كيف نربي أطفالنا على قيمة التعاون؟
كيف نربي أطفالنا على قيمة التعاون؟/ د. فاطمة ادويب
كيف نربي أطفالنا على قيمة التعاون؟
يقلم: د. فاطمة ادويب
من القيم العظيمة التي ينبغي للأسرة تربية أبنائها عليها قيمة التعاون بمعنى الإيمان بضرورة التضامن التشاركي داخل البيت، وتعلم تحمل المسؤولية وتقاسمها لتخفيف الأعباء على جميع أفرادها توفيرا للوقت والجهد وتحقيقا للراحة والسكينة والفتل في حبل المحبة والتماسك الأسري.
فكيف يمكن غرس قيمة التعاون في أبنائنا وجعلهم يتشربون ويتمثلون هذه القيمة داخل الأسرة وخارجها؟
أولا- محبة الوالدين لبعضهما البعض: حينما تسود المحبة بين الزوجين وتفيض على الأولاد ويسود الود والوئام والاحترام والتقدير بينهما، يشعر كل واحد منهما بالآخر، يحس بتعبه فيساعده ويفديه بوقته وجهده ويسعى لراحته، يستشعر فرحه فيتقاسمه معه، يصغي لآهاته وأحزانه وآلام مرضه فيخفف عنه ويدخل السعادة لقلبه. كل هذا يرمقه الأبناء بأعينهم و يحسونه بقلوبهم ويسجلونه في عقولهم ويحاكونه بأفعالهم وتصرفاتهم. محبة تفيض من الوالدين لتغمر جميع أفراد الأسرة .
ثانيا- القدوة والمثال: يعتبر الوالدان خير قدوة ومثال لجعل الأبناء يتعلمون قيمة التعاون من خلال تقليدهم لأدق التفاصيل، فهم يتميزون بذكاء خارق ينبغي عدم الإستهانة به أو تجاهله وإن ظهر لنا أنهم صغار، ولكنهم في الحقيقة يتوفرون على ذاكرة تلتقط دقائق الأمور وتنقش كالنقش على الحجر ؛ فرؤية الأطفال لأبيهم حينما يدخل إلى البيت يسأل أمهم بكل عفوية عن يومها كيف مر في شغل البيت وتتبع الشؤون الخاصة بالأبناء… يعظم من شأن كل ما تقوم به، يمدح ويشجع ويثني… بعدها يطلب منها إن كانت في حاجة إلى تقديم المساعدة. وأمهم تبادل زوجها نفس الشعور تخفف عنه أحمال اليوم العصيب في الشغل، تساعده في تدبير ماله تقتصد وتسدد وتقارب وقد تساهم بمالها إذا كانت تشتغل ليحل ضائقته أو قضاء حاجات ومتطلبات الأولاد. تمد له يد العون في حل المستصعبات من الحياة. إن ما يشاهده الأبناء في الوالدين من تضامن وتآزر يذكي فيهم حس التعاون ويزرع فيهم القابلية لتمثل هذه القيمة الجليلة. وليس ذلك عيبا ولا منقصا من الزوج الأب أو الزوج الأم فسيد الخلق صلى الله عليه وسلم بعظمته وهيبته كان يخيط ثوبه و يخصف نعله ويسعى في خدمة أهل بيته. والصحابيات الجليلات لما لهن من مكانة جليلة كن يساعدن أزواجهن فيسُسْن الفرس ويساهمن بمالهن في تنمية تجارة أزواجهن وغيرها من الأمور.
ثالثا- التشجيع وقبول هامش الخطأ وعدم التنقيص من المنجَز: نعلم أبناءنا -حسب سنهم- المشاركة في تنظيف البيت بدءا بالغرف الخاصة بهم، فالأمهات يضيعن ثلث وقتهن الصباحي في توظيب الغرف. ندربهم على جمع الأفرشة والعناية بترتيب السرير وخزانة الكتب التي تعرف فوضى عارمة أثناء الموسم الدراسي، وطي الملابس وتنظيمها في مكانها، وتعقيم الأحذية ومسحها ثم وضعها في الأمكنة المخصصة لها. وأيضا المساعدة في غسل الأواني وتنظيف الحمام والمساهمة في إعداد بعض الأطعمة كالسلطات والكيك وكذا تهيء سفرة الطعام بوضع الصحون وباقي مستلزمات الأكل فوقها. علاوة على ذلك ندربهم على العناية بنظافتهم الشخصية وتنظيف الملابس الداخلية بعد الاستحمام وعدم تركها في الحمام للأم فهذا عيب كبير جدا ينبغي التنبيه إليه. ويمكن كذلك مساعدة الأب في غسل السيارة أو في الحقل وغيرها من الأعمال. وكل هذا يقتضي التشجيع دائما والتحفيز والصبر ولو أن يضطر الوالدان لإعادة وتكرار ما قام به الأبناء دون إخبارهم لكي لا يثبطوا من عزائمهم.
رابعا- الإشراك في برمجة التدبير المنزلي: تشرك الأم أبناءها ذكورا وإناثا في الأشغال اليومية كترتيب الغرف وتنظيف الحمام وغسل الأواني وغيرها والسنوية مثل التنظيفات العميقة للبيت. يفتح لهم المجال للمساعدة في كتابة الحاجيات الخاصة بنفقة الشهر والذهاب معهم إلى السوق وغيره لاقتناء لوازم البيت فهذا من شأنه أن يعلمهم خصلة الاقتصاد. أيضاً يشركون في التهييء لاستقبال الضيوف كتعطير البيت ببعض البخور الزكية وتعليمهم الذوق والجمال بدءا بنظافتهم الشخصية ومرورا باختيار اللباس والأكسسوارات المناسبة والتعرف على ما يمكن قوله في كل مناسبة لأن” لكل مقام مقال” .
وأخيرا فإن تدريب الأبناء وتربيتهم على قيمة التعاون قد يجعل الآباء يواجهون بعض الصعوبات من طرف أبنائهم لتفاوت التجاوب بينهم أو رفض وتعنت البعض منهم، لكن بفضل التشجيع والإلحاح الحاني والهدية وغيرها من شأنه تحقيق التعاون الأسري وينعكس إيجابا على جميع الأسرة بالعديد من المزايا منها: يساهم في جعل الأبناء يتحملون المسؤولية داخل البيت وخارجه ويعتمدون على أنفسهم إذا تم قبولهم في العمل أو الجامعات والمعاهد لإتمام الدراسة خارج مدنهم أو دولتهم الأصلية. يكونون خير سفراء حينما يحلون ضيوفا عند العائلة أو الأصدقاء ويعطون القدوة والمثال لأقرانهم. فهم يتأهلون بطريقة غير مباشرة ليصبحوا أزواجا صالحين في المستقبل فيربون أبناءهم على ما اكتسبوه في بيوت آبائهم .يتعلمون إسداء المعروف والجميل للوالدين والشعور بهما وخدمتهما بتلبية طلباتهما وعدم التأفف والضحر منهما وهذا ينمي المحبة بينهما ويعمقها ويسهم في البر بهما.