محمد صلى الله عليه وسلم الإبن (2)
بقلم: الدكتورة خديجة السني
كلنا يعلم أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ولد يتيما مات أبوه وهو ما يزال جنينا في بطن أمه.
ثم توفيت أمه وهو في السادسة من عمره.
فكفله جده عبد المطلب وكان يحبه حبا شديدا ويفضله على جميع أحفاده بل حتى على أبناءه ومما يحكى في هذا الصدد “..وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له؟ قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع..”[1].
ولم يلبث عنده إلا سنتين حتى وافته المنية هو أيضا وقبل وفاته أوصى ابنه أبا طالب وكان شقيق عبد الله بالعناية بمحمد صلى الله عليه وسلم فعاش معه إلا أن تزوج من السيدة خديجة. ومحبة أبي طالب لرسول الله معروفة مشهورة
غرضنا من هذه الحلقة التعريف بنساء حضن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنين به عناية الأم بولدها حتى أنه كان يلقبهن “أمي”
أم أيمن
ذكرها ابن القيم في حواضنه صلى الله عليه وسلم فقال: “ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن بركة الحبشية، وكان ورثها من أبيه، وكانت دايته وزوجها من حبه زيد بن حارثة، فولدت له أسامة
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأم أيمن: يا أمه، ويقول: هذه بقية أهل بيتي
وكان يمازحها جاءت أم أيمن، فقالت: يا رسول الله، احملني. قال: أحملك على ولد الناقة. قالت: إنه لا يطيقني، ولا أريده. قال: لا أحملك إلا عليه. يعني: يمازحها
وكان صلى الله عليه وسلم يكرمها ويبرها مبرة الأم، ويكثر من زيارتها، وكان يتحمل ما يصدر منها من عتاب وتدمر. فقد أخرج الإمام مسلم عن أنس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب قال: فلا أدري أصادفته صائمًا، أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه[2]، وتذمَّر عليه”[3] “
وكان يسعى لإرضاءها وإن بالغت في الطلب فقد جاء في صحيح البخاري “أن أم أنس أعطت رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقًا، فأعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم من خيبر أمر أن يرد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، فجاء أنس يطلب ذلك من أم أيمن. قال أنس: فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلا والذي لا إله إلا هو، لا يعطيكهم وقد أعطانيها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لك كذا» وتقول: كلا والله، حتى أعطاها عشرة أمثاله.”[4]
ولهذه العلاقة الخاصة بين أم أيمن ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يزورانها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكْر لعُمر رضي الله عنهما: “سِرْ بِنا إلى أم أيمن، نَزورها كما كان رسول الله يَزورها، فلما رأَتهما بكَتْ، فقالا لها: ما يُبكيك؟! فقالت: ما أبكيه إني لأعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد صار إلى خَيرٍ مما كان فيه، ولكني أبكي لخبَر السماء انقطَع عنَّا، فهيَّجَتهما على البكاء، فجعَلا يَبكيان معها.”[5]
توفيت في خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه عثمان سنة 24 هـ
حليمة السعدية مرضعة رسول الله
قصة رضاع السيدة حليمة لرسول الله معروفة مشهورة في كتب السيرة وكتب الحديث
حلت بالسيدة حليمة بعد أخذها لرسول الله رضيعا البركة وقد كانوا فقراء ضعاف الحال قالت: ثم قدمنا منازلنا من بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: و يلكم! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً، فلم يزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جَفْراً..”.
كما حلت عليها البركة واليمن به وهو نبي رسول عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ هَوَازِنَ مَا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ أَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلاَءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِى الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالاَتُكَ وَعَمَّاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللاَّتِى كُنَّ يَكْفُلْنَكَ وَذَكَرَ كَلاَمًا وَأَبْيَاتًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَمَّا مَا كَانَ لِى وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ فَقُومُوا وَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا سَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسْأَلُ لَكُمْ ). فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ الظُّهْرَ قَامُوا فَقَالُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ ). وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [6].
فاطمة بنت أسد
فاطمة بنت أسد هي زوج أبي طالب عم رسول الله، وأم علي بن أبي طالب الخليفة الرابع، وحماة السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء عصرها، وجدة الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
تحكي كتب السيرة أنها كانت تفضل رسول الله على أبناءها وتحتفظ له بالأكل وتنظفه وتمشط شعره…
وكانت من الأوائل إسلاما، وأكرمها الله بإسلام أبناءها جميعهم (عقيل وجعفر وعلي وأم هانئ). وهاجرت معهم
“فكان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم لما كبر يزورها ويقيل في بيتها”[7]
وكان يخصها بالهدية، ذكر ابن حجر أنَّ عليا رضي الله عنه قال: قيل: أهدى إلى رسول الله النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم حلة استبرق فقال: “اجعلها خمرا بين الفواطم”، فشققتها أربعة أخمرة: خمارا لفاطمة بنت رسول الله، وخمارا لفاطمة بنت أسد، وخمارا لفاطمة بنت حمزة، ولم يذكر الرابعة”[8].
لمَّا ماتت فاطمةُ بنتُ أسَدِ بنِ هاشمٍ أمُّ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنهما دخَل عليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلَس عندَ رأسِها فقال رحِمَكِ اللهُ يا أمِّي كنْتِ أمِّي بعدَ أمِّي تجوعين وتُشْبِعيني وتَعْرَينَ وتُكْسيني وتَمْنعينَ نفسَكِ طيِّبًا وتُطْعِميني تُريدين بذلك وجهَ اللهِ والدَّارَ الآخرةَ ثمَّ أمَر أن تُغَسَّلَ ثلاثًا فلمَّا بلَغ الماءَ الَّذي فيه الكافورُ سكَبه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه ثمَّ خلَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قميصَه فألبَسَها إيَّاه وكفَّنَها ببُردٍ فوقَه ثمَّ دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسامةَ بنَ زيدٍ وأبا أيُّوبَ الأنصاريَّ وعمرَ بنَ الخطَّابِ وغُلامًا أسودَ يحفِرون فحفَروا قبرَها فلمَّا بلغوا اللَّحدَ حفَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه وأخرَج ترابَه بيدِه فلمَّا فرغ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاضْطَجع فيه فقال اللهُ الَّذي يُحيي ويُميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ اغفِرْ لأمِّي فاطمةَ بنتِ أسَدٍ ولَقِّنْها حُجَّتَها ووسِّعْ عليها مُدْخلَها بحقِّ نبيِّك والأنبياءِ الَّذين مِن قَبلي فإنَّك أرحمُ الرَّاحمين وكبَّر عليها أربعًا وأدخَلوها اللَّحدَ هو والعبَّاسُ وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِيَ اللهُ عنهم”[9]
فرضي الله عنهن جميعا وأرضاهن لحسن رعا يتهن لرسول الله وأكرامه
[1] – السيرة النبوية، ابن هشام، ج 1/ ص 168
[2] – تصخب: تصيح وترفع صوتها، وتذمر أي: تتكلم بكلام مغضب.
[3] – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه الرقم 2453
[4] – أخرجه البخاري في صحيحه رقم الحديث 3894
[5] – أخرجه مسلم (2454)، وابن ماجه (1635) واللفظ له
[6] – أخرجه النسائي (3688)، وأحمد (6729) باختلاف يسير
[7] – الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر
[8] – أخرجه الإمام ابن ماجه في صحيحه رقم الحديث 2913
[9] – أخرجه الطبراني 24/351 -871، وأبو نعيم في حلية الأولياء 3/121