منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عمل المصارف الإسلامية بين الدعم والنقد البنّـاء؛(1) الدكتور يوسف القرضاوي

الدكتور أحمد الإدريسي

0

عمل المصارف الإسلامية بين الدعم والنقد البنّـاء؛

1- الدكتور يوسف القرضاوي

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

مقدمة:

ظهرت تجربة المصارف الإسلامية في منتصف السبعينات من القرن العشرين، وكانت البداية الفعلية عام 1963م مع تأسيس “بنك ميت غمر للادخار” في مصر، وبعد مرور سنوات على تجربة المصارف الإسلامية ناقش العلماء وخبراء الاقتصاد الإسلامي عمل هذه البنوك، وحللوا وانتقدوا؛ بناء على مدى الزامها بأحكام الشريعة الإسلامية أو عدم التزامها.

وسأعرض في هذه السلسلة آراء ثلاثة من كبار العلماء الذين عايشوا التجربة من بداياتها، وهم: الدكتور يوسف القرضاوي، والبروفيسور منذر قحف، ثم أ.د. علي محيي الدين القره داغي.

أولا: دعم الدكتور القرضاوي لمسيرة المصارف الإسلامية.

لما ظهرت المصارف الإسلامية، شغل الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله عضوية مجلس إدارة العديد من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وكان منظّرا لأدوات عملها، وصيغ الاستثمار فيها، ومثّل علامة بارزة في هيئات الرقابة الشرعية في العديد من المصارف الإسلامية.

وكان الدكتور القرضاوي من أبرز الداعمين لتجربة البنوك الإسلامية، وكان يعتبرها بديلا شرعيا للبنوك الربوية. ويرى أن المعاملات القائمة على المرابحة والمشاركة في البنوك الإسلامية جائزة، قال رحمه الله: (من بركات الصحوة الإسلامية؛ إنشاء بنوك لا تعمل بالفائدة التي هي الربا الحرام كما أجمع العلماء على ذلك؛ فكانت هذه البنوك بديلا شرعيا عمليا للبنوك القائمة على أساس الفوائد الربوية التي لم يبتكرها المسلمون، ولكن ورثوها من عهود الاستعمار في أوطانهم، كغيرها من القوانين الوضعية).

وكان رحمه الله بمنزلة الحارس على تلك التجربة، فانتقد بعض الممارسات التي رآها مخالفة للإسلام، وقوّم العديد منها، لتعود المصارف الإسلامية إلى حياض الشريعة، مما جعل العملاء يقبلون عليها.

وخلاصة موقفه رحمه الله:

– مشروعية المرابحة: دافع عن معاملات المرابحة في المصارف الإسلامية كأداة للتمويل، بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية.

– ضرورة الرقابة الشرعية: شدد على أهمية وجود هيئات رقابة شرعية حقيقية تشرف على تنفيذ العقود.

– دعم البديل الشرعي: يعتبرها فكرة رائدة تخلص المسلمين من فوائد البنوك الربوية المحرمة، فكان يرى أن البنك الذي ينص قانون تأسيسه ونظامه الأساسي على وجوب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملاته، والابتعاد عن المحظورات الشرعية فيها من الربا والغرر الفاحش والظلم والاحتكار والغش وغيرها.. ويفرض عليه وجود رقابة شرعية تعتبر قراراتها ملزمة واجبة التنفيذ بلا تردد، مثل هذا البنك وإن ظهر في ممارساته بعض الخلل: أفضل من بنك لا يلزمه قانون ولا عرف برعاية أحكام الشرع.

ثانيا: النقد البنّـاء والدعوة إلى التطوير.

انتقد الشيخ القرضاوي وقوع بعض البنوك الإسلامية في فخ الشكليات، وكذا توسعها في التسهيلات، ثم دعا إلى التنوع والابتعاد عن الشبهات، فقال الدكتور يوسف القرضاوي في هذا السياق: “ولكن مما ينبغي معرفته أن المراد بالبنوك الإسلامية ليس مجرد الاسم، بل المراد به انضباط هذا البنك بالضوابط الشرعية في تعاملاته، وأن تقوم على معاملاته لجنة رقابة شرعية تشرف على تعاملات البنك، ولجنة أخرى للمراقبة على تنفيذ تلك الأعمال وفق ضوابط الشرع”.

كما كان ينتقد انحصار دور بعضها في “المرابحة للآمر بالشراء” وكانت آنذاك بنسبة عالية، لذلك طالب بتطوير أنشطتها وتجنب الحيل والتوسع في المباح، ففي الوقت الذي أجاز فيه الدكتور القرضاوي للمصارف الإسلامية بيع المرابحة للآمر بالشراء، كمخرج بديل عن التعامل الذي تجريه البنوك الربوية، فإنه كان يدعو المصارف الإسلامية إلى الخروج من سجن عقود المرابحة، بعد أن وجد أن أغلب معاملات المصارف الإسلامية انحصرت في هذه العقود، ودعاها إلى تبنّي مبدأ المخاطرة عبر آلية المشاركة، والعمل بقاعدة الغُنم بالغُرم.

وقال أيضا: “أمسيت قلقا شديد الخوف على البنوك الإسلامية أن تبتعد عن الأهداف الحقيقية التي أُسّست من أجلها، وأن تغلب عليها الشكلية حتى تفقد روحها واتجاهها”. لذلك كان يدعو إلى تطوير عمل المصارف الإسلامية.

ومما كان يؤكد عليه؛ أن في البنوك الإسلامية أخطاء تصغر أو تكبر، وتقل أو تكثر، ما بين بنك وآخر، حيث كان منصفا؛ فمن الظلم أن نحكم على البنوك الإسلامية كلها حكماً واحداً، فهي لا شك تتفاوت تفاوتاً كبيراً. فبعضها بلغ مرحلة عالية من التدقيق الشرعي والالتزام بضوابط الشرع. وبعضها يطور معاملاته، ويتخلص بالتدرج من بعض الشوائب التي اضطر إليها، وبعضها لم يدخل في المعاملات التي كثر حولها الكلام، مثل بيع المرابحة، وسوق السلع والمعادن الدولية.

ويرى في المقابل أنه لا يحل للمسلم التعامل مع البنوك الربوية إذا وُجدت البدائل الإسلامية. وأما إن عُرف البنك بالتجاوزات، والتساهل في تطبيق وتمرير الأحكام الشرعية، فلا يجوز التعامل معه، إلا في استثمارات عُرِف قطعاً أنه يجريها حسب الضوابط الشرعية، ومن شك في شيء من ذلك، فيجب أن يتعرف على طريقة إجراء البنك للصفقات، أو يعرضها على أهل الاختصاص في الفقه الإسلامي.

ثالثا: مؤلفاته في الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية.

ألف الدكتور القرضاوي مجموعة من الكتب في مجال الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية، إضافة إلى العديد من الفتاوى في مجالات الاقتصادي والمال والاستثمار، والبحوث الخاصة بالمجامع الفقهية التي كان عضوا فيها، ونذكر من هذه المؤلفات:

– فقه الزكاة،

– دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي،

– مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام،

– القواعد الحاكمة لفقه المعاملات،

– بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية،

– لكي تنجح مؤسسة الزكاة في التطبيق المعاصر،

– فوائد البنوك هي الربا المحرم،

– الزكاة.. دورها في علاج المشكلات الاقتصادية وشروط نجاحها.

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.