التوافق الزواجي ودوره في الاستقرار الاسري
بقلم: عائشة رداد
مقدمة
لا شك أن الاستقرار الأسري مرهون ومرتبط بمدى تحقق المودة والرحمة بين الزوجين قال تعالى (وَمِن آيَاتِه أَنْ خَلَقَ لَكُم مِن أنفُسِكم أزْوَاجًا لِتسْكنوا إِليْها وَجَعَل بَينَكُم مَوَدّة وَرَحمَة إِنّ فِي ذَلِك لَآيَات لقَوْم يَتَفَكّرُون) (الروم: 21) وإن مما يساعد على وجود المودة و الرحمة و تماسك الأسرة وترابطها وجود توافق بين الزوجين وهو ما يسمى بالتوافق الزواجي والذي يعد من أهم الأسباب في تكوين الأسرة السعيدة وتحقيق استقرارها كما يعتبر تحقيقه من أهم دعامات الصحة النفسية للزوجين لإسهامه في اشباع الحاجات المعنوية والمادية لكلا الطرفين.
التوافق هو الاصطلاح الذي يستخدمه علماء الاجتماع للتعبير عن عملية التراضي أو الصلح بين الاطراف المتنافسة أو المتصارعة سوآءا كانوا أفرادا أو جماعات.
ومفهوم التوافق الزواجي يعني الاتفاق النسبي بين الزوجين والتفاعل الايجابي بينهما في تحقيق أهدافهما المشتركة في حياتهما الزوجية كما أنه هو قدرة كل من الزوجين على الانسجام مع الآخر ومع متطلبات الزواج.
ما هي أهم مظاهر التوافق الزواجي؟
هناك عدة مظاهر ودلالات لوجود التوافق الزواجي، نذكر من أهمها:
– تقبل أفعال كلا الزوجين من الآخر من حيث القيام بالواجبات الأساسية نحوه وكذلك إشباع الحاجات والقيام بما يزيد الارتباط به والامتناع عما يؤذيه أو يسيء علاقته به أو بأسرتيهما.
-استمرارية حدوث الاتصال والتواصل المباشر بين الزوجين مع مراعاة الاتزان العاطفي والانفعالي للعلاقة.
-خضوع كل طرف لمطالب الطرف الآخر أو وصولهما إلى حلول وسطية مرضية للطرفين.
كيــف يمكــن أن يتعامــل الزوجان مــع بعضهمــا عنــد حــدوث الخلافات؟
إن وجـود الخلافات ليس مشـكلة بحـد ذاتـه وإنمـا كيفيـة تعاملنـا مـع هـذه المشكلات وهنا تبرز أهمية الحـوار ومد جسور التواصل والتي على الزوجين إعطائهما أولوية كبرى كما أن الوعــي بخطــورة المشكلات وأثرهــا الســلبي علــى اســتقرار الزوجيـن وبالتالي اســتقرار الأسرة دافع قوي للسعي إلى التواصل وإبداء الرأي بهدف الوصول إلى نتائج مرضية للطرفين. ولذلك من المهم جدا بالنسبة للزوجين تعريف طبيعة الخلاف وأسبابه، والبدء بالعمل لحله بشكل جماعي. ومـن أوجـه الوعـي في التعامــل مــع المشكلات الزوجيــة
-أولويـة حضـور الـدورات التأهيليـة مـا قبـل الـزواج،
-أهميـة استشـارة المختصين الأسريين والنفسيين،
-كذلك الحرص علــى تعلــم المهــارات الزوجيــة والحياتيــة؛ لمواجهـة الخلافات مثـل: (ضبـط الانفعالات، الصبـر، التحمـل، الوعـي بوجود التحديات وتحمل المسؤولية، السعي لإغلاق المواضيـع المفتوحة وإنهائها بطرق ترضــي الطرفيــن، الصراحــة وعــدم إعطــاء وعـود مسـتقبلية كاذبـة)
الوعي بمدمرات التوافق الزواجي والعمل على اجتنابها
يحتاج صرح الزواج إلى بعض الأساسيات الضرورية للمساعدة على نجاحه، وتتجلى أهمية تلك الأساسيات أو المفاهيم في الحفاظ على الأسرة قوية ومتماسكة، حتى تكون لبنة قوية في بناء المجتمع الرشيد. ومن هذه الأساسيات الوعي بمدمرات التوافق الزواجي والتي قد تؤثر سلبا على الاستقرار الأسري وربما قد تؤدي الى التفكك الأسري ومن بين هذه المدمرات نذكر:
– اللامبالاة بالشريك: اللامبالاة عدو صامت يفتك بالزواج في غفلة الشريكين لأنها تؤدي إلى الشعور بالوحدة والمرارة والإهمال، وهذا يترتب عليه انكسار النفس والخذلان والخيبة التي تسيطر على الشريك مما يؤدي إلى الانفصال العاطفي. فالروابط العاطفية بين الزوجين تحتاج إلى الاهتمام والتجديد وإلا فإنها سوف تتحول مع مرور الزمن وبمفعول المسؤوليات والضغوط اليومية إلى برود وروتين ينتج عنه إهمال الطرف الآخر وعدم الاهتمام بالعلاقة.
-البخل في المشاعر: وهذا من شأنه أن يحدث صدمات واهتزازات نفسية لأن من أعلى غايات الزواج إشباع الجانب العاطفي وذلك بواسطة البوح بالمشاعر الإيجابية للشريك. مثل الحب، الامتنان الشكر، حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي ﷺ فمر رجل به فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ: أأعلمتَه؟ قال: لا، قال: أعلِمْه، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له رواه أبو داود بإسناد صحيح.
-البحث عن المثالية: فالعصمة والكمال للأنبياء فقط فعلى الشريكين تقبل عيوب بعضهما والسعي باللطف والتناصح لتصحيحها وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه، قال: أظنها عائشة، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، قال: فضربت الأخرى بيد الخادم فكسرت القصعة نصفين، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: غارت أمكم.
– عدم الوفاء بالعهود: قد يتم الزواج بعد اتفاق الزوجين على أمر ما كأن يعد الزوج زوجته بعدم الزواج بأخرى و الإخلاص لها مدى الحياة و يكون الوفاء بهذا العهد أو الشرط ركيزة أساسية للتوافق بينهما بحيث تذلل به جميع الصعاب و الأزمات في هذه الحالة يجب على الزوج أن يفي بوعده ؛ لعموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالوعد ، كقوله تعالى : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) الإسراء/34 ، وقوله ﷺ : (اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم) رواه أحمد وحسنه الألباني
-إهمال الحياة الزوجية: إن من سوء ترتيب الأولويات أن تكون الأسرة في مرتبة متأخرة من سلم الأولويات بعد الأصدقاء والعمل والهوايات والصحيح أن تكون الأسرة في المرتبة الثالثة بعد العلاقة مع الله والنفس، فالله تعالى قال:(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) (التحريم:6) ويعتبر الدعاة ورجال الأعمال هم أكثر المهملين لأسرهم.
-النقد واللوم: فالشريك هو أقرب شخص لشريكه فإذا استمر في نقده ولومه على كل شيء أدى ذلك إلى الملل والنفور ومن ثم الصمت الأسري والانفصال. وفي المقابل ترك النقد واللوم بكثرة الكلام يورث المحبة وهو خلق نبوي فقد روي عن أنس بن مالك انه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته. (الحديث في سند أحمد 13034)
العناد والتذمر: العناد لا يكتفي بوضع صاحبه في منطقة الرأي الصواب، بل يدفعه الى التشبث بالخطإ أيضا، وتضخيم الأمور الصغيرة، واتخاذ قرارات سريعة وغير صائبة، وهذا إن تراكم تتصدع الأسرة، يضاف إلى العناد التذمر والذي من شأنه أن يشيع جو الكآبة والبؤس في البيت، ومن ثم الملل والنفور والانفصال.
أهمية الاستقرار الأسري في تماسك الأسرة وسعادتها
إن الأسرة المستقرة هي مكسب للمجتمعات بأكملها، وتعتبر أحد أهم الأسس لبناء مجتمع مستنير ومتطور حيث إن بناء الانسان يعتمد على البيئة التي ينشأ فيها. فكلما كانت البيئة بعيدة عن النكد والخصام، وترفرف عليها أجنحة السعادة كلما نشأت الأجيال في جو نفسي رائع وفي منأى عن التوتر والقلق والاحباط. وتكمن أهمية التوافق الزواجي في الدور الذي يقوم به في تعزيز استقرار الأسرة وحمايتها من التفكك والانزلاق، وتصاعد الخلافات والصراعات والمشكلات الأسرية، الأمر الذي يساعد على توجيه طاقات الأفراد نحو القيام بأدوارهم الأسرية والاجتماعية. وللتوافق الزواجي أيضا مردود طيب على الأبناء، يتمثل في حسن رعايتهم والاهتمام بهم وتلبية احتياجاتهم النفسية والاجتماعية،
وقد أصبح من الضروري على الأهل أن يكونوا واعين لتأثيرات المشاكل الأسرية على الأبناء، وأن يعملوا على إيجاد حلول فعّالة وبناء جسور التواصل للحفاظ على استقرار الأسرة، حيث يمكن للتفاهم المتبادل والصدق في التعامل مع القضايا الزوجية أن يلعبا دوراً هاماً في تخفيف التوترات وتأثيرها السلبي على الأبناء،
توصيات لتحقيق التوافق الزواجي
-اختيار الشريك المناسب والسن المناسب للزواج: يقول الرسول ﷺ: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، صحيح البخاري، كتاب النكاح، رقم: 4802
-التعرف على أسس الزواج الناجح على ضوء الكتاب و السنة ولنا في رسول الله أسوة حسنة ففي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته نجد أنه كان يحسن معاشرة ومعاملة أهله، ويُولِيهم عناية فائقة ومحبَّة لائقة، فكان مع زوجاته حنوناً ودوداً، تجلّت فيه العواطف والمشاعر في أسمى مظاهرها وأجملها، فكان يُكرم ولا يُهين، يُوجِّه وينصح، ولا يعنِّف ويَجْرَح، يمازحهن ويداعبهن، ويتحمَّل منهنَّ وكان يوصي أصحابه بزوجاتهم خيراً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذى جاره، واستوصوا بالنساء خيرا) وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.
– اشباع الاحتياجات النفسية والعاطفية للشريك ونجد كل هذه المعاني محصورة، في قوله تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة: 187) وفي هذا السياق، قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “منّة عظمى وآية كبرى من مننه المشكورة وآياته المذكورة، سكون شطر هذه النفس الإنسانية إلى الشطر المكمل راحة واطمئنان وألفة واستئناس واستيطان، لولاه لكانت الحياة، وحشة، وغربة، وقلقا. فالحمد لله رب العالمين، وله الحمد في الأولى والآخرة”. عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، 2/74
– الحرص على المودة والرحمة، قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى “بالمودة والرحمة الحميمين يتميز الزواج المطابِق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة، وبهما لا بمجرد العَقْد القانوني يحصل الاستقرار في البيت، وبالاستقرار في البيت يشيع الاستقرار في المجتمع”. عبد السلام ياسين، العدل، ص: 278.
التسامح والتغافل عن الزلات في كل العلاقات الزوجية، أحيانا يقوم أحد الشريكين ً بتصرف يُحزن ويكسر إحساس الشريك الآخر في مثل هذه الحالة على الشريك الآخر أن يتذكر أن الإنسان ليس مخلوقا كاملا فإنه يقوم بفعل بطبيعته باقتراف الأخطاء كما يجب أن يتذكر أيضا الأوقات التي كسر فيها، مشاعر شريكه في الماضي عندها سيسهل عليه مسامحة شريكه. يجب ألا ننسى أن تفكيرنا ومشارعنا السلبية تؤثرً على تصرفاتنا حتى تؤثر سلبيّا على مزاج الموجودين في المنزل. لذلك موقفك المتسامح والاعتذار عند الضرورة يؤثر إيجابيا على شريكك ويشجعه في مسامحتك وفي طريقة تصرفاته في المستقبل.
خلاصة
لقد حظيت الأسرة في الإسلام بكثير من الرعاية والاهتمام، والمحافظة عليها مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، فاستقرار الأسرة وأمنها، من استقرار المجتمع وأمنه، وقد يقع بين الزوجين ما يعكر هذا الاستقرار الأسري، من مشاكل وخلافات، لذلك وجب التركيز على أسس التوافق الزواجي ودعمها والوعي بمدمرات هذا التوافق وتجنبها حرصا على استقرار الأسرة وحمايتها من التفكك وضمانا لتماسكها وسعادتها. وتحقيق هذا سينعكس على المجتمع بأكمله ببث الطمأنينة والأمان، وسيعود على الجميع بالخير العميم. والأمن المنشود.