منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الأولى: اغتنام النعم|| سلسلة منارات حديثية

محمد الصادق

0

سلسلة منارات حديثية

الحلقة الأولى: اغتنام النعم
بقلم: محمد الصادق

مقدمة

منارات حديثية سلسلة أحاديث مختارة من الإرث العظيم الذي خلفه لنا نبينا سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، والتي تعنى ببناء الإنسان وبناء الأمة والمتفاعلة مع محيطهما تربويا وأخلاقيا ودعويا واجتماعيا وسياسيا.

اعتمدت في هذه السلسلة مقاربة من ثلاث فقرات لكل حديث. أولها: إشارات لغوية للكلمات الواردة في متن الحديث متى كان ذلك لازما. ثانيا: معاني في الحديث تعضده بعض أقوال العلماء وبعض الأشعار. ثم أختم بفوائد مستخلصة سعيا لبلوغ بعض المقاصد وتعميم الفوائد، والله المستعان.

 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” رواه البخاري [1]

إشارات لغوية

ا- النعمة لغة هي المسرة وهي الحالة الحسنة وقيل هي المنفعة المفعولة على وجه الاحسان للغير.

ب- مغبون من فعل غَبِنَ أي غين الشيء غَبْنا غَبَناً : أي نسيه أو أغفله أو غلط فيه وغبن رأيه غبْنا أي ضَعُفَ والغبن يكون في البيع والشراء.

معاني في الحديث

وردت كلمة نعمة في كثير من الآيات نذكر منها على سبيل المثال، قال عزو جل ” وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها “[2] وقال عز من قائل ” وأما بنعمة ربك تحدث”[3]

وردت كذلك كلمة التغابن في سورة التغابن، قول الله عز وجل “يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن”[4].

قال أبو بكر بن العربي: ” اختلف في أول نعمة الله على العبد فقيل الايمان وقيل الحياة وقيل الصحة، والأولى أولى فإنها نعمة مطلقة وأما الحياة والصحة فإنهما نعمة دنيوية. ولا تكون نعمة حقيقية إلا اذا صاحبت الايمان وحينئذ يُغبن فيها كثير من الناس، أي يذهب ريحهم أو ينقص فمن استرسل على نفسه الأمارة بالسوء الخالدة للراحة فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة فقد غُبن، وكذلك إذا كان فارغا فإن المشغول قد يكون له معذرة بخلاف الفارغ فإنه ترتفع عنه المعذرة وتقوم عليه الحجة”.

ولأن كلمة الغبن تكون في البيع والشراء فإن من لا يستعمل الصحة والفراغ فيما ينبغي فقد غُبن لكونه باعهما ببخس ولم يحمد رأيه في ذلك.

وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل.

يسر الفتى طول السلامة والبقا ::: فكيف ترى طول السلامة يفعل

يُرَد الفتى بعد اعتدال وصحة ::: ينوء إذا رام القيام ويحمل

وقال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: ضرب النبي صلى الله عليه وعليه وسلم للمكلف مثلا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلا يُغبَن، فالصحة والفراغ رأس مال وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس وعدو الدين، ليربح خيري الدنيا والآخرة. وهذا ما تدل عليه الآية “هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم “إذن عليه أن يتجنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح.

ويقصد بالفراغ الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة للمرء من حيث الاشتغال بأمور الآخرة. ولا يتنافى هذا مع ما جاءت به النصوص الكثيرة التي تحث على الكسب وطلب المعاش ما دام ذلك لا يغرق في لجة الحياة ومطالبها، لا يعطله عن القيام بحق الله عز وجل.

والفراغ لا يبقى فراغا أبدا فلا بد له أن يملأ بخير أو شر ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته نفسه بالباطل فطوبي لمن ملأه بالخير والصلاح وويل لمن ملأه بالشر والفساد يقول بعض الصالحين ” فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجر في قياد الشهوات، شوش الله عليه نعمة قلبه وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه”[5].

ويقول صاحب الحكم: “الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه-يعني المولى عز وجل-، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه”، وكان السلف الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغا لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه، وهنا تنقلب نعمة الفراغ نقمه على صاحبها رجلا كان أو امرأة. وكذلك نعمة الصحة، فالمولى عز وجل أنعم على الانسان بالصحة. لتستقيم حياته من جهة وليكون قادرا على فعل الطاعات والجهاد في سبيل الله من جهة ثانية، لأن السقيم لا يستقيم له حال من أحوال الدنيا من شدة ما يجد، ولا تكون له من الطاقة لعبادة مولاه في كل الفرائض ولا تسعفه صحته للجهاد في سبيل الله، بل يشغل آخرين به، وأيضا نعمة الصحة لا يقدرها حق قدرها إلا من ضاعت منه وأصبحت الحسرة تقطع شعوره. فالصحة أيضا إن استغلت في طاعة الله كانت له نعمة وإلا فإن استغلالها في معصية الله كانت نقمه على صاحبها وسيسأل عنها يوم القيامة يوم التغابن.

ويلحق بالصحة والفراغ سائر النعم التي لا تعد ولا تحصى ومنها العلم والمال …

بعض الآفات القاتلة للوقت والفراغ:

  • الغفلة: وهي مرض يصيب عقل الانسان وقلبه، بحيث يفقد الحس الواعي بالأحداث واختلاف الليل والنهار ويفقد الانتباه اليقظ إلى معاني الاشياء وعواقب الامور، وقد حذرنا المولى عز وجل من هذه الآفة، يقول الحق سبحانه ” واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين”[6]
  • التسويف: التسويف هو التأجيل وهو من أخطر الآفات، فمن حق يومك عليك أن تعمره بالنافع من العلم والصالح من العمل ولا تسوف الى غد حتى يفلت منك حاضرك فيصبح ماضيا لا يعود أبدا. قيل لرجل من عبد قيس أوصنا فقال: احذروا سوف. وقال آخر: سوف جند من جند ابليس.
  • تبذير ميزانيتي الصحة والفراغ: يقول الإمام عبد السلام ياسين في كتاب المنهاج النبوي “وليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحا أن تصرفه في الغفلة وتضيعه فيما لا يغني، واعلم أن الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم، هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه “.[7]

القصد منه أن الواجبات أكثر من الأوقات عموما فإن اختل ميزان الصرف بلغة المحاسبة ضاعت الواجبات، وتراكمت الأشغال،

أهم الفوائد المستخلصة من هذا الحديث:

  • التنبيه إلى قيمة النعمتين: الحديث يذكّر المسلم بعِظَم نعمة الصحة والفراغ، فهما أساس العمل الصالح ومنه العمل العبادي والمعاملاتي الذي يرتقي بصاحبه مراقي الأولياء والصالحين. ثم العمل لتكون كلمة الله هي العليا مع الأمة لا خارجها يده في أيدي المجاهدين.
  • وجوب استغلال النعم قبل زوالها: الصحة لا تدوم، والفراغ لا يستمر؛ لذا ينبغي اغتنامهما في طاعة الله قبل أن يُحال بين الإنسان وبين العمل لله وللأمة.
  • التحذير من الغبن والخسارة: المغبون هو الخاسر الذي باع شيئًا ثمينًا بثمن بخس؛ أي من ضيّع صحته وفراغه فيما لا ينفع فقد خسر خسارة عظيمة. إن البواعث الإيمانية تجعل المرء شحيحا بوقته إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة.
  • الصحة والفراغ وسيلتان لا غايتان: ليست الغاية التمتع بهما فقط، بل توظيفهما في الخير والطاعة والإنتاج والعمل للأمة وتحمل همومها.
  • الموازنة بين الدنيا والآخرة: الإنسان مطالب بأن يستثمر صحته وفراغه فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فيجمع بين العمل المعاشي والعبادي والجهادي وهكذا كان حال الصحابة وصلحاء الأمة.
  • المسؤولية أمام الله عن العمر: لهذا يشير الحديث المشهور الذي رواه الإمام أحمد. قال رسول الله صلى الله علیه وسلم ” اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك “.[8]
  • هتان النعمتان فرصة ذهبية للعلم والتعلم وخصوصا حفظ القرآن الكريم قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[9] وفي رواية عند الطبراني “خيركم من قرأ القرآن وأقرأه”.[10]

وآخر دعوانا أن الحمد لله


[1]: صحيح البخاري رقم الحديث6412

[2]: سورة النحل الآية18

[3]: سورة الضحى الآية11

[4]: سورة التغابن الآية9

[5]: فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب-الجزء الثالث

[6]: سورة الأعراف الآية 205

[7]: المنهاج النبوي ص 50 الطبعة الثانية

[8]: أخرجه الحاكم في المستدرك (7846) والبيهقي في شعب الإيمان (10248)

[9]: رواه البخاري في فضائل القرآن (5027)

[10]: رواه الطبراني في الأوسط (3062)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.