منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عمل المصارف الإسلامية بين الدعم والنقد البنّـاء؛(3) الدكتور القره داغي.

الدكتور أحمد الإدريسي

0

عمل المصارف الإسلامية بين الدعم والنقد البنّـاء؛(3) الدكتور القره داغي.

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.

 مقدمة:

ظهرت تجربة المصارف الإسلامية في منتصف السبعينات من القرن العشرين، وكانت البداية الفعلية عام 1963م مع تأسيس “بنك ميت غمر للادخار” في مصر، وبعد مرور سنوات على تجربة المصارف الإسلامية ناقش العلماء وخبراء الاقتصاد الإسلامي عمل هذه البنوك، وحللوا وانتقدوا عمل هذه المصارف؛ بناء على مدى الزامها بأحكام الشريعة الإسلامية أو عدم التزامها.

ومن كبار العلماء الذين عايشوا التجربة من بداياتها، أ.د. علي محيي الدين القره داغي، الذي كان له موقف نقدي بنّـاء ورؤية تصحيحية، ونظرة مستقبلية تعطي الأولوية للـبعد التنموي لدى البنوك الإسلامية والتمويل الإسلامي.

أولا: دعم الدكتور القره داغي للمصارف الإسلامية.

يُـعتبر الدكتور علي القره داغي من أبرز الفقهاء المعاصرين الداعمين لفكرة الصيرفة الإسلامية، والذين يدعون لتجويد عملها ومساهمتها في التنمية المستدامة، حيث يرى أنها أثبتت نجاحها وخاصة بعد أزمة 2008-2009م، عبر الاعتماد على عقود شرعية كالمشاركات والمرابحات.

ويرى القره داغي أن البنوك الإسلامية ضرورة اقتصادية وشرعية، لكنه يدعو إلى تطهيرها من المعاملات الصورية التي تجعلها تشبه البنوك التقليدية، والالتزام الحقيقي بضوابط الشريعة. وهو يؤمن دائما بأن الاقتصاد الإسلامي حقيقة وتأصيل واقعي، ويمتلك البدائل الشرعية الناجحة ومنها؛ المرابحة، والمشاركة، والإجارة، والمضاربة، والسَّـلم والاستصناع.

وفي الوقت نفسه يرى أن التمويل الإسلامي يواجه تحديات داخلية وتشريعية ونقصا في الكوادر، لكنه يصر على تفوق التجربة مقارنة بالبنوك التقليدية.

ثانيا: النقد البنّـاء واقتراح بدائل عملية.

يتبنى الدكتور علي القره داغي موقفا نقديا بنّـاء وتصحيحيا، حيث أكد على ضرورة أن يكون البيع حقيقيا في معاملات المصارف الإسلامية ورفض بعض المعاملات الصورية، ودعا إلى تطويرها لتنتقل من “الواقع” إلى “المأمول”.

ويتمثل توجيه أ.د. علي محيي الدين القره داغي للمصارف الإسلامية أساسا باعتبارها مدخلاً استراتيجياً لتحقيق التنمية الشاملة، والابتعاد التام عن العقود الصورية.

ومن النقاط البارزة في موقف الدكتور القره داغي من البنوك الإسلامية:

– نقد التحايل والتعاملات الصورية: فقد وقف شخصياً على وجود أخطاء كبيرة في بعض البنوك الإسلامية التي تعتمد مستودعات وهمية في أوروبا لإجراء بيوع صورية لا تمثل تملكا حقيقياً للسلع، وشدد على ضرورة البيع الحقيقي.

– تحريم “السلم المنظم” و”التّـورق المنظم”، حيث أكد عدم جوازهما لأنهما لا يتوافقان مع قرارات المجامع الفقهية.

– التحذير من المنتجات التي تشبه الربا أو التحايل عليه.

ويُـركز الدكتور القره داغي في توجيهاته على ما يلي:

– الالتزام الحقيقي بالضوابط الشرعية، حيث حذر من التوسع في “تسهيل الإجراءات” على حساب جوهر الشريعة،

– الالتزام بمقاصد الشريعة في المعاملات البنكية،

– إلغاء العقود الصورية مثل التورق المصرفي.

– الاهتمام بإصلاح المنتجات البديلة لتتوافر فيها الشروط الشرعية المطلوبة.

ثالثا: أولوية البعد التنموي ورؤيته حول الواقع والمتوقع.

يتميز الحس النقدي للشيخ القره داغي بإعطاء الأولوية للـبعد التنموي؛ حيث أكد أن دور المصارف الإسلامية يتجاوز مجرد تحقيق الأرباح، ولكن يتجاوزه إلى بناء اقتصاد قائم على القيم والعدالة، والمساهمة في الحد من الفقر وفي التنمية المستدامة.

كما دعا المصارف الإسلامية إلى القيام بمبادرات تطوعية ومجتمعية قوية، واقترح تأسيس بنوك اجتماعية مخصصة للمبادرات التنموية لمصلحة المجتمع. وفي هذا الصدد يدعو الدكتور القره داغي المؤسسات المالية إلى التعاون مع المراكز البحثية والكليات المتخصصة لدراسة العقود وتطويرها بشكل علمي وأصيل.

وله توجيهات ورؤية واضحة حول الواقع والمأمول، وقد أوضحها في رسالة وجهها للبنوك الإسلامية، ومن أبرز محاور هذه الرسالة:

– تفعيل المسؤولية الاجتماعية: شدد على أهمية إسهام المصارف في التنمية المستدامة، وتخصيص جزء من أرباحها أو صناديقها للأعمال الخيرية، ومساعدة المعسرين، ورعاية القرض الحسن.

– الالتزام بالاقتصاد الحقيقي: أكد على أن المصرف الإسلامي يجب ألا يقتصر دوره على تبادل الديون أو الأموال فقط، بل يجب أن يشارك في الاستثمارات الحقيقية، والإنتاج، وتملك السلع والتجارة بما ينفع المجتمع.

– محاربة العقود الصورية: حذر بشدة من اللجوء إلى الحيل الفقهية والعقود الشكلية (مثل التورق المصرفي المنظم الذي لا يقصده العميل لذاته)، داعياً إلى ضرورة توفر الشروط الحقيقية للبيوع والإجارة لتكون أرباح المصرف حلالا ومبررة.

– تطوير العمل المصرفي والابتكار المالي: طالب المصارف بضرورة تطوير منتجاتها المالية، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، مقترحاً تأسيس مصارف إسلامية رقمية وإلكترونية تواكب متطلبات العصر.

رابعا: مؤلفاته في الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية.

ألف الدكتور القره داغي مجموعة من الكتب في مجال الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية، إضافة إلى العديد من الفتاوى في مجالات الاقتصادي والمال والاستثمار، والبحوث الخاصة بالمجامع الفقهية التي كان عضوا فيها، ونذكر من هذه المؤلفات:

–  المدخل إلى الاقتصاد الإسلامي: قدم في التأصيل للمفاهيم الاقتصادية من منظور إسلامي بمقارنات مع النظريات الوضعية.

– فقه البنوك الإسلامية: وهو دراسة فقهية واقتصادية، وضح فيه الحلول والمعاملات البديلة للمصارف الربوية.

– التأمين التكافلي الإسلامي: فيه دراسة مقارنة تؤصل للتأمين التعاوني وتقدم تطبيقاته العملية.

– الأزمة المالية العالمية: وفيه دراسة تحليلية لأسباب وآثار الأزمة المالية، ومستقبل الرأسمالية.

– بحوث في الاقتصاد الإسلامي: هي مجموعة أبحاث متخصصة تتناول قضايا المال، الملكية، والعقود.

– حقيبة الدكتور علي القره داغي الاقتصادية: وهي موسوعة ضخمة تضم 12 مجلداً، جمع فيها الشيخ كل أبحاثه وفتاواه في الزكاة، والمعاملات المالية المعاصرة، وفقه البنوك.

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.