منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكلام السيء وخطره على بناء الأسرة السليمة |سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

الكلام السيء وخطره على بناء الأسرة السليمة |سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

خطيب مسجد أم الربيع بحنيفرة سابقا

 عباد الله، يقول تعالى في سورة ق: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]، أي؛ ما يتكلم هذا الإِنسان من كلام، إلا ولديه ملك ” رقيب “، أي؛ حفيظ يكتب أقواله، و” عتيد “ أي؛ مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه، والمراد من الآية، أن الملكين اللذين أحدهما عن يمين الإنسان، والثاني عن شماله، كلاهما مراقب لأعمال الشخص، وفي جميع حالاته ووضعياته، حاضر لكتابتها، وشبيه بهذه الآية، قوله تعالى في سورة الانفطار: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10 – 12]، وقوله سبحانه في سورة الزخرف: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى، وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80]، فلنحذر مما نتلفظ به، سواء كنا في حالة الجد أو الهزل، في العمل أو في بيوتنا، وحدنا أو مع الناس، فكل شيء يكتب علينا ونجازى عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فكل إنسان تحت المراقبة الإلهية عما يتكلم به، ولا يقول قائل: إني كنت في بيتي، وعلى سجيتي، ولم أقصد بكلامي شيئا، أو كنت في حالة غضب لم أتمالك نفسي، أو كنت أهزل، فقد روى أحمد، والبخاري في صحيحه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا لَهُ دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ).[أخرجه أحمد (2/334، رقم 8392)، والبخاري (5/2377، رقم 6113)] .

عباد الله، إن حقيقة الإنسان دون تكلف أو تصنع أو تزييف، تظهر في بيته، إذ يكون فيه أكثر تحررا من كل القيود، في حركاته، وفي لباسه، وحتى في كلامه، فلا يتصنع كما هو الشأن أمام الناس، وهذه هي حقيقة الإنسان، والتي تظهر في وسط بيته مجردة من كل البروتوكولات، ففي البيت تظهر حقيقة تربية كل واحد منا، تلك التربية التي تلقيناها من بيئتنا، التي نشأنا فيها وترعرعنا، فتعالوا بنا لنُقوّم حالتنا البيتية من خلال ما نتكلم به، ونضعه تحت مجهر الشريعة الإسلامية.

 عباد الله، اعلموا أن القرآن الكريم قد اهتم بما يتكلم به الإنسان، ودعاه إلى وجوب اختيار الألفاظ، فقال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) [الإسراء: 53] عباد الله، في إطار السعي لإصلاح أسرنا من الداخل، تعالوا بنا لندخل إلى بعض بيوتاتنا؛ لنرى بماذا يتلفظ الآباء والأمهات في غياب الرقابة الدينية، وهذه أربع حالات على سبيل المثال لا الحصر، عرضت على مفت من المفتين، يسأل فيها أصحابها عن حكم الشرع فيها:

الحالة الأولى: امرأة تسأل مفتيا عن حكم حالة زوجها الذي يقول لابنته دائما عند غضبه: يا بنت الحرام، فأجابها المفتي، بأن هذا يعتبر شرعا قدفا، ويستوجب على هذا الزوج أن يأتي بأربعه شهود، تثبت أن هذه البنت هي بنت حرام، وإلا يجلد ثمانين جلدة كحد للقذف، مصداقا لقوله تعالى في سورة النور: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 4]، وصدمت المرأة السائلة المفتي عندما قالت له: وأنا كذلك أقول لها: يا بنت الحرام عند غضبي، هذا نموذج من الكلام الذي يُتكلم به في بعض الأسر التي تدعي الإسلام.

الحالة الثانية: امرأة حديثة عهد بالزواج، تفاجأت بما يتلفظ به زوجها عند الغضب عليها، إذ ينطق بكلمات الفحش والفجور، ويخاطبها وينعتها بكلام فاحش لا يستطيع المؤمن السليم في دينه أن يتلفظ بها، فصدمت مما سمعته، وقررت تناول حبوب منع الحمل، خشية أن تلد مع هذا الرجل الذي يتكلم بهذا الكلام الفاحش، فيسمع الأبناء من أبيهم القدوة هذا الكلام، وأخبرته بهذا القرار الذي اتخذته، عسى أن يرتدع ويحفظ لسانه من الكلام الفاحش.

الحالة الثالثة: اتصل شخص بمفت، فأخبره بالمشكلة التي عنده مع زوجته، والتي أصبحت بسببها تطلب منه الطلاق، فرد على زوجته كتعبير عن رفضه الطلاق؛ كلاما فاحشا، حرص المفتي أن يعيده عليه ذلك الزوج، ليرى حكم الشرع من خلال ما تلفظ به، هل سيعد ظهارا، أو طلاقا، أو لا شيء عليه، فرفض الزوج التصريح به، لفحش ما قاله لزوجته.

الحالة الرابعة: امرأة مسنة تلعب مع حفيدها الذي لم يتجاوز عمره سنة، والأسرة مجتمعة، وتقول له على مسمع من أفراد الأسرة: (الله يلعن والديك، آ الخانز).

عباد الله، هذا نوع من الكلام الذي يُروج في الكثير من بيوتنا، والذي يبين نوع التربية الفاسدة التي تلقيناها وسننقلها لأبنائنا، فكيف ننكر على أبنائنا  بعد ذلك  ما يتلفظون به في الشارع وهم يلعبون، من لعن الدين، وسب الوالدين…؟

 عباد الله، إن سوء تربية الكثير من الأفراد، جعلت علاقاتهم الزوجية جافة من كل أنواع المشاعر الحميمية، حتى إن الزوج ليتحرج أمام أبنائه من التعبير لزوجته أنه يحبها، رغم أن الشرع الإسلامي الحنيف رغب في ذلك، في حين أنه لا يتحرج من التلفظ بالكلام الفاحش أمام أبنائه، رغم أن الشرع حرمه، بل أصبح هذا الكلام الفاحش عاديا، والنطق بكلمة الحب للزوجة، عيب ومراهقة ووقاحة، وهكذا انقلبت الموازين، فأصبح الحلال حراما، والحرام حلالا، مع أن الاعتراف بالحب للزوجة، وإخبارها بذلك من صميم الدين. روى ابن أبي الدنيا، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب أحدُكم عبدا فَلْيُخْبِرْهُ، فإنه يجدُ له مثلَ الذي يجدُ له) [أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان (ص 126، رقم 74)، والبيهقي في شعب الإيمان (6/489 ، رقم 9010)].

 عباد الله، إن الإسلام بريء من هذه التصرفات التي تحدث في بيوتنا، ولا تمت إلى الإسلام بصلة، بل إن الله تعالى أمر عباده أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها، ومن الكلمات أجملها عند تحدث بعضهم لبعض، حتى تشيع الألفة والمودة، وتندفع أسباب الهجر والقطيعة والعداوة، وهذا من لطف الله تعالى بعباده إذ أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا، فقال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء: 53]،  فهذا أمر من الله لعباده ليتكلموا بالكلام الذي يقرب إلى الله، سواء كان قراءة للقرآن الكريم، أو ذكر أو علم، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، أو كلام حسن لطيف مع الناس على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، بل حتى مع الحيوان، وأنه إذا دارت المسألة بين أمرين حسنين، فإن المؤمن مأمور شرعا بتفضيل أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما، لأن القول الحسن؛ داعم لكل خلق جميل، وعمل صالح، فإن من ملك لسانه، ملك جميع أمره.

عباد الله، هذا ما يتعلق بالكلام الحسن، أما الكلام السيء الذي تتلفظونه دون أن تلقوا له بالا، فهو من نزغ الشيطان، مصداقا لقوله تعالى من سورة الإسراء: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)، أي إن الشيطان يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم، فدواء هذا، أنه يجب عليهم ألا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إلى التلفظ بها، وأن يختاروا الكلام الجميل، لينقمع الشيطان الذي ينزع بينهم، فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه، فهو يدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير.

 عباد الله، عوّدوا ألسنتكم على الخير، وعلى القول الحسن، فلقد حث الشرع المطهر الناس على انتقاء الألفاظ الطيبة التي تدخل السرور على الناس، فقال تعالى في سورة البقرة: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83]، وإننا وإن كنا مطالبين بإلانة القول وإحسانه للناس كافة، فإن هذا المطلب يتأكد في حق الزوجين، ومما لا شك فيه؛ أن الأساس الذي تبنى عليه البيوت، هو المودة والرحمة، لهذا فإن الزوجين في حاجة ماسة شرعا لاختيار أحسن الألفاظ للتخاطب بها حتى في حالة الغضب، ولإبداء مشاعر الحب والرحمة تجاه بعضهما.

عباد الله، هذه نماذج من الأسر الناجحة، حتى في حالة الغضب، نذكر بعضها لتكون لنا قدوة نتأسى بها، فهذا سيد الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نرى حديثه في بيته، حديث الحاني بينه وبين زوجته مولاتنا عائشة رضي الله عنها، روى أحمد، والبخاري، ومسلم في صحيحيهما، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْلَمُ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)، قالت: قلت: أجل؛ والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك،[أخرجه أحمد (6/61، رقم 24363)، والبخاري (5/2004، رقم 4930)، ومسلم (4/1890، رقم 2439)]، فأي رحمة هذه؟ وأي منطق هذا؟

 عباد الله، اعلموا أنه قد تشتد حاجه الزوجين إلى هذا الخلق في اختيار الكلمات عند ثورة الغضب، وسبق اللسان بالخطإ والزلل من أحد الزوجين تجاه الآخر، وما أحسن ما قاله الصحابي الجليل، حكيم الصحابة، أبو الدرداء رضي الله عنه، لزوجته أم الدرداء رضي الله عنها، في بداية حياتهما الزوجية: (إن لقيتني غضبانا فرضّني، وإن لاقيتك غضبى رضّيتك، وإلا فلنفترق)، وأخيرا ننتقل إلى نموذج ثالث في صبر الرجل على زوجته عند الغضب، ونسوق مثال العارف بالله، مالك بن دينار، الذي غضبت زوجته يوما، فقالت له: يا منافق، فأحسن التصرف معها، ولم يرد لها الصاع بالصاعين، بل فوّت على الشيطان الفرصة، فقال لها: ما عرف اسمي أحد إلا أنت.

عباد الله، هكذا ينبغي للمسلم أن يتعهد لسانه، وأن لا يقول إلا خيرا.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.