منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الثانية: دواء الأمة||سلسلة منارات حديثية

محمد الصادق

0

الحلقة الثانية: دواء الأمة||سلسلة منارات حديثية

محمد الصادق

الحلقة الأولى: اغتنام النعم|| سلسلة منارات حديثية

 

عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومِن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت”. رواه أبو داود في سننه

إشارات لغوية

  • يوشك: من فعل أوشك أي دنا واقترب، وقريب الوقوع.
  • تداعى: عليكم الأمم أي تجتمع عليكم وتتألب بالعداوة.
  • غثاء السيل: أي ما يطفو على ماء السيل من زبد وأوساخ وفقاقيع.
  • المهابة: المخافة والرهبة.
  • الوهن: الضعف العام وذبول الحيوية، واصطلاحا حب الدنيا وكراهية الموت.

معاني في الحديث

هذا الحديث العظيم يحمل ثلاث إشارات قوية:

  • أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأحداث ستقع للأمة بعده وتعتبر من الغيبيات، وهو ما حصل فعلا وتكرر في أزمنة عديدة.
  • وصف صلى الله عليه وسلم حال الأمة بغثاء السيل للدلالة على الكثرة التي لا قيمة لها بين الأمم، وهو الوصف الذي ينطبق عليها حالا وماضيا باستثناء بعض الفترات التاريخية.
  • وصف صلى الله علية وسلم الدواء الشافي لأمراض الأمة أفرادا وجماعات.

لما أخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه بأحداث ستقع للأمة بعده وأشار إلى قرب وقوعها تعجب الصحابة لها وتساءلوا حيث قالوا: “أو من قلة نحن يومئذ” لأنهم كانوا يدركون قدرهم في الجهاد، وإقدامهم في المعارك، واسترخاص أنفسهم في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، وأن يكون الدين كله لله، لكن أخبرهم صلى الله عليه وسلم أن حال المسلمين سيتغير إلى ركون إلى الدنيا وملذاتها، وترك الجهاد في سبيل الله، وإيثار الدنيا على الآخرة حيث وصف لهم الداء والدواء.

نبه الرسول الأكرم عليه أفضل وأزكى التسليم الأمة إلى خطر عظيم سيقع لهم في القريب، واستعمل كلمة يوشك التي تدل على الزمن القريب، ولعظم الخطر البالغ شبه صلى الله عليه وسلم المشهد بتداعي الأمم كل الأمم المعادية للإسلام كقوم تداعوا إلى قصعة، حيث يدعو بعضهم بعضًا مع اختلاف مِللهم وتبايُنِ مشاربهم وعقائدهم، أي يدعو بعضهم بعضا لمقاتلة الأمة الإسلامية وكسر شوكتها وسلب مقدراتها.

فقال عليه الصلاة والسلام: ” يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها “. ولعل ما كان يعيشه الصحابة من عزة وصلابة وإقدام دفع أحدهم للتساؤل: «ومن قلة نحن يومئذ ‘ فكان الجواب عكس ما توقعوا. قال عليه الصلاة والسلام “بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل”، وهو ما يحمله السيل من زبد وفقاعات وأخشاب، وهي كناية عن الكثرة بلا فائدة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: الغثائية إذاً مرض الطفوح والتفرق وخفة الوزن. وهي صفات ما يضيع ويذهب غيرَ معتَد به. أي لا قيمة له ولا أثر”.[1]

بين عليه الصلاة والسلام أسباب الغثائية فقال “ولينزعن الله المهابة منكم من صدور أعداءكم وليقذفن في قلوبكم الوهن” وفسره بحب الدنيا وكراهية الموت.

المهابة والوهن صفتان تصيب القلوب، لما اشتغلت الأمة بالدنيا وتعلقت بها واهتمت بالأموال والملذات والشهوات. فأما المهابة فهي التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً[2]

وأما الوهن ففسره صلى الله عليه وسلم بكامل الوضوح فقال “حب الدنيا وكراهية الموت” ولهذا أسباب ونتائج.

أما الأسباب فهي على نوعين فردية وتتمثل في اتباع الهوى والانجرار وراء الشهوات والبعد عن الدين والجرأة على محارم الله والتقاعس عن الجهاد في سبيل الله و ما شابه ذلك وأما الجماعية تتمثل في الاستبداد وتوابعه من الحكم وقهر الأمة وما نتج عنه من الشعور بالدونية ضعف الإرادة والرضى بالواقع رغم مرارته.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين ” الوهن حب الدنيا وكراهية الموت. حب الدنيا أثرَةٌ قتلت العدل، وسلطوية عاضة جبرية قتلت الشورى. فصميم الصميم في كياننا المعنوي مقتول. والجثة الغثائية لا يمكن أن تحيا وتفعل إن لم تعد إليها الروح بعودة الشورى والعدل. وهما ممتنعان ما لم نعالج العِلة الكامنَة في النخاع: الوهْنَ“.[3]

صور من التاريخ

إليك بعض الأحداث تصف بشاعة تداعي الأمم على الأمة الإسلامية بالوصف النبوي الذي أوتي جوامع الكلم

  • سقوط بغداد (656هـ): حين اجتاح التتار عاصمة الخلافة، تفرقت كلمة المسلمين، وانهزموا رغم كثرتهم

دخل التتار الهمج بغداد وفتكوا بأهلها دون تفرقة بين رجال ونساء وأطفال، ولم يسلم من الموت إلا قليل، وأهلكوا كثيرا من أهل العلم فيها، واستمر هذا الوضع نحو أربعين يوما، وكلما مشطوا منطقة أشعلوا فيها النيران، فكانت تلتهم كل ما يصادفها، وخربت أكثر الأبنية.

وقد صوّر ابن الأثير ذلك في مقدمته والحسرة تقطع أحشاءه قائلا: وقد كانت 617 هـ من أبشع السنوات التي مرت على المسلمين منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى هذه اللحظة، فقد علا فيها نجم التتار، حتى اجتاحوا البلاد الإسلامية اجتياحاً لم يُسبق، وأحدثوا فيها من المجازر والفظائع والمنكرات ما لم يُسمع به مطلقاً ولا يُتخيل أصلاً. [4]

  • سقوط الأندلس (897هـ)

هذه رزية أخرى في تاريخ المسلمين بعد سبعة قرون من الحكم الإسلامي والحضارة الإسلامية. حين انشغلت دويلات الأندلس بالترف والدنيا والصراعات الداخلية، سقطت واحدة تلو الأخرى بيد الإسبان. وتؤكد معظم المصادر أن أسباب سقوط الأندلس تعود إلى انخراط حكامها في حروب لا تنتهي بينها حفاظا على السلطة والجاه، وهي حروب ونزاعات أججها خصوم المسلمين، إلى جانب الانغماس في حياة الترف واللهو، والمبالغة في الإنفاق بدل الدفاع عن الأرض التي فتحها أسلافهم.

وسقطت غرناطة بتوقيع آخر ملوكها أبي عبد الله الصغير معاهدة استسلام مع الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، وانتهت بذلك الخلافة الإسلامية في شبه الجزيرة الايبيرية وخرج آلاف المسلمين واليهود من الأندلس باتجاه الشمال الأفريقي واستقروا بمدن عدة، فرارا من واحدة من أسوأ مجازر القتل والذبح والتعذيب في التاريخ، عرفت بمحاكم التفتيش والتي ما تزال بعض متاحف اسبانيا تحتفظ بوسائل تنفيذها.[5]

وقد خلد الشاعر الشهير أبو البقاء الروندي سقوط الأندلس بقصيدته الشهيرة التي قالها فيها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يغر بطيب العيش إنسان
أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ *** فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ

  • استعمار بلاد المسلمين (ق 19-20)

تفرقت الأمة إلى دويلات، فتكالبت عليها أوروبا كلها، احتلت الأرض وعاثت فيها بالقتل والنهب وتخريب الدين وإبعاده عن كل الميادين وزرع التفرقة وتجزيئ الأمة إلى دويلات وإثنيات وقبائل ليسهل التهامها.

ومن أبشع ما خلفه الاستعمار هو جرثومة الصهيونية على أرض فلسطين أرض الجهاد والرباط,وقد خاضت الدول العربية حروبا باءت بالفشل وأشدها حرب يونيو 1967 ضاعت معها شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان.

إن اليقين في موعود الله الذي تسلحت به المقاومة في غزة أعطت دروسا رائعة في الثبات و مواجهة أعتى الأسلحة المدعومة من طرف الغرب وبعض أذياله من العرب وسطرت صفحات من المجد الخالد رغم هول الدمار ووحشية الفتك عجل الله بالنصر المبين لغزة العزة آمين.

يقول الأستاذ عبد السلام رحمه الله “العطب الفادح الذي أصاب المسلمين من جراء الاستعمار ليسَ نهبَ ثرواتهم ولا قتلَ رجالهم وتخريبَ ديارهم. العطب الفادح هو إقرار التجزئة في الواقع السياسي، وترسيخ الوعي التجزيئي في العقول والنفوس، وتمكين البنية التجزيئية في أرض الاقتصاد والإدارة، مشدودة إلى النظام الاستعماري الرأسمالي بأمراس من الفولاذ. كل قطر في إسارِهِ منعزل معزول مغلول محدود بِحدودٍ جغرافية سياسية وحدود نفسية وحدود اقتصادية”.[6]

أهم الفوائد المستخلصة من هذا الحديث:

الحديث من دلائل نبوته، فقد تحقق ما أخبر به من تكالب الأمم على المسلمين، رغم كثرتهم. فالحديث لا يصف الأحداث فقط بل ينبه إلى العوامل التي ستسهم في وقوعها ويصف الدواء للمعالجة واستشفاء الأمة من أسقامها الفردية والجماعية.

  • إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالمستقبلالضعف الحقيقي ليس في العدد أو العدة، بل في ضعف الإيمان والهمة، وانشغال القلوب بالدنيا. والمقصود منه الجانب السيئ الذي يحمل الإنسان على حب الدنيا وأموالها، وحب البقاء فيها على سبيل الدعة والقعود عن العمل، ونسيان الآخرة. روى البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم”.[7]
  • التحذير من الضعف المعنوي

الهوان سببه “حب الدنيا وكراهية الموت”، أي التعلق بالدنيا وترك الجهاد والعمل لدين الله. يقول الأستاذ عبد السلام رحمه الله: حب الدنيا وكراهية الموت هو مرض الأمة منذ أصبحت كمّاً غثائيا. ويمكن تلخيص عوامل الغثائية الذاتية في أربعة أشياء لها فروع: انهيارُ التربية على الإسلام، وقوة الولاء للقومية، واستفحالُ الطبقية، وفسادُ الحكم. إذا جمعت كل هذه العواملِ وسألْتها عن معاشها ومعادها ومَرْتَعِها وجدْتَها عناكبَ في بيت «الدولة القومية». [8]

  • البشارة الموعودة

الحل ليس فقط في القوة المادية، بل في بناء الإنسان المؤمن الصادق الشجاع. وبناء الإنسان يتطلب الإرادة والمنهاج والخبير، وبناء الإنسان لا ينفك عن بناء الأمة. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

إن بناء الأمة يقتضي وجوبا بناء الإنسان إيمانيا وفكريا وعلميا وتهييئه للانخراط في مشروع الأمة والمساهمة في قوتها. يقول الحق سبحانه في سورة النور “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا” الآية 55

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


[1]: كتاب العدل ص 43

[2]: صحيح البخاري (438)

[3]: كتاب العدل ص 43

[4]: من مقدمة ابن الأثير كتاب الكامل في التاريخ

[5]: سقوط الأندلس.. حكاية الفردوس المفقود -الجزيرة نيت

[6]: العدل ص224

[7]: متفق عليه

[8]: الإحسان 2 ص 514

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.