دراسة حديث: «حقت محبتي للمتحابين في»
دة. جهـاد اسماعيـــلـــي
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَرْسَلَهُ سبحانه ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45، 46)
أَمَّا بَعْدُ:
ولما كانت دراسة إرث الحبيب المصطفى من أسمى الأعمال درجة ومنزلة انبريت للبحث ودراسة حديث شريف عظيم الموضوع الذي يروم تسليط الضوء على “فضل التحاب في الله”.
فمن أعظم النعم على المرء المحبة في الله المورثة لحب الله، فهي رابطة من أعظم الروابط، وآصرة من آكد الأواصر، جعلها سبحانه أوثق عرى الإسلام والإيمان.
نص الحديث ورواياته وراويه
ونص الحديث الشريف الذي اعتمدته هو برواية الإمام أحمد بن حنيل كما جاء في مسنده عن عُبادة بن الصامت:
حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ حِمْصَ فَإِذَا فِيهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كَهْلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا فِيهِمْ شَابٌّ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا سَاكِتٌ، فَإِذَا امْتَرَى الْقَوْمُ فِي شَيْءٍ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ فَسَأَلُوهُ. فَقُلْتُ: لِجَلِيسٍ لِي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَوَقَعَ لَهُ فِي نَفْسِي حُبٌّ، فَكُنْتُ مَعَهُمْ حَتَّى تَفَرَّقُوا، ثُمَّ هَجَّرْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَائِمٌ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ، فَسَكَتَ لَا يُكَلِّمُنِي فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَاحْتَبَيْتُ بِرِدَائِي، ثُمَّ جَلَسَ فَسَكَتَ لَا يُكَلِّمُنِي، وَسَكَتُّ لَا أُكَلِّمُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. قَالَ: فِيمَ تُحِبُّنِي؟ قَالَ: قُلْتُ: فِي اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَأَخَذَ بِحُبْوَتِي فَجَرَّنِي إِلَيْهِ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ». قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ لَا أُحَدِّثُكَ بِمَا حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي الْمُتَحَابِّينَ. قَالَ: فَأَنَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُهُ إِلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ»[1]
وقد جاء الحديث بروايات وطرق أخرى، فنقرأ في السنن الكبرى للبيهقي ما نصه: “أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أنبأنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا يَعلَى بنُ عَطاءٍ، عن الوَليدِ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ، عن أبى إدريسَ العائذِىِّ قال: أتَيتُ عُبادَةَ بنَ الصَّامِتِ فقالَ: لا أُحَدِّثُكَ إلّا ما سَمِعتُ على لِسانِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: “حَقَّتْ مَحَبَّتِى لِلمُتَحابِّينَ فيّ، وحَقَّت مَحَبَّتِى لِلمُتَواصِلينَ فيّ، وحَقَّت مَحَبَّتِى لِلمُتَصافينَ فيَّ. أو قال: حَقَّت مَحَبَّتِى لِلمُتَباذِلينَ فيَّ”[2].
وروى الإمام الطبراني الحديث في المعجم الأوسط والصغير برواية مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ عن عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ عن عمرو بن عنبسة: “حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ جَابِرٍ اللَّخْمِيُّ، ثَنَا مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ، نَا الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ، أَنَّ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: هَلْ أَنْتَ مُحَدِّثِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ نِسْيَانٌ، وَلَا كَذِبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَادَقُونَ مِنْ أَجْلِي، وَقَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ يُقَدِّمُ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ مِنْ صُلْبِهِ، لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ إِلَّا مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ”[3].
وذكره الإمام السيوطي في الجامع الصغير بنص: “قالَ الله تَعَالى: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَنَاصِحِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، المُتَحَابُّونَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكانِهِمْ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ”.
فيلاحظ أن متن الحديث يختلف من رواية إلى أخرى فالرواية المذكورة في مسند الإمام أحمد والرواية المذكورة في سنن البيهقي فيها تبديل لفظ “الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ“، بلفظ “المُتَصافينَ فيَّ“. بينما رواية الإمام الطبراني ففيها زيادة عبارة: “وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ يُقَدِّمُ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ مِنْ صُلْبِهِ، لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ“. ورواية الإمام السيوطي أيضا تحمل زيادة عبارة: “المُتَحَابُّونَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكانِهِمْ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ”. والحديث مشهود له بالصحة. حيث جاء في مسند الإمام أحمد : “إسناده صحيح، رجاله ثقات”[4].
رواة الحديث:
راوي الحديث: عبادة بن الصامت.
المحدث: أحمد، والبيهقي، والطبراني، والسيوطي، وابن حبان، والترمذي
درجة الحديث: إسناده صحيح.
ولابد من الإشارة إلى مخرجي الحديث وهم علماء محدثون لهم باع طويل ووزن ثقيل في الرواية؛ نبدأ بالإمام أحمد بن حنبل؛ فهو: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل الذهلي، الشيباني، المروزي، ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام.
طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة. فسمع من: إبراهيم بن سعد قليلا، وهشيم بن بشير فأكثر وجود، وعباد بن عباد المهلبي، وآخرون. أما عدة شيوخه الذين روى عنهم في (المسند): مائتان وثمانون ونيف. حج خمس حجج، منها ثلاث راجلا[5]. توفي سنة واحد وأربعين ومائتين للهجرة بعد سنوات من خدمة السنة النبوية، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي.
أما الإمام البيهقي فهو الحافظ العلامة، الفقيه، شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي، الخراساني. وبيهق: عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها. ولد: في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة في شعبان.
وسمع وهو ابن خمس عشرة سنة من: أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي؛ صاحب أبي حامد بن الشرقي، وهو أقدم شيخ عنده، صاحب أبي عوانة، وروى عنه بالإجازة في البيوع. كما سمع من: الحاكم أبي عبد الله الحافظ، فأكثر جدا، وتخرج به، ومن أبي طاهر بن محمش الفقيه، وعبد الله بن يوسف الأصبهاني وخلق كثير سواهم.
وبورك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة، فعمل “السنن الكبير” في عشر مجلدات، ليس لأحد مثله، وألف كتاب “السنن والآثار” في أربع مجلدات، وكتاب “الأسماء والصفات” في مجلدتين، وكتاب “المعتقد” مجلد، وكتاب “البعث” مجلد، وكتاب “الترغيب والترهيب” مجلد، وكتاب “السنن الصغير” مجلد ضخم، وكتاب “شعب الإيمان” مجلدان وغيرها.
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في “تاريخه”:كان البيهقي على سيرة العلماء؛ قانعا باليسير، متجملا في زهده وورعه. جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث. توفي: في عاشر شهر جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربع مائة.[6]
والإمام الطبراني هو: “أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني؛ كان حافظ عصره، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثاً وثلاثين سنة، وسمع الكثير، وعدد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة: “الكبير” و”الأوسط” و “الصغير” وهي اشهر كتبه، وروى عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير. ومولده سنة ستين ومائتين بطبرية الشام، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة، وعمره تقديراً مائة سنة، رحمه الله تعالى”[7]. “قال ابن مندة: وبلغني أن الطبراني كان حسن المشاهدة، طيب المحاضرة”[8].
والإمام السيوطي ليس ببعيد عن هذه المنزلة العلمية العالية؛ فهو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن الهمام الجلال الأسيوطي الأصل الشافعي. وهو من خيرة العلماء الأفاضل المجتهدين، ومن المصنفين المكثرين، ولد في أول ليلة مستهلّ رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة. أخذ العلم عن خيرة علماء عصره، وأجاز له أكابر علماء عصره من سائر الأمصار، واشتهر ذكره، وصنف التصانيف المفيدة النافعة. وجلال الدين السيوطي كتب لنفسه ترجمة في مؤلفه: «حسن المحاضرة» في تاريخ مصر والقاهرة، فقال: «نشأت يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثمان سنين، ثم حفظت «العمدة» ومنهاج الفقه، والأصول وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهلّ سنة أربع وستين وثمانمائة… ولزمت في الحديث، والعربية شيخنا الإمام العلامة «تقي الدين الشبلي» الحنفي، فواظبته أربع سنين، وكتب لي تقريظا على شرح ألفية ابن مالك، وعلى جمع الجوامع في العربية تأليفي، وشهد لي غير مرّة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه، وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين وثمانمائة، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب. ورزقت التبحّر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب البلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه، والجدل، والتصريف، ودونها الإنشاء، والترسّل والفرائض. ودونها القراءات..” توفاه الله تعالى في يوم الخميس تاسع شهر جمادى الأولى سنة أحد عشر وتسعمائة هـ. [9]
ولا يكتمل النفع إلى بترجمة صحابيين جليلين ذكرا في الحديث سندا ومتنا: هما سيدنا معاذ بن جبل وسيدنا عبادة بن الصامت. أما سيدنا معاذ بن جبل فهو “ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج. السيد الإمام، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني البدري؛ شهد العقبة شابا أمرد وله عدة أحاديث. روى عنه ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبو أمامة وأبو ثعلبة الخشني ومالك بن يخامر وأبو مسلم الخولاني وعبد الرحمن بن غنم وجنادة بن أبي أمية وأبو بحرية عبد الله بن قيس ويزيد بن عميرة وأبو الأسود الديلي وكثير بن مرة وأبو وائل (…) وروى الواقدي، عن رجاله أن معاذا شهد بدرا وله عشرون سنة أو إحدى وعشرون قال ابن سعد: شهد العقبة في روايتهم جميعا مع السبعين.
قال عطاء: أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنة. وروى قتادة، عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب وزيد ومعاذ بن جبل وأبو زيد أحد عمومتي.
قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة”(…) وقال ابن إسحاق والفلاس: توفي سنة ثمان عشرة وقال أبو عمر الضرير: وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.[10]
والصحابي الجليل عبادة بن الصامت: هو ابن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن “عمرو بن عوف” بن الخزرج الإمام القدوة أبو الوليد الأنصاري أحد النقباء ليلة العقبة ومن أعيان البدريين سكن بيت المقدس.
حدث عنه: أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك وأبو مسلم الخولاني الزاهد وجبير بن نفير وجنادة بن أبي أمية وعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي وآخرون. قال ابن إسحاق في تسمية من شهد العقبة الأولى: عبادة بن الصامت. شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ وعبادة وأبي وأبو أيوب وأبو الدرداء. وعن أبي حزرة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه قال: كان عبادة رجلا طوالا جسيما جميلا مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.[11]
رضي الله عنهم جميعا ونفعنا بعلمهم. فقد نقلوا لنا أحاديث غزيرة وجمة تعين العبد على الاقتداء بالنبي الكريم. ومن هذه الأحاديث؛ الحديث موضوع الدراسة.
موضوع الحديث وشروحه:
ففي هذا الحديث بيان لعظيم أجر المتحابين في الله، فمن الصفات العظيمة التي تُرضي الله عز وجل المحبة فيه، والمحبة في الله تكون خالصة لوجه الله تعالى مجردة من المصالح والأغراض الدنيوية. فتقابل بالفضل العظيم وهو وجوب وأحقية محبة الله للمرء. وفيما يلي بيان مفردات الحديث وموضوعه.
حقت: وجبت. والمحبة: إرادة ما تراه، أو تظنه خيرًا، أو: تعظيم في القلب يمنع الانقياد لغير محبوبه. وقد عرفها القوم وأهل التحقيق وعبَّروا عنها بعبارات كثيرة كل واحد نطق بحسب ذوقه، وانفسح بمقدار شوقه، وهي من الأمور الوجدانية الذوقية؛ التي إنما تعلم بآثارها، وعلاماتها، فكل من أدرك بعض علاماتها عبَّر بحسب ما أدركه، وهي وراء ذلك كله.
والمتحابون: تقدَّم الكلام عليه، والمتواصلون: جمع متواصل، وهو من كان بينك وبينه مواصلة، ووصلة، والوصل: ضد الهجران، يقال: وصلت الشيء بغيره، وصلاً، فاتصل به، ووصلته، وصلًا، وصلة: ضد هجرته. والمتناصحون: جمع متناصح، يقال: انتصح فلان: قَبِل النصيحة، وانتصحني فإني لك ناصح، وتنصح تشبه بالتنصح واستنصحه: عدَّه نصيحًا. والنصيحة: كلمة يُعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته، ونصحت له. والمتزاورون: جمع متزاور. وتزوار القوم: زار بعضهم بعضًا. واستزاره: سأله أن يزوره. والمتباذلون: جمع متباذل، بذل الشيء: أعطاه، وجاد به عن طيب نفس، أي: الذين يجود أحدهم بمال، أو غيره لأخيه في الله، والآخر كذلك.
والمعنى: أن الله تبارك اسمه، وتعاظمت صفاته أخبرنا: أن محبته قد وجبت لأنواع خمسة؛ الأول: المتحابون في الله عز وجل، يعني: أن أحدهم أحب الآخر لوجه الله جلَّ، وعلا، لا لعلة دنيوية، ولا منفعة عظيمة أخروية. والمحبة تنقسم بحسب ثمرتها وآثارها إلى قسمين: مشتركة، وخاصة.
فالمشتركة ثلاثة أنواع؛ أحدهما: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم. والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها، وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم. والنوع الثالث: محبة أُنْسٍ، وإلفٍ، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر بعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا، فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبة الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء، والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع. وكان يحب نساءه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق.
وأما المحبة الخاصة:التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله: فهي محبة العبودية المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا، وهي التي سوَّى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165]
الثاني: المتواصلون في الله عزَّ وجل، أي: وصل بعضهم بعضًا، ولم ينقطع عن أخيه في الله، ولم يهجره، وهذا يصدق بأن أحسن إليه، ومنحه صلته، وبره، واستمر على مواصلته قاصدًا بذلك وجه الله سبحانه وتعالى. أو: وصله بمودته، ومحبته، والتقرب إليه بمحاسن كلامه، وطوائف أحاديثه، واستمر على ذلك، ولم يهجره، ويقطعه، ويقصد في ذلك كله وجه الله، ورضاه.
الثالث: المتناصحون في الله جلَّ جلاله؛ بأن ينصح أحدهم الآخر في شخصه، وماله، وولده، وأهله، وأقاربه، ويتحرى ذلك بفعل، أو قول فيه صلاح صاحبه والنصيحة من أهم أمور الدين، وأعظمه، وبها يُقوَّم اعوجاج الخلق، وتصلح حالهم؛ لأن المؤمن للمؤمن كالمرآة، يرى عيوبه، ويكشفها، فعليه أن ينصحه، ويبذل جهده في نصيحته وإن كانت ثقيلة على المنصوح أحيانًا. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:79] وهي واجبة على كل مسلم لكل مسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله عز وجل، ولكتابه، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولأئمة المسلمين، وعامتهم” رواه مسلم. وروري البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: “بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم” وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “حق المؤمن على المؤمن ست، فذكر منها: وإذا استنصحك فانصح له” وأفضل النصيحة ما كانت سرًا، وقُصد بها وجه الله.
النوع الرابع: المتزاورون في الله عز وجل؛ أي: الذين يزورون الناس، والناس يزورونهم في بيوتهم، أو في مجتمعاتهم المشروعة، أو مكان عملهم سواء كان قريبًا، أو بعيدًا، ذا رحم، أو صاحب، وصديق، ولا يقصدون بذلك إلا التقرُّب إلى الله جل ذكره، والزلفى إليه.
النوع الخامس: المتباذلون في الله؛ أي: من بذل ماله، وجاهه، وما يقدر عليه، وأعطاه، وسمح به لأخيه المؤمن المستحق عن طيب نفس ابتغاء مرضاة الله، ولم يقصد بذلك سوى وجه الله تبارك وتعالى. قال الباجي: أي: الذين يبذلون أنفسهم في مرضاته من الإنفاق على جهاده عدوه، وغير ذلك مما أمروا به. والله أعلم”[12].
الآيات والأحاديث المعضدة للحديث المدروس
إن لهذه المعاني النفيسة ما يعضدها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة نجملها فيما يلي:
فمن الآيات القرآنية نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
ذكره سبحانه تعالى لأعظم حالات الحب في الله تعالى بين المهاجرين والأنصار، حيث قال عز وجل في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. (الحشر:9)
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71) وتظهر صفة حب المؤنين لبعضهم بأنهم يأمرون بعضهم بالمعروف ويتناهون عن المنكر فيما بينهم.
كما ألقى الله تعالى الألفة والحب في الله في قلوب الذين آمنوا وجعل بينهم المودة والرحمة، حيث قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. (الأنفال:63)
والمحبة في الله هي المحبة الدائمة الباقية إلى يوم الدين، فإن كل محبة تنقلب عداوة يوم القيامة إلا ما كانت من أجل الله وفي طاعته، قال سبحانه: ﴿الأَخِلَاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُو إِلاَّ المتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67).
وقد ذكر الله تعالى إحدى صور الحبّ في الله وهي التواصي بالحق والحثّ على الصبر، وذلك في قوله في سورة العصر: ﴿والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
ومن الأحاديث النبوية الشريفة المؤيدة لحديث “حقت محبتي للمتحابين في”:
قول أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم: “أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله عز وجل”. رواه الطبراني. فمن الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
بل إن الإيمان لا يكمل إلا بصدق هذه العاطفة، وإخلاص هذه الرابطة قال صلى الله عليه وسلم: “من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان”. رواه أبو داود .
ومن أراد أن يشعر بحلاوة الإيمان، ولذة المجاهدة للهوى والشيطان فهذا هو السبيل، ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”.
والمرء يفضل على صاحبه بمقدار ما يكنه له من المحبة والمودة والإخاء، قال صلى الله عليه وسلم: “ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه” رواه ابن حبان وصححه الألباني
وأما الجزاء في الآخرة فهو ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن من بين السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: “رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه” أخرجاه في الصحيحين .وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يقول يوم القيامة: “أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّ”. رواه مسلم
إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية التي تصب في بحر فضل المحبة في الله.
قيم الحديث والدروس والعبر المستخلصة منه:
الحديث مليء بالقيم الأخلاقية التي تقوِّم وتجوِّد السلوكات الفردية والجماعية كقيمة التحاب والتناصح والتزاور والتباذل التي تؤلف بين القلوب وتبني جسور المودة بين أفراد المجتمع وتقوي روابط الأمة الإسلامية، ولنا في أهلنا وأحبابنا في فلسطين خير مثال على الحب في الله وتناصر في الله لا لشيء سوى الأخوة الإسلامية، فالحديث الشريف يعطينا دروسا وعبرا على مجموعة من المستويات:
- على المستوى التعليمي: فالحديث يعلمنا مفاتيح استحقاق محبة الله، ويعلمنا مفاتيح تفشي المحبة بين المسلمين. فالمحبة تزداد بالتزاور والتباذل والتواصل والتناصح.
- على المستوى التربوي: فالتحاب في الله يورث التقرب إلى الله ويورث محبة الله، فهو عمل قلبي يثاب فاعله ويلتمس به رضى الله عز وجل.
- على المستوى الاجتماعي: ففي الحديث حث على القيام بالواجبات الاجتماعية والالتزام بها؛ كالتزاور الذي يوطد الأواصر بين أفراد المجتمع، فهو دليل على التضامن والتآزر بين المسلمين، وهو واجب ديني واجتماعي ترى آثاره في الدنيا والآخرة؛ شرط إخلاص النية لله تعالى.
- على المستوى الاقتصادي: فالتباذل المذكور في الحديث هو تعاون مادي بين المسلمين يشكل دفعة تنعش الاقتصاد وتقوي صفهم. فالحديث أتى لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية والتي تبدأ بصلاح القلوب واستقرار الإيمان في الأفئدة..
- على المستوى الأخلاقي: إذ للتناصح دور مهم في بناء منظومة أخلاقية قيمية متينة في الأمة الإسلامية. باعتباره بابا للإصلاح والتعاون على صلاح المسلمين.
وعليه فالحديث القدسي الذي أتى على لسان النبي الكريم يهدف إلى ترسيخ مجموعة من القيم والمفاهيم التي تقوي أواصر المحبة بين المسلمين وتورث محبة الله تعالى.
الحديث وعلاقته بواقع الأمة ومستقبلها:
يعتبر هذا الحديث من الأصول الإسلامية، إذ المحبة في الله لحم الجسد ودمه. وهو بها وحدها جسم رخو لا يقوم لعمل وسعي ولا لعبادة وجهاد. والهيكل العظمي هو التناصح والتشاور لما فيهما من صلابة في الحق تشبه صلابة العظم في الجسم. والتناصح والتشاور بلا محبة تغطي العيب، وتتجاوز عن الهفوة، فقعقة آراء، وأنانيات، وتأجيج خلاف.
جسم جماعة المؤمنين إذا لم يكن يسوده الوئام الكامل، والوحدة الوجدانية العقدية والتحاب في الله عز وجل، لا يستطيع أن يؤثر في مجتمعاتنا الفتنوية الفاسدة التي يسطر عليها الحقد الطبقي، والخلاف الحزبي، والنعرات القومية.
هذا الوئام يأتي من لين المؤمنين بعضهم لبعض وتراحمهم. قال الله تعالى يصفهم: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. (سورة الفتح:29)
ومن التحاب في الله واللين للمؤمنين يبدأ التأليف. قال الله تعالى يخاطب رسوله المصطفى: ﴿فيما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك﴾. (سورة آل عمران: 159)
ومن التحاب في الله واللين للمؤمنين تتألف عناصر القوة الجهادية، وعناصر الدفع في وجه العدو. قال تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. ما قدروا على تلك الشدة إلا بوجود هذه الرحمة.
وقال عز وجل من قائل: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾. (سورة المائدة: 54) الذلة السهولة واللين. وجهاد الكافرين بصلابة من لا يخاف في الله لومة لائم إنما يتأتى لمن أسند ظهره لله ولإخوته في الله.
الإيمان والتقوى في القلب منبعهما، والحب في الله في القلب منبته. فتربية القلوب على محبة الله ورسوله والمؤمنين أول خيط في حبل الله المتين.
أن يصير القلبان والثلاثةُ والعشرةُ والألف قلبا واحدا معناه أن لمؤلفها من القوة والنورانية ومن التوفيق ما يتجاوز به أسوار عاداتها، ويخرق حجب النفوس الأمارة بسوئها، ويرقيها إلى محلها الأول من الفطرة التي فطرها عليه مولاها. وهو ميراث منهج نبوي سار عليه الصحابة من قبل حتى انكشفت عنهم الحجب التي تحجب قلوب سائر الناس.
هذه قلوب طببها الطبيب الخبير صلى الله عليه وسلم حتى استحقت محبة الله تعالى، وجعل من قوانين عافيتها ومن شروط استحقاقها لمحبة ربها ما يرويه عبادة بن الصامت رضي الله عنه في الحديث الشريف. فكما كتب الله تعالى على نفسه الرحمة، كتب على نفسه المحبة، ولكن لمن تحابَّ وتواصل وتناصح وتزاور وتباذل فيه سبحانه.
وإن شر ما يفرق جماعات المسلمين غفلتهم عن الله حتى ينسوه فينسيهم أنفسهم، فتقسوا القلوب من ترك ذكر الله. وتتمثل هذه القسوة في تباغض المسلمين.
هذه القيم التي جاء بها الحديث هي دعامات لتغيير واقع الأمة ورص صفوفها وتقوية شوكتها، ولبنات تؤسس لمجتمع أخوي، مجتمع يكون فيه المسلمون على قلب رجل واحد.
أسلوب الحديث ونظمه وبلاغته.
وهذه الحمولة من المعاني والزخم من الدروس والعبر التي يحملها الحديث لا تغنينا عن روعة وبلاغة الخطاب الشرعي الذي يأتي في قالب من الإعجاز البياني والإبداع اللغوي.
ففي الحديث فضل التحاب في الله، والمراد أن فاعل كل هذه الأمور من الجانبين كما تدل عليه صيغة التفاعل إذا كان لوجه الله تعالى لا لعَرَضٍ فانٍ، ولا لغرض زائل؛ فإنه تجب له محبة مولاه، وهذا أعظم الجزاء وأشرفه.
وصيغة التفاعل هي صيغة الفعل الثلاثي المزيد بحرفين هما التاء في أوله والألف بين الفاء والعين (بين الحرف الأول والثاني). ويفيد الفعل في هذه الصيغة ثلاثة معان:
- المعنى الأول: هو المشاركة مثل تَصَافَحَ الصديقان وتشَارَكَ التاجران.
- والمعنى الثاني: هو إظهار غير الحقيقة مثلتَمَارَضَ وتَمَاوَتَ.
- والمعنى الثالث: هو المطاوعة إذا كان الفعل الأصل هو فَاعَلَ مثل بَاعَدْتُه فتَبَاعَدَ.
والمعنى المراد هنا من صيغة التفاعل هو المعنى الأول الدال على المشاركة والتبادل في المشاعر والمعاملات بين مسلمي الأمة.
فالحديث الشريف جاء بأحسن الألفاظ وأسهلها، وأبلغ العبارات وأوضحها، وذلك شأن الخطاب الشرعي؛ فكل كلمة منه، بل كل حرف في موضع منه، يأتي في مكانه المناسب، وبلفظه البليغ، وهذا أحد مظاهر إعجازه، التي يتبين من خلالها للعاقل المتأمل المنصف، أنه كلام الله تعالى وكلام نبيه الكريم بوحي منه عز وجل.
خاتمة وتوصيات:
كما أن الأشياء تذبل وتفقد حياتها ووجودها إذا أهملت وتركت ولم تطعم ولم تسقى، فكذلك الأمر بالنسبة للمحبة. فمن اللازم لتجديد حياتها وامتداد بقائها تغذيتها بما اشترط لها الله ورسوله من تزاور وتبادل وتناصح وتواص وتناصر، وسقيها بما ينعشها ويزينها ويزكيها من تصاف وتصادق.
وكما كتب الله تعالى على نفسه الرحمة تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ (الأنعام:54) كتب على نفسه المحبة؛ لمن تحابَّ وتواصل وتناصح وتزاور وتباذل فيه سبحانه. وهذا حب الله السابق منه إلى عباده أعظم رزق يتكرم به عليهم سبحانه، أما إذا جمعت هذه المحبة الإلهية الملقاة على هؤلاء المحبوبين، فصاروا به متحابين فيه، ثم فاضت عليهم وشاعت بينهم تآلفا وتضامنا وتآزرا وتناصحا؛ فليس لنا إلا أن نحمد الله تبارك وتعالى على ما أكمل من نعم، وأعظم من منن.
وأختم بما حث عليه الله ورسوله في الحديث الشريف من تناصح والتواصي:
- أولا: بحمد الله وشكره على مننه ونعمه التي لا تنقطع وأعظمها حبه تعالى لعباده الصالحين.
- ثانيا: السعي لنشر قيم الإيخاء والتكافل والتحاب في الله بين المسلمين الناظمة لمجتمع أخوي.
- ثالثا: التمسك بالكتاب والسنة لاستنباط دستور سلوكنا وعهود تعاملنا.
- رابعا: نشر هذه المبادئ والإشعاع بها في الإنسانية المتعطشة التي تعاني أزمة قيم وأخلاق.
[1] مسند الإمام أحمد بن حنبل لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ). المحقق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون. إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي. الناشر: مؤسسة الرسالة. الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001 م. 36/399.
[2] السنن الكبيرى لأبي بكر أحمد بن الحُسَين بن عليٍّ البيهقي (384 – 458 هـ) تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية (الدكتور / عبد السند حسن يمامة) الطبعة: الأولى، 1432 هـ – 2011 م. 21/173.
[3] المعجم الأوسط لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ). المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد , عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني. الناشر: دار الحرمين – القاهرة. 9/40. وانظر الروض الداني (المعجم الصغير) لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ). المحقق: محمد شكور محمود الحاج أمرير. الناشر: المكتب الإسلامي , دار عمار – بيروت , عمان. الطبعة: الأولى، 1405 – 1985. 2/239.
[4] مسند الإمام أحمد بن حنبل 37/445.
[5] سير أعلام النبلاء لشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ). الناشر: دار الحديث- القاهرة. الطبعة: 1427هـ-2006م 11/346.
[6] نفسه 18/ 163-169.
[7] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ). المحقق: إحسان عباس. الناشر: دار صادر – بيروت. 2/407.
[8] سير أعلام النبلاء للذهبي 16/123.
[9] معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ لمحمد محمد محمد سالم محيسن (المتوفى: 1422هـ). الناشر: دار الجيل – بيروت. الطبعة: الأولى، 1412 هـ – 1992 م. 2/124-127.
[10] نفسه 3/269-270.
[11] نفسه 3/344-345.
[12] الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية لزين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ). الشارح: محمد منير بن عبده أغا النقلي الدمشقي الأزهرى (المتوفى: 1367هـ)، شرحه باسم «النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية». المحقق: عبد القادر الأرناؤوط – طالب عواد. الناشر: دار ابن كثير دمشق- بيروت. ص125-128. وانظر فيض القدير شرح الجامع الصغير لزين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ). الناشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر. الطبعة: الأولى، 1356. 4/488.