إضاءات عطرة من سيرة المصطفى
بقلم: الدكتورة خديجة السني
بمناسبة شهر رمضان الفضيل أدخله الله على الأمة بالأمن والإيمان، وموفور الصحة والعافية، والنصر والتمكين لآهالينا في غزة المرابطة. وضمن فقرات البرنامج الرمضاني المتنوع والمتكامل الذي سطره موقع منار الإسلام ليتيسر اغتنام واستثمار هذا الشهر الكريم أفضل استثمار، يشرع الموقع بمشيئة الله وقوته في نشر سلسة من الدروس التي نسلط فيها الضوء الكاشف على جوانب مختلفة من سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
سلسلة ستتناول جل مجالات حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم بنية التأسي والاقتداء، ابتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم الإنسان، وتعريجا محمد صلى الله عليه وسلم الابن والأب والزوج والصديق والخبير فالمحبوب، وانتهاء بمحمد صلى الله عليه وسلم النبي الرسول فالله نسأل أن تكون سلسلة جامعة دافعة لفعل الخيرات، وأن تكون قراءتكم قراءة ممتعة ومثمرة.
فعلى بركة الله نبدأ الحلقة الأولى من هذه السلسة والموسومة بالرسول صلى الله عليه وسلم الإنسان.
في القرآن الكريم آيات كثيرة تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر مثل جميع البشر (إنما أنا بشر مثلكم) الكهف/ 110 (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) الإسراء / 93 وقال أيضًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: 6]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة 128
كان محمد صلى الله عليه وسلم بشرا ككل البشر يفعل ما يفعله البشر، ويشعر بكلِّ ما يشعر به البشر.
فكان صلى الله عليه وسلم يخاف وكان يحزن ويفرح، ويجوع ويمرض، ويتألم ويصيبه الهم حتى لا يكاد يعي ما حوله.
*الرسول صلى الله عليه وسلم والخوف*
ذكرت لنا كتب السيرة خوف رسول الله الشديد من سيدنا جبريل وذلك في موقفين نزلت إثرهما سورتي المزمل والمدثر
الأول حين رآى المصطفى صلى الله عليه وسلم سيدنا جبريل لأول مرة وهو في غار حراء تحكي سيدتنا عائشة هذا الموقف فَرَجَعَ بِهَا[2] رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ..» [3].
والثاني يحكي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه فيقول :(جاوَرْتُ بحِراءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمامِي وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا هو علَى العَرْشِ في الهَواءِ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عليه السَّلامُ، فأخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، ، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يا أيُّها المُدَّثِّرُ (1) قُمْ فأنْذِرْ (2) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ}
*رسول الله صلى الله عليه وسلم والجوع*
خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ساعةٍ لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فقال: ” ما جاء بك يا أبا بكر ؟” فقال: خرجتُ ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: ” ما جاء بك يا عمر ؟ ” قال: الجوعُ يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وأنا قد وجدتُ بعض ذلك “، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري فسقاهم وأطعمهم.
وفي غزوة الخندق عرضت للصحابة كدية في الخندق،حجر كبير فاستنجدوا برسول الله فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر)
وجوع رسول الله من اختياره صلى الله عليه وسلم فقد خير بين الفقر والغنى فاختار الفقر جاء في كتاب الزهد للترمذيّ من حَديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (عَرَضَ عليّ رَبّي عزّ وجلّ أن يجعلَ لي بطْحاء مكّةَ ذهباً، فقلتُ: لا ياربّ ! ولَكن أشبَع يَوماً، وأجوع يَوماً، فإذا جِعتُ تَضرّعتُ إليكَ، ودَعوتُكَ، وإذا شبعْتُ حمدتُكَ وشكرتُك) [أخرجه الترمذيّ في برقم /2270/
وفي المعجم الأوسط للطبراني كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم ذاتَ يومٍ وجبريلُ على الصفا فقال: يا جبريلُ ما أمسَى لآلِ محمدٍ سُفَّةٌ من دقيقٍ ولا كفَّةٌ من سَويقٍ، فلم يكنْ كلامُه بأسرعَ من أنْ سمِع هدَّةً من السماءِ فأتاهُ إسرافيلُ فقال: إنَّ اللهَ سمِع ما ذكرتَ فبعثَني إليكَ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ وأمرَني أنْ أعرضَ عليك أسيرُ معك جبالَ تِهامةَ زمرُّدًا وياقوتًا وذهبًا وفضةً فعلتُ ، فإنْ شئتَ نبيًّا ملكًا وإنْ شئتَ نبيًّا عبدًا، فأومأ إليه جبريلُ أنْ تواضعْ، فقال: بل نبيًّا عبدًا ثلاثًا.
*الرسول صلى الله عليه وسلم والمرض*
تصف السيدة عائشة مرض رسول الله فتقول: ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع (المرض) من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أجل . ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما مِن مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها.
*رسول الله صلى الله عليه وسلم والحزن*
حزن لمقتل أصحابه: قال أنسٌ رضي الله عنه: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَزِنَ حُزْنًا – قَطُّ – أَشَدَّ مِنْهُ» (رواه البخاري).
عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ – رضي الله عنهم – جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ.
وحزن لموت أحبابه يصف أنس بن بن مالك رضي الله عنه حال النبي صلى الها عليه سلم عند لحظة موت ابنه إبراهيم فيقول: (دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم …فأخذ إبراهيم فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! فقال: يا ابن عوف، إنها رحمة، … إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)
قال ابنُ حجرٍ رحمه الله: (أَنَّ ظُهُورَ الحُزْنِ عَلَى الإِنْسَانِ إِذَا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ صَابِرًا رَاضِيًا، إِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ مَنْ كَانَ يَنْزَعِجُ بِالمُصِيبَةِ، وَيُعَالِجُ نَفْسَهُ عَلَى الرِّضَا وَالصَّبْرِ، أَرْفَعُ رُتْبَةً مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِوُقُوعِ المُصِيبَةِ أَصْلًا.
*رسول الله صلى الله عليه وسلم والهم*
سألته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ قالَ: (لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ،….فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، وبين الطائف وقرن الثعالب أكثر من 35 كلم.
وكون رسول الله بشر مثلنا رحمة من الله بنا حتى يسهل علينا اتِّباعه في كل ما يقوم به وحتى يقطع علينا الحجة فلا نعتذر بعدم قدرتنا على اتِّباعه لأنه ذو خصائص مختلفةٍ عنا تؤهِّله لما يقوم به. فهو بشر مثلنا ومع ذلك يقوم بكلِّ تبِعات ديننا الحنيف على أكمل الوجه ولذلك أَمَرَناُ باتِّباعه دون تردُّد فكان قدوة لنا في كلِّ خير، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واجعلنا من إخوانه الذين اشتاق لرؤيتهم واجمعنا معه في مقعد صدق عندك ياأرحم الراحمين.