محمد صلى الله عليه وسلم الأب(3)
بقلم: الدكتور خديجة السني
كان الرسول صلى الله عليه وسلم أبا رحيما شفيقا بالأطفال جميعهم. وهذا من كماله صلى الله عليه وسلم. ومواقفه في كتب السيرة كثيرة نذكر موقفين فقط للتمثيل رواهما أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ” خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله ما قال لي أفٍ قط، ولم يقل لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا”[1]
وقال أيضا كان رسولُ اللهِ يدخُلُ علينا ولي أخٌ صغيرٌ يُكنَى أبا عميرٍ، وكان له نُغَرٌ(عصفور) يلعبُ به،. فدخل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يومٍ، فرآه حزينًا، فقال: ما شأنُه؟ فقالوا مات نغرُهُ، فقال: يا أبا عُميرٍ، ما فعل النُّغيرُ[2] يلاطفه ويلاعبه صلى الله عليه وسلم ليخرجه من حزنه.
وكان أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم من السيدة خديجة إلا إبراهيم كما جاء في البداية والنهاية “كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ثم زينب، ثم عبد الله، وكان يقال له الطيب ويقال له الطاهر ولد بعد النبوة، ومات صغيرا، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية.. مات القاسم بمكة وهو أول ميت من ولده ثم مات عبد الله. ثم ولدت له مارية…”[3]
لم تذكر كتب السيرة الكثير عن علاقة رسول الله ببناته وسنكتفي ببعض مواقفه مع ابنتيه زينب وفاطمة رضي الله عنهما
مع ابنته زينب
بعد غزوة بدر كان زوج السيدة زينب في الأسرى وكان على كفره “.. لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها،.. فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها، فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه، وردوا عليها الذي لها “[4].
وقبيل الفتح “… حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية، فأخذوا ما معه، وأعجزهم هربا، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح، وكبر، وكبر الناس، صرخت من صفة النساء: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل على الناس، فقال، أيها الناس، هل سمعتم الذي سمعت؟ قالوا: نعم. قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم، وإنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال: أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له…”[5]
في هذين الموقفين يتبين لنا كيف ربى الرسول صلى الله عليه وسلم بناته على الاستقلالية والحرية في أخذ الرأي. كما تتبين الثقة الكاملة في بناته فهو بين لها الحكم الشرعي وحدود العلاقة التي أصبحت تجمعها بزوجها سابقا وترك لها حرية التصرف.
مع ابنته فاطمة الزهراء
كان يفرح لقدومها ويظهر ذلك لها عن عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ[6] وكان إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ [7].
وكان يزورها ويتفقد أحوالها ويصلح بينها وبين زوجها، منه ما رواه البخاري في أكثر من موضع ” جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيتَ فاطمة عليها السلام، فلم يجد عليًّا في البيت، فقال: أين ابنُ عمِّك؟. فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبَني فخرج فلم يَقِلْ عندي تعني: لم يَنَمْ وسَط النهار: القيلولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإنسان: انظر أين هو فجاء، فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع، قد سَقط رداؤه رضي الله عنه عن شِقِّه فأصابه تراب، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحه عنه وهو يقول: قُمْ أبا تراب، قُمْ أبا تراب”
استخرج العلماء من هذا الحديث فوائد جمة في سياسة الصلح بين الأزواج منها أنه ذكَّر ابنته بقرابة زوجها لها فهو ابن عمها قبل أن يكون زوجها وكأنه يوصيها بحسن العشرة اعتبارا للقرابة قبل الزوجية
وترفقه بسيدنا علي وتكنيته بأبي تراب ليلطف الجو ويهدأ النفوس. فأصبح هذا اللقب أحب الألقاب لسيدنا علي
وكان يغضبه ما يغضبها: حين بلغه أن عليا يريد الزواج عليها “..قالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا العَاصِ بنَ الرَّبِيعِ، فَحدَّثَني، فَصَدَقَنِي وإنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وإنَّما أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وإنَّهَا، وَاللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا قالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الخِطْبَةَ.[8]
حبه الشديد لبناته رضي الله عنهن لم يمنعه صلى الله عليه وسلم من تأديبهن وتوجيه اهتمامهن للدار الآخرة والرضى بقضاء الله فحين أرسلت له السيدة زينب من يدعوه للحضور عندها لأن ابنتها تحتضر “إنَّ ابْنَتي قدْ حُضِرَتْ فأشهدنا، أرْسَلَ إلَيْها السَّلامَ، ويقولُ: إنَّ لِلَّهِ ما أخَذَ وما أعْطَى، وكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَحْتَسِبْ ولْتَصْبِرْ.”[9]
كما كان يوصيهن بالتقلل من المباحات طمعا في ما عند الله من الأجر والثواب فحين رأى في يد السيدة فاطمة سلسلة من الذهب، في حديث طويل، قال: “… يا فاطمة، أيغرك أن يقول النَّاس: ابنة رسول اللهِ وفي يدها سلسلة من نار. ثم خرَجَ ولم يَقعُدْ، فأرسلتْ فاطمةُ بالسلسلةِ إلى السوقِ فباعتْها، واشترتْ بثَمنِها غلامًا،.. فأعتقتَه، فحُدِّث بذلك، فقال: الحمد لله الَّذي أنجى فاطمة من النَّار. “[10]
وحين طلبت منه خادما نصحها وزوجَها فقال “.. ألا أُعلِّمكما خيرا مما سألتماني: إذا أخذتما مضاجعكما تُكَبِّرا أربعا وثلاثين وتُسَبِّحا ثلاثا وثلاثين وتحمدا ثلاثا وثلاثين فهو خير لكما من خادم.”[11]
مع ابنه إبراهيم:
قال أنس رضي الله عنه قال: “ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إبراهيم ابنه مسترضعاً في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت، فيأخذه، فيقبله، ثم يرجع”[12] فكان صلى الله عليه وسلم يتكلف المسير الطويل ليرى ابنه ويقبله ويرجع. فصلى الله عليه من أب رحيم
[1] – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه
[2] – أخرجه الإمامان البخاري ومسلم
[3] – ابن كثير ج8/ص237
[4] – السيرة النبوية لابن هشام ج1 / ص 653
[5] – السيرة النبوية لابن هشام ج 1 / ص658
[6] – أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما
[7] – أخرجه الترمذي في سننه
[8] – أخرجه الإمام مسلم عن المسور بن مخرمة
[9] – الحديث عند البخاري
[10] – أخرجه النسائي في كتاب الزينة الحديث 39- والإمام أحمد في المسند ج 5 / ص278ا
[11] – أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم.
[12] – رواه مسلم في صحيحه