ضريح سيدي احمد بن الشيخ ؛ طقوس وعادات القرن ال20م
أسامة اليحياوي
ضريح سيدي احمد بن الشيخ
طقوس وعادات القرن ال20م
إعداد الطالب الباحث: أسامة اليحياوي
مقدمــة
عرف المغرب منذ القدم تعددا في المزارات والأضرحة، وقد دأبت مجموعة من الأسر المغربية على زيارتها قصد الحصول على البركة والعلاج من بعض الأمراض كالاضطرابات النفسية، وكذلك البحث عن حلول لمعيقات ومشاكل الحياة اليومية للفرد، فكان من البديهي لفت انتباه مجموعة من الباحثين السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين لهذه الظاهرة، فذهب البعض لربطها بطقوس الوثنية، أي بديانات سابقة في تاريخ المغرب.
و بالرجوع لمصطلح الأولياء، سنجده صيغة الجمع لكلمة الوَلِي يقصد بها الدنو والقرب، كما تستعمل للدلالة على المحب والقريب والناصر والنصير والصاحب والشريك والمولى والمتولي، فيقال فلان ولى فلانا وولاه ويليه ولاية، أي نصره وأحبه وتولاه واتخذه وليا والجمع أولياء، كما يمكن أن نضيف معاني أخرى للولي كالصديق والصاحب والعرف بالله، وصاحب السر[1] فكلها معاني تحيل على الرعاية الربانية للولي[2]، كما تدل على الفرد الذي يحمل العديد من المواصفات أهمها: غلبة روحانياته على جسمانيته، كما أن الأولياء هم من يعترف الناس إجمالا بحدوث ظواهر وكرامات وخوارق على أيديهم وهي التي تميزهم على عامة الناس، فالولي هو أيضا من قبل التفرد المتوحش والعزلة القاتلة، ليتجلى فيها ذلك التفرد والتميز المفارق لكل ما هو طبيعي[3]، ويتأكد ما سبق في كون الولي محايدا بخصوص الصراعات حيث لا يحمل السلاح[4]، بل تسند له أحيانا مهمات الوساطة والتدخل لحل النزاعات، وبالتالي تمتاز شخصية الولي بخصال مغايرة لبقية الناس.
وقد حظي الولي الصالح باحترام وإجلال وتعظيم من طرف العامة عند حياته، ويستمر ذلك التقدير حتى بعد وفاته وينعكس ذلك في العادات والطقوس والزيارات بمختلف أشكالها مؤكدة مكانة الولي في المجتمع المغربي، وكذلك قدسية تلك الطقوس الممارسة.
وبخصوص موضوع بحثي الميداني فقد اخترت ضريح الولي الصالح سيدي احمد بن الشيخ بمنطقة جرادة لدراسة طقوس الضريح، وممارسات الزوار، فمن هو سيدي احمد بن الشيخ؟ وأين استوطن؟ وكيف كانت الطقوس بضريحه؟ كلها أسئلة سنجيب عنها في ثنايا هذا البحث الذي أنجزته ميدانيا بمدينة جرادة جنوب شرق المغرب.
الفصل الأول: ضريح سيدي احمد بن الشيخ: الموقع والقبيلة الزاوية والشيخ
المحور الأول: الموقع والقبيلة وتحول الطريقة
يقع ضريح سيدي احمد بن الشيخ ب”المواطر ” وهو موضع يوجد على بعد 5 كيلومترات شرق مدينة جرادة، حيث تربطك به الطريق الوطنية رقم 16 وهي الطريق الرابطة بين مدينتي عين بني مطهر وجرادة، كما أن هذه الطريق توصلك إلى ملتقى طرق عين بني مطهر، جرادة، وجدة والمسمى محليا ب”الكروازمة”، وقد شيد الضريح بعيد وفاة سيدي احمد بن الشيخ على مساحة قدرها 2,25 متر على شكل مربع يتوسطه القبر وتعلوه قبة مستديرة. وفي مطلع التسعينيات تفضل أحد أقربائه وهو السيد بوعمامة بن الشيخ بن قدور بإعادة بناء الضريح حيث تم توسيعه وتغيير شكله إلى مستطيل، وبالتالي فالضريح الحالي هو حديث عهد في البناء، وقد أضيف دفن الحاج سعيد بن المجدوب داخل الضريح وهو أحد الذين تربوا في أحضان سيدي احمد بن الشيخ وأصبح له فيما بعد معه شأن حيث كانت تربطه معه علاقة محبة عظيمة، كما أقام الحاج عثمان وقد كان أحد القيمين على الضريح والمعايشين لسيدي أحمد مسجدا صغيرا تحيى فيه ليالي القدر وبعض المناسبات,
يوجد الضريح بمقبرة مزيج بين القبور البالية التي ترجع إلى ما قبل وفاة سيدي احمد بن الشيخ، وقبور حديثة العهد كون المقبرة لازالت مستمرة في الانتشار، خصوصا أن عددا من القبائل المجاورة لا تدفن موتاهم إلا بهذا المكان حتى لو بعدت المنطقة. وقد رجع هذا الأمر للجانب الاعتقادي لدى الناس فجموع هؤلاء الناس المدفونين بالمقبرة مرحومون بإذن الله حسب دعوة دعاها سيدي احمد بن الشيخ[5]،.
يتبع الضريح لدوار ولاد حاكم وهم أقرباء سيدي احمد بن الشيخ وأبناء عمومته، والبعض منهم ينتسب إلى أخيه سيدي محمد، كانوا يرحلون معه أينما حل وارتحل، وقد كان استقرارهم في البداية في فيكيك ثم في منطقة قريبة من عين بني مطهر ليستقر سيدي احمد وأخوه وأحفاده إلى هذه المنطقة الحالية[6],
كانت قبيلة أولاد حاكم من القبائل المهاجرة القادمة من المشرق إلى المغرب، وكانوا يجاورون قبيلة بني كيل، وتنتسب هذه القبيلة إلى سيدنا أبو بكر الصديق، ويتصف منسبوها بالإنصاف والحكمة والرزانة، كما يعرفون بحبهم للعلم والقرآن.
يروى أن سيدي احمد بن الشيخ كان ملما بالطريقة القادرية البوتشيشية، وكان سيدي عبد القادر الجيلاني بمثابة قدوته وورده حيث كان يكن له الولاء، لكن شاءت الأقدار أن يؤسس سيدي احمد بن الشيخ طريقة جديدة، سماها، الطريقة الشيخية الشاذلية، حيث التقى بالشيخ سيدي بوعمامة، في إحدى حلق الذكر، وكان برفقة أخيه سيدي محمد فقال سيدي بوعمامة لسيدي محمد بن الشيخ: “عليك بالذكر والسبحة” وكررها ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يكررها كان يقول سيدي احمد بن الشيخ في نفسه: “الحمد لله كلما دعوت سيدي عبد القادر الجيلاني استحضرني” وفي المرة الثالثة قال له الشيخ بوعمامة: “أدعوتنا ولم نحضرك؟” وفي هذه الحادثة علم سيدي احمد أن الخطاب موجه له وليس لأخيه، وقام بتغيير طريقته إلى الشيخية الشاذلية، وتعزو أغلب الإفادات الشفوية أن قلة الاهتمام بهذه الزاوية وطنيا ترجع لهذا التحول في الطريقة، وبذلك أصبحت على وشك الانقراض[7].
بعد وفاة الشيخ ورثه عدة أولاد في المشيخة، وعرفت زاويته في حياته وبعد مماته بالجود والكرم.
المحور الثاني: الولي سيدي احمد بن الشيخ: حياته وبعض كراماته
هو الولي الصالح سيدي احمد بن الشيخ بن حكوم بن بودواية بن الجيلالي بن عبد القادر بن عبد الحاكم بن عبد القادر بن محمد بن محمد بن سليمان بن بوسماحة صعودا إلى الخليفة الأول صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق.
كانت عائلة سيدي الشيخ بن حكوم من عائلات الأعيان بالقبيلة، وكانت تحت إمارة سيدي محمد بن الشيخ باعتباره الإبن الأكبر، وكان والدهم قد خلف لهم ثروة كبيرة الأمر الذي حدا بسيدي محمد بن الشيخ أن يعين أخاه سيدي احمد كمسؤول عن المواشي بما فيها الإبل والأغنام[8].
عاش سيدي احمد بن الشيخ السنوات الخمس الأولى من حياته بفكيك التي ولد بها سنة 1870م،وفي سنة 1875م دخل الشيخ بوعمامة إلى الجزائر حيث أقام زاويته المعلومة هناك إلى اليوم بأم كرار، الشيء الذي سمح لسيدي احمد بن الشيخ الطفل بالحضور لجميع مراحل الثورة التي قام بها الشيخ بوعمامة ضد الاحتلال الفرنسي لكنه لم يشارك منذ بدايتها سنة 1881م بمعركة مولاق الشهيرة حيث لم يكن قد تجاوز عشر سنوات.
وقد شارك سيدي احمد الشيخ في الجهاد مع الشيخ بوعمامة وعمره حوالي 16 سنة، والراجح أنه قد يكون شارك فعليا في معركة تيكري أو معركة فندي واللتان وقعتا سنتي 1886و 1887 م، وقد كان تنقل سيدي احمد بن الشيخ مرتبطا بتنقلات الشيخ بوعمامة، فقد انتقل مع لواحة دلدول سنة 1887 ثم إلى فيكيك سنة 1892 م ثم التوجه للبرابر سنة 1897 ثم الاستقرار بناحية وجدة بالزكارة حيث توفي بالعيون سيدي ماخوخ سنة 1908.
بعد انتهاء الثورة البوعمامية حدث نوع من الاستقلال لسيدي احمد عن الزاوية بسبب الاستقرار، وقد أصبح سيدي احمد بن الشيخ ينتقل بشكل منتظم، على النحو التالي فصيفا كان يقضيه بصحراء فجيج لاعتدال الجو بها في هذا الفصل، أما في فصل الربيع فكان يقضيه بمنطقة الظهرة خصوصا السنوات الخصبة طلبا للمرعى ثم يقضي الصيف بالعيون للاقتراب من الماء، وقد أقام بين الفينة والأخرى في مناطق أخرى كجرادة وكفايت لينتهي أجله وترفع روحه بعد صلاة العصر في يوم الخميس 29 شتنبر 1948م ب”المواطر” المنطقة الحالية للضريح[9].
كانت لسيدي احمد بن الشيخ كرامات متنوعة، وهي وقائع خارقة للعادة وسنكتفي في هذا العرض بكرامتين فقط، فالكرامة الأولى حدثت له عندما كان طفلا، ويتعلق الأمر بكرامة الجمل، حيث يروى أن جملا استعصى على الوقوف، رغم محاولات الناس المتعددة لتحريكه، بل يروى أن مريدي الشيوخ استدعوا شيوخهم لتحريك الجمل، فتأكد الجميع خاصة أصحاب الخلفيات العقائدية أن وراء الأمر حكمة معينة، فبعد نفاذ جميع الأساليب المتمثلة في محاولات مالكي الجمل واستعمال القوة، وتدخل المريدين لشيوخهم، قصد أحد الحضور الشيخ احمد وهو طفل صغير وقال له بقيت أنت الذي لم تجرب، فاقترب سيدي احمد من الجمل وما إن قال له كلمة ” أَسْ” حتى وقف الجمل ومن ذاك الحين أصبح لسيدي احمد وسط القبيلة مكانة توقير واحترام.
الكرامة الثانية وتتعلق بتكليف سيدي محمد بن الشيخ عندما كلف سيدي احمد وهو في سن الفتوة بالسفر نحو مدينة فاس لكي يحضر حمولة كبيرة من السلع حيث قدم له زيادة عن المعتاد اثنا عشر إبلا من اجل استقدام سلعة كبيرة، وتحكي القصة كيف التقى سيدي احمد بن الشيخ بأحد التجار ودار حوار قرآني انتهى بإجلال وتقدير التاجر لسيدي احمد حيث احتسب السلعة على غير العادة، وعندما عاد سيدي احمد للديار تفاجأ أخوه بالسلع فظن أن ضيوفا من مكان بعيد حلوا عندهم، وعندما تساءل سيدي محمد عن الإبل والضيوف قال له سيدي احمد أن السلعة له فتعجب سيدي محمد متسائلا عن مصدر تمويل الرحلة ومن أرسله، ليجيبه سيدي احمد: أنت من مولتني وأرسلتني وها أنا أعود بالحمولة” فتعجب وانبهر سيدي محمد وأعاد سؤال فلما تأكد من يقين سيدي احمد من جوابه، قال له: كن على يقين يا أخي أنني لا أملك حتى تمويل جزء يسير وكن على يقين أنني لم أكلفك وإنما هو ملك سخره الله لك في صورتي” وكانت هذه إحدى الكرامات العجيبة التي حدثت لسيدي احمد بن الشيخ[10].
الفصل الثاني: عادات وطقوس الضريح وأنواعها
المحور الأول: طقوس لها علاقة بالمعتقدات الشعبية والعادات الاجتماعية
لازالت لحد الآن الطقوس الخاصة بضريح سيدي احمد بن الشيخ قائمة، خاصة تلك التي ارتبطت بعمال المناجم بمدينة جرادة، حيث كان يقوم العمال من أبناء القبائل القريبة والذين توارثوا حب “السَيَدْ” بطقوس يسمونها الوعدة حيث كانت مناسبة سنوية صيفا، حيث كانت تذبح الأضاحي ويقدم الطعام والشراب للضيوف النازلين بالضريح، كما ينظم سباق خاص بالخيول وهي عادة تسمى ب”التْبوريدة”، حيث تمتد هذه الطقوس لمدة أربعة أيام، كما ترافقها كذلك حلقات خاصة بالذكر تماشيا مع أوراد الزاوية الشيخية، وقد كان الضريح يحاط بخيام “الخْزَانات” خاصة بالمناسبات، حيث تقوم النساء داخلها بإعداد الطعام وهو تارة”مَرْدُود” وتارة كسكس، وكان تستعمل كذلك كاستراحة للخيالة والضيوف فضلا عن مكان للأكل.
كانت الأضاحي غالبا من الغنم وناذرا ما كانت تذبح الأبقار والجمال، وقد كانت الغاية من وراء الوعدة استمطار البركة لأصحابها ولأهل القبائل المجاورة والزائرين، كما يرجون من خلالها رغد العيش ووفرة المحصول والسعادة وحسن الخاتمة، وعادة تختتم هذه الطقوس بحلقة يقوم أهل الوعدة فيها برفع أيديهم للسماء والدعاء، ويتم تكليف وريث الشيخ سيدي احمد بن الشيخ، وهو مقدم القبيلة، والذي يشغل منصب الوريث حاليا هو سيدي المازوزي الإبن الثالث لسيدي احمد بن الشيخ[11].
كانت طقوس النساء الخاصة بالضريح ولا تزال مختلفة عن ماسبق من الممارسات، حيث تقوم النساء عادة بالدخول إلى الضريح صباحا، وهو ما يسمينه بالزياراتـ حيث يصطحبن معهن بعض الهدايا والقرابين، وغالبا ما يضئن الضريح بالشموع، ويقمن بنثر الحناء على أطراف الضريح، كما تطوف النسوة بالضريح طالبات البركة واليمن واليسر في حياتهن وحياة عوائلهن، وفي بعض الأحيان تقوم النساء بإيقاد نار بها بخور داخل الضريح، وقد تضع قطعا نقدية به.
تسهر على نظافة الضريح وترتيبه وحراسته السيدتان الكاملة والغالية وهما حفيدتا سيدي احمد بن الشيخ من أبناء سيدي احميدة الإبن الثاني لسيدي احمد,
ومن الطقوس التي تستمر ليوما الحالي ولو بشكل قليل، هو قيام نسوة من منطقة لعوينات بالاستيقاظ باكرا، وتقصدن أحد الشجيرات المحيطة بالضريح وتطلب البركة، معتقدات بذلك أنها الطريقة الأمثل لكي تأتيهم بالرزق، وكانت العازبات تأتين بجزء من قماش أغلى لباس لهن وتعلقنه بأحد الشجيرات القريبة، مترجيات بذلك الزواج وقدوم عريس في قريب الأيام، ولا زالت لحد الآن عقليات الساكنة مرتبطة بالروحانيات ومعتقدات استجلاب الحظ السعيد[12].
وجبت الإشارة إلى عادة مهمة وهي عملية تحفيظ القرآن للأطفال الصغار بالضريح، حيث كان الفقيه المقيم بمسجد الضريح بتحفيظ الفتية القران وبعض علوم الفقه الإسلامي، وعند إتمام الطفل لحفظ القرآن يحتفل به بشكل مدهش حيث يلقب ب “عْريسْ القرآن” ويطاف به داخل القبائل وتنتهي مراسيم الاحتفال بإيصال الطفل إلى خيمته أو منزله على ظهر الخيل ويقدم لوالديه وكأنه عريس، وقد بدأت تتلاشى هذه الاحتفالية مع ظهور حضانات الأطفال والتعليم الحديث حيث دأب أهل القبيلة على تسجيل أبنائهم بالمدارس الخاصة[13].
وجبت الإشارة إلى طقوس أخرى من العادات الشعبية، وإن كانت تستعمل بنوع من التخفي والسرية، فهي تحمل نوع من الغرائبية أو ما يصطلح عليه بالشعوذة، فالممارس لهذه الطقوس ينظر له بنوع من الانتقاص والبغض من العامة نظرا للحمولة الثقافية حوله، وسأكتفي هنا بطقس واحد حيث كانت تقوم بعض النسوة بقطع ذيل قط أسود ودفنه بالمنطقة، أو ذبح نوع من الدواجن ذات اللون الأسود قصد الوصول لأغراض عقابية للأشخاص المستهدفين، وعند فتح الموضوع مع السيدة الغالية أكدت لي أن هذه الطقوس والممارسات لا علاقة لها بالولي الصالح وغاياته السامية[14].

المحور الثاني: عادات وطقوس خاصة بالمناسبات الاجتماعية
الولادة والختان
لعل أن أبرز متمنيات الآباء هي الذرية الصالحة، لذلك كانوا يعمدون في كثير من الأحيان للحصول على البركة والدعاء من الأولياء الصالحين، آملين أن تصيبهم تلك الدعوات ويصبح للمولود شأن عظيم في المستقبل، فمع حمل المرأة تسعى لحضور ” الوعدات” وطقوسها التي أشرت لها في السابق، وكانت تطلب في كل فرصة تتاح لها الدعاء من مقدم الزاوية، أو حفيدات الشيخ، كما تقدم المساهمات المادية لهذه الغاية وكذلك إبعاد العين والحقد والحسن عن مولودها المنتظر وتسهيل عملية الولادة، وقد علمت من بعض الشهادات أن بعض النسوة كانت تدعو باسم الولي للمولود الجديد، كما جرت العادة أن بعض النسوة البعيدات يقمن في فصل الربيع بزيارة الضريح واصطحاب المرأة الحامل، ويقمن موائد إطعام للعابرين وقد تتكرر هذه العادة طول مدة الحمل إلى حين الولادة[15].
مع ولادة المولود، تختلف مراسيم الاحتفال به، وقد كان في سابق الأزمان بالمنطقة حضور العقلية التفضيلية للذكر، حيث كان بالنسبة للقبيلة مصدر قوة وتمكين، عكس الأنثى، لذلك كان الاحتفال بالذكر ذا طابع خاص، فقد كان الرجال يقيمون مراسيم الاحتفال بالذكر بالقرب من الضريح في اليوم السابع من الولادة، حيث كانت تنصب خيمة خاصة بالاستقبال يقيم فيها والد المولود، كما تقدم داخلها المساهمات الخاصة به، كما تشهد الساحة المقابلة للضريح احتفالات بالفروسية و”التَبْرَاح”، وتصاحب ذلك زغاريد النساء في خيمة أخرى مجاورة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مظاهر الاحتفال بشكل مختلط لم تظهر إلا في الآونة الأخيرة حسب الإفادة الشفوية، حيث كانت طقوس الاحتفال الخاصة بالرجال في معزل عن النساء[16],
في الجهة المقابلة كانت النسوة تحيي مراسيم الاحتفال في بيت أو خيمة المولود مع النفساء “النْفِيسَة” مستحضرات بركة الولي سيدي احمد بن الشيخ، في حين تختص نساء أخريات في زاوية من الخيمة بإعداد الطعام الخاص بالرجال في محيط الضريح، وقد كانت في جميع المناسبات المقامة بجانب الضريح الدعوة عامة، بحيث يحضرها المدعوون وغيرهم من زوار وعابري سبيل..
كان اليوم الثالث بعد الولادة “الثَلْثِيَامْ” يوم خاص بالنساء إلا أن الحضور للضريح وإحياؤه به يختلف من عائلة لأخرى، كما كانت إقامة طقوسه مرتبطة بشكل كبير بالأحوال الجوية، حيث تنقل في الأحوال الجوية غير المستقرة لبيت المولود.
تخضب يد النفساء بالحناء في خيمة الاستقبال، وتقام أذكار الجلالة المرتبطة بأوراد الطريقة الشيخية،وكذلك الأهازيج والأمداح ومن بين الكلام الذي تقوله “لَفْقِيرَاتْ”:
“النْفِيسَة هَيَا حَنَاتْ فِيكْ يا سِيدِي رَبِي تْرَجَاتْ”
الله الله والعَزْرِي محفظْ عَنْدْ الله”
تنتهي طقوس “الثلْثِيام” بالدعاء من أحد الفقيرات المقربات من الولي الصالح[17].
للختان طقوسه الخاصة عند قبائل المنطقة، حيث كان الكثير من الآباء يحضرون أبناءهم للختان بشكل جماعي في فصل الربيع أو عند الوعدات صيفا بالضريح,
حيث يروى أن الهدف من ذلك هو سرعة لملمة جرح الطفل المختن وتجنب إصابته بتقرحات أو تعفنات، وكان من العار عند أهل المنطقة أن يصاب الطفل بذلك، وقد يرجحونه لذنوب وخطايا والدي الطفل. وارتباطا بموضوع الضريح، فقد كانت بعض العوائل تختن أبناءها في اليوم السابع مع تزامن الاحتفالات، بشرط أن يكون الجو معتدلا كما سبقت الإشارة، حيث تقام الولائم للمدعوين وعابري السبيل وزوار الضريح، ويطلب أب الطفل المختن الدعوات الصالحة من أحفاد الولي الصالح وكذلك الزوار الذين يرى فيهم خيرا. تعبأ قبعة الطفل المختن بالمساهمات النقدية، وبعد قيام “الحَجَامْ” بتختين الطفل ويشترط فيه الصلاح والورع، وأن يكون من مريدي الزاوية الشيخية أو من أحد قرابات سيدي احمد بن الشيخ تختتم ليلا المراسيم بحفل قرآني وذكر لله ومدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم[18].
الخطوبة والزواج:
عُرف المجتمع المغربي منذ عقود خلة خاصة داخلة القرى، على أنه مجتمع محافظ، وبالتالي لم تشذ القبائل المجاورة للضريح عن هذه القاعدة،، لذلك كان يشترط في المتقدم للزواج الصلاح والطيبة، كما كان للنسب دور مهم كذلك في المصاهرة، وعلاقة بالضريح وسيدي احمد بن الشيخ، فإنه لم يحدث أن رُفض أحد منتسبي الشيخ أو مريدي الزاوية، فالاعتقاد السائد في هذه الحالة، هو أن رفض قرابة الولي، هو هروب من الأجواء الإيمانية والروحانية، وتملص من الطاعة والولاء لأهل الله، خاصة إن كان المقبل على الزواج شابا مشهودا له بالورع والتقوى، والإخلاص لأهل الله وخدمة الضريح ومريدي الزاوية، كما أن الرفض قد يجلب الشر والمكروه للفتاة أهلها حسب المعتقد.
لا تدخل تقاليد الخطبة والزواج في موضوعنا، لكن ما يهمنا هو علاقة ضريح سيدي احمد بن الشيخ بها، فالجزء الخاص بالضريح في الزفاف يقتصر على الإطعام والفروسية وقراءة القرآن وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاء للعروسين، في حين تتم الأهازيج النسائية والرقصات الفلكلورية ببيت العروسين وذلك حفاظا على قدسية وهيبة الضريح[19].
المحور الثالث: الطقوس الخاصة بالمناسبات الدينية
المولد النبوي:
اعتادت قبائل جرادة وسكانها منذ أمد بعيد على إحياء حفل المولد النبوي بشكل احتفالي متماشي مع عادة المغاربة قاطبة، وقد كانت تقام موائد وحفلات أمداح ومواكب شموع لإحياء هذا اليوم العظيم عند المغاربة والمسلمين، في حين كان الكثير من السكان حاليا والقبائل سابقا يفضلون إحياء عيد المولد النبوي بضريح سيدي احمد بن الشيخ بطريقتهم الخاصة، حيث تعمد النسوة على جمع التبرعات ليلة ما قبل عيد المولد، ثم يتم شراء لوازم إعداد الكسكس، أو “المردود”، ثم تخرج النساء رفقة عوائلهن قاصدات الضريح، ولازالت النساء لوقتنا الحالي يحيين هذه الطقوس وهن من يتكلفن بجميع مراحل إحيائها وتكاليفها رغم حضور الرجال، حيث يكون حضورهم شكليا فقط وربما لدفع الخطر أو تلاوة القرآن والأمداح [20].
تنصب خيمة في منطقة الضريح إن كان الجو باردا، أما إن تزامن العيد فيتم الإعداد في الهواء الطلق. تحضر النساء الزائرات قطعا من السكر كرمز لحلاوة الحياة والقضاء على مرارتها، وكذلك الحناء التي ارتبطت بالحظ السعيد، حيث تخضب أيدي الأطفال في هذه المناسبة وتقول المخضبة لكل طفل ” سِيرْ(ي) أنَا بْغِيتْ رَبِي يحَنْ عْلِيكْ”، كما توزع النسوة أوراق الحناء على الضريح ملتمسات البركة والخير، وتنتهي المراسيم مساء بعد تقديم الطعام في الغداء بإعداد الشاي في أباريق كبيرة، وتوزع الكؤوس على الزائرين مصحوبة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يختتم الحفل بالدعاء للحضور[21].
عيد الأضحى
كانت الساكنة في مناسبة عيد الأضحى بعد مرور يومين على النحر والاحتفال، تقوم بزيارة منطقة الضريح منها من كانت غايته التنزه والاستجمام، وتغيير الروتين اليومي بالمنزل ونتحدث هنا عن تاريخنا الحالي، ومنها من كان يهدف إلى تقديم ثلث الأضحية كصدقة لزوار الضريح والمكان المجاور له وهي عادة قديمة دأبت عليها قبائل المنطقة[22].
يوم الجمعة
يشكل هذا اليوم في الثقافة الإسلامية عيدا للمسلمين، حيث يخالف هذا اليوم بقية أيام الأسبوع في طقوس المسلمين وشعائرهم الدينية كذلك، وارتباطا بموضوعنا فقد كان هذا اليوم مناسبة لزيارة القبور والترحم على من فارق الحياة من الأقارب، فكما تمت الإشارة سابقا فضريح سيدي احمد بن الشيخ يضم مقبرة جماعية قديمة وحديثة تضم موتى من قبائل مختلفة، وقرابة الشيخ، فجرت العادة أن تتم زيارة المقبرة للترحم على من رحلوا ثم التوجه للضريح كذلك لآداء طقوس خاصة، كفرش أوراق الحناء والماء في إناء يوضع أعلى القبر، كما يتم سقي النباتات التي تزين المقبرة، كما كانت النساء ترتدي اللباس الأبيض عند زيارة المقبرة يوم الجمعة، وتقدم المساهمات لخادمات الضريح، حفيدتي سيدي احمد بن الشيخ[23].
ليلة القدر:
كانت ليلة السابع والعشرين من رمضان هي ليلة إحياء ليلة القدر، والمعروف عند المسلمين أن ليلة القدر هي إحدى ليالي الأيام العشر من رمضان، وقد أجمع المغاربة على الاحتفال بها يوم السادس والعشرين من رمضان، وارتباطا ببحثنا فقد كان المسجد المتواجد بالضريح يحيي هذه الليلة بشكل سنوي، حيث تقام الصلوات في هذه الليلة ويختم القرآن الكريم كما تأتي القبائل بوجبات العشاء للمسجد طلبا للدعاء وكصدقات في سبيل الله واستحضارا لقيمة سيدي احمد الروحية، ويستمر قيام الليل إلى صلاة الصبح من يوم السابع والعشرين[24],
خـــاتمة:
لقد حاولت في هذا البحث الميداني أن أنقب عن عادات وطقوس قبائل جرادة، الخاصة بضريح الولي سيدي احمد بن الشيخ، ومحاولة تغطية طقوس ما خلى من الأزمان وما بقي منها في وقتنا الحالي، ولابد من الإشارة للمكانة الكبيرة التي يحظى بها سيدي احمد بن الشيخ والضريح حاليا، فاهتمام الناس به راجع إلى ما تركه من تركة وحمولة روحية وأخلاقية ودينية، وهذا ما لمسته من خلال مجمل المقابلات الشفهية، فالمجتمع يكن احتراما وإجلالا لكل ما له علاقة بالدين الإسلامي الحنيف، نظرا للرواسب الثقافية التي خلفها السلف حول قدسية بعض الأعلام من العلماء والأولياء والفقهاء والمجاهدين، بل حتى النساء اللائي تركن تاريخا في المنطقة، كما لمست في المجتمع المدروس اهتماما مهما ببعض الطقوس والعادات التي ترتبط بالبركة واليسر، كما وجدت خوفا من عدم تقديس واحترام بعض الأسماء خشية من حلول اللعنة والسخط، وتعرف منطقة جرادة مجموعة من المزارات الأخرى زيادة على ضريح سيدي احمد بن الشيخ، فنجد لالة حنونة والمتواجدة بمدينة جرادة بالقرب من حي الهناء، ولها طقوسها الخاصة ثم مرقد ولي صالح بمنطقة لعوينات ويشهد هو الآخر طقوسا خاصة، ثم نجد مقبرة جماعية بمنطقة تيسوريين تشهد زيارات مماثلة، ثم ولي صالح بمنطقة تيبوريين بكفايت على بعد 24 كلم من مدينة جرادة، وكلها مزارات تشهد طقوسا خاصة وجب التعريج عنها لكشف العقليات الجماعية والتفكير الجمعي لهذه المنطقة بشكل خاص وباقي مناطق المغرب بشكل عام.
ملحق خاص بصور الضريح:
صورة من الخارج لضريح سيدي احمد بن الشيخ

صورة من الداخل لمرقد سيدي احمد بن الشيخ وشموع فوقه

صورة للمقبرة المحيطة بالضريح

صورة حصرية لبعض اللوازم المستعملة في الزيارة

صورة لقبر أحد أقرباء الولي وقد سيج بإطار حديدي أخضر

قائمة المصادر والمراجع:
ــ لسان العرب ابن منظور المجلد الرابع مادة ولي، مطبعة المعارف بيروت ط 3 1993
ــ رفيق العجم موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي دار الفرقان القاهرة، 2006
ــ مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سكلوجية الانسان المقهور مكتبة العرفان الرباط ط2 2000
ــ بلحاج نادية التطيب والسحر في المغرب، مكتبة النجاح الدار البيضاء، ط1
ــ أحمد بن عثمان الحاكمي لله رجال سيدي احمد بن الشيخ، من هؤلاء مثال، مكاتب القدس للنشر والخدمات، وجدة 1995
ــ رواية شفوية من السيدة الكاملة حفيدة سيدي احمد بن الشيخ بتاريخ 15 دجنبر 2018
ــ رواية شفوية من السيدة الغالية حفيدة سيدي احمد بن الشيخ بتاريخ 15 دجنبر 2018
ــ رواية شفهية من السيد محمد البوشيخي بتاريخ 16 دجنبر 2018
ــ رواية شفهية من السيدة السعدية اجميلي بتاريخ 16 دجنبر 2018
1- بلحاج نادية، التطيب والسحرفي المغرب ص 53
2- لسان العرب ابن منظور المجلد الرابع مادة ولي ص 985
3-رفيق العجم، موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي ص 1055
4-مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور ص 143
5-أحمد بن عثمان الحاكمي لله رجال سيدي احمد بن الشيخ، من هؤلاء مثال، ص 32 33
6-أحمد بن عثمان الحاكمي لله رجال سيدي احمد بن الشيخ، من هؤلاء مثال، ص 65
7-إفادة شفوية لمحمد البوشيخي 64 سنة
8-أحمد بن عثمان الحاكمي لله رجال سيدي احمد بن الشيخ، من هؤلاء مثال، ص 66
9-أحمد بن عثمان الحاكمي لله رجال سيدي احمد بن الشيخ، من هؤلاء مثال، ص 70
10-أحمد بن عثمان الحاكمي لله رجال سيدي احمد بن الشيخ، من هؤلاء مثال، ص 91
11-إفادة شفوية لمحمد البوشيخي 64 سنة
12-إفادة شفوية للسيدة الكاملة حفيدة سيدي احمد بن الشخي 55 سنة
13-إفادة شفوية لمحمد البوشيخي 64 سنة
14-إفادة شفوية للسيدة الغالية حفيدة سيدي احمد بن الشيخ 60 سنة
15-إفادة شفوية للسيدة السعدية الجميلي 66 سنة
16-إفادة شفوية للسيد محمد البوشيخي 64 سنة
17-إفادة شفوية للسيدة السعدية الجميلي 66 سنة
18-إفادة شفوية للسيد محمد البوشيخي 64 سنة
19-إفادة شفوية للسيدة الكاملة حفيدة سيدي احمد بن الشخي 55 سنة
20-إفادة شفوية للسيدة الغالية حفيدة سيدي احمد بن الشيخ 60 سنة
21-إفادة شفوية للسيدة السعدية الجميلي 66 سنة
22-إفادة شفوية للسيد محمد البوشيخي 64 سنة
23-إفادة شفوية للسيدة الغالية حفيدة سيدي احمد بن الشيخ 60 سنة