منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأبناء والثقة بالنفس

الأستاذ العيوشي سعيد/ الأبناء والثقة بالنفس

0

الأبناء والثقة بالنفس

بقلم: الأستاذ العيوشي سعيد

تمهيد:

جعل الله تعالى حب الأبناء فطرة في قلوب الأباء، لكن الإفراط في الحب من جهة والقلق والخوف على مستقبلهم من جهة أخري أمر غير طبيعي، مما يجعل الأبناء يفقدون الثقة في أنفسهم ويتكِلون على أباءهم في جميع الأمور الصغيرة والكبيرة مما يعطينا فئة من الشباب ضعيفة الشخصية منخورة العزيمة والإرادة، لذا نحتاج الى مهارات للتعامل مع الأبناء لتدريبهم على الاعتماد على النفس والثقة في الذات، وربط نجاحهم في الدراسة والعمل بنجاحهم الايماني والأخلاقي، وتذكيرهم بأن الحياة عبارة عن امتحان موضوعه العبادة والعمل الصالح، والموفق هو من وفقه الله للفوز في الدنيا والاخرة، نعم الأبناء زينة الحياة الدنيا لكن علينا أن لا ننسى حقوقهم من تربية وتعليم، لكي نسعد نحن وإياهم في الدنيا والاخرة، وننتفع ببعضنا البعض، قال الله عز وجل:( وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ كُلُّ ٱمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [ [1]]، السؤال الجوهري هو كيف نربي في أبنائنا الثقة بالنفس والاعتماد على الذات لكي يكونوا فعلا زينة الحياة الدنيا والاخرة ؟.

أولا: الثقة بالنفس:

من أهم الوسائل الناجحة لبناء الثقة في نفوس الأبناء تكليفهم ببعض المهام داخل الأسرة وإشراكهم، وأخذ آرائهم في بعض الأمور العائلية، وتعليمهم الصلاة والمحافظة عليها في وقتها وحضور مجالس العلم وتعلُم القران الكريم وحفظه في سن مبكرة، كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الشباب، فقد مر عمرو بن عاص (رضي الله عنه) على حلقة من قريش فقال: «مالكم قد طرحتم هذه الأُغَيلمة؟ لا تفعلوا أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم». [ [2]].

فصغار اليوم هم رجال الغد، وعلى الأباء ان يتحملوا مسؤوليتهم في صنع رجال الغد وقادته، كان ابن شهاب الزهري رحمه الله يشجع الصغار ويقول: “«لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فان عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم»”[ [3]].

عمر رضي الله عنه تمنى أن يكون ابنه هو من يجيب على سؤال طرحه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم حدثوني ما هي فوقع الناس في شجر البادية ووقع في نفسي أنها النخلة قال عبد الله فاستحييت فقالوا يا رسول الله أخبرنا بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي النخلة قال عبد الله فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال لأن تكون قلتها أحب إلى من أن يكون لي كذا وكذا»” [ [4]].

هذا فن أخر في التواصل بين الأب وابنه فعمر فتح مجالا فسيحا لإبنه للمشاركة برأيه وتحفيزه على المشاركة الفاعلة، فكان نتيجة هذه التربية ان يكون ابن عمر من كبار علماء الصحابة رضي الله عنهم…

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال الغلام والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا قال فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده” [ [5]].

لذا يتبن لنا الطريق النبوي في صناعة الرجال، قال بن عباس رضي الله عنهما:(كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم، لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال:أنه ممن قد علمتهم. قال:فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم.قال:وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال ما تقولون في:” إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)حتى ختم السورة، فقال بعضهم:أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وقال بعضهم لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1): فتح مكة، فذلك علامة أجله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)“،قال عمر:ما أعلم منها إلا ما تعلم ). [ [6]].

بل إن عمر بن سلمة يتقدم القوم في الصلاة وهو طفل في سن التمييز، يقول: كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، وكنت غلاما حافظا، فحفظت من ذلك قرآنا كثيرا، فانطلق أبي وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه، فعلمهم الصلاة، فقال:”يؤمكم أقرؤكم “وكنت أقرؤهم، لما كنت أحفظ، فقدموني، فكنت أؤمهم وعلي بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصا عمانيا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع أو ثماني سنين”. [[7] ].

إن الإسلام حين يفسح للطفل بأن يؤم من هو أسن منه، لأنه تأهل لذلك علما وتقوى، إنما يكسر الحواجز العمرية في التعامل مع الإنسان، ويؤكد أنه جدير بالاحترام والتقدير، والتواصل معه مهما كان عمره، ما دام قادرا على الحوار…

لنا أن نقارن بين هذا الاحتفاء الذي وصل الى هذا الحد، في مقابل صورة أخرى متكررة في عدد من المساجد: حيت يتعامل بعض الشيوخ بقساوة مع الأطفال ويرجعونهم الى الصفوف الخلفية، وهذا سلوك غير لائق، يجب احتضان الأطفال وتحبيب المسجد اليهم، وبالتالي نري كيف يحتفي أهل الكنائس بالأطفال ويقدمون لهم الحلوى والألعاب، يا ليتها من مفارقة عجيبة…

ثانيا: التدريب على الثقة بالنفس:

يقول النبي ﷺ للأحنف بن قيس: «إنّ فيك خصلتان يحبّهما الله ورسوله: الحلم والأناة»، فسأل الأحنف سؤالًا عجيبًا فقال:

يا رسول الله، أهما خصلتان تخلّقت بهما؟ أم هما خصلتان جبلني الله عليهما؟ فكان جوابه ﷺ: «بل هما خصلتان جبلك الله عليهما»، إذًا فهي في حق الأحنف فطرية، لكن في حق غيره تكتسب بالتعليم والتدريب وكذلك كان يقول الفاروق في حق عمرو بن العاص: “ما ينبغي لعمرو أن يسير على الأرض إلا أميرًا”.

ولكن إذا تأمّلنا في الحديث الآخر: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلّم»، فهذا يدل على أنه مَنْ لا يملك سلوك القيادة، فإنه في الأغلب يستطيع تعلُّمه وليس دائمًا. [ [8]].

لما ولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفدت الوفود من كل بلد لبيان حاجتها وللتهنئة، فوفد عليه الحجازيون فتقدم غلام هاشمي للكلام وكان حديث السن. فقال عمر: لينطق من هو أسن منك، فقال الغلام: أصلح الله أمير المومنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبدا لسانا لافظا وقلبا حافظا استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك، فقال عمر: صدقت، قل ما بدا لك، فقال الغلام نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة، وقد أتيناك لمن الله الذي من علينا بك، ولم يقدمنا إليك إلا رغبة ورهبة، أ ما الرغبة فقد أتيناك من بلادنا، وأمِنا جورك بعَدلك.فقال عمر: عظني يا غلام، فقال: أصلح الله الأمير المومنين، إن ناسا من الناس غرهم حلم الله عنهم وطول أملهم وكثرة ثناء الناس عليهم، فزلت بهم الأقدام فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عنك وطول أملك وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل قدمك فتلحق بالقوم، فلا جعلك الله منهم، وألحقك بصالحي هذه الأمة ثم سكت. فقال عمر: كم عمر الغلام؟ فقيل له ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عنه فإذا هو من ولد سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهم، فأثنى عليه خيرا ودعا له” [[9] ].

قال الامام الشافعي رحمه الله: [ [10]]

تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالماً وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ

وإنَّ كَبِير الْقَوْمِ لاَ علْمَ عِنْدَهُ صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ

وإنَّ صَغيرَ القَومِ إنْ كانَ عَالِماً كَبيرٌ إذَا رُدَّتْ إليهِ المحَافِلُ

ثالثا: ما ينفع الانسان:

قال الله تعالى في سورة الكهف: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا” [ [11]].

استهل الإمام ابن عاشور – رحمه الله – تفسيره لهذه الآية {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} ببيان أن إيرادها في السياق “أريد به الموعظة والعبرة للمؤمنين بأن ما فيه المشركون من النعمة من مال وبنين ما هو إلا زينة الحياة الدنيا التي علمتم أنها إلى زوال، كقوله تعالى {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ…} [ [12]]وأن ما أعد الله للمؤمنين خير عند الله وخير أملاً…وجاء في تفسير السعدي:”أن المال والبنين، زينة الحياة الدنيا، أي: ليس وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره، الباقيات الصالحات، وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من حقوق الله، وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة الرحم… كل هذا من الباقيات الصالحات، فهذه خير عند الله ثوابا وخير أملا، فثوابها يبقى، ويتضاعف على الآباد، ويؤمل أجرها وبرها ونفعها عند الحاجة، فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون، ويستبق إليها العاملون، ويجد في تحصيلها المجتهدون، وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان: نوع من زينتها، يتمتع به قليلا، ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.

تم أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ما ينفع الرجل بعد موته ثلاث، ومن بين هذه الثلاث الولد الصالح، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له)،[[13]].

خاتمة:

الحياة الطيبة عنوانها العمل الصالح، وأهم مشروع في هذه الحياة هو تنشئة جيل من الشباب يحملون هم الأمة ويدافعون عن هويتها ودينها، قال الله تعالى:” {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} “[[14] ]، وقال الله تعالى:” { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } “[ [15]]. واخر دعوانا الحمد لله رب العالمين


[1]] – سورة الطور الآية 21.

[2]] – العقد الفريد “لابن عبد ربه الأندلسي” تحقيق سعيد العريان “دار الفكر، مكتبة الرياض الحديثة الرياض 2/67.

[3]] – جامع البيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله “للإمام يوسف ين عبد البر النمري القرطبي، ط3،1402ه 1982م)دار 

       الكتب الإسلامية، القااهرة 139.

[4]  – صحيح البخاري باب العلم.

[5]  – صحيح البخاري “كتاب المظالم باب: اذا أذن له أو أحله ولم يبين كم هو.

[6] – نفس المرجع السابق.

[7] – صحيح أبي داود”للألباني”.

[8]مفهوم القيادة واهميتها 2022 – الدكتور طارق السويدان suwaidan.com).

[9] – المحاسن والمساوئ:459-46، عيون الأخبار:1/323، زهر الآداب:1/7، المختار من نوادر الأخبار :248

[10]– ديوان الإمام الشافعي، اعتنى به عبد الرحمان المصطاوي، دار المعرفة، بيروت لبنان، ط 5 ،1429ه 2008م :95.

[11]  – سورة الكهف الآية 46

[12] – سورة ال عمران الآية 196

[13] – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

[14] – سورة النحل الآية 97.

[15] – سورة التحريم الآية 6.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.