عمل المصارف الإسلامية بين الدعم والنقد البنّـاء؛ (2) الدكتور منـذر قحف
الدكتور أحمد الإدريسي
عمل المصارف الإسلامية بين الدعم والنقد البنّـاء؛
(2) الدكتور منـذر قحف
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
مقدمة:
بعد مرور سنوات على تجربة المصارف الإسلامية ناقش العلماء وخبراء الاقتصاد الإسلامي عمل هذه البنوك، وحللوا وانتقدوا؛ بناء على مدى الزامها بأحكام الشريعة الإسلامية أو عدم التزامها.
وسأعرض في هذا المقال آراء ومواقف وتوجيهات أحد كبار العلماء الذين عايشوا تجربة المصارف الإسلامية من بداياتها، وساهموا في تطور عملها ألا وهو البروفيسور منذر قحف.
أولا: دعم منذر قحف لمسيرة المصارف الإسلامية.
يرى الدكتور منذر قحف أن المصارف الإسلامية مؤسسات مالية ضرورية لتحقيق تنمية اقتصادية وفق مقاصد الشريعة، وأنها تمثل بديلاً واقعياً يهدف إلى تحقيق العدالة ومنع الفوائد المحرمة (الربا)، مع ضرورة توسيع نطاقها.
ومن رأيه أنها وإن كانت تتشابه من الناحية القانونية والتشغيلية مع البنوك التقليدية، إلا أن لها ميزة مهمة وحاسمة، ألا وهي “الالتزام بالحدود الشرعية” في العقود والمعاملات.
ومما أكد عليه أن المصارف الإسلامية ليست مؤسسات ربحية، هدفها تحقيق العوائد وتنميتها، ولكنها ملزمة بالعمل ضمن الضوابط الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية.
ويرى أيضا أن المصارف الإسلامية بطبيعتها أشد ارتباط بالاقتصاد الحقيقي، وأكثر التصاقا بالاقتصاد الفعلي والملموس مقارنة بالبنوك التقليدية؛ لأن ارتباطها قائم على توظيف القيمة والكفاءة والفعالية.
وقد خصص الدكتور قحف جزءًا كبيرًا من كتابه؛ “الاقتصاد الإسلامي: العلم والنظام”، (في الفصل الثالث: التمويل والمصرفية في الاقتصاد الإسلامي) لمناقشة التمويل والمصرفية الإسلامية، ومما بيّـن في هذا الكتاب:
– شرح وبيان كيفية عمل البنوك الإسلامية، التي تلتزم بمبادئ الشريعة وتتجنب المعاملات الربوية. وناقش دور هذه البنوك في تعزيز التنمية الاقتصادية.
– أن التمويل الإسلامي يعتمد على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، بدلاً من الفائدة الربوية، ويشمل أشكالاً مثل المضاربة والمشاركة والمرابحة.
– الربط بين المصرفية الإسلامية والنظام الاقتصادي الإسلامي الشامل، الذي يقوم على مبادئ العدالة، وحظر الفوائد، والاهتمام بالزكاة.
وفي دراسة متقدمة للدكتور منذر قحف حول عوامل نجاح المصارف الإسلامية، وضّح أن هذه البنوك لا تختلف في بنيتها التنظيمية أو أهدافها الربحية عن البنوك التقليدية، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في التزامها بحدود الشرع والابتعاد التام عن الفوائد.
ثانيا: تقييم د. منذر قحف ونقده البنّـاء للواقع والممارسة.
انتقد بشدة الاعتماد المفرط للمصارف الإسلامية على أدوات الديون مثل “التورق”، ودعا إلى تفعيل صيغ المشاركة والمضاربة لتجنب التشبه بالبنوك التقليدية.
ومن جهة أخرى يرى أن البنوك الإسلامية تراجعت عن تطبيق صيغ الاستثمار الحقيقي مثل (المشاركة والمضاربة) واعتمدت بشكل مبالغ فيه على منتجات “المرابحة”.
وبالنسبة لضمان الودائع؛ يرى أن إجبار البنوك الإسلامية على تحمل تكاليف مضاعفة لضمان الودائع يضعها في موقف تنافسي ضعيف أمام البنوك التقليدية، ويفضل في ذلك تطبيق قرارات مجمع الفقه الإسلامي التي لا تبيح تغريم المضارب إلا في حالات التعدي أو الإهمال.
ولشرح عوامل وأسباب نجاح هذه البنوك؛ ألّـف الدكتور منذر قحف كتابا فريدا بعنوان؛ “دراسة عوامل نجاح المصارف الإسلامية“، حيث قـدّم فيه بالدراسة والتحليل العديد من الرؤى الهامة التي تتعلق بقضايا متعددة مجتمعية واقتصادية وبيئية وتنموية، والتي تشغل المهتمين بالمجال الاقتصادي عامة، والاقتصاد الإسلامي خاصة.
هذا الكتاب الذي استفاد منه الباحثون في الاقتصاد، والباحثون في التجارية والاجتماعية ومختلف التخصصات ذات الصلة.
ثالثا: اقتراح د. منذر قحف بدائل عملية.
ومن أجل تطوير أدوات التمويل؛ يؤكد د. قحف على تقديم منتجات استثمارية مبتكرة تتوافق مع الشريعة الإسلامية، مع التركيز على آليات المشاركة في الربح والخسارة لضمان العدالة وتوزيع المخاطر.
وأكد البروفسور منذر قحف أن الحل يكمن في ابتكار وتطبيق أدوات تمويلية حقيقية تقاسم المخاطر، وعدم الاكتفاء بالتحول الشكلي من الفائدة الربوية إلى الهوامش الربحية.
كما اقترح الاندماج بين المصارف الإسلامية، ويرى أنه ليس مجرد خيار، ولكنه ضرورة حتمية لمواكبة العولمة وسرعة التطورات التقنية والتكنلوجية في زماننا، لمواجهة البنوك العالمية الكبرى، خاصة تلك التي فتحت نوافذ وفروع إسلامية خاصة بها.
خلاصة:
قدم الخبير الاقتصادي بدائل عملية وواقعية تتوافق مع أحكام الشريعة، وتساهم في تطوير عمل المصارف الإسلامية، نذكر منها:
– عقود التمويل الإسلامي الأساسية: فهي التطبيق العملي لصيغ مثل (المرابحة، والمضاربة، والإجارة والمشاركة) في البنوك والمؤسسات المالية كبديل مباشر للقروض التقليدية.
– التمويل بالوقف: استثمار وتوظيف الأصول الوقفية في تمويل المشاريع وتغطية النفقات العامة والاجتماعية، وتفعيل “الوقف النقدي” كأداة مرنة للتمويل والتنمية.
– الصكوك الإسلامية: وهي بدائل استثمارية تقوم على المشاركة في الأرباح والخسائر بدلا من الفائدة الثابتة، لتمويل عجز الميزانيات أو المشاريع التنموية.
والحمد لله رب العالمين.