَها، فكأنَّهـــــــــــــــــــــــــا
بيتُ المروءةِ، والكرامُ بُناهــــا
كمْ فارسٍ وافى الظِّلالَ مُغَبَّـــــــــــــــــــــــــرًا
فغسلتْ نَسائمُها عن الوجهِ عَناهــــا
وكمِ الظَّعائنُ مَرَّ تحتَ غصونِهــــــــــــــــــــــا
والحُسنُ يركبُ في الهوادجِ مَطاهــــا
وكمِ الحبيبُ أتى الحبيبةَ خُلسَــــــــــــــــــــــــةً
والبدرُ فوقَ غصونِها أخفاهــــا
فتَسامَرَ العشّاقُ تحتَ ظلالِهــــــــــــــــــــــــــا
والنجمُ يحفظُ سرَّهُمْ ويرعاهــــا
حتى غدتْ أخبارُهم في جِذعِهـــــــــــــــــــــــــــا
نقشًا، وصارَ حفيفُها رُؤياهــــا
يا دَوْحَةَ الأجدادِ، كمْ حَمَلَتْ لَنـــــــــــــــــــا
أيامُكِ الغَرَّاءُ من ذِكراهــــا
في جِذعِكِ الأسلافُ، في أغصانِــــــــــــــــــــــــكِ
أحفادُهم، والأرضُ بعضُ دِماهــــا
جذرٌ تشبَّثَ بالصخورِ كأنَّـــــــــــــــــــــــــــــهُ
شيخُ القبيلةِ لا يُباعُ ثَراهــــا
لو زاحمتهُ العاصفاتُ تَجَبَّــــــــــــــــــــــــــــرًا
عضَّ الصُّخورَ، وما أمالَ قَناهــــا
إنْ زمجَرَ النَّوءُ العنيفُ بليلِــــــــــــــــــــــــه
وقفَتْ تُقابلُ بالصمودِ أَذاهــــا
وإذا الصواعقُ أرسلتْ نيرانَهــــــــــــــــــــــــــا
لم تستكنْ، بل قارعتْ بَلْواهــــا
أفبعدَ هذا المجدِ تأتي فأسُهُـــــــــــــــــــــــــــمْ
فتبيعُ تاريخَ القرونِ سَفاهــــا؟
تَبًّا لِمَنْ جعلَ الخرابَ حضــــــــــــــــــــــــــارةً
وجرى وراءَ جهالةٍ أغواهــــا
وتَبًّا لِمَنْ رأى الجمالَ جريمـــــــــــــــــــــــــةً
فرمى محاسنَ أرضِهِ وشَذاهــــا
أيظنُّ أنَّ الأرضَ تنسى غدرَهُــــــــــــــــــــــــــمْ
أو أنَّها ستُميتُ يومًا شَكواهــــا؟
كَلّا، فإنَّ الأرضَ تحفظُ ثأرَهـــــــــــــــــــــــــا
والصخرُ يحفظُ في الشقوقِ صَداهــــا
ستظلُّ كلُّ فؤوسِهِمْ في جِذعِهــــــــــــــــــــــــا
عارًا يُلاحقُ في الزمانِ خُطاهــــا
والطيرُ يشهدُ، والحمامُ، ونحلُهــــــــــــــــــــــــا
والريحُ، والأمطارُ، ثمَّ رُباهــــا
والنهرُ يشهدُ أنَّها كانتْ لَــــــــــــــــــــــــــهُ
أختًا، وكانَ الماءُ بعضَ دِماهــــا
والغيمُ يشهدُ كمْ أتى مُتَحَنِّنًــــــــــــــــــــــــا
فبسطَ السحائبَ فوقَها وسَقاهــــا
والشمسُ تشهدُ كمْ قبَّلتْ جَبينَهــــــــــــــــــــــا
عندَ الصباحِ، فزادَها وحَلاهــــا
والليلُ يشهدُ كمْ أعارَ غصونَهــــــــــــــــــــــــا
نجمًا، فصارَ النجمُ بعضَ حُلاهــــا
يا أيُّها الإنسانُ مهْلًا، إنَّهـــــــــــــــــــــــــا
روحُ الثرى، فبأيِّ ذنبٍ تَفْناهــــا؟
إنَّ الشَّجيرةَ في الفلاةِ قبيلـــــــــــــــــــــــــةٌ
جَذْرٌ أبٌ، والأغصنُ الأبناءُ فيها
أوراقُها راياتُها، وثِمارُهــــــــــــــــــــــــــــــا
زادُ الغريبِ إذا أضرَّ جَواهــــا
والجذعُ سيِّدُها العتيقُ، وظلُّهــــــــــــــــــــــــا
خَيْمُ الكرامِ إذا استجارَ حِماهــــا
لا تقتلوا التاريخَ في أغصانِهــــــــــــــــــــــــــا
فالدهرُ خطَّ على الجذوعِ سِماهــــا
لا تجعلوا الفأسَ اللئيمةَ حاكمًـــــــــــــــــــــــــا
فالأرضُ تعرفُ مَن يصونُ قُراهــــا
وازرعْ إذا سقطتْ شجيرةُ موطنٍ
عشرًا، فخيرُ الناسِ مَن أحياهــــا
وارفعْ يديكَ عن الجذوعِ فإنَّهــــــــــــــــــــــــــا
عِرضُ البلادِ، وحُرُّها يرعاهــــا
فالحرُّ لا يرضى الخرابَ لدارِهِ
والليثُ يحرسُ في العرينِ حِماهــــا
وإذا رأى غصنًا يُذَبَّحُ هبَّ لَــــــــــــــــــــــــهُ
كالضَّيغمِ الغضبانِ صانَ ذُراهــــا
يا فأسُ، إنْ قطعتِ جِذعًا شامخًـــــــــــــــــــــــا
فالجذرُ تحتَ الأرضِ لن تنساهــــا
سيشقُّ صخرَ الأرضِ فجرًا أخضــــــــــــــــــــــــرًا
ويعيدُ بعدَ الموتِ بعضَ صِباهــــا
وتعودُ أوراقُ الربيعِ كأنَّهــــــــــــــــــــــــــــا
خيلٌ تَوثَّبَ في الوغى مَسراهــــا
وتعودُ أسرابُ البلابلِ حولَهـــــــــــــــــــــــــــا
وتردُّ للأفقِ البعيدِ غِناهــــا
ويعودُ ظِلُّ الدَّوحِ فوقَ ترابِنــــــــــــــــــــــــا
خَيْمًا، ويُحيي في الفلاةِ رُباهــــا
فالأرضُ إنْ جُرحتْ ستُنبتُ من دَمٍ
غُصنًا يُقاتلُ بالربيعِ أَذاهــــا
ما ماتَ جِذعٌ في الثرى متجذِّرٌ
ما دامَ في أحشائِهِ مَجراهــــا
ستظلُّ أشجارُ البلادِ مَهابَــــــــــــــــــــــــــــةً
كالطَّودِ، لا تُعطي اللئيمَ قَفاهــــا
وسيَخسرُ الفأسُ اللئيمُ معركـــــــــــــــــــــــــــةً
ويعودُ للأفنانِ عِزُّ لِواهــــا
هذي وصيَّةُ شاعرٍ لِرُبوعِــــــــــــــــــــــــــــــهِ:
صونوا الشجيرةَ، واحفظوا مَأواهــــا
إنَّ الجمالَ أمانةٌ في أرضِنــــــــــــــــــــــــــــا
والحُرُّ يعرفُ للأمانةِ مَغزاهــــا
فإذا رأيتَ الدَّوحَ شامخَ هامَــــــــــــــــــــــــــةٍ
فاقرأْ على وجهِ الزمانِ حِكاهــــا
وقُلِ السلامُ على الجذوعِ فإنَّهــــــــــــــــــــــــا
بقيتْ، وإنْ سُلَّتْ عليها ظُباهــــا
تبقى الجذورُ، ويبقى المجدُ متَّقِــــــــــــــــــــــدًا
والأرضُ تعرفُ أهلَها وحُماهــــا
ما دامَ فينا للثرى قلبٌ يَفِي
فلن يستبيحَ الدهرُ يومًا رُباهــــا
****