منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منهاج تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي وسؤال الوظيفية: مقاربة تأسيسية|| الجزء الأول: الأسس والمنطلقات

د. عادل مطرب

0

 منهاج تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي وسؤال الوظيفية: مقاربة تأسيسية

الجزء الأول: الأسس والمنطلقات

 بقلم: د. عادل مطرب

باحث في الفكر الاسلامي

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين القائل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)،[1] والصلاة على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد القائل: ( طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ ، حتى الحيتانِ في البحرِ)،[2] وعلى آله وأزواجه وصحبه أجمعين.

إذا كان منهاج تدريس التربية الاسلامية في المراحل التعليمية الابتدائية والثانوية بشقيها الاعدادي والثانوي قد عرف تغييرا جذريا على مستويات عدة منها على سبيل المثال لا الحصر: الاختيار البيداغوجي والبرامج والمقررات الدراسية وطرق التدريس وغيرها من الأبعاد التربوية…، فإن منهاج تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي لم يأخذ حظه الوافر من هذه الثورة التربوية، مما جعل النداءات تتوالى من أجل إعادة النظر وتمحيص الفكر ونقد الذات قصد بناء نظرية منهاجية متكاملة تحقق التكامل بين الجامعة ومحيطها العام بشتى تفرعاته.

نحاول من خلال هذا المشروع العلمي وضع لبنات أولية كبرى إسهاما في بسط منهاج دراسي جامع،  يتوخى تنزيله تحقيق مقصد الوظيفية في عملية تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي، وذلك من خلال رؤية استشرافية تأسيسية تعالج جوانب المنهاج الدراسي المنشود في أبعاده الكبرى، وفق النظريات التربوية المعاصرة، ودون إغفال للتراث التعليمي الانساني الغني تنظيرا وتنزيلا، بشكل يمكن من تجاوز الإخفاقات التي تمنع من تجسير العلاقة بين مكونات العملية التعليمية التعلمية الثلاثة ( الأستاذ- الطالب- العلم الشرعي) والواقع المعيش، بما يعطي للفعل التدريسي بمدخلاته المتشعبة قيمة حقيقية وأثرا عمليا فاعلا في حياة الفرد والمجتمع، وبما يحقق مبدأ الوظيفية في عملية تدريس العلوم الشرعية.

تمهيد:

إن بناء المنهاج العلوم الشرعية ينبغي أن يقوم على عدة أسس تربوية عامة وهامة وهي تلامس جوانب مختلفة ومؤثرة بدرجات ومستويات متباينة، لكن بشكل تكاملي ترابطي، يحقق نسقية متوازنة ووظيفية قاصدة في الفعل التربوي التعليمي من جهة وفي مخرجاته من جهة ثانية وفي المنهاج التدريسي بشكل عام. ومن أبرز هذه الأسس نذكر ما يلي:

أولا: الأساس المعرفي لمنهاج تدريس العلوم الشرعية

يعنى الأساس المعرفي للمناهج التعليمية بطبيعة الثقافة، وطبيعة المعرفة ومصادر المعرفة، والسمات الخاصة للإسهامات الفريدة للمواد الدراسية في تكوين محتوى المنهج، فالنظم التعليمية تختلف باختلاف ثقافاتها, وباختلاف فهمها لطبيعة المعرفة, والأهمية التي تعطيها للمواد الدراسية المختلفة، إن المواد الدراسية تختلف في تركيبها وطبيعة تكوينها وبالتالي تختلف في إسهاماتها في المناهج الدراسية، كما أنها تختلف في إسهامها في المنهج حسب الأهمية المعطاة لها في المجتمع، إن كل مادة دراسية تساهم بقدر مختلف في النمو العقلي والاجتماعي والجسماني للفرد، إننا اليوم بخاصة في عصر التدفق المعرفي بحاجة إلى إعادة دراسة المواد الأساسية التي تتكون منها موضوعات الدراسة للتأكد من المفاهيم التي تنظم حولها المواد الدراسية، وللتأكد من أنها تتفق مع التطورات في هذه المواد، وهكذا نرى أن هناك علاقات أساسية بين أساسيات المنهج وعناصره، ومنها طرق التدريس.[3]

يتناول الأساس المعرفي لمنهاج تدريس العلوم الشرعية طبيعة المعرفة الشرعية ومناهجها وموضوعاتها ونسقها الداخلي وبرامجها التعليمية،[4] ويرتكز على مقومات العقيدة الاسلامية باعتبارها الاطار الفلسفي العام لمنهاج تدريس العلوم الشرعية بمختلف الأسلاك التعليمية، والتي تمثل امتدادا لهذه العقيدة. ويمكن لهذا الأساس أن ينبعث من المنطلقات التالية:

  • وحدة وتكامل العلوم الشرعية مع بعضها البعض من جهة، ومع باقي العلوم الكونية من جهة ثانية، بما يحقق انسجاما داخليا بين العلوم الشرعية جميعها، وانسجاما خارجيا مع باقي المعارف والحقائق العلمية المؤكدة لنصوص الوحي، باعتبارها تجليات ربانية في الكون البديع.
  • بناء المعرفة الشرعية يستمد من الأدلة النقلية والعقلية والحسية بغية تحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.
  • اللغة العربية مفتاح العلوم الشرعية ووعاء للقيم المستنبطة منها، مع احترام الخصوصيات اللغوية للفئة المستهدفة في تدريس العلوم الشرعية.
  • التدرج في تدريس العلوم الشرعية من العام إلى الخاص، جمعا بين ضرورة تكامل المعرفة الشرعية والحاجة إلى متخصصين في فروعها.[5]

إن البحث في طبيعة العلوم الشرعية لم يكن غائبا في فكر المتقدمين بل سعوا لبيان ماهيتها، قصد بناء منهاج تدريسي متكامل يراعي أبعاد الفعل التعليمي والمستجدات العلمية الآنية، مما جعل لتدريس العلوم الشرعية استمرارا وتجددا عبر انطلاقها من النسق الداخلي لتلك العلوم وتقاطعها مع بعضها البعض، وهو ما أكده ابن خلدون قائلا: ” .وأصل هذه العلوم النّقلية كلّها هي الشّرعيّات من الكتاب والسّنّة الّتي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلّق بذلك من العلوم الّتي تهيّئوها للإفادة، ثمّ يستتبع ذلك علوم اللّسان العربيّ الّذي هو لسان الملّة وبه نزّل القرآن. وأصناف هذه العلوم النّقليّة كثيرة لأنّ المكلّف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسّنّة بالنّصّ أو بالإجماع أو بالإلحاق فلا بدّ من النّظر بالكتاب ببيان ألفاظه أوّلا وهذا هو علم التّفسير ثمّ بإسناد نقله وروايته إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الّذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القرّاء في قراءته وهذا هو علم القراءات ثمّ بإسناد السّنّة إلى صاحبها والكلام في الرّواة النّاقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم  ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك، وهذه هي علوم الحديث. ثمّ لا بدّ في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانونيّ يفيد العلم بكيفيّة هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه. وبعد هذا تحصل الثّمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلّفين وهذا هو الفقه”.[6]

وهذا الأساس لم يكن خافيا على المتقدمين، بل نجده حاضرا في كتابتهم، وهو ما يدل على استيعاب دقيق لهذا المعنى، كقول أبي حامد الغزالي: ” على الطالب ألّا يدع فناً من الفنون المحمودة ولا نوعاً من أنواعها إلا وينظر فيه نظراً يطّلِع فيه على نقصه، لأنَ العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض”،[7] وقول المرعشي: ” ويغلط بعض الطلبة في ترتيب الفنون والقدر اللائق من السعي لكل فن، فيشرع في بعض الفنون قبل تحصيل ما يتوقف فهمه عليه. وقد لا يهتم لفهم فن تشتد الحاجة إليه، ويطيل البحث فيما لا يكثر الاحتياج إليه، وأمثال هذه التدبيرات الردية مدار تنزلهم وعدم وصولهم إلى مقاصدهم”،[8] وقول ابن جماعة الكناني: “وكذلك يحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات فإنه يضيع زمانه ويفرق ذهنه، بل يعطى الكتاب الذي يقرؤه أو الفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه، وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح. أما إذا تحقق أهليته وتأكدت معرفته، فالأولى ألا يدع فنًا من العلوم الشرعية إلا نظر فيه، فإن ساعده القدر وطول العمر على التبحر فيه فذاك، وإلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك”،[9] وقول الماوردي: ” وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلُومِ أَوَائِلَ تُؤَدِّي إلَى أَوَاخِرِهَا، وَمَدَاخِلَ تُفْضِي إلَى حَقَائِقِهَا، فَلْيَبْتَدِئْ طَالِبُ الْعِلْمِ بِأَوَائِلِهَا لِيَنْتَهِيَ إلَى أَوَاخِرِهَا، وَبِمَدَاخِلِهَا لِتُفْضِيَ إلَى حَقَائِقِهَا، وَلَا يَطْلُبُ الْآخِرَ قَبْلَ الْأَوَّلِ، وَلَا الْحَقِيقَةَ قَبْلَ الْمَدْخَلِ، فَلَا يُدْرِكُ الْآخِرَ وَلَا يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى غَيْرِ أُسٍّ لَا يُبْنَى، وَالثَّمَرُ مِنْ غَيْرِ غَرْسٍ لَا يُجْنَى، وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ فَاسِدَةٌ وَدَوَاعٍ وَاهِيَةٌ”.[10]

ولذلك اعتنى العلماء بوضع مصنفاتهم في مختلف العلوم الشرعية ضمن أحجام متفاوتة متدرجة: صغير ووسط وكبير؛ أو صغير وكبير؛ من غير مس بالتصور العام للعلم.

ويرتبط بهذا الأساس المعرفي تصنيف العلوم أثناء بناء المنهاج الدراسي وتنزيله في مقررات تدريسية تراعي الرؤية الفلسفية الاسلامية للمعرفة الشرعية ومناهج ومقاصد ووظيفية تدريسها للطلبة.

وبالنظر في تصنيف علمائنا للعلوم نلاحظ حضورا قويا لمقاصدها التعليمية ووظيفيتها المرجوة علميا وعمليا ومنهجيا، وهو ما أكده الكسائي قائلا: “وَالْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ مِنْ التَّصْنِيفِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ هُوَ تَيْسِيرُ سَبِيلِ الْوُصُولِ إلَى الْمَطْلُوبِ عَلَى الطَّالِبِينَ، وَتَقْرِيبُهُ إلَى أَفْهَامِ الْمُقْتَبِسِينَ، وَلَا يَلْتَئِمُ هَذَا الْمُرَادُ إلَّا بِتَرْتِيبٍ تَقْتَضِيهِ الصِّنَاعَةُ، وَتُوجِبُهُ الْحِكْمَةُ، وَهُوَ التَّصَفُّحُ عَنْ أَقْسَامِ الْمَسَائِلِ، وَفُصُولِهَا، وَتَخْرِيجِهَا عَلَى قَوَاعِدِهَا، وَأُصُولِهَا لِيَكُونَ أَسْرَعَ فَهْمًا، وَأَسْهَلَ ضَبْطًا، وَأَيْسَرَ حِفْظًا فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ، وَتَتَوَفَّرُ الْعَائِدَةُ “.[11]

إن تصنيف العلوم الشرعية غايته تصنيفها منهجيا لغاية الفهم والافهام وتبليغ رسالة الاسلام، وفق مباحث ووحدات دراسيىة ومقررات تعليمية تمكن المتلقي من اكتساب أساسيات المعرفة الشرعية ابتداء، لينتقل بعد ذلك للتخصص في فرع من فروع العلوم الشرعية.

لكن بالنظر لواقع تدريس العلوم الشرعية نلاحظ غيابا أو على الأقل قصورا في هذا الباب، حيث يغلب على الفعل التعليمي تجميع مختارات علمية عامة تصف العلوم من خارج نسقها التربوي المعاصر وصفا تاريخيا لا يظهر تناسقا منطقيا مع أجزاء العلم الواحد بله باقي العلوم الشرعية أو الكونية، وهذا غالبا ما تفرضه ظروف الاشتغال الرهينة بضغط البرمجة الزمنية للوحدات الدراسية، والاكتظاظ المهول لأعداد الطلبة، وتعدد مهام هيأة التدريس … وهو ما ينعكس سلبا على جودة التعلمات، ويغيب ميزة التكامل بين أجزاء البرنامج التعليمي الواحد، وبين مكونات المنهاج الدراسي العام.

ولعل الطامة الكبرى في هذا الباب هي طبيعة التكوين التربوي والبيداغوجي لكثير من أساتذة الجامعة، حيث يلاحظ غياب تصور عام حول الفعل التدريسي عند كثير من الأساتذة الجامعيين لدخولهم الجامعة بدون بيداغوجية وبدون تدريب أوتكوين، بل إن بعضهم ينظر لعلم البيداغوجية والمناهج والتكوين على أنها علوم دخيلة غربية، والناظر في حياة العلماء القدامى يجدهم كانوا أفضل وأعمق نظرا في هذا المجال وقد ألفوا فيه، فيجب على المدرسين استحضار أهداف المادة ومقاصدها وتنظيم المادة الدراسية وعدم الجمود على الكتب المتقدمة، مع ضرورة تنويع طرق التقويم والتدريس، بدل الاعتماد دائما على الأسئلة التي لا تربي إلا مهارة الاسترجاع.[12]

ثانيا: الأساس الفلسفي لمنهاج تدريس العلوم الشرعية

ويبحث المنطلق الفلسفي في فلسفة المجتمع وهويته وحاجاته وتطلعاته من تدريس العلوم عامة والعلوم الشرعية على وجه خاص. ومن المفروض أن يعكس الأساس الفلسفي لمنهاج تدريس العلوم الشرعية التصور الجامع للإسلام حول الكون والانسان والحياة وأشكال التداخل الفطري بين هذه المكونات باعتبار الانسان خليفة الله في الأرض قائما بواجب العمارة والعبادة والتعاون، تسخيرا للكون وفق قواعد وضوابط مستمدة بشكل واضح جلي من نصوص الوحي أو مستنبطة اجتهاديا بالعقل الموجه بالنقل، كل ذلك وفق “فلسفة النظرية التربوية الاسلامية القائمة على وحدة الهدف من باقي العلوم وهو معرفة الخالق وسياسة الكون بمنظور الاستخلاف”.[13]

إن تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي لا بد أن يكون وفق هذا المناخ الفكري والمنطلق الايماني الذي يسعى لا محالة لربط طالب العلم بعقيدته الاسلامية، مجتهدا في ضوئها للإجابة عن تساؤلاته اليومية من جهة واستفسارات ونوازل مجتمعه الاسلامي من جهة ثانية، بما يحقق الترابط بين تدريس العلوم الشرعية والواقع المعيش ويعطي للعملية التعليمية التعلمية معنى.

إن الأساس الفلسفي لتدريس العلوم الشرعية يحدد المبادئ والمنطلقات العامة التي توجه النشاط التعليمي للطالب وتمده بالقيم التي ينبغي اتخاذها مرشدا لسلوكه في الحياة من خلال توجيه جميع جوانب حياته التربوية والتعليمية، وتحقيق الأهداف العليا للمجتمع. ومن الأسئلة المرتبطة بهذا الأساس يبرز سؤال حاجة المجتمع لهذا النوع من التدريس ومدى صلاح هذه العلوم الشرعية لإشباع حاجات المجتمع لتحقيق التنمية في مختلف المجالات بالنظر للتطور الكبير الذي عرفته العلوم الاجتماعية ومناهج البحث. لكن المتأمل لحال تدريس العلوم الشرعية اليوم لا يستطيع غض الطرف عن الفصام النكد التي أفرزته سياسات تعليمية فاشلة بين تدريس العلوم الشرعية وفائدتها المجتمعية اليومية، بل نكاد نجزم بوجود قطيعة ابستمولوجية[14] بينهما، حتى غدت مكانة العلوم الشرعية في المجتمع مكانة هامشية، وذلك بالنظر لقصور مناهجها عن تقديم منظومة معرفية متكاملة تستجيب للمتطلبات التنموية المتسارعة للمجتمع، مع مراعاة أبعاد هويته الاسلامية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في وظيفتها المجتمعية أمام تطور باقي العلوم الاجتماعية ومناهجها الحديثة، وهو أمر لا محالة سيعيد لها فائدتها ومكانتها المركزية في حياة المسلمين وغيرهم، دينيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا ….كما كانت فيما مضى.

إن مخطط المنهج مجبر على مسح وتفسير طبيعة مجتمعه، وقيمه الأساسية الثابتة والعناصر المتغيرة فيه، وإن أية محاولة ناجحة لتخطيط منهج في فترة تغير اجتماعي سريع لا بد أن تفهم حاضر المجتمع وواقعه الذي هو عليه واتجاهاته نحو المستقبل، ولأن حاضر المجتمع متأثر بماضيه، إذ فلا بد من فهم الأسس الفلسفية والأحداث التاريخية التي أثرت في وجدان هذا المجتمع وساهمت في تكوين أنماطه السلوكية. “إن تخطيط المنهج وتنفيذه بناء على هذا، سوف يتأثر إلى حد كبير بعقيدة المجتمع، وبالقيم الاجتماعية وبالحاجات الاجتماعية والمشكلات الاجتماعية، إن تحليل ماضي المجتمع، وحاجاته ومشكلاته الحاضرة وتطلعاته نحو المستقبل سوف يعين مخطط المنهج ومنفذيه على تحديد أي الأهداف يجب التأكيد عليها وأيها يمكن تركها، وأي الخبرات ضروري وأيها يمكن تركه، وأي القيم يجب تدعيمه وأيها يجب إرساؤه، وأيها يجب القضاء عليه، وهذا يعني أي طرائق التدريس أكثر مناسبة لكل من الأهداف والمحتوى المختار، إن دراسة المجتمع لا بد أن تأخذ في اعتبارها الواقع كما هو عليه، وما يجب أن يكون عليه”.[15]

ولعل وظيفية المعرفة الشرعية تفرض نفسها وبإلحاح كبير، فلعل أهم فائدة من فوائد تدريس العلوم الشرعية هي أداء وظيفتها الأساس والمتمثلة في ثلاث وظائف هي:

  • وظيفة علمية: تتمثل في إكساب طالب العلوم الشرعية معرفة واسعة بمختلف العلوم الشرعية المقصودة لذاتها وتسمى علوم مقاصد، أو العلوم الخادمة لها والتي يصطلح عليها علوم وسائل.
  • وظيفة عملية: تتجلى في إكساب الطالب مهارات وقدرات على توظيف معارفه للإجابة عن تساؤلاته وحاجاته الفردية وقضايا مجتمعه والأمة الاسلامية، بما يحقق كفاية المجتمع وسد هذه الثغرة.
  • وظيفة منهجية: وتظهر في تمكين الطالب من أدوات ومناهج ومفاتيح البحث العلمي، قصد التمرس على اكتساب ملكة النظر والاستدلال والاجتهاد والاستمرار في ذلك ولو انتهت سنوات الطلب الرسمية.

إن استحضار وظيفية وغاية تدريس العلوم الشرعية يجعل العملية التعليمية قاصدة ناجعة، لذلك ينبغي التركيز في تدريس العلوم الشرعية على الأنشطة التعليمية التي تحقق تلكم الوظائف دون زيادة أو نقصان، بما يوفر الجهد والطاقة، أما الاستفاضة فيما لا يحتاج إليه في بناء الدرس الشرعي المقصود قد يكون موضع استثمار أو امتداد تربوي أو تأليف فكري إذا خطط له ولم يكن وليد اللحظة والمصدفة.

ثالثا: الأساس النفسي لمنهاج تدريس العلوم الشرعية

أساس آخر يجب أخذه في الاعتبار عند تحديد الأهداف التعليمية واختيار المحتوى وطرق التدريس المناسبة، هو طبيعة المتعلم، حاجات نموه، نتائج نموه، خبراته واهتماماته، ودوافعه، وطموحاته، وعلاقاته الاجتماعية، لأن ” المنهج هو خطة للتعلم، ولهذا فإن معرفة المتعلم يجب أن تحدد أي الأهداف يمكن تحقيقها وتحت أي ظروف، يجب أيضا معرفة متى تصبح العملية التعليمية أكثر فاعلية وتحت أي شروط، وما العوامل التي يجب توافرها لإنجاحها”.[16]

ويبحث الأساس النفسي لمنهاج تدريس العلوم الشرعية في حاجات الطالب ومؤهلاته وقدراته العلمية، وأثر ذلك في الاختيارات التعليمية في تدريس العلوم الشرعية. وينبعث من هذا الأساس منطلقات عديدة يمكن إجمالها في النقط التالية:

  • إشباع الاحتياجات النفسية للطالب من خلال تحقيق التوازن النفسي وتكوين الشخصية المتزنة المرتبطة بالوحي تصورا وسلوكا.
  • تنمية الميولات النفسية الصالحة كالاحترام والتعاون وتحقيق الذات وضبط الانفعالات النفسية.
  • مقاومة الاتجاهات النفسية السلبية كالتعصب والتطرف في مختلف أبعاده.
  • مراعاة قدرات الطالب واستعداداته النفسية وفق النظريات التربوية المعاصرة وفي مقدمتها نظرية الفروق الفردية.
  • مراعاة التدرج في بناء المفاهيم بما يلائم الجانب السيكولوجي لكل طالب على حدة.

لكن الملاحظ في تدريس العلوم الشرعية أنها لا تراعي قطعا هذا الأساس الحيوي في بناء التعلمات، والدليل على ذلك طبيعة المحتويات الدراسية التي تقدم وللأسف كل سنة في شكل ملخصات أو كراسات جاهزة لا تنتظر من الطالب إلا الحفظ واسترجاع الحفظ، بل من الكراسات ما تجاوز عمرها عشرات السنين ولم تعرف أي تغيير ولو حتى من حيث الشكل، وهو أمر يستدعي إعادة النظر في المنظومة التربوية التعليمية عموما، بشكل يراعي الأساس النفسي الذي ينبني عليه منهاج تدريس العلوم الشرعية خصوصا، بما يحقق الغايات والمرامي والأهداف المرسومة.

ويترتب على إهمال وعدم مراعاة الفروق الفردية ظهور آثار سلبية في البنية الداخلية للكيان التعليمي، وخاصة في تحقيق الأهداف التعليمية، وتقدم الطلاب، وتفاعل المعلمين مع طلابهم. ففي تحقيق الأهداف التعليمية، لن يتمكن المعلم من رفع المستوى العلمي لجميع الطلاب وتحقيق التعاون بينهم. وفي تقدم الطلاب، سيزداد المتعثرون منهم تعثراً وسينخفض مستواهم التعليمي بشكل واضح. أما في تفاعل المعلمين فسيؤدي انخفاض مستوى الطلاب إلى إحباط لدى معظم المعلمين، حيث إنه رغم إتقانهم للمادة العلمية وبذلهم أقصى جهدهم، فإن النتيجة النهائية للطلاب لا ترضيهم، وسيكون لها الأثر السيئ في تعاملهم مع طلابهم.[17]

كما يلاحظ ضمور هذه الرؤية النفسية في تقويم التعلمات ومخرجات تدريس العلوم الشرعية، بحيث توضع اختبارات تقويمية واحدة لجميع الطلبة دون مراعاة للفروق الفردية أو الاستعدادات الذهنية أو الظروف النفسية، بل قد تجد نفس الاختبار لمادة دراسية معينة يتم الرجوع إليه وتكراره مع كل الطلبة لسنوات عدة، وهو أمر لا شك في كونه تجليا لانحباس فكري وضبابية في التخطيط وعدم التمكن من رؤية جامعة مانعة في مجال تدريس العلوم الشرعية.

ومن الاقتراحات والاختيارات التربوية والنفسية الحديثة والرائدة في استحضار سيكولوجية المتعلمين وفروقاتهم الفردية واحتياجاتهم الداخلية والخارجية نذكر بيداغوجيا الكفايات، هذه الأخيرة تبرز أهميتها في الاهتمام ببناء الشخصية العلمية للطالب انطلاقا من شخصيته وتمثله واستعداده وذكائه وقدراته وبيئته… لتحقيق التعلم الذاتي عبر التمرس على حل وضعيات مشكلة افتراضية في مجال التدريس أو نوازل واقعية يعيشها في حياته اليوميةـ، وهو ما يعطي لا محالة لتدريس العلوم معنى ووظيفية قاصدة.

إن بناء منهاج تدريس العلوم الشرعية ينبغي أن يكون على بينة من الجوانب السيكولوجية للطلبة المستهدفين بالتربية والتعليم، عبر تشخيص دقيق لخصوصياتهم النفسية وتحديد عميق لاحتياجاتهم وإشكالاتهم، وفق ما يقتضيه علم النفس التربوي ونظريات التعلم القديمة والحديثة على حد سواء.

وعموما توجد خمس نظريات تربوية نفسية تساعد المدرسين على تحسين مستوى طلابهم داخل الغرف الصفية وجعلها بيئة تعليمية فعالة وتحقيق أفضل النتائج،[18]  وفيما يلي أهمها:

  • النظرية السلوكية: الفكرة الرئيسية وراء النظرية السلوكية هي أنّ التعلم ناتج عن تغيير في السلوك، وذلك بسبب التأثر بالمحفزات من البيئة المحيطة وطريقة استجابة الفرد لها، إما بالتعزيز أو التطبيق أو الاكتساب، والأداة المستخدمة في تعديل السلوك هي التعزيز الإيجابي بالمكافئة أو السلبي بالعقاب.
  • النظرية المعرفية: تعتمد هذه النظرية على العمليات العقلية والمستوى الإدراكي للمتعلم، إذ إنّ المتعلم يكون بمثابة مستقبل للمعلومات من البيئة المحيطة أو من التجارب أو من قراءة الكتب، ويعمل على معالجة هذه المعلومات وتخزينها في الذاكرة، فعندما يدرك الطالب كيف يعمل عقله وتفكيره وكيفية تأثيره على تعلمه ستساعده على التعلم بشكل أفضل.
  • النظرية البنائية: تقوم فكرة هذه النظرية على أن المتعلم لا يكتسب المعرفة وإنما يبنيها من خلال التجارب والخبرات السابقة، وتعتبر هذه النظرية أنّ التعليم فردي لكل طالب، لأنه يقوم بتفسير وتحليل المعلومة التي يتلقاها بناء على خبراته السابقة ويربطها مع المعلومة الجديدة.
  • النظرية الإنسانية: تركز النظرية الإنسانية على الشخص ورغبته بتحقيق الذات، ويكون تحقيق الذات بناء على تسلسل هرمي للاحتياجات والرغبات لكل فرد ويسعى للوصول إليها، فالبيئة التعليمية الفعالة تساعد وتوفر ظروفًا لتحقيق الاحتياجات العاطفية والنفسية والجسدية للمتعلم وجعلها بيئة تعليمية آمنة.
  • النظرية الترابطية: تقوم هذه النظرية على تشكيل روابط بين المتعلمين وبين أدوارهم الحياتية ووظائفهم ومواهبهم وأهدافهم، وكلها تؤثر على العملية التعليمية، ويمكن الاستفادة من هذه النظرية عن طريق عمل روابط بين المتعلم وما يثير اهتمامه، كما يمكن استخدام التكنولوجيا والوسائط الرقمية لروابط أكثر فاعلية.
  • نظرية التعلم التحويلي: تعتبر نظرية التعلم التحويلي من أفضل الطرق لتعليم كبار السن والشباب، وتركز نظرية التعلم التحويلي على فكرة أن المتعلمين يمكنهم تعديل تفكيرهم بناءً على معلومات جديدة، ولا شك أن مجال البحث ما يزال مفتوحا ما دامت هناك حياة انسانية على وتغيرات متلاحقة وجه الأرض.

[1] – سورة العلق، الآيات 1-4.

[2] – ناصر الدين الألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادته، المكتب الإسلامي، الرقم: 3914، ج2/ ص 727.

[3]– مدكور، علي أحمد، مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، دار الفكر العربي، 2001م/ 1421هـ، ص 227.

[4] – للتوسع: ينظر بحث: تدريسية العلوم الشرعية بالتعليم الجامعي: مقاربة ابستمولوجية بيداغوجية، ذ/ محمد لفرم، من كتاب جماعي: تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي: مقاربات معرفية وتربوية، إعداد وتقديم: د. ربيع حمو و د.الحسن بنعبو، منشورات مختبر القيم والمجتمع والتنمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، جامعة ابن زهر، المغرب ط 1، 2020م، ص 67 -75.

[5] – للتوسع: ينظر بحث: تدريس العلوم الاسلامية بالتعليم العالي بين ضرورة التكامل والحاجة إلى التخصص: مقاربة ابستمولوجة تربوية، الدكتور يونس محسين، كتاب جماعي: تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي: مقاربات معرفية وتربوية، إعداد وتقديم: د. ربيع حمو و د.الحسن بنعبو، منشورات مختبر القيم والمجتمع والتنمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، جامعة ابن زهر، المغرب ط 1، 2020م، ص 13-33.

[6]– ابن خلدون، عبد الرحمن، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: أ. خليل شحادة، مراجعة: د. سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1401هـ/1981م، ج1/ص550.

[7]– الغزالي، أبو حامد، ( ت 505هـ) إحياء علوم الدين، دار الجيل، بيروت، ط 1، ج1/ص69.

[8]– المرعشي، محمد بن أبي بكر، ترتيب العلوم، (ت1145 )، المحقق: محمد بن إسماعيل السيد أحمد، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط 1، 1988، ص 82.

[9]– ابن جماعة، الكناني ( ت 733 هـ )، تذكرة السامعِ والمتكلم في أَدب العالم والمتعلم، تحقيق: محمد هاشم الندوي، دائرة المعارف، 1354 هـ، ص 119.

[10]– الماوردي، أبو الحسن، ( ت 450 هـ )، أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، 1986، الباب الثاني: أدب العلم، فصل في التعلم، ص 48.

[11]– الكسائي، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 2، 1406هـ/1986م، ج1/ص2

[12]–  سعيد حليم، أسس تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي، تقرير ندوة: تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي – مقاربات معرفية وتربوية -، وذلك يومي الجمعة والسبت 5-6 شعبان1442هـ/ 19-20 مارس 2021م، موقع منار الاسلام.

[13]– خالد الصمدي، سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، دمشق، ط 1، 2007، ص 20.

[14] – “الابستمولوجيا هي الدراسة النقدية للمعرفة العلمية”، رحيم أبو رغيف الموسوي، الدليل الفلسفي الشامل، دار المحجة البيضاء، مكتبة مؤمن قريش، بيروت لبنان، ط 1، 1434هـ/2013م، الجزء الأول، المادة 12، ص 24، والابستمولوجيا ” تدرس وعي الانسان بالعالم، المؤسس على أكبر قدر ممكن من الموضوعية”، مليكة جابر، إسهام الابستمولوجيا في تعليمية علم الاجتماع، مجلة العلوم الانسانية والاجتماعية، العدد الثامن، يونيو 1987م، ص 393.

[15]– مدكور، علي أحمد، مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، ص 226-227.

[16]– مدكور، علي أحمد، المرجع السابق، ص 227.

[17]– أبولوم، أمجد، الفروق الفردية وأساليب مراعاتها في التعليم، موقع أخبار الخليج، عدد 16273، الأربعاء 12 أكتوبر 2022م.

[18]– للتوسع في نظريات علم النفس التربوي الحديثة ينظر:

– Make It Stick: The Science of Successful Learning للمؤلفين بيتر سي براون وهنري ل. روديجر ومارك ماكدانييل

– How Children Succeed: Grit, Curiosity, and the Hidden Power of Character: للمؤلف بول تاف

– Mindsets in the Classroom: Building a Culture of Success and Student Achievement in Schools:  للمؤلفة ماري كاي ريتشي

– Making Thinking Visible: How to Promote Engagement, Understanding, and Independence for All Learners:المؤلفون رون ريتشارت ومارك تشيرش وكارين موريسون

– Visible Learning for Teachers: Maximizing Impact on Learning: جون هاتي

– اضطرابات الطفولة والمراهقة و علاجها: عبدالرحمن العيسوي

– كتاب الحوار وبناء شخصية الطفل: سلمان خلف الله

– كتاب الذكاء الوجداني – تحت مظلة التربية السيكولوجية: صفاء الأعسر وعلاء الدين كفافى

– كتاب الفروق الفردية للذكاء: سليمان الخضيري الشيخ

– كتاب التوجيه والارشاد النفسي: حامد عبد السلام زهران

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.