منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الودائع البنكية: ملاحظات سريعة

الودائع البنكية: ملاحظات سريعة|الدكتور محمد جعواني

0

الودائع البنكية: ملاحظات سريعة

بقلم: الدكتور محمد جعواني

صدرت فتاوى عن جهات إفتائية رسمية و جهات علمائية تجيز أخذ الفائدة عن الودائع البنكية، واستدلوا بكون النقود الورقية لا يجري فيها الربا لكونها لم تعد مغطاة بالذهب منذ إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق نكسون عن فك الارتباط بين الدولار والذهب بداية سبعينيات القرن الماضي.
واعتبروا أن العقد الذي يربط الزبون بالبنك هو عقد تمويل أو استثمار وبالتالي يجوز أخذ الفوائد باعتبارها أرباحا مشروعة.
والذي يراه كثير من أهل العلم أن هذه الفتاوى لم تؤسس على نظر صحيح ويعوزها التحقيق والتدقيق.

وبيان ذلك كالتالي:

– فيما يتعلق بمسألة النقد الورقي وانتهاء تغطيته بالذهب، فتلك خديعة وخطيئة تحملت الدول ولا زالت تتحمل تبعاتها، ومن ذلك هيمنة العملة الأمريكية(الدولار) على التعاملات المالية والاقتصادية للدول وبالتالي دورانها في فلك الهيمنة والغطرسة الأمريكية.
ومع ذلك نقول بأن فك الارتباط لم يكن كليا حيث مازال النقد يغطى بنسب معينة تختلف من دولة لأخرى.

ثم إن الفقهاء المحققين متفقون على كون علة تحريم الربا في العين(الذهب والفضة) هي الثمنية، وهذه العلة متحققة في النقود الورقية، فقد أصبحت مخزنا للقيمة وأداة لتقييم السلع والمنتجات، وعليه فلا يعقل القول بعدم جريان الربا فيها لاطراد العلة فيها. أضف إلى ذلك أن القول بعدم جريان الربا فيها سيخرجها من وعاء الزكاة، فتصبح أموالا لا تجب فيها الزكاة!!وهذا القول لم يقل به عالم يعتد بعلمه، وهو لازم القول بعدم ربوية النقد الورقي.

فيا ترى ما جواب أصحاب هذه الفتاوى عن لازم كلامهم؟؟؟

– ثم إن القول بأن العقد الذي يربط صاحب المال بالبنك هو عقد تمويل أو استثمار فغير مسلم، لأن “العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني وليس بالصور والمباني”، وواقع التعامل يؤكد بأن المال المودع في البنك هو دين مضمون لصاحبه، وأن صاحب المال وإن لم ينو إقراض البنك فإنه يودع ماله بنية حفظه دينا مضمونا يسترده بالتمام والكمال حسب نوع وديعته.

أما الاستثمار أو التمويل أو المضاربة فلا يكون فيها رأس المال مضمونا إلا في حال تعدي العامل، ويكون المال معرضا للمخاطرة، وذلك ما يجوز التربح منه على قاعدتي “الغنم بالغرم” و”الخراج بالضمان”. مع نسبة متفق حولها لتوزيع والأرباح بين رب المال والعامل. وتحديد نوع المضاربة(مقيدة أو مطلقة)، ولا تكون إلا في نشاط مباح شرعا.

وهذه القيود كلها غائبة في عقد الزبون مع البنك، فكيف جاز لأصحاب تلك الفتاوى تكييفه عقد تمويل أو استثمار!!!

فالواقع العملي لا يسعف في ذلك، بل يؤكد أن المعاملة في حقيقتها هي “مال في صورة دين مضمون مودع للحفظ”، وبالتالي كل تربح بهذا العقد لا يمكن أن يكون إلا ربا محرما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.