المقاطع الصوتية في الدرس القرائي المدرسي الابتدائي (الاستيعاب والاشتغال)
عبد العزيز قريش
المقاطع الصوتية في الدرس القرائي المدرسي الابتدائي
(الاستيعاب والاشتغال)
عبد العزيز قريش
باحث في علوم التربية
فاتحة:
(وعلَّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) سورة النساء، الآية 113
متن:
( لاتزال اللغات هي الوسيلة الفضلى ـ إن لم تكن الوحيدة ـ التي يمتلكها البشر لترجمة التجارب الحسية الذاتية للغاية إلى مصطلحات مفهومة وقابلة للمشاركة)
(روزاريو كاباليرو وكاريتا بارديس Rosario Caballero & Carita Pardis)
(فهم التصورات الحسية عبر اللغات والثقافات ضمن اللغة والإدراك الحسي)
د. محمد أحمد عبد الصبور، عالم الفكر، يناير/مارس، 2023، العدد189، صص.: 161 ـ 208.
مـن خـارج الـسـيـاق:
هذه الورقة؛ وهي تمتاح إشكاليتها اللسانية والديداكتيكية/التعليمية ” المقاطع الصوتية في الدرس القرائي المدرسي الابتدائي: الاستيعاب والاشتغال “، من واقع ووقائع الميدان المدرسي للمؤسسة التعليمية المغربية في التعليم الابتدائي تحت سقف اللسانيات التطبيقية وديداكتيك اللغات مع صبيب روافد العلوم المتقاطعة معها؛ تستحضر وبصدق الدراسة النقدية المتميزة التي أفادها عميد الفكر التربوي المغربي والعربي والدولي أستاذنا الجليل الدكتور محمد الدريج، بمقاربته لإشكالية تعدد المفهوم وضعف النموذج والمنظور في الحقل التربوي والتعليمي من خلال كتابه ” ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟ “، وعيا منها أولا بمدى عمق هذه الإشكالية المعرفية الأبجدية تاريخيا، وموضوعيا، ومنهجيا في المدخل إلى العلوم، وحقولها العلمية بما فيها الحقل اللساني، وإيمانا منها ثانيا بأهمية الطرح في تأسيس ممارسة تدريسية متحكمة في موضوعها وأدواتها وجهاز مفاهيمها، التي لا يمكن تشييد المعمار الفكري للمتعلم دونها. ولعلها تستفيد من نقده في مقاربتها ضمن ما يسميه (نموذج لساني ـ تدريسي تفاعلي ذي طابع عملي وظيفي ومبسط)[1]؛ من حيث توافقه الورقة طرحه ذاك موافقة مبدئية على مستوى ممارسة الفعل التدريسي/التعليمي حتى لا تتشتت الرؤى والاتجاهات والخطط والعمليات والإجراءات، ولتتحقق الأهداف من الفعل التدريسي، لما لهذا الفعل من طبيعة تطبيقية؛ إجرائيا تتطلب إطارا واضحا نظريا ومنهجيا ومفاهيميا وعمليا، يوحد المنطلقات والأطر الفكرية والرؤى والاتجاهات والنماذج والإجراءات في بوتقة تحقيق الأهداف التعليمية. وهو ما يسميه الطريق الثالث “براديغم تفاعلي” الذي مازال جنينا يرعاه في حضانة (مجموعة بحث متعددة التخصصات)، وهي بشارة لا يسع الأكاديمي والباحث والمهتم والممارس إلا ترقبها بشغف لعله يجد فيها ضالته التي تعينه على تحقيق أهدافه ومشروعه وإنجاح أدائه الصفي. وتختلف معه ـ مع احترام رأيه المغاير والمخالف؛ لكونه مصدر حوار صحي وجدي حول ” ضعف النموذج والمنظور ” و” التشويش البراديكمي “ـ فيما يخص ” التشويش البراديكمي ” لعدم قصده عند من تصدى للسانيات التطبيقية في المجال التعليمي طلبا لتجديد وتطوير الدرس اللغوي في المدرسة المغربية بكل أسلاكها الثلاثة. فالقصد تمكين الممارس البيداغوجي من معارف ومفاهيم ومصطلحات وأدوات ومنهجيات وقضايا وإشكاليات ومشاكل تعتبر بالنسبة إليه في عالم اللغة وتدريسها جديدة نسبيا، لم يوظفها بعد على مستوى التعليم الابتدائي، وهي جديرة بتسهيل ممارسته التدريسية إن تمكن منها وتحكم فيها، نحو تطوير الكفاءة اللغوية عند المتعلم، وتحبير ناتج التعلم اللغوي لديه.
كما أن انتفاء قصدية التشويش البراديغمي تبررها معطيات موضوعية وواقعية في مجال اللسانيات العربية، منبت الاختلاف في المفاهيم ومصطلحاتها، المؤدي للبسها في المجتمع المدرسي الابتدائي في كثير من الأحيان، الواقع تحت عدم التخصص الدقيق في اللسانيات والديداكتيك برمجة وتأطيرا وأداء. حيث؛
(يجد الباحث في المصطلح اللساني صعوبة كبيرة في ضبط الآليات اللغوية والمعرفية والعلمية بل والتقنية الموجبة لوضع مختلف الضوابط الصوتية والصرفية والدلالية الضابطة لآليات بناء ووضع واستعمال هذا المصطلح بخاصة المصطلح اللساني التداولي، فهو يعكس غنى وتنوع النظريات اللسانية التي ميزت الثقافة اللسانية خلال أكثر من ثلاثين سنة. وقد جاء المصطلح مواكبا لتحولات هذه الثقافة ومرآة لتنوع مصادرها وروافدها. وككل علم حديث في مراحل تأصيله الأولى، فقد أربك الجهاز المفاهيمي للسانيات الحديثة بمدارسها المختلفة سعي الباحثين في التعامل مع مصطلحاتها المعقدة، كما أبرز مشاكل تلقي هذه المفاهيم على صعيد تمثلها وترجمتها ونقلها وتأصيلها لدى فئة واسعة من اللسانيين العرب. وهو ما تعكسه بوضوح الفوضى المصطلحية والتذبذب وغياب التنسيق الذي يطبع الاجتهادات الاصطلاحية، والتعامل التقليدي غير النسقي في وضع المصطلحات، وغياب الوعي بالإشكالات النظرية التي يطرحها موضوع صياغة المصطلحات وتوليدها وبناؤها ووضعها، وكذا الخلط المنهجي الواضح بين فكر لغوي قديم وآخر حديث، بالإضافة إلى تنوع المرجعيات وتعدد المقاربات والأمر يصدق أكثر على المصطلح اللساني التداولي؛ لأنه يرتبط بكل المناحي الحياتية للأفراد: الاجتماعي منها والنفسي والأنتروبولوجي والمعرفي …
هناك مشاكل عدة تعترض الباحث في المجال المصطلحي بخاصة حين ارتباطه بالبعد التداولي الاستعمالي للمصطلح. لم تختلف السبل بين الاصطلاحات العربية اختلافها في هذا العلم: القديم الجديد الأصيل الدخيل المتولد الغازي، نعني اللسانيات. والسبب في ذلك أن هذا العلم قد حمل على كاهله كل أسباب التشتت الاصطلاحي بين العرب ثم أضاف إليها عللا ودوافع تراكمت باقتضاء نوعية المعرفة اللغوية عامة وبمستمليات الدقة اللسانية خاصة.
ومما يزيد في صعوبة هذه وضع المصطلحي اللساني التداولي بخاصة كونه يشكل جزء من قضية مصيرية بالنسبة للأمة العربية من خليجها إلى محيطها لارتباط الوضع الاصطلاحي بظواهر أخرى بخاصة حركة التعريب في بعدها السياسي والاجتماعي والفكري والثقافي، وقد اختلف العرب في الكيفية التي يجب أن يكون عليها التعريب في مستواه العام، وليس المصطلح اللساني إلا زاوية حاسمة منه)[2].
إذ؛ (تعد معضلة المصطلح العلمي من بين أكبر المعضلات التي تواجهها كثير من العلوم، فهناك إشكاليات عديدة تحيط بالمصطلح، من بينها ازدواجية مدلول المصطلح، التي قد تنشأ عنها ضرب من الالتباس في عرض المفاهيم، وتصنيف المعطيات، حسب انتمائها إلى مستوى من مستويات البنية اللغوية ومنها كذلك إشكالية تعدد المصطلح الدال على المفهوم الواحد، وليس ذلك وقفا على اللغة العربية وحدها، بل هو ظاهرة موجودة في أغلب اللغات الإنسانية، ومن بينها اللغة الإنجليزية، واللغة الفرنسية، وغيرها من اللغات)[3]، وهي لا تخص حقلا معرفيا معينا بذاته، وإنما تهم جميعها بما فيها الحقل اللساني، الذي ( تعد معضلة تعدد المصطلح [فيه] من أكبر معضلات الخطاب اللساني العربي الحديث، واللسانيات Linguistics من بين أكثر العلوم العربية إشكالا في تعدد المصطلح العلمي؛ فهي علم وافد على اللغة العربية، وله جذوره في التراث اللغوي العربي، وهذا الأمر أحدث إرباكا لدى المتخصصين فيه، من حيث نقل المفاهيم، ووضع المصطلحات. إن ولوج اللسانيات السوسيرية إلى اللغة العربية، واهتمام طائفة من علماء العربية في العصر الحديث بهذا العلم الجديد الوافد، أدى إلى تشكل المعجم اللساني العربي الحديث، بواسطة ترجمة بعض المصطلحات الأجنبية، وتعريب بعضها الآخر؛ وكان لاختلاف الترجمة والتعريب، بسبب تعدد الرؤى، واختلاف اللغات المنقول عنها المصطلح، وغير ذلك، أثر عميق في تعدد المقابل العربي للمصطلح الأجنبي الواحد، إلى درجة ربما تصل إلى حالة الإرباك والفوضى المصطلحية، والاضطراب في الاستعمال، وانعدام التنسيق في توحيد المصطلحات؛ الأمر الذي أدى إلى لبس كبير لدى المشتغلين بهذا العلم)[4].
فــ (اضطراب المصطلح راجع إلى تعددية المناهج المتبعة عربيا في صوغ المصطلح التي تخضع بدورها لمنظور التعريب المتبع في هذا البلد العربي أو ذاك. ومن هذا المنطلق نجد من يصوغ المصطلح العربي مترجما معناه، وهناك من يعربه؛ أي ينقله بلفظه الأجنبي مع إخضاعه للوزن والنطق العربيين، ويضع آخرون المصطلح باعتماد الاشتقاق أو التوليد أو النحت، ويرجع آخرون للتراث العربي قصد إحياء ما فيه من مصطلحات. وقد أدى هذا التعدد في تصور وضع المصطلح اللساني التداولي إلى خلق لغات علمية عربية قائمة الذات)[5]. وهو تعدد المصطلحات كما هي دعوة توحيدها؛ مسألة خلافية على مستوى التعاطي الفكري النظري مع القضايا العلمية بما فيها القضايا اللغوية بين موافق ومخالف أو بين مؤيد ورافض، ومنذ بزوغ فجر النهضة العربية الحديثة ارتفعت أصوات عديدة بالدعوة إلى توحيد المفاهيم ومصطلحاتها في العالم العربي ما بين دفتيه الشرقية والغربية. حيث؛
(تكثر في الدراسات المصطلحية الإشارة إلى التوحيد باعتباره من أبرز المشكلات التي تواجه المصطلحات. وعند متابعة مفهوم المصطلح عند اللغويين نجد أن دلالته تشير إلى تفرد الشيء أو اللفظة وتميزها من غيرها …
ويلحظ مما تقدم ما تتضمنه هذه اللفظة من الإشارة إلى التفرد والتميز. أما بالنسبة لاستخدامها في مجال المصطلحات، فإنها تشير إلى تخصيص لفظة واحدة للدلالة على المفهوم الواحد، بحيث لا يشار باللفظة الواحدة لأكثر من مفهوم، ولا يشار إلى المفهوم الواحد بأكثر من لفظة.
ولقد قامت من أجل التوحيد العديد من الدعوات التي أحست بخطورة تعدد المصطلحات على اللغة العربية، وعلى قدرة أبنائها على اللحاق بأسباب العلم، والإسهام فيه بدلا من الاكتفاء بالتلقي، ومتابعة ما تنتجه قرائح العلماء في اللغات الأخرى.
لذا تعالت الأصوات منادية بتوحيد المصطلحات، حاديها في ذلك الطموح إلى جعل اللغة العربية لغة العلم في مجالاته المختلفة وأنشطته المتعددة. وهو مسعى يهدف إلى تحقيقه كل غيور من أبناء الأمة على وحدتها وتماسكها؛ إذ تشكل اللغة إحدى الركائز الأساسية في دعم الوحدة. ولا يخفى على ذي لب ما ظهر من دعوات مشبوهة تهدف إلى تحطيم أسس الترابط بين أبناء الأمة المنتشرين في أرجائها. وليست اللغة رابطة بين جيل من أبناء الأمة الواحدة فحسب، وإنما هي العامل الأساسي للترابط بين أجيالها السابقة وأجيالها اللاحقة. فيها تحفظ علومها وآدابها وبواسطتها تتوارث ثقافتها.
ومما يعزز هذه الدعوات التي تنادي بالتوحيد أن للغة وظائف متعددة؛ أبرزها تزويد مستعمليها بأداة التفاهم في شؤون حياتهم اليومية، والإفصاح عن حاجاتهم، والإعراب عن أحاسيسهم. ومن ذلك إمدادهم برموز منطوقة أو مكتوبة؛ للتعبير عن المفاهيم الفلسفية والعلمية والتقنية التي تشكل حجر الأساس في تطور المعرفة الإنسانية، ورقي المجتمعات اقتصاديا واجتماعيا …
إن المصطلحات والصيغ جزء من المنهج العلمي تساعد على التخصيص، وتعين على حسن الأداء، وإذا كان للجماهير لغتها، فإن العلماء يحرصون على أن يتميزوا بألفاظ خاصة بهم؛ خصوصا وأن هذه الألفاظ ترمز لمدلولات دقيقة ومتشعبة، وفي ذكرها ما يكفي لاستحضارها. وإن لم يتفق عليها أضحى المجهود العلمي مجرد مناقشة لفظية قد تكون بلا طائل. فالمصطلحات العلمية تقرب المسافة بين الباحثين، وتوفر المجهود وتصرفه كله إلى صميم البحث بدل أن يضيع في حواشيه، وتزيل كثيرا من أسباب الخلاف. وقد لاحظ ليبنتز أن كثيرا من الخلافات العلمية يرجع إلى سوء فهم المدلول اللفظي.
وللمصطلح أيضا قيمته من الناحية التعليمية؛ فهو يجمع المتعلمين على دلالات واضحة وييسر لهم استساغة الحقائق العلمية في قوالبها الثابتة.
وما من شك في أن التوحيد في المصطلحات يوفر الكثير على أبناء في تكامل إنتاجها العلمي، فينطلق العلماء والباحثون من حيث وصل سابقوهم، بدلا من بذل الجهود المضنية في فهم المصطلحات التي استعملت، وفك مغاليقها. كما أن اجتماع العلماء على مصطلحات بدلالات محددة يعينهم في إيصال أفكارهم إلى غيرهم بأقصر السيل وأيسرها.
ويسهم توحيد المصطلحات في حسم كثير من الخلافات الناشئة بين العلماء بسبب الاختلاف في المصطلحات ودلالتها، يقول ليبنتز ” الفيلسوف الألماني “: إن معظم الخلافات العلمية يرجع إلى خلاف على معنى الألفاظ ودلالاتها، ويوم يصطلح العلماء على دوال معينة تضيق مسافات الخلف كثيرا.
وإذا كانت الأمم التي لا تجمعها لغة واحدة تسعى لأن تكون مصطلحاتها موحدة أو شبه موحدة، فمن الأجدر باللغة الواحدة أن تكون مصطلحاتها موحدة، وأن يكون التواصل بين أبنائها أكثر سهولة ويسرا …
ما من شك في أن توحيد المصطلحات غاية يسعى إلى تحقيقها العلماء؛ ذلك أن تعاملهم مع مصطلح واحد واضح، محدد المفهوم من شأنه أن ييسر على العلماء عملية التواصل في العلوم التي يتداولونها. وليست علوم اللغة بخارجة عن هذا الإطار، فهي إن توافرت فيها المصطلحات الموحدة أعطت العلماء فرصة للتفرغ لمتابعة القضايا اللغوية الأخرى، والإسهام في بناء قاعدة يتكئون عليها، وينطلقون منها في دراساتهم وأبحاثهم.
والناظر في واقع المصطلحات اللغوية يهوله ما يعاني منه المصطلح العربي من تباين بين مشرق الوطن العربي ومغربه. بل ربما تعددت المصطلحات الدالة على مفهوم واحد في البلد الواحد، أو ربما عند العالم الواحد، ومن مثل هذا الأمر عليه من المآخذ ما يدعو إلى الوقوف بإزائه وقفة طويلة)[6].
مطلبا رئيسا في سياق الممارسة التدريسية، لا غبار على صوابيته وجديته لأن المفاهيم ومصطلحاتها معطى رئيسا في القضية العلمية لا تستقيم عمليتها بدونها. فالوعي بالمفاهيم ومصطلحاتها يشكل عتبة تنمية المعارف والعلوم الإنسانية وفهم وإدراك أهميتها المركزية في غاياتها ومقاصدها ومبانيها. وبالتالي؛ فتوظيفها والتعامل بها ومعها حتمي في عملية الاشتغال المعرفي والتعاطي مع عوالم الفكر ونظرياتها ومناهجها وأدواتها التي تتكون منها تلك العوالم الفكرية. لذا وجدنا علم المصطلح مرتبطا بأبعاد ثلاثة أو جوانب تتصل بالبحث العلمي، (وهي:
ـ يبحث علم المصطلح أولا في العلاقات بين المفاهيم المتداخلة كعلاقات الجنس والنوع والكل والجزء التي تتبلور في وضع المصطلحات المصنفة التي تعبر عن تلك المفاهيم، وبهذا المعنى يكون علم المصطلح فرعا خاصا من علم المنطق وعلم الوجود.
ـ أما الجانب الثاني فيبحث فيه علم المصطلح عن العلاقات القائمة بين المصطلحات اللغوية، ووسائل وضعها وأنظمة تمثيلها في بنية من العلوم، وهنا يصبح علم المصطلح فرعا خاصا من فروع علم المعجم “Lexcology”، وعلم تطور دلالات الألفاظ “Semasiology”.
ـ ويبحث علم المصطلح في الجانب الثالث في الطرق العامة المؤدية إلى خلق اللغة العلمية بصرف النظر عن التطبيقات العلمية في لغة طبيعية بذاتها.
وهنا يمكن القول أن علم المصطلح هو علم مشترك بين علوم اللغة والمنطق والوجود والمعرفة والإعلاميات، لأن كل هذه العلوم وغيرها تتناول التنظيم الشكلي للعلاقة المعقدة بين المفهوم والمصطلح)[7]؛ لأن (المصطلح يمثل ركيزة أساسية في دلالات النصوص. ويتكئ الباحثون على دلالته لتقديم دراساتهم بصورة يستطيع المتلقون فهمها والتعامل معها. ومن هنا فإن المشكلة ـ كما يرى محمد مجيد السعيد ـ ليست في وضع المصطلح العلمي وصناعته فحسب، وإنما كانت وماتزال تتمثل في وحدته في الوطن العربي، وإشاعته بين علماء العرب الذين يتعاملون معه، وانتشاره بين صفوفهم ومؤلفاتهم؛ ذلك أن تعدد المناهج وتباينها أدى بالضرورة إلى تعدد المصطلح للمفهوم الواحد وتباينه)[8]. ومما
(لا شك [فيه] أن تحديد المصطلح من الضرورات الأساسية في فهم الحضارة والفكر الإنساني وتجاوز الزمان والمكـان لإعادة استقراء الفكر المعرفي والحضاري. حيث إن التواصل بين البشر تنشأ عنه ألفاظ دالة على المفاهيم التي يـدركها الإنسان في محيطه. لما كانت الألفاظ أو الدوال تختلف باختلاف الاصطلاحات والبيئات، وإن توحدت في مدلولاتها أو تأخذ أبعادا إيحائية لمفاهيمها وهي بذلك تتجاوز حدودها في استخداماتها الاصطلاحية وإن توحـدت فـي مـدلولاتها أو مفاهيمها. وعندما تنتقل الألفاظ في استخدامها من معانيها اللغوية العامة إلى معانيهـا الاصـطلاحية الخاصـة تشـكل تصورات فكرية، وهده التصورات من شأنها أن توفر للمصطلح الوضوح والشفافية والتداول في حال استعماله وشيوعه وفق هدا الأساس النظري. وبتعبير أدق متى توحدت هده المفاهيم.
وبالرجوع إلى واقع المصطلحات اللسانية في الدراسات العربية الحديثة سنجد تحفظات عديدة بهذا الشأن حيـث تزخر المصنفات اللسانية العربية الحديثة بمصطلحات بينها تباين كبير سواء أعلى مستوى المفاهيم أو مسـتوى الصـيغ الاصطلاحية ذاتها، حيث نجد تعدد الصيغ والاشتقاقات والنقل، والترجمة.
والمتتبع لمسار الدرس اللساني يسجل وبوضوح أن جل هده المصطلحات ليست من البيئة اللسانية العربيـة بـل منقولة من حقول معرفية أخرى إلى الحقل اللسـاني، كما أن بعضـها بعيـد عـن روح اللغـة ذاتهـا نحـو: المحـور التوزيعي، المحور الأفقي، التفكيك، الفينومينولوجيا،…
ولعل الأمر هنا يرتبط بالواقع الذي وجدت فيه هده المصطلحات أو المفاهيم وبعوامل حضـورها فـي الثقافـة العربية؛ حيث يلاحظ في أغلب الأحيان أن عملية إيجاد المصطلح وإبداعه تقوم على عاتق علماء ينتمون إلى مؤسسـات متخصصة قليلة، كما تقوم على اجتهادات متعددة التوجهات والمشارب والثقافات، وتأتي هذه المصطلحات في كثير مـن الأحيان بهذا الشكل لفردانيتها وتعدد واضعيها. في حين تطمح العولمة المعرفية ـ إن صح هدا المفهوم ـ والاصـطلاحية “على الأقل” إلى محاولة توحيد الجهود والإلمام بجميع طرق الترجمة والنقل، وتوحيد وسائل وضع المصطلحات)[9].
فــ (المصطلح يمثل ركيزة أساسية في دلالات النصوص. ويتكئ الباحثون على دلالته لتقديم دراساتهم بصورة يستطيع المتلقون فهمها والتعامل معها. ومن هنا فإن المشكلة ـ كما يرى محمد مجيد السعيد ـ ليست في وضع المصطلح العلمي وصناعته فحسب، وإنما كانت وماتزال تتمثل في وحدته في الوطن العربي، وإشاعته بين علماء العرب الذين يتعاملون معه، وانتشاره بين صفوفهم ومؤلفاتهم؛ ذلك أن تعدد المناهج وتباينها أدى بالضرورة إلى تعدد المصطلح للمفهوم الواحد وتباينه)[10]. كما يشكل في عرف العلماء والباحثين في مجالات العلوم القواميس المختصة بتلك العلوم؛ حيث (يرتكز القاموس المختص ـ أو ما يسمى بالقاموس الفني ـ على محاولة إحصاء المنظومة الاصطلاحية التي يقوم عليها علم من العلوم، ومصطلحات العلم ـ أيا كان ـ إنما هي نظام من الدوال مشتق من نظام دوال اللغة التي يتداوله بها أهله، فالثبت المصطلحي هو مجموعة الألفاظ التي حولت عن دلالاتها الأولى لتختص بها دلالات فنية تدرك بسياقها العلمي، وليس من الضرورة أن تنقطع تلك الألفاظ عن معانيها الأولية، بل كثيرا ما تظل دالة في نفس الوقت على معناها العادي وعلى معناها العلمي بحسب سياقها من الاستعمال، وإذا تحول اللفظ إلى رصيد علم من العلوم فليس يمتنع في حقه أن يتحول في نفس الزمن إلى رصيد علم آخر، ويكون له من المدلولات ما يختص بها ذلك الحقل من المعارف)[11].
ومنه؛ (مقاربة موضوع اللسانيات التطبيقية يكمن في كيفية دراسة مشكل أو معالجة ظاهرة أو بلوغ غاية، وترتبط كل المقاربات بنظرة كل دارس إلى مجموع التصورات والمبادئ والاستراتيجيات التي يتم من خلالها تصور وتخطيط منهاج دراسي أو تطويره أو تقويمه. ومن خلال كل هذا فإن المفاهيم في أية نظرية لا تخرج عن الطبيعة التي أريد لها، مع التصرف الذي يحدثه الناقل أو الباحث تماشيا وطبيعة الموضوع المطروق. ولذا فإن كل المفاهيم في الأصل كانت فكرة مجردة يمكن تطبيقها على تجارب أو موضوعات متنوعة لها خصائص مشتركة. ويقوم المفهوم على خاصتين هما التجريد والتعميم)[12]. وبذلك يكون الاختلاف في المنطلق المعرفي النظري اختلافا في المنهج واختلافا في الفهم والاستيعاب والتبني والاشتغال. والاختلاف في الفهم والاستيعاب والتبني والاشتغال يولد الالتباس ورمادية المشهد العلمي بما يشوش على البعض. ويمكن لهذا المنطلق أن تآزره عوامل أخرى، وتزيد المشهد ضبابية بما يسمح بتكرار القول تأكيدا أن إشكالية تعدد المفهوم ومصطلحاتها إشكالية طبيعية أولا، وغير بعيدة عن باقي الحقول المعرفية والتطبيقية لاختلاف المنطلقات والمنظور والرؤية والتوجه والنظريات والمرجعيات والمنهجيات والأدوات والمدارس والتيارات والمصادر والشروط والمتطلبات. فهي إشكالية عابرة لشجرة العلوم. تقع في فكرنا التربوي بشكل واضح وجلي نتيجة مشاكل كثيرة؛ يرفدها في كثير من ميادين المعرفة ما سماه (ضعف النموذج والمنظور)[13]؛ القادم بحدة في اللسانيات الحديثة بصيغة ” التلقي ” عند الأستاذ الدكتور حافظ إسماعيلي علوي من عوائق موضوعية وذاتية[14] متنوعة، تنزع باللسانيات في المؤسسة التعليمية الابتدائية بحكم:
ـ تعدد روافد حقول الشهادات الجامعية المعرفية والأكاديمية الوافدة عليها توظيفا وتعاقدا؛ التي هي غنى للتجربة التعليمية من منظور تعدد الاختصاصات، وفي نفس الآن هي نقطة من نقاط ضعف الفعل التعليمي المؤسس على الموسوعية المعرفية، والخارج عن نطاق تكوين أكاديمي ومهني تربوي عميق وجيد ومتخصص بالمفهوم الشامل، والتعليمي/التدريسي بالمفهوم الضيق. وهو ما يآزره الواقع المعيش بالحقائق الميدانية التي تؤشر عن ضعف الممارس البيداغوجي أكاديميا ومهنيا في التعاطي مع الحقول المعرفية من حواشي تخصصه وهوامشه وتقاطعاته وتداخلاته. وهذا يتنافى مع مبدأ الشمولية التي يعيشها الفعل التعليمي/التدريسي في المدرسة المغربية الابتدائية. الذي يسر رواده السياسيون والإداريون على امتلاك الممارس البيداغوجي كل الحقول المعرفية رغما عن طبيعة الفعل التعليمي والتربوي والتدريسي التخصصي المتخصص في هذا العصر، والذي ينحو نحو الاشتغال بالفريق والتضامن والتكامل؛ دون أن يمتلك الممارس البيداغوجي في التعليم الابتدائي كل ذلك. فيصبح قادرا في مجال دون مجالات أخرى!
ـ طبيعة الموروث الثقافي التربوي والتعليمي والتدريسي التقليدي، والتقليد العملي والتطبيقي المتوارث عبر أجيال المدرسين شفهيا وعمليا، الراقد في عمق الممارسة الصفية؛ الرازح تحت توارث العديد من المقولات النظرية والعملية في بناء وتقديم الدرس المدرسي، كتوارث نظريات تربوية وديداكتيكية من بداية القرن العشرين أو قبل، والتي تطورت وتجاوزت أبجدياتها الأولية التقليدية من قبيل “البيجاوية التقليدية” أو السلوكية … أو المدرسة الكلية في التركيب … التي تطورت مع المعرفة الرقمية، ودخلتها تغيرات متجددة ومتطورة، أضحت واضحة المعالم مع الذكاء الاصطناعي والرقميات والعالم الافتراضي وعالم النانو، فاليوم هناك حقول معرفية جديدة تجوب أرجاء المعمورة بسرعة هائلة وبانتشار واسع لم يسبق أن شهده العالم بأسره من قبيل تكنولوجيا اللغات القائمة أصلا على اللسانيات الحاسوبية، واللسانيات العصبية، واللسانيات الاجتماعية … ؛ فــ (نحن نتصل بشبكات بيانات عالمية ضخمة ـ وبعضنا مع بعض ـ عبر البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، وشبكات التواصل الاجتماعية، والألعاب متعددة اللاعبين، وأشكال أخرى من الاتصالات الرقمية بسرعة لم يسبق لها مثيل. هذا التحول الثوري والمتسارع على نحو متواصل في الاتصالات العالمية يقود إعصارا من التغيير يشبه تسونامي ويفرض تعديلات هدامة ـ وخلاقة ـ في الأنشطة تتفاوت ما بين الفن والعلم)[15]. وهو ما يدعو المدرسة المغربية الابتدائية إلى مراجعة موروثها الثقافي التربوي والتعليمي والتدريسي ليقوم على أسس جديدة وأعمدة علمية حديثة متطورة. والخروج من عباءة الدروشة التربوية التي يرتديها فكرنا التربوي، الذي لا يخرج عن حالة الفكر التربوي العربي الذي وقع (الإجماع شبه التام على [أنه] مايزال يتخبط عندنا نحن العرب في متاهات ودوائر لا متناهية من المشاكل والصعوبات التي تحكم على خططه واستراتيجياته بالتعثر وعلى جهوده ووعوده باليأس وعلى توجهاته وآفاقه بالانسداد. فرغم اختلاف الرؤى والتصورات وتباين الوسائل والطرق وتناقض المنطلقات والمرجعيات، فإن محددات هذا الفكر وبإجماع الكثيرين ماتزال تقليدية في محتوياتها ومضامينها، محافظة في أسسها ومبادئها، جامدة في أهدافها وغاياتها ورافضة لروح العصر ومقوماته المتطورة. فواقعه يبدو شديد التأزم، تخترقه مشاكل ونواقض متعددة)[16].
ـ الخطاب المدرسي المتداول في المجتمع المدرسي المتهالك والمتجاوز، الرافض لأي تغيير أو تطوير أو تجديد مهما كان مفيدا، وهو ما نطلق عليه ” المقاومة البيداغوجية” للتجديد المدرسي أو (المقاومة الداخلية التي تبديها مؤسسات التربية الرسمية ضد التغيرات الجذرية ذات الطابع الراديكالي؛ وذلك لقصورها الذاتي البطيء بحكم طبيعة دورتها السنوية ومراحلها الدراسية المترابطة، ناهيك عن الضغوط الاجتماعية والقيود البيروقراطية)[17]. والتي مارسها خطابنا التربوي والتكويني، ومازال يمارسها نحو العديد من مبادرة إصلاح المنظومة التربوية والتكوينية المغربية، خاصة فيما يخص المناهج والمنهجيات. وهذا أمر طبيعي بحكم تشكل شبكة علاقات متحكمة في المنظومة التربوية تستفيد منها، ولها مصالح يضر بها أي تغيير أو تجديد أو تطوير؛ لأنه سيطيح بسلطتها وتسلطها على مفاصل المنظومة التربوية. لذا (يتوقع من الأفراد الذين يواجهون فقدان امتياز أو سلطة أن يقاوموا التغيير، ولكن الأشخاص الذين سيستفيدون هم أنفسهم من التغيير قد لا يرغبون في رؤية نظام علاقات مألوف ومفهوم لهم يتعطل أو يتداعى)[18]، وهذا ما حصل مع مجمل الإصلاحات التعليمية. وتزداد لغة هذا الخطاب تخشبا وتكلسا وسذاجة حين يروج المغالطات المنطقية، التي لا تستقيم مع العقل التربوي والتعليمي والتدريسي المنفتح على التعقل والتفلسف والتفكير المنطقي والموضوعي والعلمي والناقد والإبداعي، الآخذ بالدليل والحجة الدامغة في زعمه. فكيف لخطاب المدرسي ساذج! إقناع المتعلم/ة بما يدعو إليه ويدرسه من معارف وقيم وسلوك ومهارات وقدرات وتجارب وخبرات، ويشكل هويته وهو بهذه الحالة المزرية من التأزم؟! فارتفاع المعدلات وانخفاض الأداء ورداءته، وضعف الإنتاج العلمي وتفاقم المشاكل؛ وشعبوية المجتمع المدرسي المتقبل للشائعات ومروجها، والذي أصبحت في ظله المؤسسة التعليمية لا تعني أية قيمة مضافة لحياته الخاصة. والذي تستغله الرأسمالية المتوحشة في نسف مؤسسته التعليمية العمومية الرسمية من الداخل بيده؛ مقابل هدمها من قبلها في سياق توحش وتغول الرأسمال العالمي المسيطر والمتحكم في دواليب الاقتصاد العالمي، والذي في ظله (المدرسة لم تستطع ـ تحت معاول التغير ومطارق التحول ـ أن تحافظ على صورتها الجميلة، حيث فقد المعلم ألق الصورة التي رسمت له في الماضي، ولم تعد المعرفة العلمية غائية كما كانت في الأمس إذ سقطت في مستنقع الأداتية والنفعية الخالصة. لقد فقدت المدرسة اليوم كثيرا من بريقها الإنساني وتألقها الأخلاقي تحت وقع تحولات رأسمالية جديدة تختزل الإنسان إلى أبعاده الوثنية المادية، وتغتال الطابع الإنساني للمدرسة، وتسحق أعماقها الأخلاقية، وتوظفها كأداة مدمرة لإنسانية الإنسان وقيمه الإنسانية. فمدرسة اليوم تًحتضر على مذابح التقدم المادي الرأسمالي، وتذهب ضحية الشهوات الرأسمالية الزاحفة نحو المال والربح والقوة والسطوة والسيطرة، حيث تقدم رسالتها الإنسانية قربانا في مواسم انتصارات الرأسمالية الجديدة التي تأخذ صورة عولمة جارفة زاحفة لا تبقي ولا تذر، وعلى هذه الصورة يتمّ تدمير الجانب الإنساني في الإنسان الذي يحتطب ليزود النظام الرأسمالي الجديد بالقدرة على الانطلاق إلى غاياته المادية والنفعية المطلقة)[19].
تطرح على العقل والمنطق أسئلة مؤلمة وحارقة ملتهبة عن هذا الواقع المر للمنظومة التربوية والتكوينية، وهذا التناقض الواضح والصريح! وكيف يغطي الكم مساحة كبيرة من الكتابات الرسمية دليلا عن نجاح الفعل التعليمي، وعن جودة كفايته الداخلية والخارجية؟ وكيف تكون الاحتفالية عنوان عطاء تدريسي متميز؟ والتي يحاول خطابها أن (يضعنا إلى حد ما في صورة الإنجازات المادية الملموسة المتحققة واقعيا في ميدان التربية والمدرسة، ولا يتجاوز حدود هذا الامتداد الكمي والتوسع البنيوي للأنظمة التعليمية، بل يقدم لنا في كثير من الأحيان معالم الصورة الخارجية الكمية لأوضاع التعليم وتحدياته وطموحاته، ولكن هذا الخطاب لا يضعنا أبدا ـ وهو بالطبع لا يستطيع لقصور في إمكانياته العلمية والنقدية ـ أن يضعنا في صورة المشهد الأيديولوجي والفعاليات الخفية المستترة الكامنة في عمق هذه الأنظمة التربوية وفعالياتها التعليمية؛ فالمشهد السطحي الذي تقدمه التقارير والبيانات تكاد تخلو من أي وصف حقيقي للفعاليات القيمية والوظائف الطبقية والأخلاقية المتأصلة في التكوينات الوظيفية لهذه الأنظمة التعليمية، بل تنأى كليا عن تصوير الجوانب الاصطفائية والإقصائية للمؤسسات المدرسية والتعليمية، كما تجفل إشاراتها إلى المضامين الاستلابية القائمة في المؤسسات المدرسية التي تصطفي النخب، وترسخ التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين أفراد المجتمع وفقا لانتماءاتهم الاجتماعية والطبقية)[20]. وكيف يتحول اختيار مهنة التعليم فرضا وإجبارا على الممارس البيداغوجي يقنع من له عقل؟ وقد كان في حل من سلك هذا الخطاب المغالط للنفس والآخر الهادم لصورته في المجتمع والمؤسسة التعليمية، وهو يمتلك كل الحرية في اجتياز مباراة التوظيف أم لا؟! فلما هذه المجازفة القاتلة الشعبوية في حق من كاد أن يكون رسولا؟ ألا يمتلك الآخر عقلا ومنهجا علميا إن امتلك جنيسه عقلا ساذجا؟ فكيف يصبح التكوين المهني الهش والهزيل للممارس البيداغوجي تمكنا من فن وتقنيات التدريس؟ وكيف تتحول الديماغوجية التربوية التي يمارسها العقل المدرسي تجاه نفسه ومجتمعه دليلا على حصول تغيرات جدرية في المشهد المدرسي نحو الأفضل، كاتخاذ شواذ النتائج للتعميم؟ (فالصورة التمجيدية في الخطاب الرسمي لأوضاع التعليم وإنجازاته الكبرى تخفي في الظل منظومة من الحقائق والوقائع التي تنذر بالخطر، وتغفل عن قصد وعن غير قصد عن كثير من الممارسات التربوية المدمرة التي تعتمل في صميم هذه المؤسسات وعمقها، وتنذر بعدمية تربوية فائقة المقاييس والمعايير. وهذا الخطاب التمجيدي يتصف دون أدنى شك بقدرته على التضليل والتدليس في نشاط يهدف إلى ذر الرماد في العيون وإخفاء الحقائق التي يندى لها واقعنا التربوي بالمهانة والخجل. فالخطاب السياسي السائد عن الإنجازات والانتصارات لا يعدو أن يكون أكثر من مخادعة تربوية كبرى تضع في الخفاء ما لا يمكن الإعلان عنه والتصريح بوجوده من ممارسات تربوية اغترابية استلابية طبقية مضادة للإنسان والكرامة الإنسانية)[21]. فكيف له ذلك؟ والجميع يعلم أنه (تأتي معظم محاولات الإصلاح التربوي من القمة، أو من خارجها، ولا تمثل في أغلب الأحيان برامج عملية قابلة للتنفيذ، ولا تخرج عادة عن كونها شعارات ورؤى تتناثر، وتذروها الرياح ما إن تتلامس مع تضاريس الواقع التربوي)[22]. كما يلغي من حساباته ذلك المنهاج الخفي الذي ينهش في جسم المنظومة التربوية والتكوينية من داخلها وفي عمقها حتى تخر إلى الأرض كمنساة سيدنا سليمان النخرة بفعل دابة الأرض، الدالة على موته عليه السلام كموت منظومتنا التربوية والتكوينية الآن، التي مافتئت تتأزم يوما بعد يوم لحملها جينات تأزمها في ذاتها، وتعيد إنتاجها من جديد وتديم ذلك. يكررها الفكر التربوي ويذكيها الفكر السياسي، ويعمقها ويجذرها غياب انتشار فعل الوعي ووعي الفعل في مجتمعها، المحاصر بقيم الاستفادة واستغلال الفرصة ومتعة التخلف، وانحياز السياسي والمثقف والمفكر للسبات الشتوي للمنظومة التربوية والتكوينية، ولجعجعة فعل القول ومشتقاته، وإلغاء النقد تسكينا للمشهد التعليمي لإبراز التعليم الخصوصي والدعاية لعامته بالجودة. فـ (الرأسمالية العالمية الجديدة تعمل وبطرق خفية ذكية على تغيير المدرسة وتفجير أعماقها الإنسانية والإبقاء على تموجات السطح بشواطئه الجميلة؛ فالتغيير والتدمير يحدث في العمق المدرسي دون أن تبدو آثار هذا التدمير في السطح، أي في الصورة الخارجية للمدرسة، التي ما زالت من حيث الشكل كما كانت في الماضي معادلة إنسانية جميلة ترتسم في معادلة العلاقة الخلاقة بين المعلم والطالب والرسالة والأمل والحياة والقيم والحق والخير والجمال، أما في العمق المدرسي وعلى خلاف ذلك فتعتمل كل معاول الهدم والتدمير التي تطبق على المعادلة الإنسانية تسييدا لقيم الربح والتنافس والتسويق والتسابق وانسجاما مع قوانين السوق بما يعتمل فيه من صراع وعرض وطلب وربح واصطفاء وابتزاز. فنحن اليوم إزاء صورتين للحقيقة المدرسية، صورة إنسانية تطفو على السطح، وصورة أخرى حقيقة تستقر في الأعماق. وهكذا تبدو الصورة الإنسانية التي تطفو على السطح جميلة صافية نقية، أما الصورة التي تستقر في الأعماق فهي صورة النار والبركان والحجر، وعلى هذه الصورة تبدو مدرسة اليوم أشبه بالمحيط الذي يستريح على جمال الشواطئ بينما تعتمل في أعماقه السحيقة اندفاعات الزلازل وثورات البراكين المدمرة)[23].
فهذا الخطاب البئيس ليس طارئا على المنظومة التربوية وإنما يرجع لتراكمات وطبقات جيولوجية ترسبت نتيجة عوامل عدة، منها الحالة الثقافية للمجتمع المدرسي الرسمي التي يغذيها مستوى المجتمع والأفراد الفكري والمعرفي والقيمي والإيديولوجي والعقائدي والسلوكي، في راهنية تتسم بالتخلف الفكري والتأخر العلمي والحضاري، المتميزة بالخلافات والاختلافات والتناقضات في المنطلقات والرؤى والمسالك، وفي المذهبيات والاعتقادات حد التعصب والجنوح نحو العنف والعنف المضاد. والتبسيط والسذاجة التي يعيشها المشهد التدريسي والتربوي والتعليمي المغربي يبلد المنتوج التربوي ويسطحه ويهمشه على قارعة شوارع المنظومات التربوية العالمية الرائدة. ولعل نظرة بسيطة إلى ما يعيشه مجتمعنا من تبلد الإحساس بالآخر خير دليل على رداءة المنتوج التربوي. فقد أصبح الآن هذا الخطاب يرفض التكوين المستمر في حقول معرفية وتطبيقية معينة لاعتبارات عدة، منها: اعتباره لها فائضا عن الحاجة وأتعابا إضافية ترهقه … ويقبع داخل شرنقة التقليد والتمثلات والصور النمطية الجامدة التي تؤثر سلبا على الإبداع والابتكار والتطور والتجديد لما لها من تسكين وقتل روح التغيير في الفرد والجماعة والمؤسسة، ولما لها من طابع إيديولوجي وعقائدي وسياسي يقدسها إلى درجة رمق الخارج عنها بالكفر التربوي، والظلال عن الجماعة التربوية. ما يوجب ضرورة الاستتابة عن ذنبه التربوي!؟ ولن يكون مع التقليد والتحجر والتكلس أي إبداع أو تطور أو تجديد، فمنتوجات التقليد أحفورات تربوية وتعليمية وتدريسية مدفونة في تربة المنظومة التربوية لها وظيفة تاريخية وأداتية يدريها علم الإحاثة والسياسة وعلم المصالح الجماعية والفردية، فهي لن تقدم شيئا عمليا للمنظومة التربوية، ولا للفعل التدريسي أية قيمة مضافة. فدار لقمان ستبقى على حالها ما لم ينهض فكرنا التربوي لمواجهة ذاته بالنقد الذاتي البناء، ويتنازل عن أفكاره وتقاليده البالية التي تحاصره أينما كان. فالأخطر على المؤسسة التعليمية هو المقدس المضمر المستتر المستور وصنوه المنهاج الخفي وأدواته، والذي تتوارثه المؤسسة عن وعي أو دونه من جيل إلى جيل، وهو المألوف والمقلد الذي يخلق في الفكر المؤسساتي المناعة ضد أي تغيير أو قول خارج عن المقدس، ويخلق التوترات والاحتقانات لأجل سيادته، ويمتنع عن الترخيص لهدم أصنامه في صرح مؤسسات منظومة التربية والتكوين بدء بالمركز وانتهاء بالمحلي. (ولكي نكون في دائرة الموضوعية يتوجب علينا أن نعلن أن أصحاب هذا الخطاب هم أكثر الناس انخداعا بأوهام التقدم التربوي والإنجازات في ميدان التعليم. ويجب أن نعلن أيضا بأن منتجي هذا الخطاب هم أقل الناس قدرة على قراءة ما يعتمل في داخل أنظمتهم التربوية من أسرار وما يكتنفها من غموض وما يدور فيها من فعاليات تربوية استلابية واغترابية)[24].
من هذا الوضع أصبح لزاما على خطابنا المدرسي المتهالك الانفتاح على المستجدات التربوية والبيداغوجية والوسائل والتقنيات التعليمية الحديثة، وعلى تكنولوجيا التعليم بصفة عامة من أجل ممارسة نقدية ذاتية ـ وإن كانت ممارسة شاقة وصعبة وكأداء؛ لن تقوم بوظيفتها وواجبها بسهولة ويسر، لأن النقد انتحار على أبواب المنتقد ـ يتجاوز بها الأزمة التي يعيشها وتعيشها معه المدرسة المغربية، ويستنجد بالتفكير الفلسفي خاصة وبالتفكير الإيجابي بصفة عامة (في التنوير المسؤول لعقول أبنائنا ولمستواهم الفكري والثقافي العام، وبالتالي وضعهم في خضم ما يتطلبه العصر الحالي من مسؤولية ويقظة وانخراط دائم في عملية التنمية المستديمة)[25]. والحقيقة أن هذا الخطاب المدرسي المتصابي هو صيغة محمول يعبر عن موضوع فزيائي واقعي نعيش أحداثه المؤلمة كل يوم، ينحو بالمؤسسة التعليمية إلى قاع أخدود التخلف والفقر الفكري.
ـ عدم الجمع بين التخصص الأكاديمي والأداء المدرسي في التعليم الابتدائي: من خلال عدم إيمان الفكر المدرسي الابتدائي الرسمي؛ خاصة منه السياسي والتدبيري، الجمع بين التخصص الأكاديمي والأداء المدرسي، وإبقاء الممارس البيداغوجي في دائرة الموسوعية المعرفية؛ لا هو في الاختصاص النظري يمتلك مكتسبات وأبجديات التخصص، ولا الآليات والأدوات، ولا مناهج البحث وطرائقه لمقاربة المجال المعرفي المدرس بشكل تخصصي، وضبط إشكالاته ومشاكله المتنوعة. ولا هو في الاختصاص التطبيقي يضبط ديداكتيك الاختصاص، ويحسن الأداء والممارسة الصفية مع المتعلمات والمتعلمين. ما خلق ويخلق الانفصال والانفصام لديه بين النظري والتطبيقي على مستوى الممارسة التعليمية بما فيها الممارسة اللغوية، حيث (المشكل المطروح على البحث اللساني العربي يتمثل أساسا في المنهج وتطبيق النظرية، إذ يقع كثير من الباحثين [الممارسين البيداغوجيين] في عملية الإسقاط دون وعي بمشاكل النظرية نفسها، وهذا ما يجعل الدرس اللساني العربي غير قادر على استيعاب النظريات الغربية، وهو ما يعوق تطويره وتحديثه. ورغم اجتهاد الباحثين العرب الجدد في تفسير المستويات المعهودة للسانيات العامة والتطبيقية مثل المستوى الصوتي والصوتمي والصرفي والتركيبي والدلالي والبرغماتي، فإن هذه المستويات مازالت أمامها أشواط كبيرة للحاق بما تتوصل إليه اللسانيات الغربية من تسارع في البحوث، وخاصة المرتبطة منها بالتركيب والدلالة والبرغماتية في علاقتها بالمعالجة الآلية والحاسوبية)[26]. فرجع ذلك على الممارسة الصفية التباسا وارتباكا واضطرابا إن لم أقل عشوائية واعتباطية وفوضى عارمة، كل له وجهة هو سالكها وموليها.
ويزيد هذه المفارقة عمقا غياب رسكلة معرفة الممارس البيداغوجي لمكتسباته المعرفية والمهنية وفق جديد الفكر اللغوي العالمي، وناتجه التعليمي والمدرسي، بما يبقي مكتسبه الأساس الأكاديمي والمهني حبيس المعرفة القديمة عامة، والمعرفة اللغوية التراثية، التي يستند فيها تدريس اللغة إلى طرق تعليمية تقليدية لا توظف نتائج الأبحاث والدراسات اللغوية التطبيقية الحديثة والراهنة، وتتقادم في نطاقها معرفته بعمليات الاكتساب اللغوي واستراتيجياته، لضمور معرفته الشمولية المستجدة بميادين وحقول العلوم الأساس في بنية المعرفة الأكاديمية والمهنية للممارس البيداغوجي، من قبيل علم النفس وعلم الاجتماع وسوسيولوجيا التربية واللغويات وعلم الإناسة واللغويات النفسية واللغويات الاجتماعية وعلم اللغة العصبي وعلم النفس المعرفي … التي تحد من توسيع إدراكنا وفهمنا واستيعابنا لعمليات الاكتساب اللغوي والتعلم اللساني المعقدة وتشابكها وتداخلها تفاعلا وتأثيرا وتأثرا.
فهذه المروحة من العلوم في حالة التمكن منها؛ تساهم بقسط كبير من التأثير في سعة المعارف والمعلومات والحقائق العلمية للمنهاج الدراسي وللموارد التعليمية والأنشطة الدراسية، وفي نقل عمليات التعلم اللغوي من المعرفة والفهم والتطبيق إلى توظيف المعرفية العقلية والذهنية من استدلال واستنتاج واستقراء وتضمين وتحليل وتركيب وتقويم لحدثية تعليم وتعلم اللغة لتعزيز ودعم المكتسب اللغوي وضمان استمرار التعلم عند المتعلم/ة.
ـ الأخذ بسطح المنظومة التربوية والتكوينية: نتيجة غياب التفكير الناقد عنها، وعن الممارسة الصفية، وعن الخطاب التربوي والتعليمي والتدريسي. وغياب إعمال التدقيق النظري والعملي في الشأن التربوي تمحيصا وفحصا وتقص؛ ما يحيلنا على سطح المنظومة. والسطح تسطيح للفكر والنتائج، ونطح وتسطيح للنقد والناقد، بمعنى رميه بالتفكير السطحي لإناخته. وإسكاته عن تعرية وكشف المستور في العمق. فالفكر التربوي السطحي مستفيد حقيقة من وضعية منظومتنا التربوية لوجوده في مركز دائرة إنتاج المنتوجات السطحية لمعمل التربية والتكوين، المكتفي بالقال والقيل في مجال الأدبيات التربوي، وإعلاء مقامها على حساب المستور، ودفع المجتمع المدرسي إلى الاشتغال بها والترويج لها على أنها هي الأساس في الهندسة التربوية والتطبيق العملي. وبغياب التفكير الناقد وثقافته عن المجتمع المدرسي يغيب التفكير الاستراتيجي والتفكير الإبداعي والتفكير العلمي ثم يغيب الوعي التربوي بما هي المنظومة التربوية والتكوينية منظومة بمستويها الظاهري والعميق. والمنظومة التي تفقد الوعي بذاتها تفقد بوصلتها وأدواتها … وفكرنا التربوي الرسمي مأخوذ بالكم دون الكيف في سياق الخطاب عن المنجزات والأهداف تبعا لمأخذ وعينا التربوي (بظاهر الأمور وليس بوشائج حركتها الداخلية وما يعتمل فيها من حقائق وممارسات على مبدأ ” لك من الأمر ما ظهر وليس عليك منه ما خفي وما ستر”، ومن المذهل اليوم أن مفكرين تربويين يشهد لهم بالعطاء والعناء يقعون تحت سطوة ظاهر الأمور دون التوغل في الأعماق والبحث في دهاليز الأماكن المظلمة والردهات الخفية في الواقع التربوي المعاصر. وتحت تأثير هذا الغياب الكبير للفكر التربوي النقدي، يجد الوعي التربوي العام نفسه مثقلا بأوهام كبرى عن المدرسة والتربية والتعليم، متأثرا بالمغالطات والضلالات التي ارتبطت بوظيفة المدرسة ودورها وفلسفاتها وبنيتها وديناميات عملها. وهذا الأمر قد ينسحب جزئيا على الوعي التربوي المتخصص الذي نجده لدى أجيال من الأكاديميين والجامعيين، ولدى كثير من الكتاب المفكرين الذي لم يستطيعوا تجاوز عتبة الرؤى السطحية الشكلية لوظيفة النظام التعليمي ودوره في الحياة الإنسانية للمجتمعات المعاصرة)[27].
والمنظومة التربوية والتعليمية تحتاج احتياج ركن، لا احتياج ضرورة وإن كان مطلوبا ومرغوبا به، إلى بعد نقدي، يبرر مشروعية وجوده عبر المساءلة النقدية لمدى صدق تلك المعرفة المنقولة في المؤسسة التعليمية ديداكتيكيا طلبا لحقيقتها من زيفها، وتمحيصا لدورها في تشييد المعمار الفكري للمستهدف البشري أولا ثم المجتمعي تبعا واستلزاما وأنسنة الإنسان وبناء شخصيته واستقلاليته، والبحث في تشكيل الإنسان وفق طموحها ومبتغاها ورؤيتها حاملا لما حملوها به، ولكونها ـ أي المعرفة المدرسية ـ غير حيادية وغير آمنة، وبراغماتية الطبيعة. مشكوك فيها لما تحمله من وجوه ظاهرة ومضمرة، ذات غايات معلنة وأخرى مسكوت عنها. ألا ترى ثقافة القطيع وهي ثقافة ذات أصل تربوي أولا ثم شعبوي ثانيا، تؤدي بالقطيع إلى المسلخ دون تعب الجزار السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو التكنولوجي …؟ ولعل في قصة “رب المزرعة والحليب والتربية في هذا البلد الأمين” دليل قاطع على عدم حيادية المعرفة؛ لأن رب المزرعة ركب التربية لتربية من أحجم عن شرب الحليب يوما ما، ولم يورد حاوية الحليب الوقود للنقل والتنقل؟! واشتعلت نارها في فضاء مزرعته الواسع الشاسع المسطح! فلن يخمد لهيبها سوى استسلام القطيع لرب المزرعة بتسطيح قضاياه وتسفيه مفكريه وقاداته الحقيقين الشرفاء.
فالسطح يفقد الأشياء جوهرها العميق والكامن فيها؛ فالبحر والفواكه لبها في عمقها. لذا؛ فالنظر في المناهج والكتب المدرسية والمواد الدراسية والأطروحات الفكرية النظرية والعملية التربوية والتعليمية، يلمس أغلبها يقف عند سطح المتداول المدرسي، أي تقف على سطح الحقول المعرفية المدرسة والنظم التعليمية والتشريعات التربوية، ولا تنفذ إلى عمقها بالسؤال النقدي، والسؤال العلمي، وتعيش في غالبها على هامش منظومة الأسئلة الحرجة التي تشرح المادة وتبين سطحها وعمقها. وتفحص دقائقها بالرنين المغناطيسي، وبمجموع أجهزة التصوير الرقمي. والفحص بالنقد مطلوب عقلا وشرعا، فقد جاء عن الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ في النقد والتمحيص والتدقيق قوله[28]:
ـ امخضوا الرأي مخض السقاء، ينتج سديد الآراء.
ـ الرأي مع الأناة، وبئس الظهير الرأي الفطير.
ـ اضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب.
ـ الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار.
فالتسطيح نقيض النقد يسير في الاتجاه المعاكس السالب نحو الهاوية، وأما النقد وثقافته يسير في الاتجاه الموجب نحو البناء والنجاح. فالمنظومة التربوية والتكوينية التي يسود فيها التسطيح وثقافته، تقود إلى انعدام إعمال العقل والفكر في مضمونها وأدواتها، فيشيع فيها فكر الطاعة والخضوع والاستسلام والاتباع والتسليم لما يقدم فيها من مضمون ومحتوى، وأدوات وسلوكيات ومسلكيات، وتنتج طغاة الفكر والثقافة، وجبابرة الإيديولوجيا والعقائدية الدينية والسياسة، وأباطرة الاقتصاد ومستبديه ومحتكريه، ويغمرها خطاب لغة الخشب فضلا عن تجميد كيانها مركزا وأطرافا عن أداء وظائف الوعي والتبصر والعقل والنظر النقدي والفكر الابتكاري والتطوري، ونشر ثقافة التحرر والاستقلالية الفكرية، ويؤدي التسطيح فيها إلى الانتكاسات والنكوص إلى الخلف والتخلف ثم السقوط في الهاوية، وما أدراك ما الهاوية؟ نار اجتماعية حامية تحرق الأخضر واليابس، وتمشط الوطن من منابع التقدم والتطور بعد تمشيط قوائمه وأركانه المتعددة، والعمل على ترديه في غياهب الظلامية والجاهلية الكبرى في عصر الأنوار المعرفية والحضارية. وأما المنظومة التربوية والتكوينية التي تسودها ثقافة النقد والنقد، فهي حصينة بذاتها عن نكبات النكوص إلى الخلف، ودائمة النبض بين الأمم. يجلب النقد فيها تدقيق وفحص الزائف من الحقيقي والأصيل أولا، ثم تؤدي إلى تحمل المسؤولية وتفعيل المساءلة والمحاسبة في حياتها استجلابا للحيوية والفاعلية والتفاعل في فكرها وممارستها وناتجها التعليمي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإيديولوجي والعقائدي … فهي تشارك عوامل أخرى وتشاطرها في إغناء وإثراء وتنمية الفكر ومعماره وهيكله الفردي والجمعي وترشيده بتوجيهات مدروسة ومحسوبة بدقة. كما تنضج الخبرة والتجربة وتنميها إزاء توجيهها وإرشادها وتصويب وجهتها واشتغالها وطرقها ونتائجها. وتعمل على تسديد الرؤى والأطروحات الفكرية التنظيرية وخطواتها المنهجية والعملية وتقييمها وتقويمها في ذات الوقت. هذا، والنقد وثقافته تشيع في المجتمع المدرسي والمجتمع العام الوعي الفردي والجماعي المميز للحسن والجيد والمستنير من الأفكار والبرامج والمناهج من قبيحها وفاسدها. كما تميز بين صالح مكونات المجتمع وطالحه وفاسده، حتى يسلم من الفساد والتعفن والأمراض. فالمجتمعات المريضة ناتجة عن بشر مريض.
والنقد الآن أصبح أمرا مطلوبا في المجتمعات المتقدمة، تسعى إلى تدريسه وتعليمه في مدارسها ومؤسساتها التعليمية المختلفة، واضعة له المنهاج والبرامج والدورات التكوينية الخاصة به، بل وفي مؤسساتها الصناعية لأنه قاعدة أساسية في تمهيد الطريق للتفكير الإبداعي، الذي يطور المجتمع وناتجه المتعدد الوجوه. ومن ثم؛ فللنقد مشروعية قانونية وشرعية تأسست على طبيعة كونية في الإنسان والملائكة والجن؛ أقر بها كتابنا الحنيف في قوله تعالى: (وكان الإِنسان أَكْثر شيء جدلا)[29]، ومارستها ـ أي مشروعية وقانونية النقد ـ الملائكة حين استفهمت ناقدة في تعجب مضمر في خطابها لله سبحانه عن استخلافه الإنسان في الأرض في قوله جل وعلا: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)[30]. وهو ضرورة من ضرورات الممارسة الصفية والتنظير لها، لكون الإنسان خطاء بطبعه يعتري قوله وأفعاله الخطأ، ووجب التصحيح والتصويب، وبدون نقد لا نقف على الأخطاء، وبالتي فهو أمر طبيعي ومستحب أن يحضر بكثافة في المنظومة التربوية والتكوينية. وأول أعماله الرائعة يجتث التسطيح من الفكر التربوي ثم يبعث الروح فيه، ويقود إلى تفكير علمي متبصر ومستنير …
(من أخطر ما يمكن أن يؤثر في العقول هو التسطيح ذاته، والذي تشترك فيه عناصر عدة، تؤدي جميعها إلى هذا التسطيح، ما يجعل العقل عاجزاً عن التفكير السوي، ومن ثم عدم اتخاذ القرار، بالشكل الذي يجعله فريسةً للمؤثرات المحيطة به، دون أن تكون له الريادة في طرح المبادرات، أو التعاطي إيجابا فيما حوله من مجريات.
ولعل من أبرز العناصر المشكلة لهذا التسطيح تدهور الحالة الثقافية للشعوب، وإخضاعها لوسائل وأجهزة إعلام، يمكن أن تمارس حالة من التمييع، أو سطو وغسيل للعقول، ما يضعها تحت ضغط الحاجة، الأمر الذي تصبح معه هذه العقول عاجزةً عن التفكير، فيصدق فيها وصف تسطيح العقول. ومن يخضع لهذا المصطلح هم من يعانون من تدهورٍ ثقافي، كما سبقت الإشارة، علاوةً على تردي مستوى المعيشة، خلاف ضعف مستوى التعليم، وانتشار الفقر والجهل والأمية.
وغالباً ما نجد هذا التردي في الأنظمة الشمولية التي تستثمر هذا الضعف بتقوية مكونها الأبرز، وهو الإعلام، فيقوم بدوره بحالة من التشويه والتسطيح للأدمغة، فيجعلها عاجزةً عن عدم التفكير في تحقيق أي نهضة. وتتعاظم الخطورة في أن يترافق مع كل هذا غياب الحكم الرشيد، وشيوع حكم الفرد، فيصاب الحاكم مع كل هذا بحالة من جنون الهيمنة والغطرسة، ليس على أعدائه، ولكن ضد شعبه، ما يكون له سلبياته بالطبع على المحكومين.
وحينما تكون هناك مناعة ثقافية للدول، فإن شعوبها تصبح عصيةً بحال على أي شكل من أشكال التسطيح، ما يعني أن الثقافة هي حائط الصد ضد أي أفكار هدامة، وضد أي شكل من أشكال الوسائط الإعلامية، التي تعمل على غسيل عقول الشعوب، إذ إنه من خلال الثقافة يمكن تحقيق النهضة وتنمية العقول، وبغيابها تتقارب الفجوة بينها وبين التخلف، ومن ثم تضيق الهوة بين البناء والهدم، الأمر الذي يعكس أهمية الثقافة بمفهومها الواسع والشامل، وليس بمفهومها الضيق الآني الذي يصوره البعض، أو يختزلها في شكل قصائد شعرية، أو مجموعات قصصية، أو نصوص روائية، أو لوحات تشكيلية، أو عروض فنية)[31].
ـ قلة الوعي في مجال اكتساب اللغة، بمدى ترابط العدة المعرفية[32] ” القدرة التفكيرية “، واللغة ذاتها وطبيعتها، والديداكتيك تكاملا وتقاطعا وتداخلا وتساوقا بل تلازما؛ فــ
كلما طرح اكتساب اللغة للبحث انقدح عدد من الإشكالات المترابطة بصورة لا تقبل الفصل. في المقدمة يتبادر إلى الذهن سؤال حول العدة المعرفية التي تزود بها الإنسان فاستطاع أن ينشئ اللغة وأن يكتسبها خلفه. وإذا انكشفت تلك العدة المعرفية فما الطريقة أو الطرائق التي تنتهجها إبان الاكتساب؟ وهذا التساؤل يصح إذا كان سلوك هذه العدة منتظما، ويأتي في كل مرة على نهيجة واحدة، ولا يتخلف أبدا حتى زالت عنه كل مظاهر العشوائية أو الاعتباطية. أما الإشكال الثالث فيهم طبيعة اللغة باعتبارها موضوعا مستقلا يتميز بخصائص ليست لغيرها من الموضوعات الوجودية. وكأننا في المسألة الأخيرة يعنينا أن نتصور مسمى اللغة تصورا واضحا، كما همنا في الأولى أن نتمثل بوضوح ماهية العدة المعرفية، وعندئذ يمكن أن نتلمس على أي وجه يكون عملها وهي تكتسب.
أما ترابط الإشكالات الثلاث فعن طريق التلازم؛ بمعنى أن النتائج المستخلصة من تناول ماهية العدة المعرفية بالدراسة والتحليل يلزم بالضرورة المنطقية أن تكون موافقة، من جهة أولى، للوصف المقدم لسلوكها المنتظم إبان الاكتساب، ومن جهة ثانية لطبيعة اللغة باعتبارها موضوعا للاكتساب. وبعبارة موجزة إن ما يثبت في أحد الإشكالات الثلاث يسري بالضرورة في الباقي.
فإذا صح انقسام العدة المعرفية إلى: 1) ملكات ذهنية لاقتناص خصائص الموضوعات الجزئية و2) ملكات عقلية لتجريد الكليات واستنباط العلم بالمجهولات يلزم أن تتفرع طريقة الاكتساب الموصوفة من لدن المهتمين إلى 1) فرع مراسي أو تجريبي ينشط فيه قسم الملكات الذهنية من العدة المعرفية، وإلى 29 فرع استنباطي ينشط فيه قسم الملكات العقلية وهي تجرد الكليات؛ أي الخصائص المشتركة بين عدد غير متناه من الموضوعات الجزئية، أو تستنبط العلم بالمجهولات التي لم تقتنصها مراسا الملكات. وهذا التقسيم يجب أن يتكرر في اللغة؛ كأن يوجد فيها: 1) قسم أول يقتنص مراسيا لا غير؛ وبالقوى الحسية ليس إلا. و2) قسم ثان يكتسب استنباطا بتشغيل القوى العقلية[33].
ومقابل قلة الوعي هذه، التي تحيل على التكامل والترابط والتفاعل في نفس الوقت، نجد إشكالا آخر في سياقه ينعكس على الاكتساب اللغوي سلبا في المدرسة الابتدائية، يتجلى في ” النقل الديداكتيكي” الذي يجزئ الكل ” اللغة ” إلى الجزء ” مواد لغوية دراسية ” ما يضغط على اللغة في كليتها، ويكيفها مع المعطى المدرسي لتصير مادة قابلة للتدريس، بمعنى آخر نقل المادة العالمة إلى المادة المدرسية، وتحويلها من التداول بين العلماء والمختصين والخبراء والدارسين الأكاديميين أو المثقفين إلى التداول بين التلاميذ مركزيا ضمن التفاعل العلائقي في سياق المثلث الديداكتيكي. فتختفي بعض تفاصيلها اللغوية وأساسياتها المعرفية الأكاديمية عن المشهد الكلي للغة فضلا عن مستجدات دراستها وأبعادها واتجاهاتها؛ ويحل محلها الالتباس والرمادية غابشا المشهد التدريسي لدى الممارس البيداغوجي ـ خاصة منهم غير المختصين وغير المتابعين والدارسين ـ من قبيل: غياب السمات عن القواعد التركيبية والصرفية والمعجم والدلالة، وغياب السياق في شرح المفردات ما ينقل المعنى من معنى سياقي إلى معنى معجمي عام، وغياب التصريح بالأنظمة اللغوية وقواعدها، والاكتفاء بالتضمين، المشكل الذي يدخل المتعلم/ة في دوامة من التساؤلات، كأن نضمن قواعد التراكيب في الدرس اللغوي بالمستوى الثالث، فيتساءل المتعلم عن الفاعل لماذا هو مرفوع دون تبرير مسألة رفعه؟ أو نصب المفعولات دون معرفة السبب أو العامل في ذلك … وهكذا يكبر المشكل مع عدم ملاءمة الاشتغال المعرفي مع المرحلة العمرية والعقلية للمتعلم وتزداد شدته وحدته … إلخ. وتتعقد المسألة كلما توجهنا نحو الممارسة الصفية حيث المتعلم لا يكتسب المادة المدرسية كما قررها المبرمج التربوي، وإنما يقع فيها التغيير والتحوير والإزاحة حسب معطياته الخاصة الفردية والجماعية، ومتعلقات الممارسة الصفية الخاصة به، حيث تصبح مادة مدرسة ومكتسبة، إذ تعيين وتحديد لقطة عالمة من حقل معرفي معين، والاشتغال عليها بالنقل الديداكتيكي لتدريسها للمتعلمين، ينشئ تحولا[34] وتغيرا كبيرا في طبيعة المحتوى والمنهجية ومنظومة الأسئلة الواجب طرحها في مقاربتها مدرسيا فضلا عن إجراء تحولات في شبكة العلاقات البينية بين مكوناتها وعناصرها ومفاهيمها على المستوى الداخلي للقطة وخارجها في تفاعلها الخارجي مع لقطات أخرى في سياق التقعيد أو التداخل أو التكامل أو التناظر أو التلازم أو التضمين الكلي أو الجزئي.
قلت: تنزع بها أن تكون (ذلك المجهول الذي يثير فينا ريبا وشكا، وتوجسا وخوفا، مما يثير فينا نزعة ـ ولو فضولية ـ لمعرفة موقفنا من واقع الثقافة، والعلم، والمعرفة في العالم. فعلم اللسانيات لم يحظ بعد بالأهمية التي حظي بها في الغرب؛ إذ على الرغم من مرور [أكثر من][35] نصف قرن، على معرفته، والعلم به، والبحث فيه، وتدريسه في الجامعات العربية، ما زال علما غريبا على جمهور المثقفين في الوطن العربي، ناهيك بجمع غفير من القائمين على تعليم اللغة العربية في المدارس والمعاهد)[36] إزاء (انعدام إشعاع الفكر اللساني في وطننا العربي. ومعلوم أن المعيار الاجتماعي في سبر إشعاع الظاهرة العلمية هو أن تتحول إلى معطى ثقافي وواقع معرفي يتقاسمه المتطلعون فكريا مهما تباينت شرائح الانتماء لديهم اختصاصا وثقافة، بل نقصد بما قلناه إلى جانب ذلك تعطل الفكر العربي عن أن يقدم للإنسانية في حقول المعرفة اللسانية عطاءه الخصيب الذي قد يحرك به مسار التفكير الحديث بمقوده العلمي الأصيل)[37]. بدل أن تنزع باللسانيات إلى الشيوع والذيوع الثقافي والأكاديمي والمدرسي والتبني المجتمعي التداولي، بمعنى تبييء اللسانيات في البيئة المجتمعية تبييء ثقافة عامة لا معرفة تخصصية، وفي البيئة المدرسية تبييء ثقافة ومعرفة تخصصية، بمنطوق السؤال: هل اللسانيات تشكل المتداول اليومي المفكر فيه والهاجس المبحوث عنه للسياسي التربوي ولمجموع مكونات منظومته التربوية بما فيها من المبرمج والمخطط والمؤطر والإداري والممارس والمتعلم، وبما تحويه من مناهج وتوجيهات وإرشادات وقوانين فضلا عن الأنشطة التربوية والكتب المدرسية …؟
فهذا النزوع؛ فعل انحصار في الرؤية وقصور في الفهم واضطراب في التوظيف، لا يستسيغه المهتم بالشأن المدرسي ولا يفهمه مهما كانت مبرراته مدعاة الموضوعية عند البعض، لأن موقع اللسانيات الأكاديمي والبحثي في جامعاتنا صار واقعا ملموسا محسوسا بدلالة تاريخية[38] مرت بمراحل عدة، توجت بمرحلة مأسسة الدرس اللساني في الجامعة، والتكوين فيه، والبحث في مجاله تكوينا ونشرا، والتداول في جديده محليا وإقليميا ووطنيا ودوليا إشكالات وقضايا وأطروحات واجتهادات ومقترحات عبر الندوات والمؤتمرات. فصارت إلى التوطين في المغرب (بشكل مقبول، إن لم يكن جيدا، مقارنة مع ما حدث في الدول العربية. ففي جل هذه الدول، لا تدرس اللسانيات إلا هامشا، وليس هناك من تخصصات في السلكين الثاني والثالث كما في المغرب. ثم إن اللسانيات لم تتبيأ باللغة العربية وفي القسم العربي إلا هامشا. وقد ظلت اللسانيات التوليدية والمرجعيات الأنجلوساكسونية هامشا في بلدان المغرب العربي، التي تطغى فيها اللسانيات الوظيفية الفرنسية إلى الآن)[39]. لكن رغم هذا ومع الأسف الشديد، لم تجد اللسانيات ودرسها الأكاديمي امتدادا عضويا رسميا شاملا في المدرسة المغربية الابتدائية وممارستها الصفية ودرسها اللغوي المدرسي إلا حديثا وبصورة محتشمة، تكاد لا تلمس بوضوح وشفافية إلا بمجهر المتخصص اللساني الباحث عند عتبات الدرس المدرسي الابتدائي في المكون القرائي بالمستوى الأول في منحى الطريقة المقطعية. وتمسي اللسانيات في مجال تلك الصورة الخجولة مقطوعة الوصل بالمدرسة الابتدائية لانحباس فعلها اللغوي في الدرس اللغوي العربي التقليدي على مستوى تدريس النظام اللغوي العربي بمستوياته المتعددة: الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي لبناء المهارات اللغوية عند المتعلم، مهارات الدخل وهما: الاستماع والقراءة، ومهارات الخرج وهما: الكلام والكتابة، وما يتعلق بها من تفصيلات وحيثيات لسانية وديداكتيكية في البنية والوظيفة.
والانحباس هذا زاد المشهد المدرسي الابتدائي تعقيدا نتيجة:
ضعف مناهج تعليم وتدريس اللغة العربية:
في واقع الممارسة الصفية يلاحظ أن مناهج اللغة العربية لا تبنى على معطيات ونتائج الأبحاث والدراسات والبحوث في تعليم وتعلم اللغة العربية مقارنة بما هو حاصل في تدريس ودرس اللغات الثانية. (كما يلاحظ أيضا أن مصممي مناهج اللغة العربية لا يفرقون بين كونها [اللغة العربية] لغة أولى “Mother Tongue” أو لغة أجنبية “Foreign Language” حيث يترتب على ذلك بناء مناهج خاصة للأجانب واستعمال طرق تدريس مختلفة)[40]. وكذلك لا يقوم المنهاج الدراسي للغة العربية على حاجات المتعلم الحقيقية والفعلية، وإنما على حاجات افتراضية، تقع في نطاق المعرفة العامة بالمتعلم/ة، قد تثير حافزية ودافعية المتعلم/ة وتنمي كفايته التواصلية، وتغني منظومة مهاراته وقدراته اللغوية. وقد لا تحقق ذلك لطبيعتها الافتراضية التي تحمل احتمالية عدم تعبيرها عن حاجات المتعلم/ة حقيقة.
لعل أبرز القضايا والإشكالات المرتبطة باللغة العربية الفصيحة هي مسألة تعليمها وتدريسها، وتكوين الطلبة والباحثين في قضاياها وإشكالياتها، لأن الأمم المتحضرة والمتقدمة تعمل جاهدة لتوفير أحدث الوسائل الديداكتيكية والعلمية التي تضمن للغاتها الحياة والاستمرارية والتطور، وكلما تألقت لغة ما وانتشرت ضمنت الازدهار والتطور للثقافة والحضارة الحاملة لها.
إن مناهج التعليم وتدريس اللغة العربية في الوطن العربي أو في معظم أنحائه [ بما فيه المغرب]، وفي مختلف المراحل الدراسية، لا تسهم في تربية السلائق اللغوية لدى الناشئة، ولا تجسد حيوية الإعراب وفعاليته وعفويته وصوره الطبيعية الميسرة فيما تقدم لهم من قواعد اللغة ونماذجها ونصوصها وأنشطتها.
إن أزمة تعليم وتدريس اللغة العربية في المؤسسات التعليمية لا تقل عن أزمة تعريب التعليم سواء على مستوى المواد الدراسية التعليمية أو على مستوى مناهج التدريس، وعليه فإن الدارسين يلاحظون أن هناك الكثير من نقط الضعف في هذا المجال:
ـ التركيز على الجوانب الصورية في تعليم الصرف والنحو.
ـ عدم النفاذ إلى مضامين النصوص العميقة والكشف عن بناها الكلية.
ـ عدم الاهتمام بجانب الدلالة اللغوية والمعنى.
ـ إهمال الجانب الوظيفي في استخدام اللغة.
ـ عدم تنمية المهارات اللغوية في الحياة العملية[41].
ـ أزمة الكتاب اللغوي المدرسي؛ الذي شكل الخطاب الرسمي وجهه الاستسهالي والتبسيطي في إطار غياب ثقافة استشرافية واستراتيجية واعية بأهمية الكتاب المدرسي في بناء إنسان الغد معرفة وتفكيرا ومنهجا ونهجا وكفاءة وأداء … واعتباره فقط حاملا معرفيا ومنهجيا وتدريبيا وأدائيا، ووثيقة مدرسية رسمية وظيفية لبناء الحقول المعرفية عند المتعلمات والمتعلمات، لا يتعدى مفهومها ودورها الوسيلة التعليمية أو المكون البيداغوجي في العملية التعليمية التعلمية بمنطوق تكنولوجيا التعليم وتقنياته، وهو مفهوم قاصر يغلب عليه الطابع التجاري أكثر منه الطابع التربوي والتعليمي. فتصدى له تأليفا المختص وغير المختص في التأليف المدرسي، والمحترف والهاوي؛ ما طبعه بالنقص في كثير من النواحي، خاصة ناحية الديباجات النظرية التي تشكل الأسس المعرفية والركائز الديداكتيكية للفعل التعليمي والأدائية من جهة أولى، ومن جهة ثانية تشكل فرشا نظرية ومراجع للممارس البيداغوجي غير المختص في اللسانيات، تمده بأبجدياتها ومقدماتها المعرفية، وبإشكالياتها وكيفية مقاربتها. والذي ظل يرزح تحت تكرار نفسه بصيغة الكتب التقليدية والقديمة التي اعتادت عليها الأجيال في تعلم اللغة العربية ونظامها وتوظيفها، مما نزل بثقله على الكتاب المدرسي قصورا، فهناك إشكالات وقضايا معقدة معرفية وديداكتيكية وموضوعية متوارثة، مازالت قائمة في الكتاب المدرسي للغة العربية بالمدرسة الابتدائية[42] لم ينتبه لها المؤلف والمؤطر والمسؤول؛ والجميع يعلم ضمن الخطاب التربوي الرسمي والأدبي لما لهذا الكتاب من دور رئيسي في البناء الفكري اللغوي للمتعلم. فهو مفتاح باب ولوج المتعلم الأسئلة المفتاحية السبعة: هل، ومن، وماذا، وأين، ومتى، ولماذا، وكيف؟ استيعابا وفهما واكتسابا وتوظيفا من أجل أن يكون لغويا مفكرا وقارئ ومتواصلا ومنتجا … إلخ. يعرف الهدف وكيفية الوصول إليه بمعرفة الانطلاقة والطريق والوسيلة والإنجاز والتحقيق. كما أن هذا البناء الفكري اللغوي هو الوسيلة المثلى لتحصيل باقي المواد الدراسية التي يدرسها المتعلم، فإن صلح تحصيل اللغة صلح تحصيل باقي المواد الدراسية تبعا، وإن اختل تحصيلها اختلت التوابع، وصارت زوابع. فهو في سياق الفقهاء مما يتوسل به إلى إقامة الواجب التعلمي فيصير واجبا على غرار قول الإمام برهان الإسلام الزرنوجي: (ما يتوسل به إلى إقامة الفرض يكون فرضا، وما يتوسل به إلى إقامة الواجب يكون واجبا)[43].
ـ أزمة الكفاية اللغوية والقرائية التي يعيشها متعلم المدرسة الابتدائية، وضعف معجمه اللسني الوظيفي وهزالة أدائه اللسني قراءة وفهما وإنتاجا؛ هي الوجه المنعكس لضعف التكوين في اللغة العربية وضعف قرائية الممارس البيداغوجي في واقع الممارسة الصفية، وضعف استراتيجيات تدريس اللغة على مرآة، حيث لا يتقن معلمو اللغة العربية ومن يتطلعون إلى العمل بهذه المهنة في حالات كثيرة اللغة العربية نفسها إتقانا كافيا. ولا غرابة في ذلك لأن المعلمين أنفسهم نتاج الأسلوب غير الفعال لتعليم اللغة العربية. ومن المرجح افتقار مدرسي المواد الأخرى إلى التدريب والثقة في التدريس باللغة الفصحى المعاصرة وربما لا يرون استعمالها جزءا من دورهم. وفي هذه الحالة، قد يلزم أن تعالج برامج إعداد المعلمين جوانب القصور لديهم بحيث يشعر الخريجون بثقة كافية في استخدام الفصحى داخل الفصل الدراسي. ويلزم أيضا أن ترسخ هذه البرامج لدى المرشحين للتدريس أن كل معلم هو معلم للقراءة، حيث تحدد الاحتياجات اللغوية في كل مادة ويتم تدريب المعلمين على ملاحظة ودعم تطور مهارة القراءة لدى الأطفال في مادتهم.
وبشكل عام، فرغم تغير السياسات في مختلف بلدان المنطقة واشتراط المزيد منها الحصول على درجة البكالوريوس أو أعلى منها، فإن هذه التغييرات ستستغرق وقتا حتى يسري تأثيرها داخل الأنظمة القائمة. [هنا نسجل ملاحظة، أن الشهادة الأكاديمية لا تفيد بالمطلق الكفاءة العلمية والمعرفية والتفكيرية والثقافية والأدائية لحاملها مع أنها تعني أنه حصل على الأقل الأبجديات فيما درسه من معرفة وأنه بلغ من درجات العلم وسلمه مرقى معينا وفق شهادته] ففي المغرب على سبيل المثال، هناك 42% فقط من معلمي الصف الرابع حاصلون على درجة البكالوريوس أو أعلى.
ولا يوجد في مختلف بلدان المنطقة سوى عدد قليل للغاية من كليات إعداد المعلمين أو كليات التربية المتخصصة في أصول تدريس اللغة العربية أو التي تضم قسما لتعليمها وتعلمها. ويساعد ذلك في تفسير سبب قلة البحوث حول العديد من جوانب تعليم اللغة العربية وتعلمها. لكنه يفسر أيضا لماذا يبدو المعلمون بوجه عام غير مؤهلين لتعليم القراءة والكتابة باللغة العربية بشكل فعال، كما تظهره عادة نتائج تقييمات تعلم الطلاب. ويجب أن تشمل برامج إعداد معلمي اللغة العربية بالجامعة على دراسات محددة بشأن تنمية المهارات اللغوية وأساليب تدريس العربية من السنوات الأولى حتى المستويات الأكثر تقدما، مثل دورات في المنحى الصوتي ” الفونولوجي ” ومهارات تعليم القراءة والكتابة المبكرة وأدب الأطفال. ويمثل هذا مجالا يمكن أن يساعد فيه التعاون بين كليات التربية وكليات إعداد المعلمين بمختلف بلدان المنطقة على بناء الخبرات وتبادل الموارد والبحوث العلمية.
وبالنسبة للمعلمين الممارسين للمهنة، لم تركز دورات التطوير المهني في أثناء الخدمة [التكوين المستمر] بشكل عام على بناء فهم لدى المعلمين حول تعلم اللغة العربية والممارسات القائمة على الشواهد [معرفة التجربة] بشأن تعليم أي لغة، والممارسات الفعالة الخاصة بالعربية تحديدا. وبالتالي، هناك حاجة ملحة إلى تطوير وتحسين تدريب المعلمين في أثناء الخدمة وكذلك المواد الإرشادية ونماذج من الدروس المصاحبة للتدريب. وتشمل النماذج الفعالة التوجيه والإرشاد وتبادل الممارسات المطبقة وإنشاء مجتمعات مهنية من الممارسين، وكلها أمور تساعد على وضع استراتيجية مستدامة للتطوير المهني للمعلمين.
سيؤثر تكوين كوادر من معلمي اللغة العربية المؤهلين جيدا والقادرين على التحول من الأساليب الجامدة غير الفعالة إلى تدريس الوعي الاشتقاقي وتطبيق استراتيجيات أكثر فعالية تعزز مهارات التفكير رفيعة المستوى تأثيرا غير مباشر على المواد الدراسية الأخرى بالتحول من الحفظ والتلقين إلى ابتكار حلول للمشكلات والتفكير والاستدلال وغيرها من مهارات التفكير العليا.[44]
ولأجله تعاني اللغة العربية في المدرسة الابتدائية مشكلات عديدة من التخطيط إلى الممارسة، وهي مشكلات تشمل المسألة اللغوية المدرسية عامة، وتعني مجموع اللغات المدرسة في الابتدائي، فــ (الوضع اللغوي في التعليم الابتدائي يعتمد … على ثلاث لغات أساسية: اللغة العربية واللغة الفرنسية واللغة الأمازيغية، ويعرف تدني في المستويات اللغوية نتيجة صعوبات اكتساب اللغات الثانية سواء العربية الفصحى أو الأمازيغية أو اللغة الأجنبية “الفرنسية”)[45]، و(ضعف طرائق تدريس اللغات والتراجع الكبير في قراءة الكتب)[46]؛ الواقع الذي أكدته الاختبارات الدولية والوطنية؛ فقد أفاد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في نسخته القديمة المجلس الأعلى للتعليم بأنه في اللغة العربية (تنحصر نسبة تحقق أهداف، حسب معدل نسبة الأجوبة الصحيحة في كل رائز، بين حد أدنى مقداره 27% سجل في السنة الرابعة ابتدائي، وحد أقصى مقداره 43% سجل في السنة الثالثة إعدادي)[47]. وتتماشى هذه الحقائق مع سياق نتائج أخرى أوردها المجلس في شأن استيعاب المتعلمات والمتعلمين لمنهاج اللغة العربية الرسمي؛ حيث أفصح عن أن نسبة 31% منهم لم يستوعبوا منهاج اللغة العربية الرسمي في المستوى السادس إلا بنسبة 42%، وبنسبة 32% في الوسط القروي فقط. ويدعم كذلك هذا الواقع للغة العربية المعيش ما وردت في نتائج”TARL “.
ـ ضعف التكوين الأساس للممارس البيداغوجي في اللسانيات وتقادم القاعدة الأكاديمية والمهنية للشهادات، وكذا موسمية التكوين المستمر، وغياب التكوين الذاتي إلا ما شذ وانعزل في فئة من الممارسين البيداغوجيين يتابعون دراساتهم العليا في اللسانيات، التي أصبحت رافعة الممارسة الصفية لارتباطها باللغة تعليما وتعلما، ودرس لغة ولغة درس؛ مما يثير في واقع حال المدرسة المغربية الابتدائية منظومة علامات استفهام متسائلة عن الأسباب والحلول. ويزيد حدة هذا الوضع اعتبار المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين للتأهيل البيداغوجي فقط، والتكوين الأكاديمي للجامعات الذي تتعدد حقوله المعرفية بالنسبة للمقبلين على الانخراط في مهنة التعليم؛ ما ينعكس سلبا على تحصيل الطالب الأستاذ في طور التكوين البيداغوجي الأساس للكفايات المهنية الأساسية التي تؤهله للتدريس بطريقة متحكم فيها وبثقة نفس وبمعرفة ودراية وإتقان بل وبالنقد الذاتي لفعله الصفي وممارسته الميدانية التي تعلن عن تقادم تلك الكفايات وعدم ملاءمتها لمعطيات التطور التربوي الجديدة. فمثلا: من تأهل مهنيا على التدريس ببيداغوجيا الأهداف، ولم ينخرط في تكوين مستمر على التدريس ببيداغوجيا الكفايات أو على التكوين الذاتي في الاشتغال بها؛ فلن تكون ممارسته الصفية كمن تكون فيها تكوينا أساسيا. هذا التكوين بصيغته الحالية ووضعيته الهشة والمهشمة في هيكلها التنظيمي ومحتواها المهني والأكاديمي لا يبني عند الطالب الأستاذ التفكير الناقد ولا الشخصية الناقدة بما فيها النقد الذاتي، المدخل الحقيقي للتقويم والتقييم الذاتي، ومساءلة الذات عما فعلت في ممارستها الصفية كل يوم للاستفادة منها. ذلك، أنه (من بين الكفايات المنتظرة من المهني الحقيقي، توجد القدرة على التقييم الذاتي وعلى التكون في المجالات التي يشعر بعدم تمكنه منها وعلى تقييم نظرائه وتبليغهم رسالة بناءة تدعوهم إلى إتقان عملهم أو التفكير فيه بكل بساطة. ورغم الفائدة المقترنة بهذه الأنماط التنظيمية، فإنه يصعب تعميمها)[48]. ورغم ذلك يبقى التقادم سيد الموقف في الممارسة الصفية إن لم ننخرط بجدية في التطور ومتطلباته ومطالبه، وممارساته المهنية والأكاديمية. (لهذا، ليس الإشهاد عند بداية مزاولة المهنة أمرا موثوقا به تماما، ولا تنتج عنه بالضرورة تبعات خطيرة، ما دامت المكتسبات الأساسية مجرد محدد من محددات الكفايات المكتسبة بعد عشر أو عشرين سنة. فهناك ميل دائم إلى إعطاء أهمية قصوى للتكوين الأساسي. والحال، أنه لا يشكل داخل نظام تربوي ومجتمع في تحول، سوى نقطة انطلاق مسار طويل، ستلعب فيه عوامل أخرى دورا مؤثرا على تمثلات المهنة وهوية المدرس ومعارفه المهنية وكفاياته)[49]. كالتكوين المستمر والذاتي والبحث والدراسة. فقد أفادت دراسة موسومة بــ” التكوين الأساس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وانماء الكفايات المهنية اللازمة عند أساتذة التعليم الابتدائي “[50]، بأن
(عينة الأساتذة اعتبرت أن التكوين الأساس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين يساهم في إنماء الكفايات المهنية بشكل كاف على الأقل عند أساتذة التعليم الابتدائي. وذهبت عكسها عينة المفتشين التربويين للتعليم الابتدائي التي ترى بأن ذات التكوين الأساس لا يساهم في إنماء الكفايات المهنية بشكل كاف على الأقل عند أساتذة التعليم الابتدائي. [لأنهم في الميدان ومطلعون على حقائق الأمور من خلال متابعتهم وتقويمهم للممارسات الصفية، ويسهرون على تحديد الكفاءة والكفاية المهنية للخرجين في لجن للتقويم] في حين ترى عينة المكونين أن التكوين الأساس ينمي تلك الكفايات بشكل نسبي. فمن أصل تسع كفايات مهنية، أشارت هاته العينة إلى إسهام التكوين في إنماء كفايتين منها بشكل كاف على الأقل عند أساتذة التعليم الابتدائي. ويتعلق الأمر بكفايتي التخطيط والتدبير.
[وفق الجدول التالي:]
| الكفايات |
| |||
| في نظر الأساتذة | في نظر المفتشين | في نظر المكونين | ||
| الكفايات المعرفية المتعلقة بالتدريس | 79,82% | 24,47% | 25,71% | |
| الكفايات التواصلية المتعلمة بالتحكم اللغوي وامتلاك قدرات التواصل والانفتاح على المحيط | 74,15% | 30,77% | 28,57% | |
| الكفاية المرتبطة بتخطيط التعلمات | 72,21% | 7,88% | 70% | |
| الكفاية المرتبطة بتدبير التعلمات | 67,42% | 10,68% | 62,86% | |
| الكفاية المرتبطة بتقويم التعلمات | 66,82% | 11,40% | 37,14% | |
| الكفاية المرتبطة بتدبير المؤسسة وبلورة مشروع تنميتها وتنشيط الأندية التربوية | 50,11% | 15,39% | 22,86% | |
| كفاية توظيف تكنولوجيا الإعلام والتواصل في التخطيط والتدبير والتقويم | 60,14% | 15% | 40% | |
| الكفاية المرتبطة بالتنمية المهنية | 64,63% | 9,83% | 24,29% | |
| الكفاية المرتبطة بالقيم، كقيم المواطنة ومبادئ حقوق الإنسان وإعطاء القدوة | 80,05% | 29,49% | 15,71% | |
)[51].
ويعتقد البعض في ظل الكفايات المهنية، أنه:
(ستكون الكفاية المهنية ضامنة لذاتها في أحسن العوالم ولن يحتاج المرء بالتالي إلى إدراج تقييم الكفايات. لكننا وللأسف، لا نعيش في أحسن العوالم. ومما لا شك فيه أن بإمكان نظام خارجي لتقييم الكفايات أن يبدو غير ضروري بالنسبة لمجموعة من المهنيين [وهذا اعتقاد العديد من الممارسين البيداغوجيين في المؤسسة التعليمية المغربية نتيجة صور نمطية دونها التاريخ التربوي والأدبي المغربي عن التفتيش التربوي، دون مراجعة تلك الصور في ظل التطورات والتغييرات في مفهوم التفتيش التربوي وتنظيمه وأدواره وقوانينه وتشريعاته وممارساته، التي ما عدت كما في الماضي]، ما داموا غير قادرين على التنظيم الذاتي والتقييم الذاتي والتكوين الذاتي أيضا. فهذه القاعدة ليست مشتركة، ويجب علينا ألا نؤكد بسرعة بأن المدرس ” الحقيقي ” يمارس التقييم والتكوين الذاتيين ولا يحتاج إلى نظام خارجي للتقييم. ومن الممكن الاستفادة هنا بشيء من علم النفس الاجتماعي. فقط تعلمنا جميعا منذ الطفولة بأن ندعي كفاءة تتجاوز قدراتنا، لكي نحظى بالحب والتهنئة والمكافأة أو بكل بساطة لكي نحظى ببعض الحرية ولا يزعجنا أحد. وتدعم المدرسة هذا المنهاج الخفي، كما أن عالم المهنة لا يعلمنا شيئا آخر غير ذلك. فكل واحد سيشعر بالرضى لكونه كفؤا. لكن المشكلة لا تكمن هنا. وكما أكد فليب ميريو فإن جميع الأشخاص يرغبون في المعرفة، لكن لا أحد يكون مستعدا للتعلم. فبناء المعارف يتطلب مزيدا من الوقت والطاقة ومواجهة الذات ويستدعي الصبر والانضباط وهما أمران في غير متناول الجميع. لذلك، فإن تنمية كفاياتنا قد يكون مفيدا على المدى الطويل، لكنه يحرمنا على المدى القصير من أوقات الفراغ ومن الأنشطة الممتعة … من الممكن أن تساهم آليات داخلية عديدة في إضفاء نوع من التوازن على ميلنا نحو الكسل مثل:
ـ وجود أنا أعلى قوي.
ـ توفر شعور كبير بالزهو يدفعنا إلى تجاوز ذاتنا، بحيث نكون في المستوى المطلوب ومن بين المتفوقين.
ـ حصول رغبة في التعلم وفي ضبط التعقيد.
ولحسن الحظ، فإن هذه المحركات ليست نادرة، وهي تدفع العديد من المهنيين إلى رعاية وتطوير كفاياتهم. لكن قد تتسم النتائج بالانتقائية ولا تضمن مستوى الكفاءة المنتظر من طرف المؤسسة. فالضمير الأخلاقي والزهو أو شغف التعلم، لا تتلاءم بالضرورة مع يقظة الفكر. ومن الممكن أن يقضي المدرس أياما كاملة في إتقان الجغرافيا أو النحو لأن ذلك يهمه أو لأنه يسعى لتجاوز كل الثغرات، ناسيا بأن هذه الأخيرة هي من طبيعة ديداكتيكية وعلائقية. وإذا لم تكن إرادة أو رغبة التعلم موجهتين من طرف إدراك دقيق لما نستطيع القيام به ولما يجب علينا إتقانه، فإنهما لن تكونا كافيتين. لذا [من المحتم علينا أن نكون على علم سابق بالموضوع الذي نود فحصه حتى نستطيع اختيار المنهج. بيد أننا نحتاج بالمقابل إلى منهج الدراسة حتى نستطيع معرفة موضوع البحث][52]. [ وكثيرا ما يدخل الممارس البيداغوجي إلى حجرة الدرس، والمعرفة الواعية والمتبصرة بدقائق موضوع الدرس الخفية والمستترة داخل إشكاليات عميقة في مركزه تغيب عنه نتيجة الإيمان بمشروعية الدرس مادام مقررا في الكتاب المدرسي، وما دام تغطيه أسماء مؤلفين مرخص لهم بترويج كتابهم باسم الوزارة، ومادام الاعتقاد بأن لجانا متخصصة قد صادقت على الدرس قبل إقراره وفحصت جدواه وفاعليته التعليمية. لكن قد تفوت تلك الإشكاليات تلك اللجن. وهنا، الطامة الكبرى على المتعلم وعلى الممارسة الصفية من حيث تمرر أخطاء جسيمة تحت وضع ملتبس من احتمالات عوامل الفشل دون ضبط العامل الحاسم، وهو غياب المعرفة الدقيقة بخفايا الدرس، وإلصاق الفشل بعوامل بهتانا وزورا كالمتعلم أو المعينات البيداغوجية أو الأسرة. فالبحث القبلي للممارس البيداغوجي لموضوع الدرس قبل تقديمه، يجعله واعيا بما يفعله لما يعرفه، نتيجة إعادة إنتاج سيرورات الدرس المعرفية التي اشتغل عليها وفي سياقها كما هي في واقع فعل التدريس أو على الأقل تشييد الواقع البنائي أو العلمي منه لتقديمه المتعلم أو إن صح التعبير تقريبه].
ومن جانب آخر، تعتبر هذه المحركات بالنسبة للعديد من المهنيين غير ذات فعالية أو أنها تتعطل سريعا. ففي الحياة تأتي لحظات يضعف فيها الشعور بالواجب أو الرغبة في الاكتشاف وتنقص الطاقة الحيوية. وهنا يبادر المرء إلى إلقاء اللوم على الآخرين. ففي كل المهن هناك بكل تأكيد أشخاص وقحون و” مستهزؤون ” ونصابون، وهناك أيضا أشخاص يعانون من مشاكل في حياتهم الخاصة أو من مشاكل صحية أو مادية أو عائلية، ومنهم من فقد كل رغبة في الحياة أو في التعلم لأسباب أخرى، وبالتالي فإن مثل هؤلاء ينطوون على أنفسهم ويفقدون الرغبة في بذل أي مجهود داخل عملهم. ونحن نعرف قدرتنا اللامتناهية في بناء الأوهام حول شخصنا وفي البحث عن المبررات وعدم إدراك الثغرات التي يتعرف عليها الملاحظ المجرب لأول وهلة. لذلك، لا يوجد تنظيم ذاتي آلي، لأننا ماهرون في ” تكييف ” الواقع لكي يكون مقبولا. بالتالي، يوجد في كل الحرف مهنيون أكفاء وواعون بذلك، ومهنيون يحتقرون أنفسهم أو يقدرونها أكثر من اللازم، وآخرون يدركون حدودهم لكنهم لا يتوفرون على القدرة ولا على الغرور ولا على الجرأة لتعبئة إمكانياتهم)[53].
كما أن التكوين المستمر بصفة عامة في مجمل الحقول المعرفية قليل وضعيف وهش، وبصفة خاصة في مجال اللسانيات يكاد يكون منعدما إلا من طفرات تتعلق بتجديد منهاج اللغة العربية أو ديداكتيك اللغة العربية، ما ينعكس على فهم واستيعاب الممارس البيداغوجي غير المختص لغة اللساني وخطابه المتخصص حول اللغة وتطبيقاتها، فيزداد المشهد اللغوي العربي تعقيدا، وتتشابك خيوطه عند الممارس البيداغوجي؛ ما يدفعه إلى امتعاض تدريس اللغة خاصة إن اشتغل مع زمرة متعلمين غير مهتمين وغير مكثرتين! وأضف إلى هذا تقادم القاعدة النظرية والعملية الأكاديمية والمهنية التي قامت عليها شهادات الممارس البيداغوجي توظيفا وممارسة، حيث المعطيات الأكاديمية والمهنية تتغير وتتطور مع السنين. لذلك كان التكوين المستمر والذاتي خير معين على مسايرة التغيير والتطور بالجديد المستحدث في قطاع التربية والتكوين؛ (فتطور المدرسة يخلط الأوراق ويجبر كل واحد على الابتداء من جديد، لأن التغيير يشمل كلا من التلاميذ والأسر والثقافة والمجتمع. لنتخيل مدرسا حصل على الشهادة سنة 1976 كتتويج لتكوينه الأساسي. فهو قضى عقدين من حياته في العمل وأصبح عمره يفوق الأربعين فهو إذن راكم سنوات عديدة في العمل. فكيف يمكن الاطمئنان إلى شهادته القديمة؟ ذلك أن أمورا كثيرة حصلت منذ فترة إشهاده، سواء داخل النظام التربوي أو داخل حياته الشخصية والمهنية، بحيث لا يمكن أن نتصور بقاءه أسير صورة كفايات مر عليها أكثر من 20 سنة [هذا نظريا، أما واقعيا فالأمر مختلف جدا حسب الممارسة الميدانية والمعايشة والتجربة والمشاهدة العيانية]. فقد يتخذ التطور هذه الوجهة أو تلك. مثلا، يمكن لمدرسين أكفاء عند بداية مسارهم المهني أن ينحدروا باتجاه ممارسة عقيمة، صدامية، غير فعالة، في حين يتمكن مبتدئون بفضل مجهوداتهم ومواجهتهم للصعاب، من أن يصبحوا خبيرين، وهو ما ينطبق أيضا على المدرسين الذين انخرطوا في المهنة بفعل الصدفة ودون أي تكوين أساسي حقيقي وأصبحوا من أكثر الأساتذة كفاءة بالنسبة لجيلهم [وهم القلة القليلة في عالم التربية بالمنظومات التربوية المتخلفة])[54].
ـ الوضع اللغوي في المدرسة المغربية، هو (وضع يعيش حالة فوضى نتيجة السياسة اللغوية التي تخدم جهات معينة دون أخرى، هذه الفوضى انعكست سلبا على التلميذ المغربي بحيث أصبح مستواه اللغوي في تدن ملحوظ في اللغة العربية واللغات الأجنبية)[55]. ولعل تدبدب السياسة اللغوية المغربية في اتخاذ قرارات استراتيجية بالنسبة للغة العربية في المدرسة الابتدائية وغيرها، وإبقاء موقعها العملي والفعلي والمعيشي ملتبسا ورماديا أفقد المتعلم الثقة بتوظيفها في حياته العلمية، ما أثر في تحصيله لها. كما أن الضربات واللكمات التي وجهها التعريب لها في المجال العلمي نال من موقعها لغة علم غنية بالمصطلحات لاقتدارها على التوليد والتعريب والترجمة … فكثير من الأجيال التي توجهت نحو الحقول والمجالات المعرفية العلمية في التعليم الجامعي اضطرت لتغيير وجهتها نحو الأدب لضعف اكتسابها اللغة الفرنسية وفقر معجمها العام والمتخصص التي تمتلكه تلك الأجيال التي عربت فخربت رغما عن أنفها؟! فكانت المسكينة كالغراب لا هو بمشيته ولا بمشية الحمامة. وهذا هدر للمورد البشري والمادي المغربي، وتضييع للسنوات الطوال عن المغرب وهدر لزمانه ووقته الثمين، ونكوص له في التخلف. ولم يستفد المغرب من التجارب التي مر منها سابقا أو تلك التي مرت منها بعض الأنظمة التربوية في العالم. حيث:
(* الثابت [ … ] أن اللغات تتقوى بقوة أهلها وتضعف بضعفهم، وأن القول بقصور لغة وقدرة أخرى لا يصدر إلا عن جاهل بالعلاقة الانعكاسية بين قوم ولسانهم، وأن نعت اللغة بالضعف والعجز والقصور إنما هو على سبيل المجاز، وأنه في الحقيقة نعت لأهلها.
* أثبتت بعض تجارب التدريس باللغات الأجنبية فشلها الذريع، وتأكد أنها مجرد هدر للزمن الوطني. ويمكن في هذا الإطار استحضار التجربة الماليزية الحديثة التي حاولت تدريس الرياضيات والعلوم باللغة الأنجليزية، لكنها عادت إلى اللغة الوطنية الماليزية (المالوية) بعد مجرد ست سنوات، وقد اعتبر رئيس وزرائها مهاتير محمد في سياق حديثه عن ذلك في أحد المنتديات الاقتصادية الدولية أن ذاك القرار يعتبر من الأخطاء الاستراتيجية والتنازلات الكبرى التي قامت بها ماليزيا في مسيرة نهوضها. كما يمكن استحضار التجربة الفلبينية؛ فبعد 37 سنة من التعليم ثنائي اللغة عادت الفلبين إلى التدريس باللغة الوطنية عوض الأنجليزية. هذا فضلا عن أن الدول الفرنكفونية التابعة لفرنسا لم تحقق أي تقدم باعتمادها الفرنسية. وهو نفس ما أثبتته تجربة تدريس العلوم باللغة الفرنسية في الجامعات المغربية إلى حد بعيد، ومؤشرات ترتيبها دوليا برهان ذلك.
* صحيح أن الفرنسية لغة غنية معرفيا وعلميا وتقنيا، ويمكن الاستفادة من خيراتها العلمية والثقافية، في جل المجالات، إذا ما قيست بالعربية، وصحيح أن العربية ضعيفة وفقيرة إذا ما قيست بالفرنسية أو لغات أخرى متقدمة، وصحيح أيضا أن اللغة العربية الفصيحة بعيدة نسبيا عن لغة الحياة المعيشة على مستوى التداول اليومي الذي تهيمن عليه الدارجة/العامية. لكن صحيح أيضا أن الفرنسية ضعيفة وفقيرة إذا ما قيست بلغات أخرى، وعلى رأسها الأنجليزية، ولذلك كانت الدولة الفرنسية نفسها مضطرة إلى تدريس اللغة الأنجليزية لأبنائها، وكان الباحثون الفرنسيون مضطرين إلى تعلم اللغة الإنجليزية والقراءة والنشر بها في الدوريات العلمية العالمية الكبرى. وذلك دون أن تكون فرنسا مضطرة إلى استبدال لغتها الوطنية باللغة الأنجليزية في مدارسها، وتلقين العلوم بها، وذلك شأن كل الدول المحترمة ذات الاستقلال والسيادة والإرادة، (اليابان/الصين/روسيا/ألمانيا/ كوريا/اسبانيا/إيران/تركيا/ إيسلندا ذات العدد القليل جدا (34000 نسمة) / إسرائيل (كيان مستوطِن/حديث العهد/حوالي 4 ملايين نسمة/إحياء لغة ميتة)، وغير هذه الأمثلة كثير. وصحيح أيضا أن اللغة الفرنسية ليست هي لغة الاستعمال اليومي لدى جل المغاربة، وأن العربية أكثر تداولا منها وأكثر قربا من لغة الحياة اليومية إن لم تكن متماهية معها أحيانا، وقريبة أيضا من المازيغية كلغة وطنية. فمن أين تتأتى مصداقية ومعقولية دعوى نجاعة الفرنسية بالقياس إلى العربية إذن؟
* تجربة التعريب بالمغرب عليها مؤاخذات كبيرة جدا، ومنها أن القرار لم يكن متنزها عن بعض الأغراض السياسية لبعض الأطراف ربما، وأنها لم تستكمل في التعليم العالي، ولم يؤهل لها الأساتذة في العلوم، وأنها لم تنجز بالشكل اللائق والمطلوب من حيث الدراسة والإنجاز والتتبع والمواكبة والتقويم والتدخل والتنزيل، وليس في علمنا قيام دراسة أو تقويم علمي موضوعي لهذه التجربة لبيان أسباب فشلها الحقيقية، ومن هي مختلف الأطراف المسؤولة عنها، وبالتالي فإن دعوى فشلها دعوى باطلة ومتهافتة، فمعقولية الحكم على التجربة تقتضي توفير الشروط الأساسية لنجاحها، وعدم عرقلتها، فضلا عن ضرورة استكمالها.
* الثابت أن مردودية البحث العلمي ضعيفة جدا في الجامعات والمعاهد، وهناك دعوى يطلقها بعض المسؤولين دون تحمل المسؤولية؛ وهي أن اللغة العربية قاصرة عن أن تكون لغة للبحث العلمي. وهنا يجد المرء نفسه يتساءل باستغراب: هل هناك سياسة حقيقية للبحث العلمي؟ ما حجم الميزانية المخصصة له وما بنياته؟ وهل البحث العلمي في المغرب ينجز باللغة العربية؟ هل الأساتذة مؤهلون لذلك؟ هل عربت العلوم في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي؟ وأي مرتبة تحتلها الجامعات المغربية التي تدرس العلوم باللغة الفرنسية؟ وماذا قدم هؤلاء أنفسهم؟ ثم سؤال عن النظام الجامعي نفسه: ألا يعاني من التخبط والارتباك وعدم الاستقرار؟
* أثبتت التجربة التاريخية المعاصرة في الدول المتأثرة بالمد الفرنكفوني أن أطر النخبة الفرنكفونية المؤثرة في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لم تتأثر بالفكر الأنواري الفرنسي المنتصر للحرية والأخوة والمساواة والديمقراطية وسيادة القانون والتنافسية ومبادئ حقوق الإنسان والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأنها لا تختلف في الجوهر عن نخب بعض التيارات العرقية العنصرية أو الدينية الرجعية أو القومية الشوفينية أو السياسية الانتهازية، وحتى هي جزء منها. وهو ما أدى إلى الفشل في قيام الدولة الوطنية المستقلة والمتماسكة والناهضة والقوية.
* أثبتت الوقائع، ويثبت الواقع الآن، أن كثيرا من الذين يدعون إلى اعتماد اللغة العربية درسوا باللغة الفرنسية، أو يدرسون أبناءهم باللغة الفرنسية أو الأنجليزية في الداخل أو الخارج، وذلك وعيا منهم ألا حظوة للغة العربية على مستوى الفرص الاقتصادية والاجتماعية، وربما السياسية أيضا، وينتج عن ذلك خطباء مرضى منفصمين لا مصداقية لهم إلا عند ذوي النزوعات العاطفية المرتبطة في عمقها بالدين كوتر حساس، وذلك ما يقوي من فرضية استعمال الورقة لأغراض سياسية بعيدة كل البعد عن الروح الوطنية والقومية، وعن التفكير في المصلحة العليا للوطن والأمة والمواطنين، وفي المستقبل.
* أثبتت بعض التجارب في تعريب العلوم في بعض البلدان نجاعتها ونجاحها، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى التجربة السورية في تدريس الطب.
* الثابت أن عدد المصطلحات العلمية الحاملة للمفاهيم العلمية الأساسية ليست كثيرة جدا، ويمكن إبقاءها كما هي في حال تعذر وجود مقابل دقيق لها، أو ترجمتها في حال الإمكانية، وأن نسبة استعمالها في التدريس ضعيفة جدا بالقياس إلى اللغة التعبيرية والإفهامية، وهي الوظائف التي تقوم بها اللغات الوطنية).[56]
من واقع الوضع اللساني الراهن:
وهو واقع من مشهد عام، رصف لقطاته الواقع الراهن للغة العربية اليوم السيء، الذي وصفه الأستاذ الدكتور علي القاسمي بقوله:
(انطلاقاً من المبدأ اللساني القائل بعدم وجود لغات متقدِّمة وأخرى متخلِّفة في حدِّ ذاتها، وإنَّما يصيب التقدُّم والتخلُّف أهل اللغة الناطقين بها، ونظراً لأنَّ الأقطار العربية من أكثر بلدان العالم تخلُّفاً في الوقت الراهن، كما تشير تقارير التنمية البشرية، فإن هذه الورقة تتناول أوجه التخلُّف في السياسات العربية الراهنة التي أدت إلى الإضرار باللغة العربية إضراراً بالغاً، وهي كما يلي:
1) إنَّ الحكومات العربية لا تلتزم بالتعليم الإلزامي الذي تنصّ عليه دساتيرها وقوانينها. فطبقاً لإحصائيات المنظَّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فإنَّ أكثر من مائة مليون عربي في عداد الأميين، أي أنَّ نسبة الأُمِّيّة في البلاد العربية تبلغ أكثر من 35%، وأن 25% من الأطفال في سنِّ التمدرس، لا تُتاح لهم فرصة الالتحاق بالمدارس. وهكذا فإنَّ نسبةً كبيرةً من المواطنين لا يتمكّنون من تنمية لغتهم العربية، ويشكّلون عقبة في طريق التنمية البشرية.
2) إنَّ النظم التربوية في البلاد العربية متخلِّفة وبعيدة عن الديمقراطية تماماً ولا تحقِّق المساواة في الفرص للمواطنين. فهناك تعليمٌ خاصٌّ، أجنبي في معظمه، لأبناء النخبة، وتعليم حكومي سيِّء لأبناء عامة الشعب. وجلّ المدارس الخاصّة لا تعلِّم باللغة العربية، وإنَّما بلغات الدول الأجنبية التابعة لها. وهكذا فإنّ أبناء النخبة يتلقّون ثقافة أجنبية بلغة أجنبية، وهم إمّا أن يشعروا بالاغتراب في مجتمعاتهم ويهاجروا إلى الغرب، أو يتولّون الحكم في بلدانهم ولا رابطة تربطهم بمجتمعاتهم، ويغلب عليهم لا شعورياً احتقار الثقافة العربية ولغتها واحتقار الذات. ولهذا تستعمل كثيرٌ من عوائلِ النخبِ العربيةِ الإنكليزيةَ أو الفرنسيةَ لغةً للتواصل المنزلي مع الأطفال.
3) وحتى التعليم الحكومي، لا يستعمل اللغة العربية في جميع مراحله ومختلف تخصُّصاته. فالتعليم العالي، وأحياناً الثانوي، يستخدم اللغة الإنجليزية (في بلدان المشرق “العربي”) أو الفرنسية (في بلدان المغرب “العربي”) لتلقين العلوم والتكنولوجيا. وهذا التحوُّل في لغة التعليم يؤدّي إلى انحطاط المستوى، لأنّ المعلومات لا تتشكَّل في جزر منعزلة، وإنَّما في منظومات مفهومية مترابطة متراكمة. ولكلِّ لغة نظامها المفهومي. وهكذا فإن الطبيب الذي تلقى تعليمه بلغة أجنبية، مثلاً، لا يستطيع استيعاب المعرفة العلمية بعمق أو تمثّلها، أو الإبداع فيها، كما أنه لا يمكنه نقل معلوماته بسهولة ويسر إلى الممرضات والمساعدين الطبيّين والمرضى والمجتمع عامة. ويشكَّل هذا عائقاً للتنمية البشرية.
كان الفرانكوفونيون في المغرب العربي والداعون إلى استعمال الإنكليزية في التعليم العالي والاقتصاد في المشرق العربي، في الستينيات والسبعينيات، يتذرّعون بعدم توفُّر العربية على المصطلحات الكافية، أمّا اليوم فإنّهم يعلنون بجرأة أنّ العربية لغة لا تصلح للحداثة. وفي الجزائر يعدّ الفرانكوفونيّون اللغة الفرنسية ” غنيمة حرب” ينبغي المحافظة عليها.
4) إنّ المعلمين في التعليم الحكومي نفسه لا يستعملون اللغة العربية الفصيحة في دروسهم، وإنّما اللهجة العامية القُطرية، لأنهم لم يتلقّوا التدريب الكافي، ولأنَّ الأنظمة التربوية والإعلامية لا تساعد على تعزيز ملكتهم العربية الفصيحة.
5) إضافة إلى ذلك، فإنَّ مناهج التعليم في البلدان العربية تنأى اليوم عن الثقافة العربية المشتركة وتروّج للإيديولوجية المتحوّلة لكل قطر، وتنمّي ثقافةً قُطريةً انفصاليةً ضيّقةً، وهذا ما عبّر عنه الدكتور محي الدين عميمور بقوله: ” إنّ المرض الرئيسي الذي يعاني منه الوضع الثقافي العربي، فكراً ولغةً وممارسةً سياديةً، هو تعدُّد مناهج التعليم في الوطن العربي بتأثيرات إقليمية مَرَضيّة تطلق على العملية ألقاب مملكة في غير موضعها، فهي جزأرة وسعودة ولبننة وتونسة وما إلى ذلك.”
6) افتعلت بعض الدوائر الأجنبية صراعاً بين اللغة العربية وأخواتها من اللغات الوطنية الأخرى كالأشورية والسيريانية والأمازيغية. وعلى الرغم من أن هذه اللغات الوطنية هي من لغات العرب العاربة وأنَّ تنميتها تصبّ في صالح الثقافة العربية المشتركة، فإن بعضهم يعمل على إثارة الصراع بين العربية وهذه اللغات لأغراض سياسية. وفي حالة الأمازيغية في الجزائر والمغرب، مثلاُ، يقول الدكتور محمد العُربي ولد خليفة، وهو نفسه أمازيغيّ أصيل وعالم لغوي مبرز: ” تعمل بعض التيارات على اصطناع الصراع بين العربية والأمازيغية أحياناً لأهداف سياسية، …ونجحت في استقطاب بعض الباحثين الجزائريين وقطاع من الشباب الأبرياء وآخرين من الاحتجاجيين، وإقناعهم بأنَّ ترقية العربية وتعميم استعمالها خطر على الأمازيغية… لقد كانت الغفلة والاستقطاب صفقة مربحة للفرنسية المرشَّحة لأن تكون اللغة الجامعة بين مجموعتين في وطن واحد لا يتفاهمان إلا بالفرنسية…”[57]
بجانب واقع اللسانيات في ثقافتنا العربية الذي يثير (ولا يزال يثير، أسئلة كثيرة عن الأسباب الكامنة وراءه؛ في زمن أصبحت فيه اللسانيات رائدة العلوم الإنسانية، وإليها يسند دور قيادتها. وهذا ما قاد مجموعة من الباحثين ـ لسانيين وغير لسانيين ـ إلى القول بوجود أزمة في البحث اللساني العربي، وتتمثل هذه الأزمة في مجالاته النظرية، والمنهج والموضوعات البحثية، والجوانب المؤسسية المتصلة بأقسام تدريس اللسانيات، وبالأستاذ، وبتدريب الطلاب. كما نجد أن هذا العلم لا يزال هامشيا مقارنة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى بالرغم من الازدياد المطرد للمتخصصين فيه، وبالرغم من الأهمية المركزية لموضوعه: اللغة في المجتمع)[58].
فـ (إننا لم نغط اختصاصات المجال بصفة كافية. فإذا كانت الدراسات التركيبية والصواتية والمعجمية قد أفرزت مواكبة لا بأس بها، فإن فروعا أخرى ظلت مقصرة. أذكر من هذه الفروع الدلالة الصورية واللسانيات النفسية ولسانيات المتون واللسانيات المقارنة واللسانيات التاريخية، على الخصوص. لقد اتضح أننا لم نصف اللغة العربية بمعطيات جديدة بما يكفي، ولم نستعمل تقنيات المتون لفرز أمثلة وشواهد جديدة، وتراكيب جديدة، ومعان جديدة، ولم نستفد من ذلك في تجديد صناعة المعاجم، إلخ. ولم تحظ الدراسات المقارنة بين العاميات بين العاميات والفصحى من جهة، وبين اللغة العربية واللغات الأخرى من جهة أخرى [ ، بما يكفي من العناية. فطالب اللغة العربية يكاد يجهل كل شيء عن علاقة الفصيحة بالعاميات تاريخا وحاضرا … الأوصاف التي نقدمها غير الكافية في كثير من الأحيان، مقارنة مع ما يحدث في لغات أخرى. حاول أن تجد وصفا للتنكير في العربية، أو للتأنيث، أو للجمع، أو لاسم التفضيل، أو للزمن والجهة، أو لطبقة من الأفعال، أو للمصادر، إلخ، فإن ما يطالعك هو أن الأوصاف غير واضحة، ولا تنبني على مادة كافية، إلخ. ثم إنك تجد تكرارا لكلام القدماء، أو لكلام بعض المحدثين، دون أن يتساءل الباحث أين الوصف الجديد، وأين المعطيات الجديدة، إلخ …)[59].
وضع لساني مأزوم مع بعض الانفراج والمراجعات في العقود الأخيرة، بلسان كبار اللسانيين المحدثين مثل الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري والدكتور عبد السلام المسدي والدكتور حافظ إسماعيلي علوي وغيرهم كثير، الذين أوردوا تمظهرات أزمة اللسانيات في المستوى الأكاديمي بصور مختلفة، والتي ألفيتها تنعكس سلبا على مستوى الدرس اللغوي المدرسي تبعا لــ (تخلف ركب الفكر العربي في حلبة علوم اللسان، وقد كان يهون أن نبقى مقصرين في ميدان وضع النظريات اللسانية وابتكار المناهج الاختبارية فيها لو أننا على الأقل قد نشطنا إلى توفير الثقافة اللسانية في جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية، ولكن جوهر القضية يكمن في أن درجة وعينا بخطر علوم اللسان هي نفسها ما زالت في خطاها الأولى، ولسيت هذه الظاهرة مقصورة على رجل الأدب أو رجل الثقافة العامة) فحسب، وإنما تمتد إلى الممارسة الصفية في المدرسة المغربية الابتدائية، التي ترهب التعاطي مع اللسانيات ودقائقها وحيثياتها النظرية والتداولية رغما عن كونها ممارسة تدريسية وتعليمية، ووعاء وبناء فكريا مختصا بالاستيعاب والفهم والتنزيل، وآلية مؤسساتية للتنفيذ، ومجتمعها المدرسي مجتمع لغوي بامتياز، حيثما وليت وجهك تجد اللغة لغة درس أو درس لغة أو هما معا في نفس الوقت من قبيل ما يحدث في الدرس المدرسي اللغوي. وحري بها العلم بمدى ترابط حقل اللسانيات، في لبوس المادة المدرسية مع الديداكتيك، لتبسط مادتها اللسانية ” المادة العالمة ” بالنقل الديداكتيكي لمتعلميها ويسهل اكتسابها والتمكن منها عبر السيرورة الديداكتيكية.
وهي في ذلك، مطالبة، طلب ركن أن تبسط لنفسها حقل اللسانيات ليسهل توظيفه وتداوله؛ الأمر الذي دعا إليه نقد أستاذنا الكريم الدكتور محمد الدريج رفعا للالتباس والتشويش؛ بعدما ولد لديه واقع الحال رهاب التباس وتشويش ورمادية مشهد “البراديغم” والمفاهيم ومصطلحاتها، في لوحة الفعل التعليمي ضمن إطار اللسانيات التطبيقية وديداكتيك اللغات. حيث هدف في طموحه نحو مسار ثالث إلى (بسط جوانب من تخصصات شديدة التعقيد، مرتبطة بعلوم التدريس واللسانيات، وما تطرحه طبائعها وعلائقها من إشكالات تربوية – تعليمية، سواء على المستوى النظري أو على مستوى الممارسة داخل حجرات الدرس. تخصصات تعرف مفاهيمها الكثير من اللبس لدى المربين، بمن فيهم الأساتذة الباحثون أنفسهم مما قد يعرقل مهامهم، فبدلا من أن يوظفوا نظرياتها سواء في أبحاثهم ونشاطهم العلمي أو أدائهم التربوي، فإنهم ينفرون منها ويشكون في فعاليتها وقد يذهب بهم الأمر إلى حد الاعتقاد في أنها هي السبب وراء ضعف الدرس اللغوي في منظومة التعليم)[60]. وهو مذهب واعتقاد خاطئ ـ في اعتقادي ـ لانتفائه مع طبيعة المربين والأساتذة الباحثين العلمية والفكرية والثقافية، التي تفيد بمنطوق موقعهم العلمي والثقافي في مجتمع المعرفة، أنهم يعون القيمة العلمية للبراديغم والمفاهيم[61] والمصطلحات والنظريات والمنهجيات، إلخ، مهما اختلفت فيما بينها، في الحقل المعرفي الواحد، فبالأحرى في تعددها. وعائدها الإيجابي على تيسير الأداء المعرفي والديداكتيكي إن تم تحديدها، خاصة على المستوى الإجرائي. وإن سبروا غور سياقها العلمي وتاريخية تطورها ومنشئها وكيفية نقلها وتبييئها ومجال استخدامها؛ فطبيعة الأستاذ الباحث عدم الركون للقائم الغامض لديه، والاطمئنان إليه، وإنما البحث في عمق الأشياء والمعطيات والنظريات حتى تتجلى بوضوح لديه، ويسهل توظيفها وأداؤها في فعله. فهو يدري موقع المفاهيم والمصطلحات من لغة الاختصاص والفعل التربوي والتعليمي ونجاعتها في نجاح الدرس المدرسي اللغوي الابتدائي، وهو حقيق برصدها وصيدها في اشتغاله المدرسي والبحثي إما عطاء أو بناء. ولا أعتقد مطلقا أن الأستاذ الباحث الحقيقي المتشبع بروح البحث والنظر والتنقيب والنقد والبعد الاستراتيجي، مهما بلغ لديه تشوش وضبابية ورمادية المشهد المفاهيمي والمصطلحي ـ لأسباب متعددة ـ أن يصير إلى الشك بفاعلية التخصصات ومفاهيمها في أداء مهامه وعرقلتها لمسار اكتساب المعرفة! فالعكس هو الصحيح؛ وإن وقع فهو قصور في الفهم والاستيعاب والإدراك.
وهي؛ إن اختلفت على المستوى النظري، تظل تتقاطع في المعانم النووية للمفاهيم ومصطلحاتها، فتفي بعض الأهداف دون عامتها. فتصير مفاتيح ومداخل العلوم؛ حيث (مفاتيح العلوم مصطلحاتها. ومصطلحات العلوم ثمارها القصوى. فهي مجمع حقائقها المعرفية وعنوان ما به يتميز كل واحد منها عما سواه. وليس من مسلك يتوسل به الإنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه الاصطلاحية حتى لكأنها تقوم من كل علم مقام جهاز من الدوال ليست مدلولاته إلا محاور العلم ذاته ومضامين قدره من يقين المعارف وحقيق الأقوال فإذا استبان خطر المصطلح في كل فن توضح أن السجل الاصطلاحي هو الكشف المفهومي الذي يقيم للعلم سوره الجامع وحصنه المانع، فهو له كالسياج العقلي الذي يرسي حرماته رادعا إياه أن يلابس غيره، ومحذرا غيره أن يتلبس به. ومتى تحلى الدال بخصلتي الجمع والمنع كان على صعيد المعقولات بمثابة الحد عند أهل النظر المقولي الذين هم المناطقة فيكون للمصطلح الفني في شعبة من شعاب شجرة المعرفة الإنسانية سلطة ذهنية هي سلطة المقولات المجردة في علم المنطق: فلا شذوذ إذا اعتبرنا الجهاز المصطلحي لكل علم صورة مطابقة لبنية قياساته متى فسد فسدت صورته واحتلت بنيته فيتداعى مضمونه بارتكاس مقولاته)[62].
وهو ما لمسه أستاذنا الجليل الدكتور محمد الدريج فيما يخص لبس المفاهيم ومصطلحات اللسانيات، خاصة منها اللسانيات التطبيقية وديداكتيك اللغات حين اختار في كتابه التركيز (على اللسانيات التطبيقية/التربوية، نظرا لأهميتها ولارتباطها بمجالات اهتمامنا وهي التربية والتدريس والديدكتيك، وإلا فإن اللسانيات بما فيها اللسانيات التطبيقية، تفرعت كما هو حال بقية العلوم الإنسانية، إلى العديد من التخصصات، من مثال اللسانيات النفسية والاجتماعية والتقابلية والتاريخية والجغرافية والحاسوبية… وغيرها، وحصل نفس الأمر مع الديدكتيك والتي تخصصت وتعددت بتعدد محتويات التعليم والتكوين وأنشطتهما. مما يزيد من حدة مشكلات التداخل والتقاطع بينها جميعا وربما الخلط وما نسميه بالتشويش البرديكمي والذي يعني بالأساس التأرجح في البحث العلمي بين التخصصات وفروعها وعدم وضوح وثبات المنطلقات النظرية والمرجعيات المنظورية، فضلا عن الهرولة نحو النظريات الأجنبية التي نستند عليها في أبحاثنا)[63]. من باب النسخ وفق الأصل، لا من باب الاكتشاف والتأثيل والوضع والابتكار في مثاقفة ندية وحوار ثقافي سليم (حوار يسلم بأن منطق الجغرافية، والتفرد العرقي، لا يقدم للبحث العلمي، شريطة ألا نكتفي بالنقل الناسخ بدون حساب، ونساهم في الإبداع، والإنشاء، والتأصيل النظري. ولا شك في أن هذه الممارسة الإبستمولوجية شاقة ومعقدة، إلا أن المشاركة فيها بواسطة إنجاز أبحاث جزئية متعددة، تكفل لنا التغلب على كثير من العوائق النظرية، في سبيل وضوح ملامح وحدود المفاهيم ومن أجل نجاعة الطرق والمناهج، التي نستعين بها في فهم الظواهر والأحداث والأفكار)[64]. ولا يمكن فهم هذا الالتباس والتشويش البراديغمي من خارج تلاقح الثقافات والحقول المعرفية الوافدة والمتقبلة، التي لها ممرات ثقافية وعلمية واجتماعية وتواصلية وتفاعلية، وشروط ومتطلبات وسياقات، وقنوات ووسائل ووسائط، للتلقي من المصدر إلى الاندماج والانصهار في المجال المعرفي المستقبل. حيث (لا يمكن فهم الواقع الراهن للسانيات في الثقافة العربية إلا بالاستقراء الدقيق للملابسات التي تحف بعملية الالتقاء بين الثقافتين: الوافدة والمتقبلة؛ لأن من شأن قنوات التقبل أن تشكل المعرفة على نحو ربما انتهى إلى صياغتها صياغة مفارقة لهيئة تشكلها الأولى، لأن استثمارها في مقام جديد يطعمها من رواسب المقام بما يحقق فيها وجها ما من الجدة. ثم إن قنوات تقبل المعرفة موصولة بالسنن المعرفية التي تترسخ في المجتمع فتفتح للمعرفة أفق تقبل بمقتضاه يعرض عن تلك المعرفة أو يقبل عليها، ويسارع إليها أو يحترز منها، ومن ثم تتحدد بحكم تلك الملابسات المسارب التي تبقى وحدها طيعة لتسلكها المعرفة الوافدة.
وهو المرصود في إشكالية المصطلح اللساني ذاته، الذي لا يزال الرصيد الفني للسانيات العربية في مجال الدراسة المصطلحية يشكو من عقبات حقيقية؛ لغياب رصيد اصطلاحي مشترك يوحد اللسانيين ويؤلف بينهم. فرصيدنا المصطلحي في مجال اللسانيات يبدو ضربا من الأهواء النابعة من الميول والابتكار الشخصي الذي لا يتقيد بمنهجية علمية دقيقة. إن اللساني الذي يضطلع بمسؤولية تطويع ومواكبة وتوليد اللغة ـ في جميع الحقول المعرفية ـ يبقى عاجزا عن البدء بالمجال الأقرب إليه والمعني به بشكل مباشر، وهذا يولد شعورا بالإحباط وإحساسا بالخيبة)[65]. فــ (الرائي واحد والمرئي متعدد بتعدد المقام والسياق وزوايا النظر. والزمن إذا اختلف فلا شيء يكرر نفسه، كيف لا وللمعنى أزمنة بها تتعدد الدلالة فتتنوع وتتكاثر، ولا يكون فيها ما يطابق الأول منه آخره: زمن النشأة إذ تتخلق الفكرة، وزمن الكتابة حين يتحقق الإفضاء، وزمن القراءة، ثم زمن المحاورة أو المجادلة. وخلل جليل أن نتغافل عن تراتب الأزمنة؛ إذ في تضاعيف الوعي بها يكمن جوهر الإدراك ومغزى التأويل، وعليهما تترتب علاقة الفكر بالوجود)[66]. ولذلك فقد (أصبحت المقاربات اللسانية الحديثة ضربا في شتى مجالات الإبداع اللغوي وارتباطها بحياة الإنسان من علم نفس وعلم اجتماع وفلسفة ونظرية الأدب والنقد وتحليل الخطاب وتحليل الكلام والترجمة والطب والقضاء والإعلامية وعلوم المعلوماتية … فأدى هذا التداخل إلى صعوبة الإلمام بمصطلحات هذه العلوم ودقة مفاهيمها، مما أدى إلى تشعب اللسانيات نفسها وانقسامها إلى مجالات في الدراسة مختلفة، أدت إلى تخصصات لسانية متفرعة ولكنها مكتملة، وهو ما يطرح إشكالا أمام نهضة الدرس اللساني العربي وتطوره)[67].
وهذا الفكر بما فيه الفكر اللساني، في عالمنا نحن المستهلكين للمعرفة قد ينفصل عن وجودنا المعيش، ولا ينبع منه أصلا وإبداعا، ويصير مستوردا مبهما ومشوشا حين لا ندري ما قيمة تأثيله وتأصيله في مجال نقله أو لا ندري ملتبسه اللغوي بالاصطلاحي في الاستعمال أو استشكاله في منبته، فيصير لدينا سيان، لا فرق بينهما، ما يخلق ذلك الالتباس المشوش الواقف عليه أستاذا الجليل الدكتور محمد الدريج. والحقيقة في الاصطلاح أن تتفق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص بعبارة ولفظ مخصوص مختص، يندرج على لسان مختصين دلالة على مفهوم مخصوص؛ قد يتوافق مع المعنى اللغوي وقد يختلف معه في بعض المعاني، ما يؤدي إلى الالتباس في الفهم حين لا يضبط بالتدقيق اللغوي والتاريخي الذي يفيد مسار المفهوم ومصطلحه من المنبت إلى مراحل تطور دلالته، إلى راهنيته ومآلاته. فهو مرآة مختلف معطياته؛ منها نستشف تفكير واضعيه ومستعمليه ونظرياتهم ورؤاهم ومنهجياتهم ومعارفهم … فإن كان ذلك واضحا لدينا سهل الاستيعاب والتوظيف. أما إن كان غامضا؛ فذلك مدعاة التشويش، المنطلق الأساس لوعى فلاسفة الغرب بأهمية التأثيل اللغوي في ممارستهم المعرفية والفلسفية والأدائية، من أجل رفع الاستشكال بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، الذي يطرح توهما للمقابلة الضدية أو التطابقية في اللسانيات التطبيقية: ” التعليمية، التدريسية، التربوية ” رغم ما بين هذه المفاهيم من مفاصل وفواصل تميز بعضها عن بعض في اللغة والاصطلاح وترفع عنها الترادف الكلي بمعنى التطابق النووي للمعنى والدلالة، المرفوع بقول فيلسوفنا القدير الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن:
معروف أن ” المعنى اللغوي ” يقابل ” المعنى الاصطلاحي ” مقابلة الضد لضده، فنتوهم بسبب هذه المقابلة أن قانون الاصطلاح لا يجري على المعنى اللغوي، مادام الاصطلاح يقتضي اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص، في حين يبدو هذا المعنى مدلولا مشاعا بين مختلف الطوائف، تستعمله جميعها في مخاطبتها العامة؛ لكن ينبغي تبديد هذا الوهم، ذلك أن المعنى، كائنا ما كان ـ متى سلمنا بالنتائج العلمية المقررة عند اللسانيين ـ لا يقوم في اللفظ بمقتضى طبيعي، وإلا ما تعددت الألفاظ واتحد المدلول أو اتحدت الألفاظ وتعدد المدلول، سواء في اللسان الواحد أو في ما بين الألسن الكثيرة، وإنما يقوم فيه بمقتضى المواضعة والاتفاق بين الأفراد، كثر عددهم أو قل، فيساوي المدلول اللغوي في ذلك المدلول الاصطلاحي؛ ولا فرق بينهما إلا في سعة الاستعمال، فالأول عرف يأخذ به العامة، والثاني عرف يأخذ به الخاصة؛ وحتى هذا الفرق لا يجوز حمله على وجه الإطلاق، ذلك أن من متداول الألفاظ ما ينتقل إلى هذا المجال المعرفي أو ذاك ويستخدم فيه استخدام مفاهيمه الخاصة من غير أن يوضع له مدلول زائد عن مدلوله الذي كان يستعمل به خارج هذا المجال؛ وعلى العكس من ذلك، فمن المفاهيم الخاصة ما يشيع في الناس استعماله حتى يفقد مدلوله خصوصيته التي كانت له في أصل وضعه، ويصير بالمدلول اللغوي العام أشبه منه بالمدلول الاصطلاحي الخاص.
فلا يبقى إذن من فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي إلا كون الأول يتقدم في الزمان على الثاني في الاقتران باللفظ، لذلك صار يعد بمنزلة معناه الأصلي، بل صار ” المعنى اللغوي ” و” المعنى الأصلي ” لسمين لمسمى واحد، في حين يعد المعنى الاصطلاحي معنى غير أصلي، إذ المفروض أن يتفرع على هذا المعنى الأول؛ ومن الفلاسفة من كان يرى في الرجوع إلى هذه المعاني السابقة في الزمان طريق الوصول إلى حقائق تاريخية والدخول في محاورة الأوائل، فهذه المعاني الأصلية تحمل صورهم التي كانوا بها يبصرون واقعهم كما تحمل تصوراتهم التي كانوا بها يعقلون أمورهم؛ ولا مراء في أن الوقوف على هذه الصور والتصورات التي صارت طبقات بعضها فوق بعض، يفضي إلى توثيق الصلة بتاريخ الفكر الإنساني، حفظا لذاكرة صانعيه من الاندثار، على أن هذه الصلة ينبغي أن لا تقف عند حد الكشف عما كانوا يتخيلون ويتمثلون، بل ينبغي أن تجاوز ذلك إلى استنطاق تخيلاتهم وتمثلاتهم والاستمداد منها على قدر الطاقة، حتى يستكمل العقل الإنساني وحدته وتماسكه، على تقلبه في أطوار، وإن كثر عددها، يبقى بعضها متصلا ببعض.
إلا أن هذه الصبغة الأصلية للمدلول اللغوي ما كانت لتثير أية شبهة لولا أنه وقع تجاوز دلالتها على السبق الزمني، إذ رأى فيها بعض المتفلسفة دلالة وجودية ورأى فيها غيرهم دلالة معرفية.
أما الفلاسفة الذين أسندوا للمعنى اللغوي دلالة وجودية، فيعتقدون أن الأصل في وجود اللسن، على تعددها وتباينها، لسان واحد ووحيد يجمعها كلها، وهو الذي يمد كلا منها بمعان أصلية مبثوثة في باطنها نحتاج إلى التنقير عنها بما يليق بها من التأمل والاعتبار، حتى نتبين أسباب الاتصال والتوحيد بين هذه الألسن المختلفة …
وأما الفلاسفة الذين أسندوا للمعنى اللغوي دلالة معرفية، فقد حملوا صبغته الأصلية على معنى ” الصبغة الأصلية “، حيث إن المدلول الأصيل عندهم هو ما جمع إلى كونه أصيلا كونه صحيحا، فيلزم من هذا المدلول اللغوي يفضل المدلول الاصطلاحي، لا من جهة السبق وحسب، بل أيضا من جهة الصحة؛ وهذا باطل، وبيان بطلانه أن تقلب المعرفة الإنسانية في أطوار بعضها أرقى من بعض يجعل المعاني المتأخرة أقرب إلى الصواب من المعاني المتقدمة، من غير أن تكون المعاني المتقدمة كلها خاطئة ولا أن تكون المعاني المتأخرة كلها مصيبة.[68]
فالتشويش البراديغمي الذي يقع في الحقل المدرسي حسب أستاذنا الجليل الدكتور محمد الدريج، ناتج وفق تجربتي الميدانية أستاذا ومؤطرا ومكونا، أساسا، عن كون الفعل التدريسي فعل تطبيق وممارسة بامتياز، تحتضنه مقولة الديداكتيك العامة والخاصة بما فيها ديداكتيك اللغات بشكل جنيني وجيني، يتبلور داخل رحمها كائنا متعدد الأجهزة والأطراف، لتعدد الحقول المعرفية الواردة عليه من خارج طبيعته تلك عبر ” النقل الديداكتيكي “؛ والمعني بتدريسها وتعليمها للمتعلم؛ ما يتطلب من الممارس البيداغوجي الارتكاز على الإيمان بأن الوعي بأهمية تعميق البحث العلمي في ميدان التعليمية بعامة، وتعليمية اللغات بخاصة، يقتضي بالضرورة وجود مرتكزات معرفية توفر الدعم المرجعي لكل ضرب من أضرب الخطاب التعليمي والبيداغوجي، من أجل تعزيز التعليمية إبيستمولوجيا ومنهجيا. ومن ثمة فإن تعليمية اللغات، بوصفها ممارسة بيداغوجية غايتها تأهيل المتعلم لاكتساب المهارات اللغوية، لا يستقيم لها أمر إلا إذا ارتكزت على الحصيلة العلمية للنظرية اللسانية ـ النفسية العالمية. وقد يجد ذلك مبررا في كون هذه النظرية نفسها تسعى في جوهرها إلى إيجاد التفسير العلمي الكافي لكثير من العوائق التي تعوق الممارسة الفعلية للحدث اللغوي لدى المتكلم[69]…
ومن ثمة، فإن تعليمية اللغات، بوصفها وسيلة إجرائية لتنمية قدرات المتعلم قصد اكتساب المهارات اللغوية واستعمالها بكيفية وظيفية، تقتضي الإفادة المتواصلة من التجارب والخبرات العلمية التي لها صلة مباشرة وملازمة في ذاتها بالجوانب الفكرية والعضوية والنفسية والاجتماعية للأداء الفعلي للكلام عند الإنسان. وما كان ذلك إلا لأن الخبرات الإنسانية في أي حقل من حقول المعرفة، بشكليها النظري والتطبيقي، تقدم الأدوات المنهجية التي تفي، في مجملها، بمتطلبات العمليتين البيداغوجية والتعليمية على حد سواء. وقد تظهر الفاعلية العلمية لهذه الخبرة في تذليل العوائق والصعوبات التي تعترض سبيل العملية التواصلية بين المعلم والمتعلم، وإيجاد التفسير العلمي اللازم لكثير من الإشكال الذي يعيق عملية اكتساب النظام القواعدي للغة المدروسة لدى المتعلم. ولهذا فإن أقل الناس معرفة بحقيقة تعلم اللغة وتعليمها يدرك لا محالة أن أقرب العلوم الإنسانية إلى تعليمية اللغات هي اللسانيات؛ من حيث إنها المنوال العلمي الوحيد الذي يعكف على دراسة الظاهرة اللغوية، فيتخذها موضوعا للدرس، ووسيلة إجرائية في الوقت نفسه.
ومن ههنا فإن تعليمية اللغات لا يستقيم لها أمر إلا إذا انبنت على الرصيد المعرفي للفكر اللساني المعاصر، وما يوفره هذا الفكر من نظريات وإجراءات تطبيقية مؤهلة سلفا لإيجاد التفكير الكافي لكل القضايا التي تتعلق بكل جوانب الظاهرة اللغوية؛ من هذه الجوانب ما هو صوتي، ومنها ما هو دلالي، ومنها ما يقع بين ذلك من حيث التركيب والتأليف بين العناصر اللسانية في سياقها المألوف.
انطلاقا من هذا التوجه، يمكن لنا القول: إن منهجية البحث العلمي في هذا الحقل الخصب من حقول المعرفة الإنسانية، تقتضي بالضرورة الإلزامية استثمار التجربة اللسانية العالمية لتنمية الحصيلة المنهجية والعلمية لتعليمية اللغات بوصفها ممارسة بيداغوجية، غايتها تأهيل المتعلم لاكتساب المهارات اللغوية، وما كان ذلك إلا لأن النظرية اللسانية من اهتماماتها الجوهرية ضبط العملية التلفظية وحصر العوائق العضوية والنفسية والاجتماعية التي تعوق سبيلها لدى المتكلم.
في ظل هذا الاهتمام، فإن معلم اللغة للناطقين أو غير الناطقين بها، لا يكون في غنى أبدا عن الإنجازات النظرية والتطبيقية التي تحققت في رحاب المقاربة العلمية للظاهرة اللسانية؛ فهو من ههنا ملزم بامتلاك النظرية اللسانية العالمية بمرجعيتها ومفاهيمها واصطلاحاتها وإجراءاتها التطبيقية. وهو الأمر الذي يجعل الباحث في هذا المقام يحرص كل الحرص على الدقة في التقصي والتحري للعناصر الفاعلة في المحطات الفكرية البارزة للمسار التحولي للنظرية اللسانية المعاصرة.
إن أدنى تأمل في المسار التحولي للعطاءات الفكرية الإنسانية المعاصرة يهدي إلى أن التناول العلمي للظاهرة اللغوية، قد سلك سبيله المنهجي المتوخى في رحاب التحول العميق للنظرية اللسانية بكل خصوصياتها العلمية، مما كان له الأثر المباشر في دفع حركية العلوم بعامة، والعلوم الإنسانية بخاصة، فتهيأ مبدئيا زخم كثيف من المفاهيم والأدوات الإجرائية، الأمر الذي جعل اللسانيات تقتحم جميع الحقول المعرفية بكل تنوعاتها الثقافية والحضارية[70].
ما يولد تقاطعات وتداخلات بينها وبين طبيعته التطبيقية، فألفينا الديداكتيك تغطي تلك الحقول المعرفية بطابع التطبيق والأجرأة والممارسة الصفية، وتختص بها في نطاق ديداكتيك خاصة، تتعاطى مع كل حقل معرفي مدرس على حدة. وبضرورة هذه التداخلات والتقاطعات والشبكة السيارة بينها؛ طبيعيا نجد في بعض الأحيان تشويشا والتباسا عاديا. كما أن اختلاف براديغمات الحقول المعرفية يؤدي إلى اختلاف المفاهيم والمصطلحات، ويزداد هذا الاختلاف شدة وحدة كلما اتجهنا نحو الرؤى النظرية وأبعادها التي تقاربها بمناهج مختلفة، فلا ضير في ذلك تحت سقف الوعي والتفهم. وهذا يقع خاصة في البعد النظري بفتح البركار على زاوية 360° لتتسع القرص كله، وهو ما دعوت معه في كثير من الأوراق البحثية إلى ضرورة توحيد المفاهيم والمصطلحات والبراديغمات في مستوى الممارسة الصفية حتى تنتفي عنها التجاذبات والسجالات النظرية، ويتوحد خطابها ولغتها العملية الميدانية. في المقابل دعا غيرنا إلى إبقاء الممارسة الصفية مفتوحة على تعدد المفاهيم والمصطلحات والبراديغمات المؤطرة لها تمتاح منها ذلك الاختلاف الكائن بينها. واستنكر علينا دعوتنا هذه في محافل علمية ومناظرات فكرية جمعتنا بهم!
ومن طبيعة “الهرولة نحو النظريات الأجنبية التي نستند عليها في أبحاثنا” وفق قول أستاذنا الكريم؛ أن تتعدد الترجمة ضمن تعدد الفهم والاستيعاب والاتقان بما يعدد المفاهيم والمصطلحات والبراديغمات، فيتولد الإبهام بدرجات مختلفة وفق درجات اختلاف الترجمات، كما يتولد ذلك من أزمة أصالة الفكر العربي والإسلامي العلمية الحالية، وتأثيل البحث العلمي والتربوي ونتائجه في العالمين العربي والإسلامي لمعطيات عدة يطول بها المقال إن عددت، وهي أزمة تعاني من غياب الخلق والإبداع الفكري، أصيل النبع من واقعنا ومعطياتنا وخصوصياتنا وتفرداتنا الحدثية مكانا وزمانا وقضايا ومشاكل. فهو غياب يترك للمنظرين والباحثين والممارسين التربويين مساحات واسعة وشاسعة للنقل والاستيراد الفكري ضمن اختلاف فهمهم واستيعابهم وأهدافهم وغاياتهم ووجهات نظرهم. ومنه؛ (فإذا تمعنا النظر في تاريخ اللسانيات الغربية نجدها بنيت على الانتقال من محطة إلى أخرى بهدف الإضافة والتأسيس لنظريات جديدة تتراكم لتتوالد عنها مسارات في البحث تستقل فيما بعد، فتكون مجالات في الدرس اللساني محكومة بشروط علمية مخصوصة بكل مجال. وأما إذا تمعنا النظر في ” اللسانيات العربية ” فإننا لا نتجاوز حدود النصف الثاني من القرن العشرين للبحث في تاريخها وإذا ما قارنا الإنتاج فيها بما قدمته اللسانيات الغربية من نظريات وآراء مفيدة، فإننا لا نجد إلا بضعة عدد قليل من الكتب لا يتجاوز المائة كتاب وهي كتب في أغلب الأحيان تكرر بعضها أو تقدم ما جاء في اللسانيات الغربية من أفكار جاهزة يغلب عليها سوء الفهم وعدم دقة الترجمة، ولذلك بقيت الدراسات اللسانية في الوطن العربي ضعيفة لا تلبي حاجة اللسان العربي غليها في معالجة قضاياه النظامية الداخلية وتطبيقها على المجالات الإبداعية والاجتماعية الأخرى، ولهذه الأسباب بقي اللسان العربي يعاني من مشكلات رئيسة عطلت تطوره ودراسته دراسة علمية موضوعية)..[71]
ما أجلى هذه الظاهرة عند أستاذنا ومفكرنا الكبير الدكتور محمد الدريج في منحى بحثي واحد مثال؛ يمكن إزاحة نتائجه على مجموع الحقول المعرفية التي تغمر الساحة الفكرية والعلمية العربية والإسلامية والعالمية. فأستاذنا الجليل هو منهلنا في العلم والبحث التربوي وفي التنظير؛ بل في الطرح التطبيقي؛ بأن الأصالة لها وظيفة أساسية في خلق ” البراديغم” الذي يمكنه توحيد التوجه نحو دراسة قضايانا ومشاكلنا وإشكاليتنا التربوية والتعليمية في مختلف ” المواد الدراسية” ومتطلباتها الديداكتيكية ومعيناتها البيداغوجية، وأساسياتها المعرفية. فمن شأن تخليق براديغم بما هو (مجموع المعتقدات والتصورات والقيم التي تكون نموذجا مفاهيميا تنتج عنه كل خطابات شخص معين أو اتجاه ما باعتبار هذا النموذج نسقا تفسيريا)[72] يشكل في المجتمع العلمي (النظريات المعتمدة كنموذج لدى مجتمع من الباحثين العلميين في عصر بذاته، علاوة على طرق البحث المميزة لتحديد وحل المشكلات العلمية وأساليب فهم الوقائع التجريبية)[73] ومن ثمة يمكن في نطاق اللسانيات التطبيقية أن نميز فيها بين ما هو مدرسي وما هو تعليمي، لأن القضايا اللغوية المدرسية ليست هي ذاتها وعينها القضايا اللغوية التعليمية حتما، وإن كانت قد تتقاطع فيما بينها، فهي تختلف في الكثير من المعطيات والحيثيات. ففي المجال المدرسي يكون تدريس النظام اللغوي مقصودا ومستهدفا وممنهجا ومدروسا ومخططا له، بينما في المجال التعليمي خارج المدرسي لا يكون تعليم النظام اللغوي مقصودا ومستهدفا وممنهجا ومخططا له، وإنما في سياق التواصل والتفاعل اللغوي الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي … فلا ضير في أن نخصص ونحدد المجال الذي سنطبق فيه اللسانيات التطبيقية حتى نحصر القضايا اللغوية المستهدفة بتدريسها ودراستها؛ ونوظف براديغما معينا في تناولها والكشف عنها، ومنه يكون تصوري عن البراديغم المتحكم في اللسانيات التطبيقية المدرسية منظورا منظوميا قائما على تطبيق النظريات والمنهجيات اللغوية / ديداكتيك اللغات والمعتقدات العلمية اللغوية في حل المشكلات اللغوية في السياق التدريسي، وفي تفسير المركب اللغوي المدرسي من خلال التفاعل بين عناصره والبحث في نظامه النسقي وبنياته وتكويناته استكشافا لقوانينه وقواعده المتحكمة فيه وفي تدريسه، ومشكلاته التي تعترض المؤسسة المدرسية طلبا لحلها، متوسلا بعدة علوم كالديداكتيك (وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الإحصاء والترجمة وعلم معالجة الكلام وعلم الحاسب الآلي وعلم الإنسان)[74] والبرمجة اللغوية وعلم الأعصاب …
إذ يرى ستريفينز Strevens أن حقل اللسانيات التطبيقية يستقي من العلوم التالية بدرجات متفاوتة: اللسانيات العامة – اللسانيات النفسية – علم النفس – علم الدلالة وعلم الرموز – علم صناعة المعجم ـ اللسانيات الاجتماعية – النظرية الاجتماعية – التعليم بكل فروعه – الرياضيات – علم الإحصاء الحاسوبي – المنطق – الفلسفة – علم البلاغة – تحليل الخطاب – فلسفة العلوم – دراسة الجهاز العصبي – علم التشريح – علم وظائف الأعضاء – الاتصال الكلامي – علم أمراض اللغة ـ الأدب والنقد الأدبي – الترجمة – دراسة أسماء المواقع – الذكاء الاصطناعي – نقل المعلومات وتخزينها – القانون والإدارة العامة. كما أنه ينبه إلى أن هذه القائمة ليست كاملة بل هي مفتوحة، وأن الحاجات المستقبلية قد تتطلب الاستعانة بعلوم أخرى، وعلى الرغم ما تتميز به هذه القائمة من شمولية، ففيها خلط بين مصادر اللسانيات التطبيقية ومجالاتها، فاللسانيات النفسية واللسانيات الاجتماعية وعلم صناعة المعجم وتحليل الخطاب على سبيل المثال تقع الآن تحت مظلة اللسانيات التطبيقية.
والواقع أن تعدد مصادر اللسانيات التطبيقية يعود إلى طبيعة هذا العلم فهو انتقائي يعتمد على أي مصدر من مصادر المعرفة لحل مشكلة لغوية. وهذه الانتقائية مشروعة Davies؛ لأن المشكلات اللغوية في اللسانيات التطبيقية تشمل على عوامل مختلفة إلى جانب العوامل اللغوية، مثل العوامل التربوية، والعوامل الاجتماعية، والعوامل النفسية، والعوامل الأنثروبولوجية ” الإنسانية “، والعوامل السياسة، والعوامل الدينية والثقافية، والعوامل الاقتصادية وغير ذلك[75].
في مقاربة مجالاته المتنوعة التي جاءت على ذكرها الجمعية العالمية للسانيات التطبيقية والجمعية الأمريكية للسانيات التطبيقية بما فيها المجال التدريسي والتعليمي والتربوي، فقد أوردت لجان الجمعية الأولى عام 1998 قائمة بمجالات اللسانيات التطبيقية على الشكل التالي: ( تعلم اللغات للبالغين، ولغة الأطفال، وعلم اللغة التقابلي وتحليل الأخطاء، وتحليل الخطاب، وتقنيات التعليم وتعلم اللغة، ومنهجية تدريس اللغات الأجنبية وإعداد المعلمين، والترجمة، واللغة والتعليم في البيئات متعددة اللغات، واللغة والجنس، واللغة لأغراض خاصة، والتخطيط اللغوي، واختبارات اللغة والتقويم، وعلم المعاجم، وتعليم اللغة الأم، وعلم اللغة النفسي، والبلاغة الأسلوبية، واكتساب اللغات الثانية، واللسانيات الاجتماعية، وتعليم القراءة والكتابة، واللغة وعلم البيئة” فرع من علم الأحياء يدرس العلاقات بين الكائنات الحية وبيئتها “، واللغة والإعلام، ووسائل الاتصال المستخدمة في المهن المختلفة، واستقلالية المتعلم في تعلم اللغة)[76]. وأردفت الجمعية الثانية على ذلك مجالات متعلقة باللغة[77] في سياق تدريسي وتعليمي وتربوي وثقافي واجتماعي وسياسي وإعلامي من حيث (اللغة واكتسابها، واللغة والقياس، واللغة والمخ، واللغة والمعرفة، واللغة والثقافة، واللغة والإيديولوجيا، واللغة والتعليم، واللغة والتفاعل، واللغة والاستماع، واللغة والإعلام، واللغة والسياسة، واللغة والقراءة، واللغة ومناهج البحث، واللغة والمجتمع، واللغة والكلام، واللغة والتقنية، واللغة والترجمة، واللغة والكتابة)[78]. ومنه فمجال اللسانيات التطبيقية بالدرجة الأولى مجال تعليم وتعلم اللغة. ومتعلقات هذا المجال هي تفاصيل يحدد نطاق توظيفها، الذي يتطور نتيجة عوامل متنوعة من قبيل تعليم وتعلم اللغة سواء اللغة الأم أو اللغة الثانية، وبحوث اكتساب اللغة، والتواصل والاتصال، والذكاء الاصطناعي … فقد توسع نطاق توظيف اللسانيات التطبيقية[79] بما وجب التمييز بين نطاق وآخر ضمن التحديد الاصطلاحي أو الإجرائي، وتوظيف البراديغم المناسب ومتطلباته المختلفة.
وضمن مجال اللغة واكتسابها تعليما وتعلما، نجد الممارس البيداغوجي من اللسانيين التطبيقيين الذين يجب (تأهيلهم عن طريق برامج دراسية متخصصة متبوعة عادة بخبرات تدريسية أو خبرات مهن أخرى ويتلقون تدريبا واسعا في عدد من المجالات أحدها اللسانيات العامة)[80]. حتى يمكنهم تدريس اللغة وإجراء البحوث في قضاياها ومشاكلها المعرفية والديداكتيكية تحت ظل اللسانيات التطبيقية المدرسية، التي يجب أن تنطلق من الممارسة الصفية. متساوقا مع طبيعتها لأجل تفسير الأساليب والممارسات اللغوية الناجعة والناجحة السانحة لفهم النظريات بعمق ودقة، و(من ناحية أخرى، تشجع البحوث الصفية المعلم على تحليل الضعف والقصور في التعليم والتعلم من أجل القيام ببحوث لها علاقة مباشرة بهذه المشكلات واستخدام النتائج في تحسين الممارسة التدريسية وفي فهم المبادئ والنظريات التي تعتمد عليها بشكل أفضل)[81].
رفعا لمظان اللبس والتشويش عن التعريف:
فخارج السياق؛ ما كنت لأورده لو لم تطرح إشكالية تداخل الاختصاصات وضعف المنظور وتشويش المفاهيم؛ فتوسلت به، (لعله يكشف غموض المفهوم، ويفصح عن شيء من إبهامه)[82]. فاللسانيات المدرسية التطبيقية المغربية التي أدعو إليها، والتي حددتها في ” تطبيق المعرفة اللغوية إجرائيا وواقعيا على المشاكل والقضايا والإشكالات والمستجدات اللغوية الحاصلة فعلا في الممارسة الصفية المدرسية طلبا لمقاربتها وحلها ومعالجتها، واستيفاء لأثرها على ناتج التعليم/التعلم فضلا عن ترصيد المعرفة اللغوية المتعلقة بهذه المشاكل وهيكلتها في أطر نظرية للاستفادة منها”. تتساوق مع مفهوم اللسانيات التطبيقية العام المتسع والشامل للإشكالات والمشاكل والقضايا المرتبطة بمختلف مناحي الحياة ذات الصلة باللغة، في المجال المدرسي؛ حيث هذا التعريف الذي طرحته للسانيات المدرسية التطبيقية المغربية ينتفي عنه التشويش من جهتين:
الأولى: من حيث معماره المفاهيمي؛
فهو يفيد:
*وظيفة اللسانيات التطبيقية تطبيق المعرفة اللغوية إجرائيا وواقعيا على المشاكل والقضايا والإشكاليات اللغوية القائمة ومحتملة القيام في الممارسة الصفية المدرسية ” المستجدات اللغوية” من أجل حلها ومعالجتها؛
*البحث في أثر تلك المشكلات والإشكاليات والقضايا والمستجدات اللغوية على نتائج التعليم والتعلم دراسة وتحليلا واستنتاجا؛
*تركيم وترصيد تلك النتائج معرفيا من أجل خلق ” معرفة التجربة” للاستفادة منها في مقاربة الفئات المتكافئة أو العائلية من تلك المشكلات والإشكاليات والقضايا اللغوية؛ فالمعرفة حسب الفلاسفة تتأتى بضربين من السبل أو الطرق، وهم يميزون فيها بين المعرفة الاطلاعية والمعرفة القضائية؛ (وهذا التقسم يطلق عليه في الفلسفة الإسلامية تقسيم العلم إلى حضوري وحصولي. ويراد بالعلم الحضوري حضور ذات المعلوم لدى العالم في حالة يتطابق فيها العاقل والمعقول، وهو لون من المعرفة يحدث بلا واسطة من حس، وأدوات، أو استدلال، وغيرها، مثال ذلك علم النفس بذاتها وأفعالها، ومشاعرها وإحساساتها؛ من ألم، ولذة، وحزن، وفرح، وكذلك علم النفس بإدراكها ووعيها بالأشياء. وكذلك؛ فهذا اللون من العلم هو معرفة مباشرة بالموضوع. أما العلم الحصولي؛ فهو علم يحدث بواسطة من حس، واستدلال، وغيرها، ولذلك؛ فهو معرفة غير مباشرة. ويعرفه فلاسفة الإسلام بأنه حصول صورة المعلوم لا ذاته لدى العالم. كما أن كل ما يدرك بالعلم الحضوري يمكن أن يدرك بالعلم الحصولي، فبعد حضور النفس لدى ذاتها؛ يمكن أن تحصل على صورة مكتسبة عن ذاتها فيما بعد، وكذلك أفعالها، وإحساساتها، وغيرها. ولما كان إدراك النفس لذاتها هو علم حضوري، وإدراكها لعلمها بذاتها وغيره ـ أيضا ـ علم حضوري، توقف العلم الحصولي في إمكانه على العلم الحضوري، فمن دون إدراك النفس لذاتها أو وعيها بذاتها لا يمكن أن تعي أي فعل من أفعالها، وبضمنها علمها بالأشياء الخارجية)[83]. ومنه؛ فالمعرفة المتأتية من التجربة الآن في أرقى الجامعات العالمية يتم معادلتها بشهادات اكاديمية رفيعة، ويتم البناء عليها في توجيه الطالب إلى الدرجة العلمية التي يريد متابعة دراساته العليا فيها، فالتجربة لها في فعلها في خلق المعرفة وتصويب النظرية منها. حيث (تمنح التجربة شيئا من الطمأنينة وتضاعف من سرعة وثقة الحركات المهنية وتوسع قاعدة الوضعيات التي تمت مواجهتها وتسمح بمراكمة المعارف المنبثة عن الممارسة، ومن هذا المنظور تدعم التجربة الكفايات وتغنيها)[84]. فالمعرفة وفق فلقيها كموضوع للتفكير العقلي لا تخرج عن كونها ضمن نطاق العلاقات، عن تفاعل بين الأفكار أو تفاعل الأفكار مع الواقع؛ حيث يقول ” هيوم “: (لا يخرج الموضوع الذي يتناوله العقل بالتفكير عن أحد أمرين فهو إما أن يكون متصلا بالعلاقات القائمة بين فكرة وفكرة، أو يكون متصلا بأمر من أمور الواقع)[85].
*المعرفة اللغوية هي حصيلة روافد عدة في حقينة الكفاية التدريسية للممارس البيداغوجي من علوم مختلفة على رأسها اللسانيات العامة؛
ـ انحصار اللسانيات المدرسية التطبيقية بالمدرسة المغربية معطى موضوعي ومنطقي يمتاح وجوده من:
ـ اللسانيات التطبيقية في اصطلاح بعض روادها تشمل الحياة كلها في ارتباطها باللغة؛ ما يعني طرح الحياة قضايا ومشاكل وإشكاليات لغوية لا تمت للمجال التدريسي بصلة. وطبيعة المشكلات والإشكاليات والقضايا تختلف من مشكلة إلى أخرى، ومن مجال إلى آخر وهكذا. ما يستوجب تخصيص اللسانيات التطبيقية بمجال محدد حين التوظيف والتداول حتى يخرج منه العناصر التي لا تتعلق بالمشكلة بالمطلق. وتحضر إمكانية الحصر والاشتغال.
ـ اللسانيات التطبيقية حاليا لم تعد كبداياتها من حيث الجهاز المفاهيمي الوظيفي الذي كانت تمتاحه من روافد عدة، بل أصبح يتخلق في رحمها[86]، ويتشكل مضمونه من نتائج بحوثها الخاصة، وتوظفه في مقارباتها لقضاياها. وتخليق جهاز مفاهيمي للسانيات التطبيقية أمسى دعوة الكثير من الباحثين في اللسانيات التطبيقية. بل ذهب البعض إلى استقلاليتها العلمية، ومنهم د. أحمد خلدي حيث ذكر في السياق التاريخي للسانيات التطبيقية أنها علم مستقل بذاته (له قواعده ومصطلحاته ومنهجه في الدراسة)[87]. و(أما اليوم، فقد تغيرت الأوضاع كثيرا، حيث صارت اللسانيات التطبيقية تقدم نفسها كإطار مرجعي غني تلتقي فيه الكثير من المقاربات المتنوعة، ما يجعلها قادرة على الاضطلاع بموضوع تعلم اللغة تنظيرا وتطبيقا، نتيجة انفتاحها على عديد العلوم والتخصصات. لذا، ينبغي للنماذج المطبقة في تعليم وتعلم اللغات أن تتجاوز النظريات اللسانية والنماذج النحوية الموجودة. لبلوغ الهدف الرئيس من تعلم اللغة، تمكن الفرد من التواصل مع الآخر، في عدد معين من الوضعيات الحياتية اليومية والمهنية، ومن المهم جدا امتلاك معلومات دقيقة حول المكونات اللسانية وغير اللسانية: السجل أو اللهجة المستعملة، حسب السياق ومكانة المتكلمين، موضوع التبادل، القناة المستعملة “رسالة، هاتف، وغيرهما”. وفي الوقت نفسه، معرفة القواعد المتحكمة في نظام النص أو الحوار)[88].
ـ اللسانيات التطبيقية ولدت في رحم الفعل التعليمي اللغوي لغير الناطقين باللغة المستهدفة، ومن ثمة (يبدو أنه لا يمكن تصور تعليم لغوي حقيقي دون الاستعانة بعلم اللغة التطبيقي؛ ذلك لأنه كما يرى كوردر ـ بحق ـ يهتم بمجموع العملية التعليمية للغة؛ بمعنى أنه هو الذي يهيمن على التخطيط وعلى اتخاذ القرارات المطلوبة باعتباره علما يستهدي قواعد العلم من الوصف، والضبط، والتنظيم. إن تعليم اللغة ليس ذلك الذي يجري في قاعة الدرس؛ ذلك آخر المطاف في عملية كاملة، فالمدرس يستخدم كتبا مقررة، وأجهزة ووسائل تعليمية، ويعمل وفق أسلوب معين، وجدول زمني محدد، ويقوم تلاميذه باختبارات يصممها آخرون. إن قبل ذلك عملا كاملا ينهض به علم اللغة التطبيقي)[89].
وهذا التحديد الاصطلاحي الذي نحتناه من مجموعة من التعريفات وقدمناه بين يدي ورقتنا تلك المنتقدة، يضفي تخصيصا بمجال اللسانيات التطبيقية في المجال المدرسي، ويدققها بما يرفع عنها اللبس والتشويش والغموض، ويزيدها وضوحا وشفافية وتجليا وفهما واستيعابا. وبذلك لا يخرج عن باقي التحديدات الاصطلاحية للسانيات التطبيقية.
الثانية: توافقه مع جملة من التعاريف:
فهو ينسجم مع جوهر أغلب التحديدات الاصطلاحية بنية ووظيفة وهدفا، والتي منها:
ـ تعريف كابلان وويدوسون” Kaplan and Widdowson” للسانيات التطبيقية (تطبيق المعرفة اللغوية على مشكلات العالم الواقعية … وعندما تستخدم هذه المعرفة اللغوية في حل المشكلات الأساسية المتعلقة باللغة، نستطيع أن نقول إن اللسانيات التطبيقية علم تطبيق وممارسة. والتطبيق هو تقنية تجعل الوصول إلى الأفكار المجردة ونتائج البحوث ممكنا، كما تجعلها ذات صلة بالعالم الحقيقي، فهو علم يتوسط بين النظرية والتطبيق)[90].
ـ تعريف ديفيز Davies للسانيات التطبيقية (هو نشاط بحثي وتطوري يستخدم النظريات ويجمع بيانات يمكن استخدامها في التعامل مع مشكلات المؤسسات اللغوية. فهو ليس شكلا من أشكال العمل الاجتماعي الذي يتصل بالأفراد مع أن نتائجه يمكن أن تكون مفيدة للاستشاريين والمعلمين عند مواجهة مثل هذه المشكلات)[91].
ـ تعريف شميت Schmitt للسانيات التطبيقية (هو علم متشعب ومتفرع ويشمل عددا كبيرا من المجالات ومن العلوم الفرعية مثل علم اللغة النفسي وعلم اللغة الاجتماعي واختبارات اللغة وغير ذلك. كما أنه يستخدم ما نعرفه عن اللغة وكيفية تعلمها واستخدامها في حل بعض المشكلات الحقيقية ولتحقيق بعض الأغراض المتعددة والمتنوعة)[92].
ـ تحديد د. محمد خاين للسانيات التطبيقية من خلال وظيفتها حين قال: (يكاد الدارسون يجمعون على أن المهمة الرئيسة للسانيات التطبيقية هي التكفل بحل المسائل والقضايا ذات الطبيعة اللغوية في شتى ميادين النشاط الإنساني، ومن ثمة نظر إليها على أنها الأبحاث التي تتخذ من الإجراءات اللسانية سبيلا لمعاجلة القضايا الموصولة بالحياة اليومية والمهنية التي تحضر فيها اللغة، وهو ما يعني عملها ضمنيا على إيجاد الحلول للمشكلات اللغوية التي تستجد في مختلف مناحي الحياة العلمية والعملية)[93].
ـ بالنسبة لموسوعة Universalis تذهب ( في تعريفها للسانيات التطبيقية مذهبا تبريريا لشرعية الوجود انطلاقا من كون اللغة قاسما مشتركا بين جميع البشر، مما يفرض حضورها وتدخلها في كل ميادين النشاط الإنساني، مما ينجم عنه حدوث مشكلات متنوعة تتطلب وضع تقنيات تساعد على حلها، وهذا يستدعي تسخير المعارف النظرية عن اللغة، وهو الأمر الذي يدخلنا في دائرة التطبيقات اللسانية، ممثلة في اللسانيات التطبيقية)[94].
ـ اللسانيات التطبيقية أو علم اللغة التطبيقي عند د. عبده الراجحي هو:
ـ (ليس تطبيقا لعلم اللغة وليست له نظرية في ذاته، وإنما هو ميدان تلتقي فيه علوم مختلفة حين تتصدى لمعالجة اللغة الإنسانية، أو هو علم ذو أنظمة علمية متعددة يستثمر نتائجها في تحديد المشكلات اللغوية، وفي وضع الحلول لها. وإذا كان علم اللغة لا يمثل العنصر الوحيد في ميداننا، لأنه يستقي من علوم أخرى، فلا شك أنه يمثل أهم عنصر فيه)[95].
ـ (علم متعدد المصادر والروافد، يستمد منها مادته لحل المشكلات التي تضطلع بها، وإذا كان الواجب ألا نحصر هذه المصادر في علوم بذاتها، لأن ” اللغة ” الإنسانية لها اتصال وثيق بالنشاط المعرفي للإنسان، فإن ثمة اتفاقا على أن علوما أربعة تمثل المصادر الأساسية لعلم اللغة التطبيقي هي:
1 ـ علم اللغة.
2 ـ علم اللغة النفسي.
3 ـ علم اللغة الاجتماعي.
4 ـ علم التربية)[96].
ـ تعريف جيرارد دونيس ” Girard Denis ” للسانيات التطبيقية عل أساس أنها (حقل من حقول اللسانيات يتم فيه نقل النتائج والنظرية إلى مستوى تطبيقي … ومن اهتماماته تدريس اللغات والتوثيق والترجمة ومعالجة الأمراض اللغوية وتقنيات التعبير)[97].
ـ (تعتبر اللسانيات التطبيقية مجالا مرتبطا بتدريس اللغات … ومنطلقها هو اللسانيات العامة وبالأخص الدراسات البنيوية واللسانيات الوصفية التي أثرت على طرائق تعليم اللغات، مثل: الطريقة السمعية النطقية، والسمعية البصرية، والتمارين اللغوية)[98].
ـ تعريف نانسي هورنبرغ Hornberg “: (اللسانيات التطبيقية تسعى لفهم عملية تعليم وتدريس اللغة، والسياسات التربوية، وتحويلها إلى ممارسات في تعليم وتدريس اللغة)[99].
ـ تعريف رتشارد وآخرونet al Richards: (إن اللسانيات التطبيقية تعني دراسة تعلم وتعليم اللغة الثانية واللغة الأجنبية، ودراسة اللغة واللسانيات في علاقتهما بالمشاكل العملية، كالمعجم، أو الترجمة، وعلل النطق، وغيرها).
ـ تعريف بنيكوك Pennycook للسانيات التطبيقية أنها (تشمل العديد من المقاربات المباشرة ومعالجة مجموعة من القضايا المتصلة باللغة والتعليم)[100].
ـ تعريف صالح بلعيد للسانيات التطبيقية الواسع بالذات والصفات والوظائف من حيث:
علم اللغة التطبيقي أو ما يسمى اللسانيات التطبيقية، وهو حقل من حقول اللسانيات، ظهر سنة 1946م[101] في الوقت الذي ظهر الاهتمام بمشاكل تعليم اللغات الحية للأجانب، إلى جانب ازدهار الدراسات التطبيقية أو نظرية علمية يتم تمثلها عن طريق تطبيق ما هو في الإمكان. وذلك بتكوين المادة عن طريق الأنماط وترسيخ المفاهيم التي يتم فيها نقل النتائج والنظرية إلى مستوى تطبيقي. يدرس اللغة بغرض الحصول على طبيعتها في ذاتها ومن أجل ذاتها. ويسعى دائما إلى عمل علمي هادف، وهو الكشف عن جوانب اللغة والمعرفة الواعية بها، للتمكن من الأداء اللغوي الجيد. ويفيد علم اللغة التطبيقي في مواقف التعلم اللغوي المختلفة، لأن موضوعه هو الإفادة من مناهج علم اللغة ونتائج الدراسات في هذا المجال، ومن ثم تطبيق ذلك في مواقف التعلم اللغوي. كما يميز بين نوعين مختلفين من المناهج والطرائق التي يقترحها في تعلم اللغات.
1 ـ مناهج وطرائق تعليم اللغات الأصلية أو لغات المنشأ.
2 ـ مناهج وطرائق تعليم اللغات الأجنبية الأولى والثانية والثالثة إلخ … التي لم ينشأ عليها الطفل في بيئته التعليمية الأولى.
وتعتبر اللسانيات التطبيقية مجالا مرتبطا بتدريس اللغات، حيث إن منطلقاتها هي اللسانيات العامة، وبالأخص الدراسات البنيوية واللسانيات الوصفية التي أثرت على طرائق تعليم اللغات، مثل الطريقة السمعية النطقية، والسمعية البصرية، والتمارين اللغوية.
ومن اهتماماتها تدريس اللغات والتوثيق والترجمة ومعالجة الأمراض اللغوية وتقنيات التعبير، وأهم خصائص علم اللغة التطبيقي، هي:
1 ـ البرجماتية: لأنها مرتبطة بحاجات المتعلم، وكل ما يحرك المنتج من معتقدات وظنون وأوهام لإنجاز الكلام.
2 ـ الانتقائية: حيث يختار الباحث ما يراه ملائما للتعليم والتعلم.
3 ـ الفعالية: لأنه بحث في الوسائل الفعالة لتعلم اللغات الأم واللغات الأجنبية.
4 ـ دراسة التداخلات بين اللغات الأم واللغات الأجنبية: دراسة الاحتكاكات اللغوية التي تحدث في محيط غير متجانس لغويا. ودراسة ذلك في الجزر اللغوية أو في الحالات الخاصة التي يقع فيها التعقد اللغوي.
من أوجه نشاطه:
ـ التخطيط اللغوي ” من عمل المجامع، وتخطيط السياسة التعليمية “: والتخطيط يعني به أن تكون هناك سياسة مبنية على مجموعة من التدابير التي تتخذ من أجل تنفيذ هدف معين، وهذا يعني أن مفهوم الخطة يحدها عنصران: أولهما وجود هدف أو غاية نريد الوصول إليها. وثانيهما وضع تدابير محددة ووسائل مرسومة من أجل بلوغ هذا الهدف.
ـ لغة الإعلام: دراسة لغة الإعلام، والمقصود بها هنا دراسة كل الوسائط العاملة على الاتصال.
ـ الإعلان التجاري، وكيفية التأثير باللغة: وجه من أوجه الوسائط، إلا أنها تعتمد طريقة خاصة في كيفية التأثير في المستقبل.
ـ هندسة الاتصال: فن راق في وسائط الاتصال تعتمد فيه الطرائق الحديثة من قبل البرمجيات وفيها تخزن المعلومات، ويعمل الكمبيوتر على إحصائها وتصنيفها.
ـ تصميم النظم الكتابية: وهي عملية فنية تعتمد تقنيات الاتصال؛ حيث تدخل في صناعة توصيل الخطاب دون تشويش.
ـ محاربة الأمية: طريقة تقليدية في محتواها، وتدخل ضمن العمليات التعليمية التي توجه لمن فاتهم وقت التدريس لاعتبارات كثيرة.
ـ النقد الأدبي والتذوق: يدخل هذا في الجانب الأدبي الفني، حيث إن التقنيات العصرية تشترط هدم المعوج من أجل البناء الصحيح.
ـ التحليل النفسي: هي من المسلمات التي تعتمد في علوم الاتصال، وهي مراعاة الجوانب الاجتماعية والنفسة للمرسل والمستقبل، ومراعاة الخصوصيات والظروف الخاصة لكل منهما.
ـ علاج العيوب النطقية: يدخل هذا في التعليم المكيف، حيث تراعى خصوصيات المتعلمين، مثل الإعاقة وعيوب النطق.
ـ جغرافية اللهجات: إنجاز يعمل على تحديد الظواهر الأساسية في الاختلاف اللهجي، والتنوع اللغوي، وتسجيل النماذج الأدبية والفلكلورية، وقياس مدى انتشار الظواهر المختلفة، ودرجة أصحابها من الحضارة والبداوة والثقافة، وهذا الجانب يهتم خاصة بالمناطق ذات التعدد اللغوي، أو المناطق التي لها الخصوصيات اللغوية.
ـ برامج الحاسب الإلكتروني: وهي البرامج التي تدرها الآلة العصرية، حيث تنتج البرمجيات وكل ما يتعلق بأيقونات العمل تحت نظام النوافذ في لغة الآلة.
ـ الترجمة الآلية: وهي الترجمة الحرفية تقريبا التي تقوم بها الآلة بناء على الرصيد المخزن فيها من خصائص الصرف وقواعد اللغة.
ـ تعليم اللغات: بالاهتمام بأهم انشغالات الفعل التربوي، بالإجابة عن: ماذا نعلم؟ كيف نعلم؟
وأمام هذه الأوجه المتعلقة بالمادة النظرية التي هي عمدة التطبيق، يحتاج علم اللسان التطبيقي إلى فعاليات تعليمية يدرها عليه علم اللغة العام، حيث يتخذها قاعدة لتطبيقاته، ويستند إليها اثناء دراسته أو وضعه لطرائق التطبيق[102].
ونستنتج من هذا التحديد المصطلحي للسانيات التطبيقية ما يوافق ما حددناه في تعريفنا للسانيات التطبيقية في المجال المدرس من حيث:
وظيفة اللسانيات التطبيقية:
1 ـ “تطبيقات المعرفة اللغوية على مشكلات العالم الواقعية” < كابلان وويدوسون Kaplan and Widdowson >، وظيفة عامة شاملة واسعة؛
2 ـ “هو نشاط بحثي وتطوري يستخدم النظريات ويجمع بيانات يمكن استخدامها في التعامل مع مشكلات المؤسسات اللغوية” < ديفيز Davies >، وظيفة بحث واستثمار البعد النظري في مقاربة القضايا اللغوية؛
3 ـ “يستخدم ما نعرفه عن اللغة وكيفية تعلمها واستخدامها في حل بعض المشكلات الحقيقية ولتحقيق بعض الأغراض المتعددة والمتنوعة” < شميت Schmitt >، توظيف المعرفة اللغوية وديداكتيك اللغات في حل المشكلات الحقيقية وتحقيق أهداف متنوعة، وظيفة شاملة؛
4 ـ “المهمة الرئيسة للسانيات التطبيقية هي التكفل بحل المسائل والقضايا ذات الطبيعة اللغوية في شتى ميادين النشاط الإنساني … إيجاد الحلول للمشكلات اللغوية التي تستجد في مختلف مناحي الحياة العلمية والعملية” < محمد خاين >، وظيفة حل المشكلات المرتبطة باللغة في ميادين النشاط الإنساني، ومختلف مناحي الحياة العلمية والعملية، وهي وظيفة شاملة وواسعة.
5 ـ ” وضع تقنيات تساعد على حل المشكلات في كل ميادين النشاط الإنساني بتسخير المعارف النظرية عن اللغة ” < موسوعة Universalis >، وظيفة عملية لحل المشكلات من خلال المعرفة اللغوية، وهي وظيفة واسعة شاملة؛
6 ـ وإنما هو ميدان تلتقي فيه علوم مختلفة حين التصدي لمعالجة اللغة الإنسانية، وتحديد المشكلات اللغوية ووضع الحلول لها” < عبده الراجحي >، وظيفة بحث وحل المشكلات ذات البعد اللغوي، وهي وظيفة محددة ومحصورة في المجال اللغوي، وبتوسيع شعاع البركار يصبح المجال اللغوي مشتملا للحياة كلها.
7 ـ “يستمد من مصادره وروافده مادته لحل المشكلات التي تضطلع بها” < عبده الراجحي >، وظيفة عملية واسعة وشاملة لارتباطها باللغة ذات الصلة بالنشاط المعرفي الإنساني.
8 ـ ” الإفادة من مناهج علم اللغة ونتائج الدراسات في هذا المجال، ومن ثم تطبيق ذلك في مواقف التعلم اللغوي” < صالح بلعيد >، وظيفة محددة، لكنها تتسع مع قرص أنشطة اللسانيات التطبيقية لتصبح شاملة.
9 ـ (نقل النتائج والنظرية إلى مستوى تطبيقي … ومن اهتماماته تدريس اللغات والتوثيق والترجمة ومعالجة الأمراض اللغوية وتقنيات التعبير) < جيرارد دونيس Girard Denis >، وظيفة شاملة ثم تخصصت، وهي متعلقة باللغة.
10ـ (تعتبر اللسانيات التطبيقية مجالا مرتبطا بتدريس اللغات) < معجم علوم التربية>، وظيفة تدريسية.
11 ـ (فهم عملية تعليم وتدريس اللغة، والسياسات التربوية، وتحويلها إلى ممارسات في تعليم وتدريس اللغة) < نانسي هورنبرغ Hornberg >، وظيفية متعلقة بقضايا تدريسية خاصة.
12 ـ (دراسة تعلم وتعليم اللغة الثانية واللغة الأجنبية، ودراسة اللغة واللسانيات في علاقتهما بالمشاكل العملية) < رتشارد وآخرونet al Richards >، وظيفة مرتبطة بمشاكل تدريسية خاصة باللغة.
13 ـ (معالجة مجموعة من القضايا المتصلة باللغة والتعليم) < نيكوك Pennycook >، وظيفة علاجية لقضايا ومشاكل تدريسية، وهي وظيفة خاصة.
14 ـ (
الارتكاز النظري:
ترتكز اللسانيات التطبيقية مركزيا على عمود اللسانيات وعلى أعمدة العلوم الأخرى على محيط دائرة خيمتها؛ ليشتد قيامها على معمار معرفي قوي في مقاربة قضاياها المرتبطة بالمجال اللغوي في شتى الميادين، ما يتقاطع مع التعريف الذي أوردناه في ورقتنا ضمن تخصيصه بالمؤسسة التعليمية؛ فهي تتوسل بمعطيات ونتائج البحث اللساني لحل تلك المشاكلات الحياتية اليومية والمهنية فضلا عن تلك المرتبطة باللغة التي تطرحها فروع الحقول المعرفية أخرى. وعليه تتجلى براغماتية اللسانيات التطبيقية كما يزعمها صالح بلعيد، وهي بذلك تمثل الجانب النفعي والعملي للسانيات بصفة عامة.
الترصيد المعرفي:
هناك من التعاريف من دعت إلى تركيم وترصيد المعرفة الإجرائية لتوظيفها في مشاكل مشابهة، وعدم تكرار النفس مرة أخرى.
وأما وجه الاختلاف فيتجلى في شمولية التعاريف السابقة لمجال توظيف اللسانيات التطبيقية، وهذا ناتج عن طبيعة كل مورد بحثي ودراسي وتوظيفي وتداولي؛ حيث المجال الذي كنا بصدده هو المجال التدريسي بقضاياه ومشاكله وإشكالياته اللغوية، ومنه؛ الدعوة إلى التخصيص دعوة طبيعية حتى لا تنزلق اللسانيات التطبيقية في المجال التدريسي إلى مقاربة قضايا من خارج المجال. وهذا لا يعني أنها لا يمكن دراسة تلك القضايا من وجوه عدة، فقد تكون القضية متشعبة ومعقدة ومتداخلة مع حقول أخرى للسانيات التطبيقية كدراسة الخطاب التدريسي في جماعة القسم. إذ يمكن دراسته على أساس درس لغة ولغة درس ولغة مجتمع مدرسي ولغة جامعة القسم ولغة تواصل ولغة إعلام وإخبار … لذا فالتحديد والتخصيص يرفع اللبس الذي قد تحدثه هذه التقاطعات والتداخلات، ويجلي الرؤية عند الممارس البيداغوجي رافعا التشويش عن أدائه. وبذلك تتضح عنده المنطلقات والسيرورة والأهداف فضلا ضبطه للبراديغم الذي يوظفه. غير أن المارس البيداغوجي غير المختص في المجال اللساني اختصاصا دقيقا، قد يخونه الفهم والاستيعاب لما تطرحه اللسانيات التطبيقية انطلاقا من التعريف ومرورا بالحقينة المعرفية النظرية ومتطلباتها وحيثياتها التفصيلية من متطلبات وشروط ومطالب وأدوات وأجهزة ومنهجيات وانتهاء بالتطبيق، واستخلاص النتائج والحلول لقضاياها المدروسة. ما ولد تخوفا لدى أستاذنا الجليل تجاه الفعل التدريسي على مستوى الفهم، فإن استشكل الفهم تبعه استشكال التطبيق، مما يؤدي إلى نتائج كارثية على المدى البعيد. الأمر الذي دعا معه إلى تخليق طريق ثالث؛ ونحن لا نشك أبدا في قدرة أستاذنا على ذلك لما عهدنا فيه من مبادرات جريئة قد تكون مشاكسة في بعض رؤاها. كما هو قدوتنا في ذلك لتأصيله الكثير من المفاهيم التربوية والتعليمية وتأثيلها على مستوى العملية التعليمية التعلمية. وموافقة أستاذنا الكريم في نقده المتميز واردة ورود إقرار بواقع معيش نحياه يوميا، ونلمسه في ممارستنا التربوية والتعليمية والمدرسية مع متعلمينا أو طلابنا أو تكويناتنا الأساسية أو المستمرة المهنية أو جامعاتنا ومراكزنا الدراسية وندواتنا ومؤتمراتنا العلمية لاختلاف آرائنا وتوجهات أفكارنا وتنوع مطالعاتنا في سياق (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)[103].
تعدد المفهوم متعلق بالمفهمة:
فتعدد المفهوم ظاهرة اصطلاحية تتعلق بـ ” المفهمة ” فعلا فلسفيا ولغويا وغائيا في ذات الوقت، ستظل قائمة في تقاطع وتداخل الحقول المعرفية كما أكد ذلك كتابه، ومن إشكاليات التنظير والتطبيق للفعل التدريسي والتعليمي الذي يشكل حقينة صبيب روافد علوم عدة لا يمكن تجاوزها في المقام العلمي لكون الفعل التدريسي التعليمي فعلا معرفيا بامتياز، ولا تجاوزها في المقام التداولي لكونه فعلا تعليميا تطبيقيا بامتياز كذلك، وإنما البحث عن موقف توفيقي توليفي، ومنه كان نقده المتميز في سياقه الطبيعي لما للفعل التدريسي التعليمي من بناء منهجي يبدأ بالمسألة الذهنية ويمر بالمسألة اللغوية وينتهي بالمسألة التطبيقية، وكل مسألة تطرح مشاكل وإشكاليات معرفية وموضوعية ومنهجية متنوعة منها ” المفهمة ” وتعدد روافد العملية التعليمية التعلمية المعرفية التي يغذيها تتعدد العلوم، ويعقدها في نفس الآن اختلافها وائتلافها.
فالمفهمة لا تقع خارج اللغة، والفعل التدريسي التعليمي كذلك لا يتم إلا باللغة، وعليه لا يقوم الخطاب التدريسي التعليمي في المقام المدرسي إلا على النظام اللغوي أساسا؛ تضافره أنظمة أخرى كالنظام الرمزي أو التمثيلي أو النظام الحسي. وهو ما يتكئ في اشتغاله المدرسي على آليات واستراتيجيات ذهنية وعملية تستهدف الفهم والإفهام والإبلاغ والإخبار والتواصل والإنجاز حول المادة الدراسية، ما يستدعي فعلا العمل تحت (الوضوح البراديكمي)[104] للتخفيف أو الحد من (التشويش البراديكمي)[105]، الذي تزداد حدته بتشبيك التخصصات، وتسيل بعضها في بعضها الآخر جيئة وذهابا. وفي أخير المطاف لا مناص من التعامل مع الوجه الآخر ” وجه الفرص ” لظاهرة ” التشويش البراديكمي ” من حيث كونه فرصا للبحث العلمي والتدقيق المعرفي من جهة أولى، ولكونه في كثير من الأحيان يعطي أبعادا جديدة للمفهوم لاختلاف وتعدد ” المنظور “، وكذا يمنحه قيما مضافة تغنيه وتجلي غوامضه أو تزيح دلالته عن أصله لملاءمة مجال توظيف جديد أو مستحدث. ويمكنه أن يكون لحظة من اللحظات التاريخية ثورة علمية عائدها جليل على الفعل التعليمي التدريسي.
ويمكن الخروج من “التشويش البراديكمي” إلى ” الوضوح البراديكمي” أن نسلك طريقا آخر عرفته الدراسات والبحوث منذ زمان قديم حين حددت مفاهيمها إجرائيا والتزمت بها في تناول إشكالياتها ومواضيعها بعيدا عن التحديد الاصطلاحي، الذي لا تجد فيه إجماعا على تحديد مفهوم من المفاهيم تحديدا جامعا مانعا متفقا عليه بالمطلق، حتى تحديد المفاهيم من قبل المجامع اللغوية تجد من يخرج عنها. والمهم أن هذه الظاهرة لن تغادر الاشتغال المدرسي مادام اشتغالا معرفيا وتطبيقيا، تتوارد عليه المستجدات والتطورات وتتكاثف في قمعه. فالظاهرة مستحكمة فيه لتعدد مشارب منظري وممارسي وباحثي المنظومة التربوية والتكوينية المغربية. (ولكل وجهته هو موليها، فاستبقوا الخيرات)[106]، وأستاذنا ورائدنا الكريم استبقنا فيما ينبغي أن يكون على الأقل على المستوى التطبيقي والتنفيذي من العملية التعليمية التعلمية ” جازاه الله عنا خيرا”. والورقة لا يمكنها إلا أن تقدر نقده لهذه الظاهرة التي أصبحت طبيعية في إطار التلاقي والتداخل والتقاطع البيني بين العلوم بما يطلق عليها الاختراق الأفقي والعمودي للعلوم، والقمين ـ أي نقده المتميز ـ بخلق مجموعة تساؤلات حول الظاهرة، ودراستها في الدرس المدرسي معرفيا، وأثرا راجعا، ونتائج محصلة دالة. وقد ألفى العلماء والباحثون مع الانفجار المعرفي ضرورة مراجعة معارفهم ونظرياتهم ونماذجهم وأدواتهم ومنهجياتهم وأطرهم الفكرية لتلائم المعطيات المستجدة مع الثورة المعرفية التي ما كانت لتكون لولا سنة التطور والتجدد التي وضعها الله في تنظيم كونه، بدء من تطور الجنين في بطنه إلى تطور السماوات والأرض، وتطور المجتمعات من خلال التعارف والمصاهرة وتلاقح الثقافات … حيث طرحت العلوم المعرفية الآن (عدة قضايا أفضت إلى إعادة النظر في العديد من المفاهيم والتصورات التي اعتمدت من قبل. فمع منتصف خمسينيات القرن الماضي اقتنع العديد من الباحثين بصعوبة تقديم أجوبة كافية لكل الأسئلة المتعلقة بالعقل بالاستناد إلى حقل معرفي واحد. ومرد ذلك إلى أن كل حقل يصوغ تصورات خاصة به؛ بشكل أفضى إلى تباين في التحليل والمعالجة بين هذه الحقول، وأحيانا داخل الحقل الواحد. ولتلافي التباين الملاحظ على مستوى النتائج اقترح بعض الدارسين اعتماد مقاربة متعددة الجوانب قادرة على الجمع بين علوم بحثة وعلوم إنسانية. وهو ما ترجم إلى مشروع استهدف رسم معالم حق جديد يجمع بين ميادين نظرية وأخرى تطبيقية تختص بالبحث في موضوع المعرفية)[107].
خروجا عن التقليد الأكاديمي:
فتداخل التخصصات بطبيعته يلبس بعض الفهم والاستيعاب لكثيرين الواقفين على أبجديات المعرفة غير متعمقين ولا مدققين في التفاصيل والخبايا والإشكاليات والمشاكل الناتجة عن ذلك، وهو ليس سوء يضرب المنظومة التربوية والتكوينية المغربية بالمطلق، وإنما هو حسنة وفرصة قد تقتنصها لتجدد نفسها بالبحث والتقصي والدراسة وتطورها. ففي مجال الديداكتيك واللسانيات، يمكنه أن تحدث ثورة علمية في ممارستها الميدانية وفق ما جاءت عند توماس كون (Thomas Kuhn) عندما تشتد الأزمة في مجال البحث العلمي ببلوغ العلم حدا من التراكم، ويسود براديغم معين تقليدا في الممارسة العلمية والاشتغال المعرفي، والركون إليه، ويحنط الممارسة في طقوس محددة؛ حينها يتزايد ويتعاظم الشعور بعجز ذلك البراديغم عن مقاربة وحل المشكلات العلمية التي قد يكون هو نفسه سببا فيها. فتتطلب وقتئذ طبيعة التغيير والتطوير والتجديد الخروج عنه باكتشافات علمية جديدة تسحب إليها الباحثين والدارسين والعلماء، وتقودهم إلى تبني براديغماتها الجديدة ضمن ما يسمى لدى توماس كون (Thomas Kuhn) ” تهديم البراديغمات “، وليس في ذلك سلاسة كما نتصور، وإنما يقع صراع بين من يدافع عن قديمه ومن يدافع عن جديده، (كل مجموعة تستخدم براديغمها الخاص بها للمناقشة في الدفاع عن ذلك البراديغم)[108] الذي تحت سقفه يتم الخطاب العلمي وتفسير الظواهر المدروسة؛ فلابد يوما ما وفق الحتمية التاريخية وحتمية التطور والاستكشاف والتبصر من تغير البراديغمات وتجدد النظريات. إذ يرى توماس كون (Thomas Kuhn) وجود
(ثلاثة أنماط من الظواهر فقط يمكن تطوير نظرية جديدة عنها. يتألف النمط الأول من ظواهر تم شرحها شرحا وافيا في السابق بواسطة البراديغمات القائمة، ونادرا ما توفر هذه الظواهر دافعا أو نقطة انطلاق لبناء نظرية، وعندما تفعل ذلك … فإن النظريات الناتجة لا تقبل إلا نادرا لأن الطبيعة لا توفر أساسا للتمييز. والنمط الثاني من الظواهر يتألف من تلك الظواهر التي تدل البراديغمات القائمة على طبيعتها لكن تفاصيلها لا تفهم إلا من خلال صياغة نظرية أوسع. وهذه هي الظواهر التي يوجه العلماء بحثهم إليها معظم الوقت، غير أن ذلك البحث يهدف إلى صياغة البراديغمات القائمة، وليس إلى ابتداع براديغمات جديدة. وعندما تفشل هذه المحاولات الرامية إلى الصياغة، وفي هذه الحالة فقط، يواجه العلماء فعليا النمط الثالث من الظواهر، وهي ظواهر عدم التوقع المدركة التي تكمن صفتها المميزة في رفضها العنيد لأن تتمثلها البراديغمات القائمة. وهذا النمط، وحده، يؤدي إلى نشوء نظريات جديدة. فالبراديغمات توفر لكل الظواهر، باستثناء ظواهر عدم التوقع مكانا محددا من نظرية في ميدان الرؤية الذي يخص العالم.
ولكن إذا طلب من النظريات الجديدة أن تقوم بحل ظواهر عدم التوقع الموجودة في علاقة نظرية قائمة بالطبيعة، فعلى النظرية الجديدة الناجحة أن تسمح، وفي مكان ما، بتنبؤات مختلفة عن التنبؤات عن التنبؤات المستفادة من سابقتها. وذلك الاختلاف لا يحصل إذا كانت النظريتان متوافقتين منطقيا. وفي عملية تمثل النظرية الثانية، لابد لهذه النظرية الثانية أن تزيح النظرية الأولى. فنظرية كنظرية حفظ الطاقة، وهي النظرية التي تبدو اليوم بمثابة بنية فوقية منطقية لا علاقة لها بالطبيعة إلا عبر نظريات تأسست على نحو مستقل، لم تتطور تاريخيا من دون هدم البراديغمات)[109].
وتوماس كون يعطي الأسبقية للنماذج الإرشادية ” البراديغمات ” في إطار حديثه عن الثورات العلمية التي تؤدي في سياقها إلى التغير والتجدد والتخلي عن المعتاد منها، فيقول:
(لكي تكتشف العلاقة بين القواعد والنماذج الإرشادية والعلم القياسي علينا أن نتأمل أولا كيف يحصر المؤرخ مواضع الالتزام الخاصة التي وصفناها توا بأنها القواعد المسلم بصحتها. وإن الدراسة التاريخية المدققة لتخصص علمي محدد، في فترة زمنية معينة، إنما تكشف عن مجموعة من الأمثلة التوضيحية المتكررة وشبه المعيارية لنظريات متباينة فيما يتعلق باستخداماتها على مستوى المفاهيم والأدوات والمشاهدات. وهذه هي النماذج الإرشادية لجماعة البحث العلمي، التي تعرضها الكتب الدراسية والمحاضرات والتطبيقات المعملية. وحين يدرسها أعضاء جماعة البحث، ويسترشدون بها في التطبيقات العملية، فإنهم يتعلمون تخصصهم. وطبيعي أن المؤرخ سيكتشف علاوة على هذا منطقة شبه ظل تشغلها إنجازات لاتزال موضع شك وتساؤل من حيث وضعها، إلا أن لب المشكلات التي تسنى حلها والتقنيات يكون واضحا عادة. وعلى الرغم من مظاهر اللبس والغموض التي تبدو بين الحين والآخر، إلا أن من اليسير نسبيا تحديد النماذج الإرشادية لمجتمع علمي بلغ حد النضج)[110]. وهذا ما على الممارس البيداغوجي اكتشافه حين التعاطي مع اللسانيات التطبيقية لأنها تنسجم في تعريفها مع المجال التدريسي، الذي يعد مجالا مفتوحا على التجدد العلمي وعلى الثورات العلمية لما ينبغي على المنظومة التربوية فعله تجاه مراجعة معطياتها وحيثياتها في سياقها التاريخي بما يناسب كل مرحلة من حركية التاريخ وما تطرحه من جديد في حياة الإنسان والمجتمعات، وأن تقلع هذه المؤسسة عن طابعها المحافظ، وأن تراجع موروثها التراثي تحليلا ونقدا وتطويرا. فالعلم دائم التجدد نتيجة تسارع تقادم المعلومات وتجددها في نفس الآن، وأضحى الانفجار المعرفي المحدد الرئيسي لطبيعة المؤسسة التعليمية ومنظومتها، والمتحكم في منظورها ورؤيتها وأهدافها وآلياتها وأدواتها. وأصبحت معه المجتمعات مجتمعات معرفة ترتكز في اقتصادها على إنتاج المعرفة والاستثمار فيها. وبالتالي وجب على المنظومة التربوية المغربية ومؤسستها التعليمية تغيير طبيعتها من السكون إلى الحركة، ومن الإلقاء والتلقين إلى التفكير والإبداع. وأن تعمل على فهم مختلف الملكات والقدرات والمهارات والكفايات التي يوظفها المتعلم في اكتساب وتملك المعارف والمعلومات والموارد، وكيفية تخزينها واستدعائها واسترجاعها واستثمارها وتوظيفها وتداولها من أجل تنشيط باحات المتعلم الدماغية وتفعيل عقله وتكوين أنماط تفكيره بما ينتقل معه من متلقي للمعرفة إلى ناقد ومنتج لها. ولن يتأت له هذا إلا مع إحداث طفرات ثورية في سيرورة العلوم، ومنها اللسانيات التطبيقية. التي؛
(يرى توماس كون أن العلم في فترة من الفترات يحقق ارتباطا كليا بين نظرياته المختلفة؛ بمعنى أن هذه النظريات تؤلف كلا متماسكا هو ما يطلق عليه النموذج Paradigme. والعلماء في هذه الفترة يسيرون في أبحاثهم العلمية وفق هذا النموذج، ويعملون من خلاله، إلا أنه يحدث أثناء وجود هذا النموذج، والتزام العلماء به، أن يأتي أحد العلماء ويضع يديه، بطريقة أو بأخرى، على كشف علمي هام يخالف الآراء السائدة في النموذج العلمي المعمول به فعلا فتتغير نظريات العلماء المعمول بها في ظل النموذج السائد لتحل مكانها نظريات جديدة، ترتبت على الكشف الجديد ويبدأ العلم مسيرة أخرى وفق أفكار وآراء جديدة من خلال نموذج جديد مخالف تماما للنموذج الذي ألفه العلماء فيما مضى.
إن نظريات العلم ونماذجه قائمة على التجاوز والإقصاء، لا تثبت الصورة ظرفا حتى يتراءى تفككها فتبرز معطيات جديدة، وتحدث الأزمة. والعالم ينتظر هذه الأزمات دائما ويطرب لها، بل يبحث عنها ويخلقها لأنه لا يستثمر إلا بها، وإلى هذا يشير كون: إن رجل العلم الذي يعيش في أزمة سوف يحاول في دأب ومثابرة تصور نظريات تأملية يمكن لها، إذا ما نجحت، أن تميط اللثام عن الطريق إلى أنموذج إرشادي جديد، وإذا ما فشلت أسقطها من حسابه في سهولة ويسر نسبيين لتفسح الطريق لغيرها
وينبغي ألا يفهم التجاوز هنا بالمعنى السلبي للكلمة، لأنه خصيصة علمية؛ إذ يفترض في كل معرفة علمية أن يتجدد بناؤها باستمرار، لأن التوصل إلى العلم معناه، روحيا، التجدد والقبول بطفرة مباغتة يفترض فيها أن تناقض ماضيا، وأن يتجدد بناؤها في كل لحظة، لأن استدلالاتها الإبستيمولوجية سيكون أمامها المجال الكافي لكي تتطور، على مستوى الأمور الخاصة، دون اهتمام بالمحافظة على النسق التاريخي، وهذا ما يشدد عليه غاستون باشلار.
يبقى مفهوم الأزمة في مجال العلم، إذن، مرتبطا ارتباطا وثيقا بتحقق التراكم أولا، وبسيادة النموذج الأكفى ثانيا.
وعطفا على ما سبق، فإن الصيغة الثورية التطورية عند توماس كون تخضع لمراحل محددة ومضبوطة:
1 ـ النموذج الناجح.
2 ـ مرحلة الشذوذ التي تقتضي:
ـ التساؤل.
ـ عدم التأكد.
ـ الشك.
3 ـ الأزمات.
4 ـ سقوط النموذج الناجح لذلك النموذج.
5 ـ النموذج الجديد.
وبناء عليه، فالأزمة تتنزل منزلة وسطى بين مراحل سابقة وأخرى لاحقة)[111]. بما يؤدي إلى التطور والتجديد والإبداع، من حيث تتحدى الاكتشافات الجديدة الأفكار الراسخة في اللسانيات بخلقها لنموذج لساني جديد، وهو ما يؤدي إلى تغيير جوهري في طريقة فهم المجال اللساني ودراسته وتدريسه. ما يعبر عنه بـ “النقلة النوعية” لوصف التحولات الكبرى في الفكر العلمي أو الثقافي أو الاجتماعي، حيث يتم استبدال المفاهيم القديمة بمنظورات جديدة يمكن أن تكون مختلفة جذريا في بعض الأحيان. ما تمكننا من ” نموذج/براديغم ” جديد، يشكل إطارا مرجعيا فكريا ومفاهيميا يوجه فهمنا وتفسيرنا للعالم من حولنا. وفي اللسانيات فهمنا للمعطى اللساني وتفسيره اعتمادا على تنظيم المعلومات اللسانية وحل مشكلاتها بتوظيف مكتسباتنا المعرفية ومفاهيمنا وأساليبنا التي توجه قراراتنا واشتغالنا على اللغة وإدراك وقعنا وواقع لغتنا. مع توجيه بحوثنا في مجال اللسانيات نحو مسايرة التغيرات العلمية العالمية استفادة من مختلف النظريات والأطروحات اللغوية. فلا مناص من التفاعل مع متغيرات العصر خاصة إن كان عصر الذكاء الاصطناعي ومنتوجات التكنولوجيا.
ومنه؛ يمكن التساؤل: هل بلغ الوضع اللساني المدرسي خاصة في التعليم الابتدائي حد الأزمة التي قال بها توماس كون؟ وما هو البراديغم القائم في المدرسة الابتدائية؟ وللإجابة عن هذين السؤالين لابد للتذكير بأن المؤسسة التعليمية الابتدائية حين تتلمس وضعها اللساني تجده فاقدا للتراكم بالمفهوم الوارد عند توماس كون على المستوى المعرفي بحثا ودراسة ومنهجا، معارف ومعلومات ونظريات ومفاهيم وبراديغمات … بمعنى بناء الهرم المعرفي للسانيات المدرسية الابتدائية الخاص بالوضع اللغوي المغربي المدرسي حد الترصيد والتركيم الذي تعجز معه هذه اللسانيات المدرسية مقاربة وحل مشاكلها وقضاياها وإشكالياتها اللغوية في المدرسة الابتدائية قصد حدوث الثورة العلمية؛ فهي أصلا لم تقم على البحث العلمي المنبثق من واقع هذه المدرسة، وإنما أسقطت ما أنتجه الآخر بكليته وجملته على واقعها، طالبة حل قضاياها المعقدة، فزادتها تعقيدا وأزمة. وبالتالي لا يمكن الحديث أصلا عن الترصيد والتركيم فضلا عن الحديث عن البراديغم السائد في اللسانيات المدرسية التي تمتاح من كل طرف لمحة. ويقتضي هذا الوضع في أحسن الأحوال تقريب المنتج العالمي اللساني للممارس البيداغوجي قصد توظيف بعض معطياته التي تبلغ حد القوانين اللسانية العامة على واقع المدرسة المغربية الابتدائية بغية حل بعض المشاكل التي راكمتها السياسة اللغوية المدرسية، وراكمها التكوين الأساس المهني الهزيل والضعيف والمختل للمارس البيداغوجي، وساهمت فيها عدة عوامل مختلفة كغياب شروط ومتطلبات تدريس اللغة العربية. وفي ظل هذا المعطى لا يمكن الحديث عن تغيير أو تجديد البراديغم بمفهوم توماس كون بقدر ما يمكن الحديث عن تقريبه بمفهوم الصيانة اللغوية على منوال التعليم الصياني عند المهدي المنجرة رحمه الله. ذلك (إن النظرة السائدة هي انعدام بحث لساني عربي يضاهي نظيره في الغرب، وهذا يعزى إلى غياب تراكم فعلي، وحتى إن وجدنا من الباحثين من يقر بوجود هذا التراكم، فإنه يعتبره تراكما سلبيا لا يختلف في شيء عن الفقر المعرفي؛ إذا يشكل ما تراكم حتى الآن من التأليف في اللغة وحولها القديم والحديث في مختلف اللغات الأكثر انتشارا في عالمنا العربي عقبة لا تقل حدتها عن صعاب الفقر المعرفي في نفس الميدان. إذ كلاهما يشكل عائقا يحد من وتيرة نمو العلم في الاتجاه السليم ويعرقل بناء معرفة تشكل حقا موضوع الدراسة. فالتراكم، إذن، اصطلاح إبستيمولوجي يفترض الاستمرارية في الزمن أكثر مما يفترض القطيعة، إذ القطيعة عنوان لبداية نهاية نموذج إرشادي قائم وسائد. إلا أن مفهوم التراكم في اللسانيات يبقى بعيدا عن جوهره، فبدل أن يكون عاملا أساسا في الدفع بالدراسات اللسانية وتقدمها، يتحول إلى عقبة كأداء تحد من كل تطور، ليصبح من عوائق البحث اللساني)[112]. فالوضع اللساني في المدرسة الابتدائية المغربية لم يعرف الاستمرارية في التنظير والبحث، وإنما عرف تقطيعا وبترا في سيرورته التنظيرية وفق القطيعة التي تقع بين الإصلاحات التي ما عرفت استقرارا ولا استمرارا منذ فترة طويلة، والتي ما أنقذت التردي اللغوي المدرسي من حاله الرديء، ولا انتشلته من مستنقعه، الذي رتع فيه بسبب أطروحات واجتهادات فاقدة الوعي والفهم والاستيعاب، التي تفتقد إلى الرؤية الاستراتيجية للوضع اللساني العربي بالمدرسة الابتدائية المغربية، المتشبعة بالفكر الترقيعي المؤدي إلى حلول الأزمات بخلق أخرى أشد منها تعقيدا وتأثيرا!
فانطلاقا من هذا الوضع وردت ورقتي في اللسانيات التطبيقية من باب تقريبها للممارس البيداغوجي ودعوته على الانفتاح على معطياتها لمقاربة قضاياه اللسانية التي تعترضه في ممارسته الصفية، بمعنى آخر قوده إلى ممارسة البحث التدخلي أو الإجرائي لانسجامه مع طبيعة اللسانيات التطبيقية. والاستفادة مما وصلت إليه من تقدم علمي لتجديد الدرس اللساني المدرسي الابتدائي المغربي لتجاوز أزمته الحادة التي يعاني منها؛ حيث يستطيع حاليا 23% من متعلمي المستوى الخامس قراءة نص لغوي عربي يتكون من 80 مفردة!؟[113]بينما كانت سابقا هذه النسبة مرتفعة؛ غير أن دوائر الزمن تدور على المجتمع المغربي ومؤسسته التعليمية بما لا يرتاح إليه المواطن لفقدان الرجل السياسي الحقيقي ورجل الدولة صاحب الفكر الاستراتيجي والنظرة الاستباقية للمستقبل، والقراءة الرزينة والرصينة والثاقبة النافذة إلى عمق الأشياء. فرحم الله تعالى الكفاية اللغوية للمتعلم المغربي في الابتدائي خاصة في العمومي. التعليم الذي كان من المفترض فيه أن يكون رافعة المغرب إلى دخول مجتمع المعرفة بامتياز. ونحن هنا لا نتحدث عن الطفرات والنوادر والاستثناء اللسانية والأدائية المتميزة، التي لا يمكن إلا أن تضيع في ركام رفات اللغة العربية وبقاياها في تابوت النعي الأبدي لروح اللغة العربية.
من هذا الواقع، وضمن بشارة أستاذنا الكريم الجديدة عبر طريقه الثالث، وتحت سقف تداخل التخصصات ورفعا لـ ” التشويش البراديكمي ” نحو وضوحه؛ تحاول ورقتي تلمس إشكاليتها لعلها تمسك بها من طرفي المعادلة ” ديداكتيك اللغات ” و” اللسانيات التطبيقية ” وتغطية من اللسانيات وعلم النفس العرفاني، مما يطرح التساؤل عن الإشكالية، وعن استظلالها تحت ظلال الطرفين وسحابة اللسانيات وعلم النفس العرفاني ومزن العلوم المتقاطعة معها أو العلوم المعرفية بالضبط التي( شكلت نتاج، هو مشترك بين علم النفس واللغويات ” اللسانيات ” والذكاء الصناعي وفلسفة العقل وعلوم الأعصاب، وغيرها من الحقول التي شكلت الجذع المشترك لهذا المبحث. بالتالي، يمكن القول بان العلوم المعرفية جمعت من حولها عددا من العلوم الطبيعية والإنسانية التي حددت أهدافها في دراسة مختلف المسلسلات المعرفية والعمليات الذهنية التي تنتقل بنا من التمثل إلى الفعل. فهي تسعى مثل العلوم الإنسانية إلى دراسة مسلسل التفكير والتمثلات العقلية؛ كما تطمح كما هو حال العلوم الطبيعية إلى تقديم تفسيرات للعديد من الظواهر العقلية بالبحث في تركيبة المخ. وبناء عليه، يمكن تعريف العلوم المعرفية كمبحث متعدد التخصصات يسعى إلى فهم آليات التفكير الطبيعي والصناعي؛ وبصفة عامة كل نسق معرفي قادر على تعلم وحفظ واسترجاع المعارف)[114]. وهو ما تسعى إليه الدراسة الحالية موضوع: “المقاطع الصوتية في الدرس القرائي المدرسي الابتدائي: الاستيعاب والاشتغال”، من أجل تشييد المعمار المعرفي الخاص بالموضوع، وتشكيل البعد الإجرائي لمعالجة ومقاربة المشاكل والقضايا والإشكاليات اللسانية القائمة في الدرس الصوتي المدرسي الابتدائي بالمدرسة الابتدائية المغربية.
” يتبع”
مسرد المراجع
“حسب ورودها في متن الورقة”
ـ العربية:
ـ القرآن الكريم.
ـ د. محمد الدريج، ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟، منشورات مجلة كراسات تربوي، المغرب.
ـ د. فاطمة بنت ناصر المخيني، إشكالات بناء ووضع المصطلح اللساني التداولي، مجلة اللسانيات التطبيقية، جامعة أبو قاسم سعد الله، الجزائر 2، 2018، العدد3.
ـ د. أحمد الهادي رشراش، إشكالية المصطلح اللساني في اللغة العربية، مجلة كلية اللغات، جامعة طرابلس، ليبيا، 2018، العدد 17.
ـ ذ. مصطفى طاهر الحيادرة، المصطلح اللغوي العربي من البناء إلى التوحيد والاستقرار، جامعة اليرموك، الأردن، أطروحة دكتوراه، 2002، pdf.
ـ ذة. بودرهم مريم، إشكالية المصطلح اللساني في الكتابات العربية الحديثة، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، 1434/2003، رسالة ماستر غير منشورة، pdf.
ـ د. صورية جغبوب. حواجز نحو عولمة المصطلح اللساني، مجلة الأثر، جامعة قاصدي مرباح ورقلة الجزائر، 2017، العدد 29.
ـ د. عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات مع مقدمة في علم المصطلح، الدار العربية للكتاب.
ـ ذ. صالح بلعيد، دروس في اللسانيات التطبيقية، دار هومه، الجزائر.
ـ د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، 2009، ط1.
ـ آل غور، المستقبل: ست محركات للتغيير العالمي، تر. د. عدنان جرجس، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، الكويت، أبريل 2.15، عدد:423.
ـ د. الغالي أحرشاو، العلم والثقافة والتربية: رهانات استراتيجية للتنمية، منشورات مجلة علوم التربية2، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب.
ـ د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، علم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001، العدد265، عدد خاص.
ـ ديمون سنتولا، كيف ينتشر السلوك؟، تر.: عاطف سيد عثمان، علم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2022، العدد499.
ـ ذ. حميد اعبيدة، إشكالية “المفهمة ” في الفلسفة وفي تدريسها، فكر ونقد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، 2004، السنة7، العدد63.
ـ د. خليفة الميساوي، المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، منشورات ضفاف ودار الأمان ومنشورات الاختلاف، بيروت/الرباط/ الجزائر، لبنان/المغرب/الجزائر، 1434/2013، ط1.
ـ محمد الريشهري، ميزان الحكمة، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، قم، إيران، ج ٢.
ـ د. محمد الأوراغي، اللسانيات النسبية وتعليم اللغة العربية، الدار العربية للعلوم ناشرون/منشورات اختلاف/دار الأمان، بيروت/ الجزائر/الرباط، لبنان/الجزائر/المغرب،1431/2010، ط1.
ـ د. عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية، الدار التونسية للنشر والمؤسسة الوطنية للكتاب، تونس/الجزائر، 1986.
ـ د. عبد القادر الفاسي الفهري، ملاحظات أولى عن تطور البحث اللساني بالمغرب، ندوة اللغة العربية والنظريات اللسانية، كلية الآداب فاس ـ سايس، 21 و22 نونبر 2007.
ـ د. عقلة محمود الصمادي ود. فواز محمد العبد الحق، نظريات تعلم اللغة واكتسابها: تضمينات لتعلم العربية وتعليمها، المجلة العربية للتربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1417/1996، مجلد16، العدد1.
ـ بوجمعة وعلي، أزمة اللغة العربية: الأسباب، المظاهر وسبل التجاوز، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، مارس 2019.
ـ عبد العزيز قريش، القضايا المعرفية والإشكالات الديداكتيكية في المتن التعليمي بين المتعلم ووعي المدرس، عالم التربية، الجديدة، المغرب، 2014، عدد 25.
ـ الإمام برهان الإسلام الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، 1433/2012
ـ لورا غريغوري وآخرون، النهوض بتعليم اللغة العربية وتعلمها: مسار الحد من فقر التعلم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، البنك الدولي، قطاع التعليم، 2021.
ـ أمال لعرج، الوضع اللغوي بالمدرسة المغربية، اللسانيات العربية المقارنة، إعداد وتنسيق: أحمد بريسول، سلسلة دفاتر الدكتوراه في اللسانيات رقم4، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب.
ـ التقرير الموضوعاتي لسنة 2009 حول نتائج البرنامج الوطني لتقويم التحصيل الدراسي 2008، كتيب اللغة العربية، المجلس الأعلى للتعليم، الرباط، المغرب، ماي 2009.
ـ محمد لطفي وآخرون، التكوين الأساس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وإنماء الكفايات المهنية اللازمة عند أساتذة التعليم الابتدائي، مسالك التربية والتكوين، 2018، المجلد1، العدد1.
ـ فريتش فالنر، مدخل إلى الواقعة البنائية، تر: أستاذنا د. عز العرب لحكيم بناني، مطبعة أنفو برانت، فاس، المغرب، 1422/2001، ط1.
. د. عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات، الدار العربية للكتاب، تونس، 1984.
ـ عبد السلام بنعبد العالي وآخرون، إشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 1987، ط1، ص.:49.
ـ د. عبد السلام المسدي، الهوية العربية والأمن اللغوي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، 2014، ط1.
ـ د. طه عبد الرحمن، القول الفلسفي: كتاب المفهوم والتأثيل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2008، ط3.
ـ ذ. أحمد حساني، دراسات في اللسانيات التطبيقية: حقل تعليمية اللغات، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، المقدمة.
ـ عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9/10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1.
ـ د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، الرياض، السعودية، 1438/2017، ط1.
ـ د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، العراق، 2018، ط3.
ـ د. صلاح الجابري، الوعي والعالم السيكولوجي والباراسيكولوجي، الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، 2005، ط1.
ـ د. إنصاف حمد، المعرفة والتجربة: دراسة في نظرية المعرفة عند ديفيد هيوم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، سوريا، 2006.
ـ د. أحمد خلدي، اللسانيات التطبيقية وتدريسية اللغات: المعالجة اللغوية نموذجا، مجلة مداد الآداب، قسم اللغة العربية، كلية الآداب، الجامعة العراقية بغداد، العراق، 2018/2019، عدد خاص بالمؤتمرات.
ـ د. عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1995.
ـ د. محمد خاين، اللسانيات التطبيقية وسؤال التخصص، مجلة اللسانيات العربية، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، الرياض، السعودية، 1439/2018، العدد7.
. حسان الباهي، الذكاء الصناعي وتحديات مجتمع المعرفة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2020، ط2.
ـ توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر: د. حيدر حاج إسماعيل، مر: د. محمد دبس، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، 2007، ط1.
ـ توماس كون، بنية الثورات العلمية، تر.: شوقي جلال، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1992، العدد 168.
ـ الأجنبية:
ـ ـ Jean-Pierre Astolfi, Michel Develay , La didactique des sciences, Que sais-je , Presses Universitaires de France, 2016.
ـ الرقمية:
ـ د. علي أسعد وطفة، المدرسة: حضور إنساني أم احتضار رأسمالي؟ صحيفة المثقف، نشر بتاريخ: 31 آذار/مارس 2023، الاطلاع:01/04/2023، 15س https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=968256&catid=323
ـ د. طه عبد الرحمن، تسطيح العقول، الشرق، 15 سبتمبر 2015، الاطلاع: 02/04/2023، 02س، تسطيح العقول https://al-sharq.com/opinion/15/09/2015/
ـ د. عبد العزيز بنعيش، سؤال اللغة في التعليم بالمغرب: الواقع والتحديات والآفاق؟، أنفاس نت 17 نيسان/أبريل 2019، يوم المشاهدة”23/02/2023، الساعة: 16س و21د.
ـ د. علي القاسمي، واقع اللغة العربية اليوم، https://h-rah.blogspot.com/2017/01/blog-post_10.html?m=1.
ـ عبد العزيز قريش، المفاهيم مداخل؛ في مفهمة عنوان المجزوءة، في الدرس الافتتاحي لتكوين طلبة مسلك الإدارة التربوية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس، سنة التكوين: 2015/2016، https://islamanar.com/concepts-and-terms/
[1] د. محمد الدريج، ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟، منشورات مجلة كراسات تربوي، المغرب، ص.: 3.
[2] د. فاطمة بنت ناصر المخيني، إشكالات بناء ووضع المصطلح اللساني التداولي، مجلة اللسانيات التطبيقية، جامعة أبو قاسم سعد الله، الجزائر 2، 2018، العدد3، صص.: 63 ـ 83.
[3] د. أحمد الهادي رشراش، إشكالية المصطلح اللساني في اللغة العربية، مجلة كلية اللغات، جامعة طرابلس، ليبيا، 2018، العدد 17، ص.: 86.
[4] نفسه، صص.: 86 ـ 87.
[5] د. فاطمة بنت ناصر المخيني، إشكالات بناء ووضع المصطلح اللساني التداولي، مرجع سابق، صص.: 63 ـ 83.
[6] ذ. مصطفى طاهر الحيادرة، المصطلح اللغوي العربي من البناء إلى التوحيد والاستقرار، جامعة اليرموك، الأردن، أطروحة دكتوراه، 2002، pdf، صص.:139 ـ 143، بتصرف.
[7] ذة. بودرهم مريم، إشكالية المصطلح اللساني في الكتابات العربية الحديثة، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، 1434/2003، رسالة ماستر غير منشورة، pdf، ص.:4.
[8] نفسه، ص.:139.
[9] د. صورية جغبوب. حواجز نحو عولمة المصطلح اللساني، مجلة الأثر، جامعة قاصدي مرباح ورقلة الجزائر، 2017، العدد 29، صص. 33-42،
[10] ذة. بودرهم مريم، إشكالية المصطلح اللساني في الكتابات العربية الحديثة، مرجع سابق، ص.:139.
[11] د. عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات مع مقدمة في علم المصطلح، الدار العربية للكتاب، ص.:87.
[12] ذ. صالح بلعيد، دروس في اللسانيات التطبيقية، دار هومه، الجزائر، ص.:11.
[13] د. محمد الدريج، ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟، مرجع سابق، ص.: 3.
[14] انظر تفصيلها في: د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، 2009، ط1، صص.: 62 ـ 95.
[15] آل غور، المستقبل: ست محركات للتغيير العالمي، تر. د. عدنان جرجس، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، الكويت، أبريل 2.15، عدد:423، صص.:77 ـ 78.
[16] د. الغالي أحرشاو، العلم والثقافة والتربية: رهانات استراتيجية للتنمية، منشورات مجلة علوم التربية2، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ص.:78.
[17] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، علم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001، العدد265، عدد خاص، ص.:293.
[18] ديمون سنتولا، كيف ينتشر السلوك؟، تر.: عاطف سيد عثمان، علم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2022، العدد499، ص.:35.
[19] د. علي أسعد وطفة، المدرسة: حضور إنساني أم احتضار رأسمالي؟ صحيفة المثقف، نشر بتاريخ: 31 آذار/مارس 2023، الاطلاع: 01/04/2023، 15س. https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=968256&catid=323
[20] نفسه.
[21] نفسه.
[22] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص.:292.
[23] د. علي أسعد وطفة، المدرسة: حضور إنساني أم احتضار رأسمالي؟ مرجع سابق.
[24] د. علي أسعد وطفة، المدرسة: حضور إنساني أم احتضار رأسمالي؟ مرجع سابق.
[25] ذ. حميد اعبيدة، إشكالية “المفهمة ” في الفلسفة وفي تدريسها، فكر ونقد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، 2004، السنة7، العدد63، صص.:15 ـ 34.
[26] د. خليفة الميساوي، المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، منشورات ضفاف ودار الأمان ومنشورات الاختلاف، بيروت/الرباط/ الجزائر، لبنان/المغرب/الجزائر، 1434/2013، ط1، ص.:30.
[27] د. علي أسعد وطفة، المدرسة: حضور إنساني أم احتضار رأسمالي؟ مرجع سابق.
[28] انظر: محمد الريشهري، ميزان الحكمة، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، قم، إيران، ج ٢، ص.:1024.
[29] س. الكهف، آ.: 54.
[30] س. البقرة، آ.: 30.
[31] د. طه عبد الرحمن، تسطيح العقول، الشرق، 15 سبتمبر 2015، الاطلاع: 02/04/2023، 02س، تسطيح العقول https://al-sharq.com/opinion/15/09/2015/
[32] د. محمد الأوراغي، اللسانيات النسبية وتعليم اللغة العربية، الدار العربية للعلوم ناشرون/منشورات اختلاف/دار الأمان، بيروت/ الجزائر/الرباط، لبنان/الجزائر/المغرب،1431/2010، ط1، ص.:137 وما بعد.
[33] نفسه، صص.:137 ـ 138.
[34] Voir : Jean-Pierre Astolfi, Michel Develay , La didactique des sciences, Que sais-je , Presses Universitaires de France, 2016, p :44.
[35] ما يقع داخل علامة المجال الرياضياتي الداخلي من إضافة الورقة.
[36] د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، مرجع سابق، صص.: 56 ـ 57.
[37] د. عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية، الدار التونسية للنشر والمؤسسة الوطنية للكتاب، تونس/الجزائر، 1986، صص.: 11 ـ 12.
[38] د. عبد القادر الفاسي الفهري، ملاحظات أولى عن تطور البحث اللساني بالمغرب، ندوة اللغة العربية والنظريات اللسانية، كلية الآداب فاس ـ سايس، 21 و22 نونبر 2007، صص.: 1 ـ 3.
[39] د. عبد القادر الفاسي الفهري، ملاحظات أولى عن تطور البحث اللساني بالمغرب، مرجع سابق، ص.:4.
[40] د. عقلة محمود الصمادي ود. فواز محمد العبد الحق، نظريات تعلم اللغة واكتسابها: تضمينات لتعلم العربية وتعليمها، المجلة العربية للتربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1417/1996، مجلد16، العدد1، صص.: 9 ـ 30.
[41] بوجمعة وعلي، أزمة اللغة العربية: الأسباب، المظاهر وسبل التجاوز، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، مارس 2019، صص.:88 ـ 99.
[42] ينظر بعضها في: عبد العزيز قريش، القضايا المعرفية والإشكالات الديداكتيكية في المتن التعليمي بين المتعلم ووعي المدرس، عالم التربية، الجديدة، المغرب، 2014، عدد 25، صص.:259 ـ314.
[43] الإمام برهان الإسلام الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، 1433/2012، ص.:9.
[44] لورا غريغوري وآخرون، النهوض بتعليم اللغة العربية وتعلمها: مسار الحد من فقر التعلم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، البنك الدولي، قطاع التعليم، 2021، صص.: 36 ـ 37.
[45] أمال لعرج، الوضع اللغوي بالمدرسة المغربية، اللسانيات العربية المقارنة، إعداد وتنسيق: أحمد بريسول، سلسلة دفاتر الدكتوراه في اللسانيات رقم4، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب، صص.:425 ـ 437.
[46] نفسه، صص.:425 ـ 437.
[47] التقرير الموضوعاتي لسنة 2009 حول نتائج البرنامج الوطني لتقويم التحصيل الدراسي 2008، كتيب اللغة العربية، المجلس الأعلى للتعليم، الرباط، المغرب، ماي 2009، ص.:10.
[48] فليب غابيليي وآخرون، الممارسات البيداغوجية المعاصرة، تر.: د. عز الدين الخطابي ود. عبد الكريم غريب، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 2013، ط1، ص.: 183.
[49] فليب غابيليي وآخرون، الممارسات البيداغوجية المعاصرة، تر.: د. عز الدين الخطابي ود. عبد الكريم غريب، مرجع سابق، ص.: 183.
[50] هنا؛ يمكن التأكد من صدق وجهات النظر هذه بدراسة ميدانية تضع الأستاذ المتخرج في ممارسة وضعيات تقويمية للكفايات المذكورة ذات معايير ومؤشرات دالة. وأجد كذلك ـ من وجهة نظري المتواضع ـ أن رأي هيئة التفتيش التربوي ومكوني المراكز أقرب إلى الصواب منه لرأي الأساتذة الخريجين.
[51] محمد لطفي وآخرون، التكوين الأساس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وانماء الكفايات المهنية اللازمة عند أساتذة التعليم الابتدائي، مسالك التربية والتكوين، 2018، المجلد1، العدد1، صص.:148 ـ 176.
[52] فريتش فالنر، مدخل إلى الواقعة البنائية، تر: أستاذنا د. عز العرب لحكيم بناني، مطبعة أنفو برانت، فاس، المغرب، 1422/2001، ط1، ص.: 47.
[53] فليب غابيليي وآخرون، الممارسات البيداغوجية المعاصرة، مرجع سابق، صص.:183 ـ 184.
[54] نفسه، صص.:182 ـ 183.
[55] أمال لعرج، الوضع اللغوي بالمدرسة المغربية، اللسانيات العربية المقارنة، إعداد وتنسيق: أحمد بريسول، مرجع سابق، صص.:425 ـ 437.
[56] د. عبد العزيز بنعيش، سؤال اللغة في التعليم بالمغرب: الواقع والتحديات والآفاق؟، أنفاس نت 17 نيسان/أبريل 2019، يوم المشاهدة”23/02/2023، الساعة: 16س و21د
[57] د. علي القاسمي، واقع اللغة العربية اليوم، https://h-rah.blogspot.com/2017/01/blog-post_10.html?m=1.
[58] د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، مرجع سابق، ص.: 57.
[59] د. عبد القادر الفاسي الفهري، ملاحظات أولى عن تطور البحث اللساني بالمغرب، مرجع سابق، ص.: 5.
[60] د. محمد الدريج، ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟، مرجع سابق، ص.: 3.
[61] انظر كتب الاختصاص، ومقال عبد العزيز قريش، المفاهيم مداخل في مفهمة عنوان المجزوءة، في الدرس الافتتاحي لتكوين طلبة مسلك الإدارة التربوية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس، سنة التكوين: 2015/2016، https://islamanar.com/concepts-and-terms/
[62] د. عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات، الدار العربية للكتاب، تونس، 1984، ص.: 11.
[63] د. محمد الدريج، ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟، مرجع سابق، ص.: 5.
[64] عبد السلام بنعبد العالي وآخرون، إشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 1987، ط1، ص.:49.
[65] د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، مرجع سابق، ص.: 83.
[66] د. عبد السلام المسدي، الهوية العربية والأمن اللغوي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، 2014، ط1، ص.:12
[67] د. خليفة الميساوي، المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، مرجع سابق، ص.:26.
[68] د. طه عبد الرحمن، القول الفلسفي: كتاب المفهوم والتأثيل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2008، ط3، صص.: 195 ـ 197.
[69] ذ. أحمد حساني، دراسات في اللسانيات التطبيقية: حقل تعليمية اللغات، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، المقدمة.
[70] ذ. أحمد حساني، دراسات في اللسانيات التطبيقية: حقل تعليمية اللغات، مرجع سابق، صص.:1 ـ 3.
[71] د. خليفة الميساوي، المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، مرجع سابق، صص.:25 ـ 26.
[72] عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9/10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1، ص.:251.
[73] نفسه، 251.
[74] د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، الرياض، السعودية، 1438/2017، ط1، ص.:16.
[75] د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، صص.:19 – 20.
[76] نفسه، صص.:20 – 21.
[77] انظر كذلك: ذ. صالح بلعيد، دروس في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، صص.:14 ـ 15.
[78] د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، ص.:21.
[79] للتوسع في الموضوع ينظر المصادر والمراجع المختصة، وعلى سبيل المثال: د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، صص.:22 – 36.
[80] د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، ص.:16.
[81] نفسه، ص.:17.
[82] د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، العراق، 2018، ط3، ص.:17.
[83] د. صلاح الجابري، الوعي والعالم السيكولوجي والباراسيكولوجي، الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، 2005، ط1، ص.:227.
[84] فليب غابيليي وآخرون، الممارسات البيداغوجية المعاصرة، مرجع سابق، ص.:182.
[85] د. إنصاف حمد، المعرفة والتجربة: دراسة في نظرية المعرفة عند ديفيد هيوم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، سوريا، 2006، ص.:220.
[86] للتوسع انظر كتب الاختصاص، على سبيل المثال: د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق.
[87] د. أحمد خلدي، اللسانيات التطبيقية وتدريسية اللغات: المعالجة اللغوية نموذجا، مجلة مداد الآداب، قسم اللغة العربية، كلية الآداب، الجامعة العراقية بغداد، العراق، 2018/2019، عدد خاص بالمؤتمرات، صص.: 307 ـ 322.
[88] نفسه، صص.: 307 ـ 322.
[89] د. عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1995، صص.:13.
[90] د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، ص.:12.
[91] نفسه، ص.:13.
[92] نفسه، ص.:13.
[93] د. محمد خاين، اللسانيات التطبيقية وسؤال التخصص، مجلة اللسانيات العربية، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، الرياض، السعودية، 1439/2018، العدد7، صص 177 ـ 219.
[94] نفسه، صص.: 177 ـ 219.
[95] د. عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، مرجع سابق، صص.:12 ـ 13.
[96] نفسه، ص.:17.
[97] عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص.:184.
[98] نفسه، ص.:184.
[99] د. أحمد خلدي، اللسانيات التطبيقية وتدريسية اللغات: المعالجة اللغوية نموذجا، مرجع سابق، صص.: 307 ـ 322.
[100] د. أحمد خلدي، اللسانيات التطبيقية وتدريسية اللغات: المعالجة اللغوية نموذجا، مرجع سابق، صص.: 307 ـ 322.
[101] انظر كذلك: د. عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، مرجع سابق، مبحث ظهور المصطلح، صص.:8 ـ 9.
[102] ذ. صالح بلعيد، دروس في اللسانيات التطبيقية، مرجع سابق، صص.:11 ـ 14.
[103] س. المائدة، آ.: 48.
[104] د. محمد الدريج، ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية: تداخل التخصصات أم تشويش براديكمي؟، مرجع سابق، ص.: 32.
[105] نفسه، ص. :3.
[106] س. البقرة، آ.:148.
[107] [107] د. حسان الباهي، الذكاء الصناعي وتحديات مجتمع المعرفة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2020، ط2، صص.:34 ـ 35.
[108] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر: د. حيدر حاج إسماعيل، مر: د. محمد دبس، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، 2007، ط1، ص.:182.
[109] نفسه، صص.: 185 ـ 186.
[110] توماس كون، بنية الثورات العلمية، تر.: شوقي جلال، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1992، العدد 168، ص.:77.
[111] د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، مرجع سابق، صص.: 58 ـ 59.
[112] د. حافظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، مرجع سابق، صص.:60 ـ 61.
[113] نتائج روائز TaRL، شتنبر 2023، المستوى 5،
[114] د. حسان الباهي، الذكاء الصناعي وتحديات مجتمع المعرفة، مرجع سابق، ص.:35.