منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

احذر قُطاع الطرق (الحلقة 3)| سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

0

احذر قُطاع الطرق (الحلقة 3)| سلسلة سرج رمضانية:

رشيد كريم

 

الفرح برمضان (الحلقة 1)| سلسلة سرج رمضانية

فإنه لي وأنا أجزي به (الحلقة 2)| سلسلة سرج رمضانية

 

الحمد لله على نعمة الإسلام، ومنزلة الإيمان، ومنحة رمضان، وكرامة القرآن، وفتح باب الغفران، والعتق من النيران.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وصحبه وآله والتابعين له بإحسان وعلى الإخوان.

أخي الغالي، أختي الغالية

عرَّف الله تعالى الودود عباده شهرهم بأجمل تعريف، وشوَّق اللقاء إليه بكل معنى لطيف، فحلاَّه من نعيم الفضائل، ونسيم الجمائل ما لا يخطر على بال

فهل طرق سمعك من مثل هذا الفضل ما أخبرنا به الحبيب المصطفى يوم قال: ﴿إذا كانَت أوَّلُ ليلةٍ من رمَضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومَردةُ الجِنِّ وغلِّقت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ وفُتِحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ ونادى منادٍ يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر وللَّهِ عتقاءُ منَ النَّارِ وذلِك في كلِّ ليلةٍ﴾ (1)

الراوي: أبو هريرة – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح ابن ماجه – اخلاصة حكم المحدث: صحيح –

التخريج: أخرجه الترمذي، وابن ماجه واللفظ له

(وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو هُريرةَ رَضِي اللهُ عَنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال: “إذا كانَت أوَّلُ ليلةٍ مِن رمَضانَ”، أي: إنَّه مَع بَدْءِ شهرِ رمَضانَ تَحدُثُ علاماتٌ على دُخولِه، وهَدايا مِن اللهِ لعِبادِه؛

الهدية الأولى: ما جاء في قولِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “صُفِّدتِ الشَّياطينُ”، أي: شُدَّتْ عليهِم الأغلالُ والسَّلاسِلُ، “ومَردةُ الجِنِّ”، وهم رُؤساءُ الشَّياطينِ المتجرِّدون للشَّرِّ، أو هم العُتاةُ الشِّدادُ مِن الجِنِّ، والحِكمةُ في تَغْليلِهم حتَّى لا يَعمَلوا بالوَساوِسِ للصَّائِمين ويُفسِدوا عليهم صَومَهم،

وقيل: إنَّ الشَّياطينَ إنَّما تُغَلُّ عن الَّذين يَعرِفون حَقَّ الصِّيامِ المعظِّمين له، ويَقومون به على وَجهِه الأكمَلِ، ويُحقِّقون شُروطَه وأخلاقَه وآدابَه، أمَّا الَّذي امتنَع عن الطَّعامِ والشَّرابِ، ولم يَعرِفْ للصِّيامِ حَقَّه، ولم يَأتِ بآدابِه على وجهِ التَّمامِ، فليس ذلك بأهلٍ لِتُغَلَّ الشَّياطينُ عنه؛ فيكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس.

ويَحتمِلُ أن يَكونَ المرادُ: أنَّ الشَّياطينَ لا يَخلُصون مِن افتِتانِ المسلِمين إلى ما يَخلُصون إليه في غيرِ شهرِ رمَضانَ؛ لاشتِغالِهم بالصِّيامِ الَّذي فيه قَمعُ الشَّهواتِ، وبقِراءةِ القرآنِ والذِّكرِ.
الهديَّةُ الثَّانيةُ: “وغُلِّقَت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ، وفُتِّحَت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ”، وهذا كالتَّأكيدِ لِمَا سبَق مِن أنَّ غَلْقَ أبوابِ النَّارِ هي مَزيدٌ لِغَلقِ كلِّ مَسلَكٍ مِن مَسالِكِ الشَّرِّ، وأنَّ فَتْحَ أبوابِ الجنَّةِ هو مَزيدٌ لفَتحِ كلِّ مَسلَكٍ مِن مَسالِكِ الخيرِ،

وقيل: الفتحُ والغلقُ المَذْكورانِ هما على الحَقيقةِ؛ إكْرامًا مِن اللهِ لعِبادِه في هذا الشَّهرِ.
الهديَّةُ الثَّالثةُ: “ونادى مُنادٍ”، أي: مِن عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ: “يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ”، أي: إنَّ هذا الشَّهرَ يُرغِّبُ في أعمالِ الخيرِ وخاصَّةً عِندَ أصحابِها؛ لِمَا فيه مِن الأسبابِ الَّتي تُعينُه على ذلك؛ فأقبِلوا على اللهِ وعلى طاعتِه، “ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِرْ”، أي: أمسِكْ عنه وامتَنِعْ؛ فإنَّه وقتٌ تَرِقُّ فيه القلوبُ للتَّوبةِ.
Eالهديَّةُ الرَّابعةُ: “وللهِ عُتَقاءُ مِنَ النَّارِ”، أي: وللهِ عُتقاءُ كَثيرونَ مِن النَّارِ؛ فلْيَحرِصْ كلُّ لَبيبٍ على أنْ يَكونَ مِن زُمرَتِهم،

“وذلِك في كلِّ ليلةٍ”، أي: وإنَّ مِن مَزيدِ رَحمةِ اللهِ لعبادِه أن يُعتِقَ مِن النَّارِ عِبادًا له في كلِّ ليلةٍ مِن لَيالي رمَضانَ، وهذا لِلحَضِّ على الاجتِهادِ في هذا الشَّهرِ الفَضيلِ؛ حتَّى يَكونَ العبدُ مِن هؤلاءِ العُتَقاءِ، ويُرزَقَ النجاةَ مِن النِّيرانِ، والفوزَ بالجِنانِ.) (2)

أخي الغالي أختي الغالية

تأمل قوله ﷺ “وغُلِّقَت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ، وفُتِّحَت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ”، ألا توقظك لئن تفتح أبواب قلبك لربك، فتقبل عليه، وتفر منه إليه؟

وإياك أن تجعل بينك و بين الله تعالى بوَّابا، (فكم جاء الثواب يسعى إليك، فوقف بالباب، فردَّه بواب: «سوف” و “لعل” و “عسى”) (3)

اسمع بأذني قلبك عن مكرمة، يقول حبيبك ﷺ ﴿وللَّهِ عتقاءُ منَ النَّارِ وذلِك في كلِّ ليلةٍ﴾ ﴿إنَّ للهِ تعالى عند كلِّ فطرٍ عُتَقاءَ من النارِ، وذلك في كلِّ ليلةٍ﴾ (4)

ثلاثون ليلة، في كل ليلة عتقاء من النار، أيا نفس ألا شوق يهيج فيك لتظفري بالسعد في إحدى هذه الليالي، فتعتقي؟

أي خيبة للأعمار في الغفلة عن هذه النفحات الإلهية والفيوضات الربانية؟

أخي الغالي أختي الغالية:

أترون هذا الخير لا يستحق أن يخاف عليه من خَطَفته وقُطاع طريقه؟

كيف لعاقل أن يهنأ دون أن يحوط على شهره من سُراقه؟

تالله إن المرء إذا رزق نعمة، فمن رشاد العقل، وهدايات التوفيق أن يكلأها بعنايته، ويكفلها برعايته، ويغار عليها خشية خطفة عابرة، أو كبوة عاثرة، فيطفق يقلب كفيه على ما فرط في حفظها

كان جيل القرآن يغارون على شهرهم حتى من حلق العلم وتدريسه، فيهرعون إلى مأدبة القرآن ينهلون من معينه ويلتذون بترتيله

كان الإمام مالك إذا أقبل عليه رمضان هجر جميع المجالس حتى مجالس الحديث ليعكف على كتاب الله تعالى.

وكان الإمام أحمد إذا أقبل رمضان جلس في بيت الله واعتكف على قراءة القرآن وترك فتواه ومسائله ومجالس العلم

وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع الأعمال وأقبل على قراءة القرآن …

هذا حالهم مع العلم النافع، فكيف يرضى العاقل بما هو دون ذلك من زخرف الدنيا ومراتع اللهو والعبث أن يحرمه خير شهره؟

الموفق من تلمح قصر الموسم المعمول فيه، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له، فانتهب حتى اللحظة، وزاحم كل فضيلة، فإنها إذا فاتت، فلا وجه لاستدراكها (5)

فليتنا نحتاط على رمضاننا ممن يحاول خطفه وسرقته – من أنفسنا الأمارة أو غيرها –

ليتكِ تغارين على رمضانك من مطبخك وملازمته صباح مساء انشغالا به بتنويع موائد الطعام، مع ما يتيح ذلك من سهرات.

ليتك تحافظ على رمضانك وتحرسه من هاتفك، ووسائل تواصلك، الأصح وسائل قواطعك من واتساب وفيس بوك (رحم الله أحد الإحبة سماه فسق بوك) وتويتر وتليغرام واللائحة طويلة … فهي صارفة لك عن فيوضات ربك.

لا نقول إن تقطعها بالكلية، لكن كن كيِّسا وخصص إن رأيت ضرورة ونفعا ساعة مفضولة تدرجها مع بعض أعمالك الفرعية، لكن الحذر كل الحذر من أن تخطفك عن عزيز وقتك، وكبير همك، وشريف قصدك.

ليتك تغار على رمضانك من لسانك أن تشغله بغيبة ونميمة وقيل وقال …

ليتك تحفظ رمضانك من تلفازك الذي استفزز بصونه، وجلب عليك بخيله ورَجله، من مسلسلات بل مسلسِلات هازلة هابطة، وبرامج ومسابقات نازلة، وبرامج ظاهرها حق وأريد بها باطل …والأدهى والأمر أنها تبث في موعدها الأصلي وتعاد ثانية و ثالثة بل أحيانا في القناة الأولى والثانية ….

والمؤسف أن أصحاب بعض البرامج الدينية والدعاة لُبس عليهم الأمر، فترى كثرة برامجهم في رمضان وأتسأل لماذا لا تكون في باقي الشهور استعدادا لرمضان حتى يبقى موسم رمضان نقيا صفيا ولا يشاركوا الخُطاف وقُطاع الطرق، ولو بطرف خفي.

أخي الغالي أختي الغالية ونفسي أعني

جِدَّ فإن دهرك هازل و إياك أن تكون ممن قال الله فيهم ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (6)
يقول الإمام ابن القيم ( إذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها و نسيها ، و اشتغل عنها ، فهلكت و فسدت و لا بُدَّ ، كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك ، مما صلاحه و فلاحه بتعاهده و القيام عليه ، فأهمله و نسيه و اشتغل عنه بغيره ، و ضيع مصالحه ، فإنه يفسد و لا بُدَّ ، هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه ، فكيف الظن بفساد نفسه و هلاكها و شقائها إذا أهملها و نسيها و اشتغل عن مصالحها ، و عطَّل مراعاتها ، و ترك القيام عليها بما يصلحها ؟ فما شئت من فساد وهلاك وخيبة وحرمان؟

وهذا هو الذي صار أمره كله فرطا، فانفرط عليه أمره، وضاعت مصالحه، وأحاطت به أسباب القُطُوع والخيبة والهلاك) (7)

أخي الغالي أختي الغالية        

متى تحظى بساعة من يومك في شهر القرآن مع كتاب ربك؟ تلاوة وحفظا وتدبرا، تعلما وتعليما، ثم تمثلا وتشربا.

متى تظفر بوقت خلوة بربك؟ ترجو فيها حياة قلبك وإدرار دمعك.

متى تعلق قلبك بالمساجد؟ ترجو فيها بعث روحك…

إن لم تتزود في شهر الخير فمتى؟

أخي أختي: هذه جواذب وخطفات وسرقات فكن منها على حذر، وأغلق نوافذ قلبك عن اللهو والعبث، و احذر مداخل الشيطان و طرائقه

واستعن على ذلك بصلاح الليل فذاك موفَّق لصلاح النهار، وصلاح النهار يثمر دوام صلاح الليل.

فحق عليك -ولا أخالك إلا عاقلا – أن تغار على شهرك وتحرسه من القُطاع والخُطاف، أن يضيع دون إثمار عملك وزكو نفسك …

المحب يغار من اطلاع الأغيار على الأسرار

و المؤمن يغار في سيره الى الله تعالى أن يلتفت إلى غيره ، بل تراه يجمعون نفوسه و كليته عليه في جميع الأقوال و الأفعال ، و يسارع الخطى بين يديه ، و يبصر بعينيه ﴿سَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (8) ﴿ سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ (9) ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ﴾ (10) ﴿  فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ (11) ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ﴾ (12)

يلتمس رضاه في المنشط و المكره، في اليسر و العسر، حتى يطيب عيشه و يهنأ وقته ، فإذا حان يوم قدومه على ربه صدق حاله ﴿خِتَٰمُهُۥ مِسْكٌ ۚ وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَٰفِسُونَ﴾ (13)

انفض ران قلبك و حرك شوقك لربك و سِر في دربك

ها هي الأبواب قد شرعت و الشياطين قد صفدت و منادي الخير قد نادى و باغي الشر قد أقصر ، فاستنهض لنفسك عزمات رشدك و بِرَّ قلبك بسيرك نحو ربك …فما ثمَّ إلا وعد من الحق جل في علاه

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (14)
أسال الله لي و لكم حسن القدوم ، و كرامة الوفود ، و هناءة القبول ، و مرافقة الرسول ، يوم يتحقق قوله تعالى ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ﴾ (15)

فيا هناء أجر العاملين ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ﴾ (12)

وللحديث بقية وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وآله وإخوانه وحزبه

يتبع ….


الآيات والأحاديث وبعض الأقوال:

1الراوي: أبو هريرة – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح ابن ماجه – اخلاصة حكم المحدث: صحيح –

التخريج: أخرجه الترمذي، وابن ماجه واللفظ له

2 شرح الحديث من موقع الدرر السنية – الموسوعة الحديثية – شروح الأحاديث – بتصرف يسير –

3 الفوائد لابن القيم

4الراوي: جابر بن عبدالله وأبو أمامة – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع – خلاصة حكم المحدث : حسن

5 صيد الخاطر

6 سورة الحشر 19

7 الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم

8 سورة ال عمران 133

9 سورة الحديد 20

10 سورة الواقعة 12

11 سورة البقرة 147

12 سورة الصافات 61

13 سورة المطففين 26

14 سورة التوبة 73

15 سورة الأنعام 63

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.