أي صورة يقدمها الامتحان الوطني عن الفصحى وشعرها؟
بقلم: عبد الغاني العجان
أطل عليكم -أيها الكرام- عبر هذا المقال الوجيز تفاعلا مع النص المقترح في الامتحان الوطني للباكالوريا في اللغة العربية دورة 2026 العادية بالمدرسة المغربية. النص بإيجاز موضوعه هو ما بات يعرف باسم “إحياء النموذج” أو “البعث والإحياء”، وهو للناقد المصري جابر عصفور، يتحدث فيه عن تجربة الإحيائيين نموذج محمود سامي البارودي أحد رواد هذا الاتجاه.
وقد تم التركيز في هذا النص على أن البارودي كان حافظا ومستوعبا لما قاله الشعراء القدامى، وتمت الإشارة إلى انقطاعه للنسخ والحفظ وما إلى ذلك… لينتهي جابر إلى خلاصة مفادها أن “الثقافة الواسعة بالموروث الشعري القديم أصبحت حائلا بين الشاعر وذاته وعصره على حد سواء.”
لا أريد أن أناقش هذا التصور الذي يحتاج إلى مراجعة. ولا أريد أن أناقش اختيارات وزارة التربية الوطنية المغربية فيما تعتمده من تصورات أدبية ونقدية في المناهج، وإن كانت هذه الاختيارات في حاجة باستمرار إلى مواكبة للمستجدات المعرفية والمراجعات التي تحصل فيها. خصوصا إذا علمنا أن اختيارات المشرع التربوي في المناهج تكون من مستجدات هذه المعارف ومناهجها.
لكن أريد أن أنبه إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي لا تظهر على سطح النص. تتعلق بالصورة غير المباشرة التي يقدمها جابر عصفور عن اللغة العربية. وهي اللغة التي عبر بها شعراء الإحياء، تلك اللغة التي تذكرنا باللغة المشتركة التي وردت بها الآثار الأدبية، والتي نظم بها الشعراء الأوائل، وخطب بها الخطباء، وهي اللغة التي سما بها القرآن الكريم فصاحة وبيانا…
ولعل من نافلة القول الإشارة إلى أن اللغة التي كتب بها البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم والجواهري (متنبي العصر الحديث) وعلال الفاسي تأخذ قاموسها وتشبيهها وبيانها وبديعها وحقيقتها ومجازها من هذه اللغة المشتركة…
ولذلك كأني بالذين يعيبون عن “الإحيائيين” مذهبهم في الشعر. يقولون إن اللغة التي أحييتُم والتي كانت لسان تجاربكم الشعرية، عزلتْ ذواتكم عن شعركم، وعزلت شعركم عن واقعكم. وهذا معناه أن ما تتيحه اللغة العربية الفصيحة للشاعر من مفردات وطاقات معنوية يحملها معجمها ومصطلحاتها وعباراتها وكناياتها ومجازاتها ليست صالحة للتعبير عن ذواتنا ولا عن واقعنا …
لذلك هل الشخص الذي يكتب باللغة الموروثة صورها وتراكيبها يفكر داخل أفق الماضي أكثر مما يفكر داخل أفق الحاضر؟ سؤال أطرحه وأنا على وعي بما تُظهره التجارب الأدبية من أن اللغة الواحدة قادرة على استيعاب عصور متعددة. لأن اللغة ليست سجنا مغلقا، بل موردا لإنتاج المعنى باستمرار. فاللغة التي عبرت عن الذات والعصر قديما يمكنها أن تعبر عن الذات والعصر اليوم.
أختم ببيت شعري لحافظ إبراهيم قال فيه على لسان اللغة العربية، وهي تسمع ضجيج الكتاب الذين يتحدثون عن إصلاحها أو استبدالها أو عجزها عن مواكبة العصر، فتفهم أن هؤلاء إنما ينعونها ويعلنون وفاتها:
وَأَسمَعُ لِلكُتّابِ في مِصرَ ضَجَّةً**فَأَعلَــمُ أَنَّ الصائِحيــنَ نُعاتي
“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.