منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نعمة الأسرة، وأسس بناء أسرة سعيدة

الدكتور أحمد الإدريسي

0

نعمة الأسرة، وأسس بناء أسرة سعيدة

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

الأسرة هي اللبنة الأولى في تكوين المجتمع، وأقدم المؤسسات الاجتماعية، وهي اللبنة الأساس في بناء المجتمعات الإنسانية، وركيزة المجتمعات الإسلامية ومنطلقها الأول. لذلك كانت المصدر الأول للأخلاق، والإطار الذي يتلقى فيه الإنسان دروس الحياة الاجتماعية، والدعامة الأولى لضبط السلوك.

أولا: مفهوم الأسرة:

يحمل مصطلح الأسرة معاني متكاملة فيما بينها تتمثل في الزواج، الإنجاب، تنشئة الأبناء. ويشير مفهوم الأسرة إلى علاقة واضحة ومحددة جمع بين زوجين؛ “رجل وامرأة”، ليكون نقطة انطلاق تشكل الخلية الأولى في المجتمع.

1- الأسرة لغة:

الأسرة في اللغة هي الجماعة التي ينتمي لها الفرد؛ يتقوى ويحتمي بهم. وتُعرف الأسرة بأنها: “الشد والعَصبُ وشدةُ الخلَق والخلُق”[1]. كما جاء في لسان العرب “أسرة الرجل عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم”.

2- الأسرة اصطلاحا:

تعددت تعاريف الأسرة، فتعرف بأنها: “رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة”، ويرى بيرجس ولوك أن الأسرة هي؛ “جماعة من الأشخاص يرتبطون بروابط الزواج والدم والتبني ويعيشون معيشة واحدة، ويتفاعلون كل مع الآخر في حدود أدوار الزوج والزوجة، الأم والأخ والأخت ويشكلون ثقافة واحدة ومشتركة”[2].

وتعرف الأسرة أيضا بأنها: “النظام الاجتماعي الذي ینشأ عنه أول خلیة اجتماعية تبدأ بالزوجين وتمتد حتى تشمل ن الأبناء والآباء والأمهات والإخوة. والأخوات والأقارب جميعا”[3].

فالأسرة اذن هي: “الوحدة الأولى للمجتمع وأولى مؤسساته التي تكون العلاقات فیها في الغالب مباشرة، وبتم داخلها تنشئة الفرد ویكتسب فیها الكثیر من معارفه ومهاراته ومیوله وعواطفه واتجاهاته في الحیاة ويجد فيها أمنه وسكنه”.

ثانيا: الأسرة نعمة.

الأسرة المسلمة هي المدرسة الأولى التي يتخرج منها الأعضاءُ الفاعلون في المجتمع، ساسةٌ وقادة، علماءُ وقضاةٌ، مربونَ ودعاةٌ، وزوجاتٌ صالحاتٌ، وأمهاتٌ مربيات لأجيال قوية، صالحة مصلحة.

ومن نِعَم الله تعالى على عباده التي لا تعدّ ولا تُحصى؛ أنْ هيَّأ لهم الأُسرَ، وجعلها سكنًا ورحمةً، ولباسًا وموَّدة. قال الله تعالى، وهو يمتنّ على عباده: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”. (الروم:21).

ولأن الأسرة هي الدعامة الأساس في بناء الأمة، فقد اهتم الإسلام بأسس تشييد بناء الأسرة؛ فعلى قدر ما تكون اللبنة قويةً يكون البناء راسخًا منيعًا، وكلما كانت ضعيفة كان البناء واهيا. وقد سعى الإسلام لإصلاح الأسر، وبدأ ذلك بالأسس التي تتكوَّن منها الأسرة المسلمة، نذكر منها:

– اختيارُ الزوجة ذاتِ الصلاحِ والدينِ؛ لأنها أهمُّ عوامل الإصلاح للأسرة بعد الرجل، قال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع، وخير متاعها الزوجة الصالحة)[4]. وكذلك حسن اختيار الزوج الصالح، ذي الخُلقِ القويم، والدين المستقيم.

– حصول الوئام في الأسرة؛ ليتهيأ المناخ الصالح للتربية، وتنشأ الناشئة في أسرة عامرة بحنان الأمومة وحدب الأبوة، بعيدًا عن صخب النزاع والاختلاف، “وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا”. (الفرقان:74).

– يترعرع في أحضان الأسرة المسلمة بنون وبنات يمثلون حاضر الأمة ومستقبلها، يتربون على التدين السلم، وعلى خدمة دينهم وأمتهم.

– الأسرة المسلمة تُعنى بحسن تربية الأولاد؛ وتعليمهم وتأديبهم، امتثالاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ”. (التحريم:6).

– بناء الأسرة على أساس الإيمان والتقوى، ووقود هذا الإيمان العبادات والعمل الصالح، وإن بيتًا يُنشَّأ على طاعة الله لحريٌّ به أن يكون بيت إيمان، يعظُمُ ثوابُ أهله، ويصفو عيشهم؛ قال الله تعالى: “وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ”.(مريم:132).

– للوالدين دور مهم في التربية الإيمانية، يتعاونان لحفظ أولادهما، ومتابعتهم بالمشورة والحوار، وسماع الرأي الآخر برفق ولين. وصلاح المرء في نفسه صلاحٌ لأهله وذريته بالقدوة الحسنة، ومجانبة ما يسقط المروءة، أو يضر بالدين والعقل من الخمور والمخدرات، والعلاقات المحرمة، فمعصية الله، وتضيع أمانة البنين والبنات، مما يفت في بناء الأسرة المسلمة ويعرضها لرياح التفكك والانفصام.

– المعاشرة بالمعروف، والرفق واللين، ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة كل طرف ما له وما عليه، وتوطين النفس على الحلم والصبر، قال تعالى: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”. (النساء:19). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَفْرَك[5] مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر)[6]. ولذلك لابد من الغض عن الهَفَوات حتى تدوم العشرة وتسود المودة، ويعيشا على حسن الظن، فسوء الظن والشك، يقلق البال وينغص العيش.

– الأسرة المسلمة لا تُـبنى فقط على أمور دنيوية مادية، بل قوامها العلاقة الروحية الكريمة، وتعمل على تهيئة حياة أبنائها وترسم ملامح مستقبلهم بتعليمهم وتأهيلهم، وتحمل المسؤولية إزاء أهليهم ومجتمعهم، وهكذا تنشأ أسر فاضلة جديدة رحمها موصول وبرها دائم.

ثالثا: أسس بناء الأسرة السعيدة.

من أهم مقاصد بناء الأسرة في كل المجتمعات إنجاب الأولاد، وتكثير سواد الأمة، وإبقاء النسل البشري[7].

1- التسامح وغضّ الطرف:

بعد توفير كل مستلزمات للأسرة، لابد من العفو والتسامح في المعاملة مع كل أفراد الأسرة، وعندما يعرف كل فرد من الأسرة واجباته ستبنى الأسرة على أسس متينة وستقف صامدة أمام هزّات الزمان يجب أن يسود السماح بين أفراد الأسرة، سواء أكنت أب أو أم أو حتى ابن يجب أن يكون تعاملك مع أسرتك يقوم على أساس المسامحة والغفران ويجب أن تكون بشوشاً، إن التسامح يبعد الضغينة والكراهية ويزيد الحب بين أفراد الأسرة ويُقوّي الروابط السرية وهذا ما يُساعدك على العيش بسعادة أسرية.

2- حافظ على أسرار الأسرة.

من أهم الأسس التي يجب أن تقوم عليها الأسرة السعيدة كتمان أسرار الأسرة، فلا يخلو بيت من المشاكل لكن يجب أن تعلم عزيزي أنّه مادامت المشكلة داخل محيط البيت فمن السهل علاجها واحتواؤها، لذلك احذر نشرها بين الناس لأنّ الموضوع قد يأخذ منحى آخر، فاحرص على كتمان أسرار أسرتك.

3- اقضِ بعض الوقت برفقة العائلة.

ضغوطات الحياة قد تبعدك عن أسرتك وهذا ما يتسبب بالتفكك الأسري لذا يجب أن تخصص وقت تجلس به مع أفراد عائلتك، احرص على التحدث معهم والإنصات لمشاكلهم وحاول أن تجد الحلول لمشاكلهم ولا بأس من طلب استشارتهم في بعض الأشياء، هذه الأمور تزيد من مشاعر الحب بين أفراد الأسرة.

4- حاول إبعاد المشاكل عن الأطفال.

ولكي تكون حياتك الأسرية سعيدة احرص على معالجة خلافتك الزوجية بعيداً عن الأطفال واعتمد على لغة الحوار في علاج هذه المشاكل، فلا يجوز إثارة المشكلات أمام الأطفال حتى لا تتأذى نفسيتهم حيث لا يخفى على أحد أن المشاكل الأسرية تؤثر على استقرارهم النفسي.

5- لا بد من مفاجآت.

المفاجآت السارة تُدخل الفرح على القلوب وتُنعِش الحياة وتبعد الشخص عن الروتين فلا تنتظر قدوم المناسبات حتى تحضر الهدايا، فاجئ أطفالك وشريك حياتك وقم بشراء بعض الأشياء التي يحبونها أو خطط للذهاب في رحلة سياحية، هذه الأشياء تزيد الروابط الأسرية حيث يشعر كل فرد بأهميته عندك.

خــاتمة:

يجب على كل مؤمن أن يشكر الله على نعمة الأسرة، وهى نعمة حبانا الله بها جميعا، فجميعنا من نسل أسرة، كما أنه يسعى في حياته لتكوين أسرة، وفى الحالتين الأمر نعمة كبيرة يجب أن نشكر الله عليها مثل غيرها من النعم.

فهل نستشعر نعمة الأسرة قبل أن نخسرها، فالأب نعمة، والأم نعمة، والزوجة والأخ والأخت والابن والابنة والجد: كل من هؤلاء نعمة، لعل البعض يشعر بها والبعض الآخر لا يشعر بها إلا حين يفقدها.

أنظروا رحمكم الله؛

انظروا أيها الشباب لأطفال الشوارع واشعروا بالنعمة.

نعم، أنت أيها الشاب في نعمة، كان من الممكن أن تكون في مكان طفل فقد والديه،

أبوك وأمك نعمة، فاذهب إليهما وقبل يديهما.

انظري أيتها الأم، وانظر أيها الأب المشغول؛ انظر لأب فقد ابنه أو ابنته واسأله: لو رجعت بك الأيام ماذا كنت ستفعل؟.

اعلموا رحمكم الله؛ أن أسركم أمانة في أعناقكم، استرعاكم الله على مَنْ فيها مِن الزوجات والأولاد، والله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعى: أحَفِظَ أم ضيَّع؟.

واشكروا النعمة قبل أن تحرموها، واشكروا المنعم ليزيدكم من فضله، كما قال عز وجل: “ولئن شكرتم لأزيدنكم”.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– الفيروز أبادي. القاموس المحيط. (مؤسسة الرسالة. بيروت. طبعة:2005م). الصفحة: 107.

[2]– محمد، محمد علي وآخرون. المرجع في مصطلحات العلوم الاجتماعية، (دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية. طبعة: 1987م). الصفحة: 117.

[3]– الخولي، سناء. الزواج والعلاقات الأسرية، بيروت: الدار المتحدة. بيروت. طبعة: 1972م). الصفحة: 11.

[4] – رواه الإمام مسلم.

[5]– لا يفرك، أي؛ لا يُبغض ولا يكْره.

[6] – رواه الإمام مسلم.

[7]– أكرم رضى مرسي؛ قواعد تكوين البيت المسلم أسس البناء وسبل التحصين. (دار التوزيع والنشر الإسلامية. مصر، طبعة:2004). الصفحة: 104. (بتصرف).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.