الإسراء والمسرى (انبعاث العبودية لله)
الإسراء والمسرى (انبعاث العبودية لله)/ بشرى بوطيب
الإسراء والمسرى (انبعاث العبودية لله)
بقلم: بشرى بوطيب
تجتمع جل شرائع الحنيفية السابقة والإسلام التي تحملها الأنبياء والمرسلون على حقيقتين هما: الألوهية لله وحده في كونه، والعبودية الخالصة له لا ينازعه فيها أحد. وعلى هذا جاءت وبقيت دعوة خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.
إعجاز القرآن الذي هيمن على الكتب السماوية المحرفة يظهر جليا في تنوع سوره وأسباب نزولها، وفي مقاصد مواضيعها. أعظم من ذلك يثبت الله في افتتاحية السورة خاصة المكية منها ألوهيته ومعجزات الغيب ويربطها بعالم الشهادة لدى الإنسان ليتبين هذا المخلوق الطيني مدى احتياجه لهدي رسله المصطفين من عباده سبحانه صلوات ربي عليهم تبشيرا وتحذيرا.
يقول الله عز وجل في سورة الإسراء: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا”[1]. في افتتاحية السورة تمجيد لألوهيته سبحانه جل وعلا المتفرد بالغيب وحقائق ما سيمن به على عبده ورسوله خلال رحلته الرسالية الدعوية. بلاغ نبوي يوصل للمسلم في عالم الحضارة المادية أن الإنسان مهما علا شأنه خواء في هباء إن لم يصدق بقدرة خالقه وبارئ هذا الكون. فطبيعته البشرية عاجزة عن الإحاطة والإلمام بحقيقة ومكنون الوجود، والعيش والمصير، والحياة والموت، مالم يتخذ قبلته رب العالمين روحا وجسدا.
1-عباد لله
والمسلمون اليوم وهم يقابلون أعتى علو مفسد في العالم والأمة الإسلامية وهو الاستكبار الصهيوني يرجعون بالذاكرة إلى تاريخ اليهود من بني إسرائيل، وهم يقدحون في رسالة النبوة في بداياتها، وأولها معجزة الإسراء والمعراج. فتح بها الله عز وجل على عبده ورسوله في خضم تلك الدعوة المباركة للدين الجديد. وكشف بها المفسدين من اليهود والمشركين والمنافقين فلا يَصدُق إلا من آمن وصدَّق.
إن رحلة النبي صلى الله عليه وسلم المباركة بين مسجدين أرخت لشرط فارق في دين التوحيد وهو التصديق لرسالة الهدى على يد خير المرسلين. لذلك كان الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام متضمن ما يجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبرا عجيبا يستقبله السامعون دالا على عظيم القدرة من المتكلم (الله عز وجل) ورفيع منزلة المتَحدَّث عنه (النبي صلوات الله عليه)”[2]. افتتن في هذه الحادثة الشرك والتكذيب والشك والريبة المدلسة لفطرة الناس. رحلة من عبد لله منَّ بها عليه ربه ليفتح بها القلوب المقفلة عن الإيمان، ويزداد من كمن الإيمان في شغافه تصديقا وإيقانا في بلاغ القرآن وهدي النبوة الشريفة.
سورة الإسراء تكررت فيها ” عبد لله” في مقامات متفرقة شكلت تنوعا في رسائل ودلالات مضامين السورة. فصاحب المعراج صلى الله عليه وسلم نعته الله عز وجل “بعبده “. ونسب لذاته سبحانه عملية الإسراء ليلا بمن اصطفاه من رسله وعباده صلوات ربي عليه.
إن باقي الآيات التي تثير معاني العبودية الخالصة لله تلتحم التحاما شاملا حول شخص النبي صلى الله عليه وسلم. هو المُرسَل بالحق، المتَّبَع بالهدى ومكارم الأخلاق، المُصدَّ ق المؤيَّد بالغيب. فسبحان من أسرى بأشرف عباده من أشرف بقاع الأرض منطلق الدعوة والقبلة، أرض الهجرة والشدائد. ثم عرج به إلى أقصى وأزكى أرض ستكون لأمته من بعده بوصلة الامتحان والتمحيص بين دعوة الحق ومدافعة الباطل في آخر الزمان.
نواصل سبرنا لمعاني العبودية لله في سورة الإسراء في ارتباطها بمسراه صلى الله عليه وسلم الذي أفسد فيه المفسدون من خلقه ولا يزالون ليومنا هذا. لقد حُرم كل مستكبر مفسد في أرض الله عبارة “عبد لله”. يقول الله تعالى تذكيرا بالصفوة من عباده نوح وموسى عليهما السلام، وتحذيرا لمن حارب الحق: “وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا”[3]. فلقد أبان القرآن عن المكذبين المتعنتين عن اتباع أولي العزم من الرسل. المحاربين لهم ولدعوة الحق. بل يشهد على أن اليهود طعنوا في قدسية الذات الإلهية ناهيك عن قتل الأنبياء صلوات ربي عليهم والإفساد في كل بقعة نزلوا بها.
كانت المواجهة بين دعاة الحق بمعية النبوة بوصفهم ” عبادا لنا” في مقابل المتربصين بالنبوة: تربصوا بشخصه صلى الله عليه وسلم وبرسالة النبوة الخالدة. إفساد هومن قضاء الله. يزيد ويبلغ العلو كلما نقص مقام العبودية لله في الأمة الإسلامية، ونكص المسلمون عن اتباع نور النبوة وعن الجهاد بإزاء القرآن. ففي وعد أولاهما بالنصر على شوكة الكفر (كما جاء في سورة الإسراء) كانت الكفة راجحة لعباد الله من الصحابة رضوان الله عليهم. أثبتوا ببرهان صدق إيمانهم بما تنزل على نبيهم من الهدى والفرقان إثباتا زمانيا ومكانيا برسوخ القدم على أرض الاتباع الكامل وغير المنقطع للوحي والصحبة النبوية. يبدأ برهانه من حادثة المعراج، مرورا بالهجرتين، وتشكيلا للطليعة المجاهدة عبر عظات المغازي والسرايا في إعلاء كلمة الحق خالصة لله وحده.
يقول الله تعالى: ” فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا “[4] بعث الله للعبودية القدوة الأولى في الإسلام هو إحياء لفطرة إنسان جاهلية ما بعد الخلافة الراشدة وجاهلية الألفية الثالثة. هو إسماع لداعي الله في القرآن والنبوة حتى ينبعث من بين ركام الفتن والغفلات والجمود القروني من تاريخ الإسلام عباد له سبحانه وتعالى، يهتدون بهدي ومنهاج نبيهم صلوات ربي عليه. فمواجهة الشرك والطاغوت وفتن الباطل تكون بخالص التوحيد وكمال الولاء لله عز وجل، ترعاها وتصحبها في الرحلة الموعودة بالنصر والتمكين في الأرض النبوة العصماء، فهي الدليل لصوى الإسلام وشعب الإيمان.
2-مركزية الصلاة والمسجد
يقول سبحانه وتعالى معظما عطاياه التي لا تحصى ولا تنفذ على عبده ورسوله: ” لنريه من آياتنا”[5] نتساءل ما الذي أراه لعبده من آيات ومنح؟
يتفق سادتنا علماء التفسير من السلف الصالح على السُّرَى[6] المقدس من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم المعراج المبارك إلى حيث سدرة المنتهى، وما بينهما من حوادث هي أبلغ ما تضمنته الرحلة المجيدة. إذ ستظل آية من آيات الله في الوجود من رب خبير سميع بصير إلى العبد الرسول الذي ارتضاه بشيرا ونذيرا لكل البرية سبحانه.
ذلك السُّرَى من مسجد إلى مسجد: المسجد الحرام شهد على الهجرة والفتح باتساع رقعة من دخل تحت لواء هذا الهدي النبوي القرآني، والمسجد الأقصى هو نهاية الإسراء. لقد “صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى، ثم عادت إلى المسجد الحرام”[7]. وهو بدء إعادة البناء لما تقوض من جسم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وهنها واحتلال الاستكبار لمقدساتها وفطرتها.
لقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض طهورا ومسجدا ” فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل”[8] كما رواه سيدنا جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم. تكون الصلاة جامعة لأتباع الحق من عباد الله، يمموا وجهتهم لمحاريب في البيوت، والمساجد، والحج وفي كل مكان يعبد فيه رب العالمين. إن فرض الصلاة فسطاط الدين الإسلامي وعموده في ليلة الإسراء والمعراج هي تشييد لأساس ما يوثق صلة العبد بمولاه عز وجل ويشد وثاق عروة المسلمين بهذا الدين الحنيف، فإن فرقتهم الدنيا جمعتهم الصلاة والسجود.
يتحسر المسلم المؤمن وهو ينوء بكلكل الاستكبار العالمي وتفشي الاستبداد الجبري. ينظر تحقق نذارة البشير صلوات ربي عليه في نقض عرى الإسلام في الحكم وآخر ما يتشبت به الناس هو الصلاة. كمثل أزرار القميص تفككت من الأعلى إلى الأسفل زرا يتلوه زر آخر حتى تتكشف العورة والسوأة. كذلك نقض سربال هذا الدين عن الأمة كان يسترها ويحجب عنها العدى والإفساد في فطرة الإنسان والمسجد والأرض، فهل إلى رجعة منيبة من سبيل؟
[1] الإسراء 1
[2] تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير 9/15
[3] الإسراء(2/3)
[4] الإسراء 5
[5] الإسراء 1
[6] من سرى يسري بمعنى مشى ليلا
[7] التحرير والتنوير لابن عاشور 15/15
[8] صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب التيمم، ج1/74