منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شروط تربية الأبناء وصلاح الأزواج

مصطفى شقرون

0

شروط تربية الأبناء وصلاح الأزواج

بقلم: مصطفى شقرون

حضرت محاضرة حول دور الآباء في نجاح الأبناء.. مع آباء وأولياء التلاميذ في إحدى مدارس العاصمة الاقتصادية..

كنت مستمعا فقط.. فقد كنت لعقود أرفض كل عرض لأقدم مداخلة عن تربية الأبناء.. لسبب بسيط.. أنني لم أكن أعتبر نفسي قدوة في الموضوع.. ولا أزال..

إنما هي “أفكار” فقط.. يُتَّبع أحسنُها.. ويُؤقلم بحسب البيئة..

لم أكن أراني أهلا للحديث عن تربية الأبناء.. فلست ممن يذاكر مع ابنائه دروسهم “كل يوم”.. ولا أحب ذلك.. ولا أظنهم يحبون ذلك أيضا… ولا أفعل شيئا تقليدا.. وإن كانت أمهم أصرّت على ذلك.. زمنا.. وأعطتني أمثلة من جيراني الآباء.. عسى أن يحرك ذلك في نفسي نخوة ما.. يوما ما.. لم تنجح المسكينة.. لكن لحسن حظي.. كنّ هنّ.. ينجحن في دراستهن…

ولست ممن يتدخل كثيرا في شؤون أبنائي.. إلا إذا رأيت ما قد يخالف بعض العرف وكل الشرع بتدرج.. أو إن طلب مني توجيه.. ونادرا ما كان يحدث.. أو حين كنت أحكي لهم قصصا قبل نومهم.. ليس دائما..

وأظن أن تربيتهن هي بفضل أمّهن بالدرجة الأولى.. وآن أن أشكرها على ذلك.. حفظها الله من كل سوء وحفظهن..

ويبقى”لي”الفضل في أنني “أنا”من اخترتها.. ههه..
أستغفر الله على هذه الأنا “الذكورية” وإن كنت أردت منها مزاحا فقط..
بل الله من اختارها لي..
ولو كان أوكلني لنفسي.. لكنت من الخاسرين..

اللهم أدِّب أبناءنا وإيّانا.. فمن ذا يحسن التأديب غيرك..

في المحاضرة ثارت ثائرة الآباء حول “تمرد” ابنائهم.. ومنهم من لم يعر كبير اهتمام لتعدد وسائل التربية.. ولجانبها النظري -في اعتقاده- أو لعدم جدواها أو ملاءمتها لواقعه.. هو..

تهاطلت الأسئلة.. فطلب إلي صديقي المحاضر أن أجيب عن بعضها.. فما كان مني إلا أن قلت لهم.. :

– “أدعوا لهم الله !”

هنا كانت الصدمة عارمة..
صدموا -هم- لأنهم كانوا ينتظرون وصفة سحرية.. لم يجدوها في جوابي..

و”أسفت” لأنني فعلا.. أعطيتهم الوصفة السحرية..
لكن.. لم يقدّروها حق قدرها.. لفرط العادة في التديّن..

فقالت إحداهن وقد ظهر نفاذ صبرها من طريقة جوابها :
– “راه كندعيوا معاهم ! ” (إننا ندعوا معهم -هذا مفروغ منه-)

فقلت لها:
– لا أظن سيدتي.. إن للدعاء للأبناء مقدمات وشروطا [١]..
– أتريدين أن تسعدي برؤية أبنائك ناجحين في حياتهم ؟
– بالطبع..

– إذا.. هناك أربعة عشر 14 شيئا -على الأقل بحسب مرجع واحد فقط- عليكِ فعلها قبل أن تدعي الله وتقولي “رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ..”..

الثلاثة الأولى منها -على سبيل المثال فقط- لا يقوم بها أكثر الناس.. ومع ذلك يستعجلون استجابة الدعاء..

انظري : قبل أن يصف الله عباده بأنهم يطلبون منه أن يهب لهم من ابنائهم “قرة أعين” تسعدهم.. وصفهم بأنهم يمشون “هونا”.. وهي مِشية معينة.. تنم عن حال معين يعتري المؤمن.. أو مقام حازه.. فتمثل الحال أو المقام سكينة “فعلية”.. في مشيته..

ثم وصفهم بقول السلام إذا ما عنّفهم جاهلون.. وليس الأمر بسيطا.. لنضرب لذلك مثلا : كلكم يسوق سيارته.. أخاطب الرجال هنا : لنفترض أن أحدهم سبك بقوله “يا حمار!”.. هل من السهل أن تفعل وكأن شيئا لم يكن.. وأن تكمل طريقك دون أن تتوقف أو دون أن ترد..

هنا بدأ الرجال في الضحك.. فالسُب باستعمال وصف “حمار” له وقع خاص في بلدنا الحبيب..

أترون ؟ “عباد الرحمن” الذين يمشون هونا.. لا يستفزهم سباب الجاهلين.. كما لم يستفز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فالوصف الذي يقوله الجاهلون لا يعنيه.. ولا يعني عباد الرحمن الذين يتخذونه إسوة بحق..

[ولتلطيف الجو فتحت قوسين. ذكرت نصيحة أحد المسيرين في الغرب بعدم انزعاج الشخص عند سماع كلمة “حمار” مثلا لأن ذلك قد يفسر على أنّ الجاهل الذي سبّه قد ذكّره بشيء يريد أن ينساه.. ههه..]

أعطيت مثلا أجنبيا.. ولم أعط آية من القرآن.. لأن أكثر الناس لا زالوا ينظرون إلى الكائنات الأخرى باستعلاء.. لا زالوا لا يستطيعون أن ينظروا إليهم على أنهم “أمم” أمثالهم.. أمثالنا.. {..أمم أمثالكم..}..

حتى ممن سيقرؤون هذا المقال.. هناك من سيتأفف لذكر الحمير..
مع الأسف.. ومع وجود ذكرهم في كتاب الله.. هم وكائنات أخرى.. ككلب أهل ألكهف الذي دخل في عدّهم.. وهدهد ونملة رسول الله سليمان عليه السلام.. وحمار نبي الله يوشع بن نون.. والأمثلة كثيرة…

{وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} (الأنعام، من الآية ٣٨)

[وما آية الحمار الذي يحمل أسفارا بتنقيص من الحمار -كما قال لي يوما بعض الملحدين- وإنما هو تشبيه للجهل المركب.. المزدوج لبعض الناس.. فالحمار لا يقرأ (وهذا ليس عيبا لأنه ليس من اختصاصه).. فما بالك إن كانت الكتب مربوطة فوق ظهره.. لا يمكنه لطبيعة خلقته أن يفك رباطها ويتناولها.. فالتشبيه لم يعن الحمار لذاته.. بل شمل صورة كاملة الحمار جزء منها فقط..

وإنما الانتقاد لفي الآية لبشر أصلا.. حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا.. أي حملوا مسؤولية الحكم بما فيها.. فلم يفعلوا وكأنها بعيدة عن متناولهم قراءة وفهما وتناولا (هجرا)..]

والشرط الثالث الذي أنال عباد الله المخلصين هذا الهون في الخطو واللين في التعامل -بعد ومع فضل الله الوهاب ومنّته- قيامهم الليل.. وقيامهن الليل.. {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}..

نريد أبناء وأحفادا صالحين: الليل شرط..

لنقرأ باقي الشروط.. معا:

١- وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا
٢- وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
٣- وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
٤- وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
٥- وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
٦- وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ
٧- وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
٨- وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
٩- إِلَّا مَنْ تَابَ
١٠- وَآَمَنَ
١٠- وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
١٢- وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
١٣- وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)
١٤- وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)
١٥- وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) }(من سورة الفرقان) [٢]

خصال نبوية.. قيام، ذكر ودعاء، توحيد، توبة دائمة، تؤدة، إنفاق واقتصاد، شهادة بالقسط لا بالزور، إيمان كامل، مجانبة الكبائر، تطهر وتعفف، عمل صالح..

منهاج نبوي..

– ثم يستجيب الله -إن شاء- لكن لمن ؟؟
– .. (لم انتظر الجواب وواصلت)
– لا يستجيب الله “للداعي” بفمه فقط.. بل يستجيب الله “للعامل” وفقا لهذه الخصال.. وثابر.. وجاهد.. :
قال الله تعالى وتبارك :{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ..} (سورة آل عمران، من الآية ١٩٥)

عمل عامل..
لا دعاء داع..

إن شاء الله..

______________
[١] كنت تعلمتها من عالم مغربي كبير أكنّ له احتراما خاصا: سيدي بنسالم باهشام Bensalam Bahacham حفظه الله
[٢] الترقيم من ١ إلى ١٥ في أول الآيات من وضعنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.