منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

على أي اساس يكون بناء الاسرة صلبا؟

الميلودي مفتدي

0

على أي اساس يكون بناء الاسرة صلبا؟

بقلم: الأستاذ الميلودي مفتدي

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:“كنتم خير امة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتومنون بالله”، روى الامام البخاري عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: “معنى هذا خير الناس للناس، تجروهم بالسلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام، خير الأمم وانفع الناس للناس”.

ولا شك أن بناء أمة بهذه المواصفات، لا يتأتى الا بتوفير لبنات صلبة يشد بعضها البعض، تؤسس لدعامات تقوى على مقاومة الرياح وتمنع عوامل التعرية الهدامة أن تنال منها أو تجثتها من الجذور. لبنات هي بمثابة دعامات تقف في وجه العدوان الثقافي المدجج بكل أنواع التحريف والتزوير، لتحافظ على الهوية الإسلامية، وتحمي الأخلاق والمروءات المؤسسة لمجتمع فاضل، مجتمع العمران الأخوي.

لا يخفى على أحد أن المكون الوحيد والأساسي لمجتمع تتوفر فيه الشروط المذكورة، هي الأسرة، تلكم الأسرة المتوازنة التي تستمد قوتها وثباتها من سلوك تغمره الاخلاق والقيم وتتحكم فيه مراقبة الله، وطلب وجه الله، مستندا في ذلك على محبة الله، ومحبة ورسول الله، والاجتهاد والسعي للتأسي برسول الله.

الاسرة نعمة والزواج عبادة، هو شعار المرحلة.

يقول الله عز وجل في محكم تنزيله:

” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة” سورة الروم، ص: 20

لنستمع لما قاله الامام المرشد رحمه الله وأعلى مقامه في هذه الآية المباركة:

“منة عظمى وآية كبرى من مننه المشكورة وآياته المذكورة. سكون شطر هذه النفس الإنسانية إلى الشطر المكمل راحة واطمئنان وألفة واستئناس واستيطان، لولاه لكانت الحياة وحشة وغربة وقلقا. فالحمد لله رب العالمين، وله الحمد في الأولى والاخرة”.

الأسرة نعمة، والنعمة تستوجب الشكر، والشكر يكون باللسان وبالعمل. “اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور” الآية 13 من سورة سبأ

كيف نشكر الله على هذه النعمة العظمى؟ كيف نحافظ على ثمارها؟ كيف نتعهد أغراسها لتبقى ناضرة يانعة رائعة؟

“وجعل بينهما مودة ورحمة”

إن من أهم ما يساعد على الحفاظ على هذه المودة المسداة، والرحمة المهداة، أن ننظر في أسرار وجودها أصلا، ونتفكر في كل الظروف والحيثيات التي هي من صميم تسخير الله عز وجل واختياره، ومحض عطائه وتيسيره. ” كل شيء عنده بمقدار” سبحانه وتعالى عز وجل.

كيف يختار لك ولها من به وبها يتم التكامل والألفة والاطمئنان؟ هل فكرنا يوما كيف يلد الوالدان البنت ويتم احتضانها بعد ذلك، مع ما يتطلب الأمر من رعاية وسهر وتعب ونصب، حتى إذا نمت وترعرعت، واشتد عودها ونضجت، هباها لك، بأمر من الله، بفرح وسرور، لتكون انت من يقطف أحلى وأنفسها الثمار، وانت من ينعم بسلوكها الطيب، واخلاقها القيمة. زوجك الطيبة، الصالحة، المحبوبة، هي نتاج آلام ومعاناة عاشها الوالدان لإعدادها وحسن تربيتها ليقدمها لك، هدية من الله عز وجل، لتضيء بيتك، وتنير حياتك. فإذا استطاع المرء ان يستحضر كل هذه المعطيات، وينظر اليها بعين اليقين، بان له وجوب الشكر لله عز وجل أولا ثم لخلقه الذي جعله الله سببا لإيجادها. وتكون عنده الشعور بان زوجه جوهرة نفيسة، وسهل عليه الإحسان إليها وإلى والديها وكل ذويها، مهما كلفه ذلك من ثمن، معنويا كان أو ماديا، وهان عليه ما قد يصدر منها، نتيجة الضعف البشري، الذي هو حقيقة بشرية مشتركة بينه وبينها. وما يقال عن المرأة يقال نفسه عن الرجل.

ماذا ينتج عن علاقة زوجية هذه أسس بنائها؟

ضمان وجود المودة والرحمة، بل ضمان نمائهما وترسيخهما، فيترجم ذلك بالمعاملة الطيبة اللطيفة الرحيمة. وإذا كان زواج الآخرين يبنى على قاعدة الحقوق، حقوق المرأة وحقوق الرجل، فإن علاقاتنا تؤسس على الاحترام المتبادل والتقدير والتكارم، ويتجلى هذا السلوك في إسراع كل منهما إلى خدمة الآخر، وإلى إرضائه، وإلى إدخال السرور عليه، والسهر على راحته، وتتعدى هذه المعاملة البيت الزوجي لتشمل العائلتين، بالتواصل والتزاور والبر والإحسان، والصبر الصفح وغض الطرف، فيتم الحفاظ على أجواء عائلية أخوية حميمية.

والزواج عبادة:

يعتبر كل منهما الآخر أخا أو اختا، فاخو الزوج أو اختها اخي واختي، والرؤية مشتركة، متبادلة، عن اقتناع عميق، خال من أي مجاملة أو مداراة أو تصنع. لأنه باب من أبواب التقرب إلى الله عز وجل، ولأنه بذلك يكون مصدر استقرار وهناء في الدنيا، وسعادة في الدنيا والاخرة. فالزواج تآخ في الله، ومصاحبة، والزوج أب لزوجه وهي أوام له، يتعاونان على خدمة دعوة الله، ويجتمعان على ذكر الله، ويستشيران في أمور دنياهم وآخرتهم، متخذين علاقتهما وحياتهما كمشروع لتدبير حياتهم وإعداد مصيرهم وبناء آخرتهم. وكل حركاتهم وسكناتهم تفتل في هذا الحبل، يجعلان من حياتهما مطية للآخرة.

المال والبنون زينة الحياة الدنيا

المال وسيلة لا بد منها، والأولاد قوة وأنس وتسلية. والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير املا. من فاته الأولاد، لم يفته شيء ذو بال، ولكن من فاتته الباقيات الصالحات، فاته كل شيء.

ولكن الأولاد، إذا رزقهم الله، رزق في الدنيا، وبركة في الآخرة، إن هم أصلحهم الله وبارك فيهم، فهم الشجرة المباركة، هم الأصحاب والأحباب في الحياة الدنيا، وهم البركة، وهم إخوان الآخرة والاخلاء فيها. نحتضنهم بلطف، ونربيهم برفق، معتمدين في ذلك كله على توفيق الله عز وجل لنا ولهم، وعلى عطاياه وهدايته، باعتبارهم جندا من جند الله، وأداة من أدوات عمارة الأرض والاستخلاف فيها، وثمرة التناكح والتناسل، استجابة لأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإدخالا للسرور على روحه الطيبة، وتمكينه من مباهاة الأمم. قال صلى الله عليه وسلم:” تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم…”.

عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” كل مولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” رواه ابن حبان في صحيحه، وأخرجه الإمام البخاري رحمهما الله.

الأبناء كنزعظيم في هذه الحياة، وذخر لما بعد الموت، كما جاء في الحديث الذي رواه الامام مسلم عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه والذي جاء فيه: “إذا مات بنو آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”.  وهذا يتطلب منا أن تفقدنا الزرع، ونحرص على نمائه بحكمة وتؤدة وسعة صدر كما علمنا رسول الله صلى عليه وسلم. ولا سبيل إلى ذلك إلا إن كنا موصولين بالله عز وجل، مرابطين على بابه، بالتقرب إليه والتضرع، قائمين بحقوقه، منتهين عما نهى عنه سبحانه وتعالى عز وجل. وذلك لأن الهداية -هدايتنا وهدايتهم- منه سبحانه وتعالى. وإن كان أن هناك أسبابا لا بد للإنسان من القيام به، من باب “بك لا يأتي شيء ولا بد منك” الفتح الرباني ص 192. وإذا كان يمكن للأبوين أن يفسدا فطرة أبنائهم، فإنه بمنطق التقابل يمكن لهم إصلاحها إن هم أحسنوا معاملتهم، وعلموهم بالقدوة الحسنة قبل القول السديد، فكانوا لهم النموذج المحتذى، من خلال تمسكهم بالسلوك القويم الذي نجده في سنة رسولنا الكريم، تمثلا وتشربا وحرصا على التأسي به صلى الله عليه وسلم وبصحابته رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فإن لم يكن، و” إن قرأنا حديث المكاثرة دون أن نعرضه على حديث الغثائية، قصر فقهنا، واندفعنا في الدعوة إلى تأييد انحطاط الأمة جيلا بعد جيل، من حيث نظن أننا ندافع عن السنة وندعو اليها”. من كلام المرشد رحمه الله. تنوير المومنات ج 2 ص 222

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.