مأزق التعليم بالمغرب:
بين “لغة الوزير”الخشبية وسطوة”أصحاب الشكارة”
بقلم: منتصر عبد الغني
تعتبر المقولة الشهيرة لألبرت أينشتاين: “إن لم تستطع شرح فكرتك ببساطة، فأنت لم تفهمها بالقدر الكافي”، معياراً قديماً متجدداً لقياس كفاءة المديرين والمسؤولين. وحين نضع خطاب وزارة التربية الوطنية في المغرب تحت مجهر هذه المقولة، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد “تعثر لغوي” عابر، بل أمام أزمة عميقة في الرؤية، والمنهج، واللغة الواصفة للإصلاح.
ارتباك بيداغوجي أم استلاب فرنكوفوني؟
لقد أثار مقطع الفيديو الأخير للسيد وزير التربية الوطنية تحت قبة البرلمان موجة من السخرية السوداء، حين غرق في جملة دائرية معقدة لشرح “النمذجة” وكيفية الفهم. هذا الارتباك لا ينفصل عن واقع المنظومة؛ فالمسؤولون في هذا القطاع يتحدثون لغة “فرنكوفونية” مشبعة بمصطلحات مستوردة، يعجزون حتى عن شرحها بـ”دارجة” بسيطة تقرب المعنى للأسر وللممارسين في الميدان. إن العجز عن التبسيط هو الدليل القاطع على عدم “مغربة” هذه المشاريع وعدم هضمها بيداغوجياً، مما يجعلها غريبة عن واقع الفصول الدراسية في قصبات ورزازات أو حواري الدار البيضاء.
”المدارس الرائدة”: تسويق الوهم في رتب التقهقر
تتوالى العناوين البراقة من “مدرسة الريادة” إلى “النمذجة”، بينما الواقع العالمي يصفعنا بترتيب مخجل في مؤشرات الجودة (PISA وغيرها). كيف يمكن الحديث عن “الريادة” في منظومة تعجز عن تمكين تلميذ الابتدائي من فك رموز جملة بسيطة أو إجراء عملية حسابية؟ إن فشل هذه المشاريع يبدأ من “جنينها” الأول، لأنها مشاريع “فوقية” تخاطب الممولين الدوليين أكثر مما تخاطب التلميذ المغربي، وتعتمد على تجميل الواجهة بينما الهيكل متآكل.
خوصصة التعليم.. والهروب إلى “الشكارة”
إن أخطر ما كشف عنه الخطاب الحكومي والواقع الميداني هو التوجه الممنهج نحو “سلعنة التعليم”. فبينما تغرق المدرسة العمومية في تجارب فاشلة، يُفتح الباب على مصراعيه لـ “أصحاب الشكارة” للاستثمار في عقول المغاربة. لقد تحول التعليم من “حق” تكفله الدولة إلى “استثمار” لمن يدفع أكثر، مما يكرس انقساماً طبقياً حاداً؛ تعليم “نخبوي” لمن يملك، وتعليم “تجارب” لأبناء الشعب. هذا التواطؤ الضمني يفرغ المدرسة العمومية من جوهرها ويجعل الإصلاح مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.
خلاصة القول: في الخسران المبين
بعيداً عن لغة الأرقام الرسمية المتفائلة، فإن الشعور الشعبي العام يمكن اختزاله في الصرخة الواقعية: “راحنا غادين في الخسران أحمادي”. إن استمرار الرهان على لغة خشبية، ونماذج مستوردة، وتفويت القطاع للرأسمالية الجشعة، لن ينتج عنه إلا جيل تائه ومنظومة خارج التاريخ.
إن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج لتعقيد “النمذجة”، بل يحتاج إلى العودة للأصل: الوضوح، الكرامة للمدرس، والجودة للجميع. فمن عجز عن شرح الإصلاح ببساطة، عليه أن يدرك أنه -ببساطة- لم يصلح شيئاً.