منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا استدلّ ابن جني بآراء سيبويه في الخصائص؟

لماذا استدلّ ابن جني بآراء سيبويه في الخصائص؟ / الدكتورة رشيدة مصلاحي

0

لماذا استدلّ ابن جني بآراء سيبويه في الخصائص؟

الدكتورة رشيدة مصلاحي

 

يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:

 “اجتهادات ابن جني في أصول النحو في الخصائص”

المبحث الأول: ابن جني يستدلّ بآراء سيبويه لاستنباط الأصول والمبادئ العامّة

على الرّغم من أنّ اهتمام النحاة الأوائل –ومن بينهم ابن جني- كان منصرفاً أساساً إلى وضع قواعد تمكّن من يراعيها من «انتحاء سمت كلام العرب في تصرّفه من إعراب وغيره..»[1]، فإنّ ابن جني قد وصل بإصراره العلمي إلى الأصول أو المبادئ العامّة التي اعتمدها النحاة –ومن بينهم سيبويه- في استنباطهم لقواعد اللغة العربية، وحاول عرضها في خصائصه بنوع من التّوضيح، واضعاً نصب عيني الدّارس الباحث معظم ما يلزمه أو يحتاجه لإدراك هذه الأصول.

وقد كان لابن جني في أصول النحو اجتهادات متميّزة، وقد صرّح في خطبة خصائصه أنّ كلّاً من البصريين والكوفيين قد هربوا من هذا العلم، وتحامَوا طريق الإلمام به «والخوضَ في أدنى أوشاله وخُلُجه، فضلاً عن اقتحام غِماره ولُجَجه»[2]، ولذلك لم تكن سبيل ابن جني إلى الوصول إلى الأصول يسيرة سهلة، وذلك لأنّها غاصت في بحار تراث المتقدّمين وخاصّة كتاب سيبويه، والتقطت منها ما هيّأ لها أن تبسط الصّورة الصاّدقة عن أصول النحو العربي، ووضعت بين يدي الدّارس الباحث ما يُعينه على فهم التجربة اللغوية التي مرّ بها النحاة العرب ومن بينهم سيبويه؛ بل على فهم النحو العربي وبناءه العامّ كذلك.

ولنقف عند نماذج توضّح لنا كيف كان ابن جني يستنبط الأصول والمبادئ العامّة من آراء  سيبويه وأقواله:

– يقول ابن جني في باب في دور[3] الاعتلال[4]: «ومثله ما أجازه سيبويه في جر ‏»‏الوجه‏»‏ من قولك‏:‏ هذا الحسن الوجه‏ (…) وقد أحطنا علماً بأن الجر إنما جاز في الضارب الرجل ونحوه مما كان في الثاني منهما منصوبا؛ لتشبيههم إيّاه بالحسن الوجهِ (…) فلما كان كذلك قوي في بابه، حتى صار لقوته قياسا وسماعا، كأنه أصل للجر في (هذا الحسن الوجه) (…) وذلك أن الفروع إذا تمكَّنت ‏قوِيت قوَّة تسوّغ‏ حمل الأصول عليها‏.‏ وذلك لإِرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوَّة الحكم»[5].

– وقول ابن جني في باب في نقض المراتب إذا عرض هناك عارض[6]: «المفعول قد شاع عنهم واطَّرد من مذاهبهم كثرةُ تقدّمه على الفاعل (…) ألا ترى أن سيبويه أجاز في جرّ الوجه من قولك‏:‏ هذا الحسَن الوجهِ أن يكون من موضعين‏:‏ أحدهما بإضافة الحسَن إليه، والآخر تشبيه له بالضارب الرجلِ (…) حتى دعا ذاك سيبويه إلى أن عاد ‏فشبه الحسن الوجه بالضارب الرجل، من الجهة التي إنما صحَّت للضارب الرجل تشبيهاً بالحسن الوجه، وهذا يدلّك على تمَكُّن الفروع عندهم، حتى إن أصولها التي أعطتها حكماً من أحكامها قد حارت فاستعادت من فروعها ما كانت هي أدَّته إليها، وجعلته عطِيّة منها لها»‏[7].

– يقول ابن جني في باب من غلبة الفروع على الأصول[8]: «ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك‏:‏ هذا الحسن الوجه أن يكون الجر في الوجهِ من موضعين (…) فإن قيل‏:‏ وما الذي سوّغ سيبويه هذا، وليس ممَّا يرويه عن العرب روايًة، وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلَّل به؟ قيل يدلّ على صحّة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه‏:‏ من أن العرب إذا شبَّهت شيئاً بشيء مكّنت ذلك الشّبَه لهما، وعَمَرت به الحال بينهما..‏»[9].

– «وكما أتبعوا الثانيَ الأوّل في نحو شُدُّ، وفِرِّ، وعضَّ، ومُنذُ، كذلك أتبعوا الأول الثانيَ في نحو‏:‏ أُقتل، أُخرج، أُدخل، وأشباه هذا كثير، فلما رأى سيبويه العرب إذا شبَّهت شيئاً بشيء فحملته على حكمه، عادت أيضاً فحملت الآخرَ على حكم صاحبه، تثبيتاً لهما وتتميماً لمعنى الشَبَه بينهما، حَكَم أيضاً لجرّ الوجه من قوله ‏»‏هذا الحسن الوجهِ»‏ أن يكون محمولاً على جر الرجل في قولهم ‏»‏هذا الضارب الرجلِ‏»‏ كما أجازوا أيضاً النصب في قولهم ‏»‏هذا الحسن الوجهَ»‏ حملاً له منهم على ‏»‏هذا الضارب الرجلَ»[10].

– باب في مشابهة معاني الإعراب معاني الشعر: «ومن ذلك قول سيبويه في نحو قولهم‏:‏ هذا الحسن الوجهِ‏:‏ إن الجرّ فيه من وجهين، أحدهما طريق الإضافة، والآخر تشبيه بالضارب الرجلِ، هذا مع العلم بأن الجرّ في الضارب الرجلِ إنما جاءه وجاز فيه لتشبيههم إياه بالحسن الوجه، فعاد الأصلُ فاستعاد من الفرع نفسَ الحكم الذي كان الأصل بدأ أعطاه إياه، حتى دلّ ذلك على تمكّن الفروع وعلوّها في التقدير‏.‏ وقد ذكرنا ذلك[11]»‏[12].‏

– «وليس شىء يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها»[13]: «فأوّل ذلك أنا لسنا ندّعي أن علل العربية في سَمْت العلل الكلامية البتة، بل ندعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهيّة، وإذا حكّمنا بديهة العقل، وترافعنا إلى الطبيعة والحسّ، فقد وفّينا الصنعة حقّها، وربأنا بها أفرَع مشارفها. وقد قال سيبويه[14]‏:‏ وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهاً وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استُكرِهوا عليه؛ نعم ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك، فتستضيء به وتستمدّ التنبُّه على الأسباب المطلوبات منه‏»[15].

– يقول ابن جني في باب في حمل الشيء على الشيء من غير الوجه الذي أعطى الأول ذلك الحكم: «ثم إنهم قالوا مِن بعدُ في قُرَّاءٍ: قُرَّاويّ، فشبّهوا همزة قُرّاء بهمزة كِساء؛ من حيث كان أصلا غير زائدة؛ كما أن همزة كساءٍ غير زائدة. وأنت لم تكن أبدلتَ همزة كساء في كساويّ من حيث كانت غير زائدة، لكن هذه أشباه لفظيّة يُحمل أحدها على ما قبله، تشبُّثا بهِ وتصوُّرا له. وإليه وإلى نحوه أومأ سيبويه[16] بقوله‏:‏ وليس شيء يُضطَرُّون إليه إلاَّ وهم يحاولون بهِ وجهاً‏»[17].‏

– «وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا؛ ألا ترى إلى قول سيبويه‏:‏ ‏»‏أو لعلّ الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخِر‏»؛‏ يعني أن يكون الأوّل الحاضر شاهدَ الحال، فعرف السبب الذي له ومن أجله ما[18] وقعت عليه التسمية؛ والآخِر – لبعده عن الحال-  لم يعرف السبب للتسمية (…) وهذا مما ألزمه أبو بكر أبا إسحاق[19] فقبله منه ولم يرده»[20].

– يقول ابن جني في باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها: «قال أبو بكر: ولو ذهبنا نشتقّ لقولهم (ع ق ر) من معنى الصوت لبُعد الأمر جِدّاً؛ وإنما هو أنَّ رجلا قُطِعت إحدى رِجْليه فرفعها ووضعها على الأخرى، ثم نادى وصرخ بأعلى صوته، فقال الناس: رفع عقِيرته، أي رجله المعقورة. قال أبو بكر: فقال أبو إسحاق: لست أدفع هذا. ولذلك قال سيبويه في نحو من هذا‏:‏ أو لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر يعني ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل‏[21]»[22].

– «فإن قلت‏:‏ فما بالهم كثر عنهم باب فُعُل، نحو عنق وطُنُب، وقلّ عنهم باب فِعِل نحو إبل وإطِل مع أن الضمة أثقل من الكسرة؟ فالجواب عنه من موضعين‏:‏ أحدهما أن سيبويه قال‏:‏ ‏»‏واعلم أنه قد يقلّ الشيء في كلامهم، وغيره أثقل منه، كل ذلك لئلاّ يكثر في كلامهم ما يستثقلون‏»‏ فهذا قول، والآخر أن الضمة وإن كانت أثقل من الكسرة، فإنها أقوى منها؛ وقد يُحتمل للقوّة ما لا يحتمل للضعف؛ ألا ترى إلى احتمال الهمزة مع ثقلها للحركات، وعجز الألف عن احتمالهن، وإن كانت خفيفة لضعفها، وقوّة الهمزة‏. ‏وإنما ضعفت الكسرة عن الضمة لقرب الياء، من الألف، وبعد الواو عنها»[23].

– باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر: «فأما أشئؤُها وأدْأَؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين‏.‏ وكيف تكونان أصلين وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضاً عن وجوب‏.‏ فالناطق بذلك بصورة من جرَّ الفاعل أو رفع المضاف إليه، في أنه لا أصل يسوِّغه، ولا قياس يحتمله، ولا سماع وَرَد به‏.‏ وما كانت هذه سبيله وجب اطِّراحه والتوقّف عن لغة من أورده‏ (…) ونظير كسرة الصحيح كون هذه الأسماء الستَّة بالياء؛ نحو مررت بأخيك وفيك‏.‏ فكان قياسه أن يقول (كأنَّ فيَّ) بالياء كما يقول (كأنَّ غلامِي‏).‏ ومثله سواءً ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم‏:‏ كسرتَ فِيَّ، ولم يقل (فاي) وقد قال الله سبحانه‏:‏ ‏»ِإنَّ أَبِي يَدْعُوكَ‏»‏ ولم يقل‏:‏ إِن أباي‏»[24].‏

– «فإن أنت رأيت شيئاً من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه، ولا يتابعك على ما أوردناه، فأحد أمرين‏:‏ إما أن تكون لم تنعِم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولاً وأوائل قد تخفى عنا وتقصُر أسبابها دوننا كما قال سيبويه‏:‏ أو لأن الأوّل وصل إليه عِلم لم يصل إلى الآخر‏‏»[25].‏

– يقول ابن جني في باب في نقض العادة المعتاد المألوف في اللغة[26]: «قيل‏:‏ إن العرب لمَّا قوِى في أنفسها أمرُ المفعول حتى كادَ يلحق عندها برتبة الفاعل، وحتى قال سيبويه[27] فيهما‏:‏ ‏»‏وإن كانا جميعاً يُهمَّانهم ويَعنيانهم‏»‏ خصّوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة‏:‏ أحدهما تغيير صورة المثال مسنَداً إلى المفعول، عن صورته مسنداً إلى الفاعل (…) قال أبو علي‏:‏ فهذا يدلك على تمكّن المفعول عندهم، وتقدّم حاله في أنفسهم؛ إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالِفة لصيغته وهو للفاعل»[28].

– يقول ابن جني في باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها: «أَوَ لا تعلم أن الإنسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطِب بهِ صاحبه، ويُنْعِم تصويره له (…) أفلا ترى إلى اعتبارهِ بمشاهدة الوجوه، وجعلِها دليلا على ما في النفوس. وعلى ذلك قالوا‏:‏ ‏»‏رب إشارةٍ أبلغُ من عبارة‏»‏ وحكاية الكتاب[29] من هذا الحديث وهي قوله‏:‏ ‏»‏ألا تا‏»‏ و‏»‏بلى فا‏»‏‏.‏ وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله‏:‏ أنا لا أحسن أن أكلِّم إنساناً في الظلمة»‏[30].

المبحث الثاني:ابن جني يستدل بآراء سيبويه لإثبات قضية من القضايا النحوية أو نفيها

وابن جني لم يطرح كلّ القضايا النّحوية الواردة في الكتاب، وإنّما حاول حصر القضايا المشكلة التي تستوقف الدّارس لكتاب سيبويه فسلّط عليها الضوء وحاول أن ينير حوالكها.

وقد تميّز منهج ابن جني وهو يطرح مسائل الكتاب وبعض قضاياه النحوية بالعقلية التحليلية؛ إذ حلّل المسائل النحوية إلى أقصى ما تتحمّله، كما أنّه تميّز بدقّة الملاحظة وسعة النّظر، و»كان يلمح الإشارات الخاطفة فيأخدها ويتبنّاها ويتملّكها وتعرف به»[31].

فربّ عبارة أو إشارة لمحها ابن جني وهو يستعرض مسائل الكتاب فعقد عليها باباً أو أكثر وأخرجها إلى الوجود فكرة واضحة محدودة المعالم[32]. وممّا يدلّ على كلّ ما لاحظناه ما نلمحه في النماذج الآتية:

– يقول ابن جني في باب في عدم النظير: «أما إذا دلّ الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير‏.‏ وذلك مذهب الكِتاب[33]، فإنه حَكَى فيما جاء على فِعِلٍ ‏(إبِلا)‏ وحدها، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأُنْس به لا للحاجة إليه‏»[34].

– باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين: «وذلك عندنا على أوجه‏:‏ أحدها أن يكون أحدهما مُرسلاً والآخر معلَّلاً‏.‏ فإذا اتفق ذلك كان المذهب الأَخْذ بالمعلَّل، ووجب مع ذلك أن يُتأوّل المرسَل‏.‏ وذلك كقول صاحب الكتاب[35] – في غير موضع-  في التاءِ من ‏»‏بنت وأخت‏»‏‏:‏ إنها للتأنيث، وقال أيضاً مع ذلك في باب ما ينصرف وما لا ينصرف‏:‏ إنها ليست للتأنيث‏.‏ وقال أيضا مع ذلك في باب ما ينصرف وما لا ينصرف[36]: إنها ليست للتأنيث»[37].

– باب في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني: «فإذا قيل‏:‏ فقد تجيء مصادرها من غير هذا الوجه على مثال مصادر ذوات الأربعة؛ ألا تراهم يقولون‏:‏ قاتل قِيتالاً، وأكرم إكراماً، ‏»وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا‏»‏ فهذا بوزن الدِحراج، والسِرْهاف، والزلزال، والقِلقال؛ قال‏:‏

*  سِرْهَفْتُه ما شئتَ من سِرهافِ  *

قيل‏:‏ الاعتبار بالإلحاق بها ليس إلاَّ من جهة الفَعْلَلة، دون الفِعْلال، وبهِ كان يعتبر سيبويه‏.‏ ويدل على صحَّة ذلك أن مثال الفعللة لا زيادة فيه، فهو بفَعْلَل أشبه من مثال الفِعلان، والاعتبار (والمراعاة) بالأصول أشبه منه وأوكد منه بالفروع»[38].

باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون غيره: «فإذا شاهدت ظاهراً يكون مثله أصلاً أمضيت الحُكْم على ما شاهدته من حاله، وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه، ألا ترى أن سيبويه[39] حمل سِيداً على أنه مما عينهُ ياء، فقال في تحقيره‏:‏ سُيَيد، كدِيك ودُييك، وفيل وفُييل‏. وذلك أن عين الفِعْل لا ينكَر أن تكون ياء، وقد وُجدت في سِيدٍ ياء فهي في ظاهر أمرها، أن يرد ما يَستنزِل عن بادي حالها»[40].

– «وعلى نحو ممّا جئنا به في ‏(سِيدٍ) حَمَل سيبويهِ[41] عيَّناً، فأثبت بهِ ‏(فَيْعَلاً)‏ ممّا عينه ياء، وقد كان يمكن أن يكون ‏(فَوْعَلاً) و(فَعْوَلاً) من لفظ العَين ومعناها، ولو حَكَم بأحد هذين المثالين لَحَمل على مألوفٍ غير منكورٍ؛ [ألا ترى أن فَوْعَلاً وفَعْوَلاً] لا مانع لكلّ واحدٍ منهما أن يكون في المعتلّ كما يكون في الصحيح، وأمّا ‏(فَيْعَل)‏ – بفتح العين-  ممّا عينه معتلّة فعزيز، ثمّ لم يمنعه عِزَّةُ ذلك أن حَكَم بهِ على ‏(عين) وعَدَل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونه في المعتلّ العينِ كونَه في الصحيِحها‏[42]. ‏وهذا أيضا مما يبصِّرك بقوّة الأخذ بالظاهر عندهم، وأنه مكين القَدَم راسِيها في أنفسهم»[43].

– باب في الاستغناء بالشيء عن الشيء: «قال سيبويه[44]‏:‏ واعلم أن العرب قد تستغني بالشيء عن الشيء حتى يصير المستغنَى عنه مُسقَطاً من كلامهم البتَّة‏.‏ فمن ذلك استغناؤهم بتَرَك عن ‏(ودع)‏ و ‏(وَذِر)»‏‏[45].

–  «فأما قولهم: ما أشدّ سواده، وبياضه، وعوَره، وحوله، فمما لا بدّ منه. ومنه أيضا استغناؤهم باشتدّ وافتقر عن قولهم: فَقُر، وشَدّ. فأما شد فحكاها أبو زيد في المصادر ولم يحكها سيبويه‏. ‏ومن ذلك استغناؤهم عن الأصل مجرّدا من الزيادة بما استُعمل منه حاملا للزيادة، وهو صدر صالح من اللغة»[46].

– «ولزومُ الزيادة لما لزمته من الأصول يُضعف[47] تحقير الترخيم؛ لأن فيه حذفا للزوائد. وبإزاءِ ذلك ما حذِف من الأصول؛ كلام يدٍ، ودمٍ، وأب، وأخ، وعينِ سَهٍ، ومُذْ، وفاءِ عِدةٍ، وزِنَةٍ، وناسٍ، والله في أقوى قولي سيبويه[48]‏. فإذا جاز حذف الأصول فيما أريناه وغيرِه كان حذف الزوائد التي ليست لها حرمة الأصول أحْجَى وأحرى»[49]. ‏

– باب في تدريج اللغة: «وسألت مرَّة أبا علي – رحمه الله-  عن ردّ سيبويه[50] كثيراً من أحكام التحقير إلى أحكام التكسير وحَمْله إيَّاها عليها؛ ألا تراه قال تقول‏:‏ سُرَيحين لقولك‏:‏ سراحين، ولا تقول‏:‏ عثيمين؛ لأنك لا تقول‏:‏ عَثَامين ونحو ذلك. فقال: إنما حُمِل التحقير في هذا على التكسير من حيث كان التكسير بعيدا عن رتبة الآحاد. فاعتدَّ ما يعرِض فيه لاعتداده بمعناه، والمحقّر هو المكبَّر، والتحقير فيه جارٍ مجرى الصفة؛ فكأنْ لم يحدث بالتحقير (بالتصغير) أمر يحمل عليه غيره، كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد: هذا معقد معناه، وما أحسنه وأعلاه!‏»[51]. ‏

– باب في تركُّب اللغات: «يدلّ على ذلك تكسيرهم لشاعر: شعراء لمّا كان فاعل هنا واقعا موقع «فعيل» كُسّر تكسيره؛ ليكون ذلك أمارة ودليلا على إرادته، وأنه مغنٍ عنه، وبدل منه؛ كما صحّح العواور[52] ليكون دليلا على إرادة الياء في العواوير، ونحو ذلك. وعلى ذلك قالوا‏:‏ عالم وعلماء – قال سيبويه[53]‏:‏ يقولها من لا يقول عليم-  لكنه لمّا كان العِلْم إنما يكون الوصف بهِ بعد المزاولة له وطول الملابَسة صار كأنه غريزة، ولم يكن على أوّل دخوله فيه، ولو كان كذلك لكان متعلّماً لا عالماً، فلّما خرج بالغريزة إلى باب فُعُل صار عالم في المعنى كعليم، فكُسّر تكسيره، ثم حملوا عليه ضدّه، فقالوا‏:‏ جهلاء كعلماء، وصار علماء كحلماء؛ لأن العلم مَحْلَمَة لصاحبه»[54].

– باب في امتناع العرب من الكلام بما يجوز في القياس: «ونظير ذلك أن الرجل من نحو قولهم‏:‏ نِعم الرجل زيد غير الرجل المضمر في ‏»‏نِعم‏»‏ إذا قلت‏:‏ نعم رجلاً زيد لأن المضمر على شريطة التفسير لا يظهر، ولا يستعمل ملفوظاً به، ولذلك قال سيبويه‏[55]:‏ هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمراً، أي إذا فسّر بالنكرة في نحو نعم رجلاً زيد، فإنه لا يظهر أبداً»‏[56].

– باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر: «فأما أشئؤُها وأدْأَؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين‏.‏ وكيف تكونان أصلين وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضاً عن وجوب‏.‏ فالناطق بذلك بصورة من جرَّ الفاعل أو رفع المضاف إليه، في أنه لا أصل يسوِّغه، ولا قياس يحتمله، ولا سماع وَرَد به‏.‏ وما كانت هذه سبيله وجب اطِّراحه والتوقّف عن لغة من أورده‏ (…) ونظير كسرة الصحيح كون هذه الأسماء الستَّة بالياء؛ نحو مررت بأخيك وفيك‏.‏ فكان قياسه أن يقول (كأنَّ فيَّ) بالياء كما يقول (كأنَّ غلامِي‏).‏ ومثله سواءً ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم‏:‏ كسرتَ فِيَّ، ولم يقل (فاي) وقد قال الله سبحانه‏:‏ ‏»ِإنَّ أَبِي يَدْعُوكَ‏»‏ ولم يقل‏:‏ إِن أباي‏»[57].‏

– «وذهب سيبويه[58] في قولهم أَيْنُق مذهبين‏:‏ أحدهما أن تكون عين أَنْوُق قُلِبت إلى ما قبل الفاء فصارت في التقدير أَوْنُق ثم أبدلت الواو ياء لأنها؛ كما أعلَّت بالقلب كذلك أُعلَّت أيضاً بالإبدال على ما مضى، والآخر أن تكون العين حُذفت ثم عوّضت الياء منها قبل الفاء‏.‏ فمثالها على هذا القول أيْفُل، وعلى القول الأوّل أَعْفُل»‏[59].‏

– «وكذلك فُعْل منه أيضاً قُول، فيتفق فُعُل وفُعْل، فيخرجان على لفظ متفق عن أوّل مختلف‏.‏ وكذلك فِعْل من باب بعت، وفُعْل في قول الخليل وسيبويه‏:‏ تقول فيهما جميعاً بيعٌ‏.‏ وسألت أبا علي رحمه الله فقلت‏:‏ لو أردنا فُعْلات مما عينه ياء لا نريد بها أن تكون جارية على فِعْلة كتينة وتينات؟ فقال أقول على هذا الشرط‏:‏ تُونات؛ وأجراها لبعدها عن الطَرَف مُجرى واوُ عُوطَطٍ‏»[60].‏

– باب في خلع الأدلة: «وأخبرنا أبو عليّ أن أبا عثمان ذهب في قول الله تعالى‏:‏ ‏»إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ‏» إلى أنه جعل مثل وما اسما واحدا، فبنى الأوّل على الفتح، وهما جميعا عنده في موضع رفع، لكونهما صفة لحقّ‏ (…) وإن شئت قلت‏:‏ وما في إضافة المبنى‏!‏ ألا ترى إلى إضافة كم في الخبر؛ نحو كم عبد ملكت، وهي مبنية، وإلى إضافة أيّ من قول الله سبحانه ‏»ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا‏» وهي مبنية عند سيبويه‏.‏ وأيضاً فلو ذهب ذاهب واعتقد معتقد أن الإضافة كان يجب أن تكون داعية إلى البناء؛ من حيث كان المضاف من المضاف إليه بمنزلة صدر الكلمة من عَجُزها، وبعض الكلمة صوت، والأصواتُ إلى الضعف والبناء، لكان قولا‏!‏‏»[61].

–  «وكذلك قولهم‏:‏ أرأيتَك زيدا ما صنع؟ وحكى أبو زيد‏:‏ بَلَاك والله، وكلَّاك والله، أي بَلَى وكلاَ‏.‏ فالكاف في جميع ذلك حرف خطاب مخلوعةٌ عنه دلالةُ الاسمية؛ وعليه قول سيبويه‏.‏ ومن زعم أن الكاف في ذلك اسم انبغى له أن يقول‏:‏ ذلك نفسِك‏.‏ وهذا كله مشروح في أماكنه‏.‏ فلا موضع إذاً لهذه الكاف من الإعراب‏»[62].

– باب في تعليق الأعلام على المعاني دون الأعيان: «ومنه ما أنشده صاحب الكتاب من قوله[63]‏:‏

أنا اقتسمنا خُطَّتينا بيننا  ***  فحملتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجارِ

فبرّة اسم علم لمعنى البِرّ، فلذلك لم يصرف للتعريف والتأنيث‏.‏ وعن مثله عُدِل فجار، أي عن فَجْرة‏.‏ وهي عَلَم غير مصروف؛ كما أن برَّة كذلك‏.‏ وقول سيبويه‏:‏ إنها معدولة عن الفَجْرة تفسير على طريق المعنى، لا على طريق اللفظ‏.‏ وذلك أنه أراد أن يعرِّف أنه معدول عن فجرة علماً، ولم تستعمل تلك علماً فيُريَك ذلك، فعدَل عن لفظ العلمية المراد إلى لفظ التعريف فيها المعتاد»‏[64].

– «ومن ذلك قولهم‏:‏ نِعْمة وأَنْعُم، وشِدّة وأشُدّ في قول سيبويه[65]‏:‏ جاء ذلك على حذف التاء؛ كقولهم‏:‏ ذئب وأَذْؤب، وقِطْع وأقُطع، وضِرْس وأَضْرُس؛ قال‏:‏

*  وقرعن نابك قَرْعة بالأضرِس  *

وذلك كثير جداً‏»[66].

– باب في زيادة الحروف وحذفها: «ومن ذلك ما كان يعتاده رؤبة إذا قيل له‏:‏ كيف أصبحت فيقول‏:‏ خيرٍ عافاك (أي بخير) وحكى سيبويه[67]‏:‏ اللهِ لا أفعل يريد والله‏.‏ ومن أبيات الكتاب‏:‏

منْ يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشكرها  ***  والشرّ بالشرّ عند الله مِثْلان[68]

أي فالله يشكرها»[69].

– باب في زيادة الحرف عوضاً من آخر محذوف: «وقد حذفت الفاء همزة وجعلت ألف فِعال بدلاً منها؛ وذلك قوله‏.‏

*  لاه ابنُ عمِّك لا أفضَلْتَ في حَسَب  *

في أحد قولي سيبويه[70]. وقد ذكرنا ذلك»[71].

– «وأمّا ما حذفت عينه وزيد هنا حرف عوضاً منها فأينق في أحد قولي سيبويه‏[72].‏ وذلك أن أصلها أَنُوق فأحد قوليه فيها أن الواو التي هي عين حُذفت وعوّضت منها ياء، فصارت‏:‏ أينُق‏.‏ ومثالها في هذا القول على اللفظ‏:‏ أيفُل‏.‏ والآخر أن العين قُدمت على الفاء فأبدلت ياء‏.‏ ومثالها على هذا أغفُل‏»[73].

– «وكذلك باب قيدودة وصيرورة وكينونة، وأصلها فيعلولة حذفت عينها، وصارت ياء فيعلولة الزائدة عوضاً منها‏.‏ فإن قلت‏:‏ فهلاَّ كانت لام فيعلولة الزائدة عوضاً منها؟ قيل قد صحّ في فيعِل من نحو سيّد وبابه أن الياء الزائدة عوض من العين، وكذلك الألف الزائدة في خاف وهاع لاع عوض من العين‏.‏ وجوز سيبويه أيضاً ذلك في أينق فكذلك أيضاً ينبغي أن تحمل فيعِلولة على ذلك‏.‏ وأيضاً فإن الياء أشبه بالواو من الحرف الصحيح في باب قيدودة وكينونة»‏[74].

– «وقال سيبويه[75] في ميم فاعلته مفاعلة‏:‏ إنها عوض من ألف فاعلته‏.‏ وتتبع ذلك محمد بن يزيد، فقال‏:‏ ألف فاعلت موجودة في المفاعلة فكيف يعوَّض من حرف هو موجود غير معدوم‏.‏ وقد ذكرنا ما في هذا ووجه سقوطه عن سيبويه في موضع غير هذا‏.‏ لكن الألف في المفاعَل بلا هاء هي ألف فاعلته لا محالة، وذلك نحو قاتلته مقاتلاً، وضاربته مضارَباً، قال‏:‏

أقاتِلُ حتى لا أرى لي مقاتَلاً  ***  وأنجو إذا لم ينج إلاَّ المكيَّس

وقال‏:‏

أقاتل حتى لا أرى لي مقاتَلاً *** وأنجو إذا غُمَّ الجبان من الكرب[76]

فأمّا أقمت إقامة، وأردت إرادة ونحو ذلك فإن الهاء فيه على مذهب الخليل وسيبويه عوض من ألف إفعال الزائدة‏.‏ وهي في قول أبي الحسن عوض من عين إفعال، على مذهبهما في باب مفعول من نحو مبيع ومقُول‏.‏ والخلاف في ذلك قد عُرف وأحيط بحال المذهبين فيه، فتركناه لذلك‏»[77].

– باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض: «ومما جاء من الحروف في موضع غيره على نحو مما ذكرنا قوله‏:‏

إذا رضيتْ علىَّ بنو قُشَير  ***  لعمر الله أعجبني رضاها[78]

أراد‏:‏ عَنّى‏.‏ ووجهه‏:‏ أنها إذا رضيت عنه أحبّته وأقبلت عليه‏.‏ فلذلك استعمل على بمعنى عن وكان أبو عليّ يستحسن قول الكسائيّ في هذا؛ لأنه قال‏:‏ لما كان رضيت ضدّ سخطت عدّى رضيت بعلى حملاً للشيء على نقيضه؛ كما يحمل على نظيره‏.‏ وقد سلك سيبويه هذه الطريق في المصادر كثيراً، فقال‏:‏ قالوا كذا كما قالوا كذا، وأحدهما ضد الآخر»‏[79].‏

– باب محل الحركات من الحروف أمعها أم قبلها أم بعدها: «أما مذهب سيبويه فإن الحركة تحدث بعد الحرف‏.‏ وقال غيره‏:‏ معه‏.‏ وذهب غيرهما إلى أنها تحدث قبله‏.‏ قال أبو علي‏:‏ وسبب هذا الخلاف لُطْف الأمر وغموض الحال‏.‏ فإذا كان هذا أمرا يعرض للمحسوس الذي إليه تتحاكم النفوس فحسبك به لطفاً وبالتوقف فيه لَبْساً‏.‏ فمِمَّا يشهد لسيبويه بأن الحركة حادثة بعد الحرف وجودنا إياها فاصلة بين المثلين مانعة من إدغام الأول في الآخر؛ نحو الملل والضّعَف والمَشَش؛ كما تفصل الألف بعدها بينهما؛ نحو الملال والضفاف والمشاش‏.‏ وهذا مفهوم‏»[80].

– «فإذا بطل أن تكون الحركة حادثة قبل الحرف المتحرك بها من حيث أرينا، وعلى ما أوضحنا وشرحنا، بقي سوى مذهب سيبويه أن يُظنّ بها أنها تحدث مع الحرف نفسه لا قبله ولا بعده‏.‏ وإذا فسد هذا لم يبق إلا ما ذهب إليه سيبويه‏»[81].

– باب في زيادة الحروف وحذفها: «ومن ذلك ما كان يعتاده رؤبة إذا قيل له‏:‏ كيف أصبحت فيقول‏:‏ خيرٍ عافاك (أي بخير) وحكى سيبويه[82]‏:‏ اللهِ لا أفعل يريد والله‏.‏ ومن أبيات الكتاب‏:‏

منْ يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشكرها  ***  والشرّ بالشرّ عند الله مِثْلان[83]

أي فالله يشكرها»[84].

– «ومن ذلك قوله[85]:

لن تراها ولو تأمّلت إلا *** ولها في مفارق الرأس طِيبا

وهذا هو الغريب من هذه الأبيات. ولعمري إن الرؤية إذا لحقتها فقد لحقت ما هو متصل بها‏ (…) وإذا كان كذلك وكانت الرؤية لها ليس مما يلزم معه رؤية طيبِ مفارقها وجب أن يكون الفعل المقدّر لنصب الطيب مما يَصْحب الرؤية لا الرؤية نفسها؛ فكأنه قال‏:‏ لن تراها إلاّ وتعلم لها أو تتحقق لها في مفارق الرأس طِيباً؛ غير أن سيبويه حمله على الرؤية‏.‏ وينبغي أن يكون أراد‏:‏ ما تدل عليه الرؤية من الفعل الذي قدّرناه‏»[86].

– باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد: «ويحكى أن قوماً ترافعوا إلى الشعبيّ في رجل بَخَص عين رجل فشرِقت بالدم، فأفتى في ذلك بأن أنشد بيت الراعي‏:‏

لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت  ***  بأخفافها مأوًى تبوّأ مضجعا[87]

لم يزدهم على هذا‏.‏ وتفسيره أن هذه العين يُنتظر بها أن يستقِرّ أمرها على صورة معروفة محصَّلة، ثم حينئذ يحكم في بابها بما توجِبه الحال من أمرها‏.‏ فانصرف القوم بالفتوى، وهم عارفون بغرضه فيها. وأما اتباع العلماء العرب في هذا النحو فكقول سيبويه‏[88]:‏ «ومن العرب من يقول‏:‏ لبِّ فيجرّه كجرّ أمس وغاق»؛ ألا ترى أنه ليس في واحد من الثلاثة جرّ، إذ الجرّ إعراب لا بناء، وهذا الكلم كلها مبنيّة لا معربة فاستعمل لفظ الجر على معنى الكسر‏»[89].‏

– «وذكر سيبويه[90] أن منهم من يقال له‏:‏ إليك، فيقول‏:‏ إليّ إليّ؛ فإليَّ هنا‏:‏ اسم أتنحى‏.‏ وكذلك قول من قيل له‏:‏ إيّاك، فقال‏:‏ إيّاي، أي إيّاي لأتقين»‏[91].

– باب في الشيء يرد فيوجب له القياس حكما ويجوز أن يأتي السماع بضدّه أيقطع بظاهره أم يتوقّف إلى أن يرد السماع بجبليَّة حاله: «ويجيء على قياس ما نحن عليه أن تسمع نحو بيت وشيخ؛ فظاهره –لعمري-  أن يكون فَعْلا مما عينه ياء، ثم لا يمنعنا هذا أن نجيز كونها فيعِلا مما عينه واو؛ كمَيْت وهَيْن (…) إذا كان سيبويه[92] قد حمل سِيدا على أنه من الياء؛ تناولا لظاهره، مع توجّه كونه فِعلا مما عينه واو كرِيح وعِيد، كان حمل نحو شيخ على أن يكون من الياء لمجئ الفتحة قبله أولى وأحجي‏.‏ فعلى نحوٍ من هذا فليكن العمل فيما يرد من هذا»[93].

– باب في الاقتصار في التقسيم على ما يقرب ويحسن، لا على ما يبعد ويقبح: «وتقول على ذلك في تمثيل أيمن من قوله[94]‏:‏

*  يَبْرِي لها من أيمُنِ وأشمُلِ  *

لا يخلو أن يكون أفْعُلا أو فَعْلُنا أو أيفُلا أو فَيْعُلا‏.‏ فيجوز هذا كله؛ لأن بعضه له نظير وبعضه قريب مما له نظير؛ الا ترى أن أَفعُلا كثير النظير؛ كأكلُب وأفرخ ونحو ذلك، وأن أيفلا له نظير وهو أنيق في أحد قولي سيبويه فيه، وأن فَعْلُنا يقارب أمثلتهم‏.‏ وذلك فَعْلَن في نحو خَلْبَن[95] وعَلْجَن[96]؛ قال ابن العجاج‏:‏

وخلَّطتْ كُلُّ دِلاثٍ عَلْجَنِ  ***  تخلِيطَ خرقاءِ اليدين خَلْبَنِ

وأن فَيْعُلا أخت فيعَل كصيرف، وفيعِل كسيِّد‏»[97].

– باب في فك الصيغ: «ومنه قول الله سبحانه‏:‏ ‏»‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏»[98]‏ وهو عند سيبويه تكسير شِدّة على حذف زائدته‏.‏ وذلك أنه لمّا حذف التاء بقي الاسم على شِدّ، ثم كسّره على أشُدّ، فصار كذئب وأَذْؤُب، وقِطْع وأَقْطُع‏.‏ ونظير شِدّة وأشُد قولهم‏:‏ نِعمة وأنْعُم، وقال أبو عُبيدة‏:‏ هو جمع أشَدّ على حذف الزيادة‏.‏ قال‏:‏ وربما استكرِهوا على ذلك في الشعر؛ وأنشد بيت عنترة‏:‏

عَهْدِي به شَدّ النهارِ كأنَّما  ***  خُضِب اللّبان ورأسُه بالعِظلِم[99]

ألا تراه لما حذف همزة أشدّ بقي معه شَدّ، كما ترى، فكسّره على أشُدّ، فصار كضَبذ وأَضُبّ، وصَكّ وأَصُكّ»‏[100]. ‏

– باب في حذف الهمز وإبداله: «وقد يجوز أن تكون اللام المحذوفة هي لام الجر؛ كما حذف حرف الجرّ من قوله‏:‏ اللهِ أفعل وقولِ رؤبة‏:‏ خيرٍ عافاك الله وقولِ الآخر[101]‏:‏

*  رسمِ دارٍ وقفتُ في طللِه  *

وهو من المقلوب؛ أي طلل دار وقفت في رسمه وعليه قراءة الكسائيّ‏:‏ بما أنزِلَّيك-  وقد ذكرناه-  وقراءة ابن كثير إنها لَحْدَى الكُبَر وحكاية أحمدِ ابن يحيى قول المرأة لبناتها وقد خلا الأعرابيّ بهن‏:‏ أفي السوَتَنْتُنَّهْ ‏»‏تريد‏:‏ أفي السوءة أنتنَّهْ‏»‏ ومنه قولهم‏:‏ الله في هذه الكلمة في أحد قولي سيبويه وهو أعلاهما‏.‏ وذلك أن يكون أصله إلاه، فحذفت الهمزة التي هي فاء‏»[102].

– باب في التفسير على المعنى دون اللفظ: «اعلم أن هذا موضع قد أتعب كثيراً من الناس واستهواهم، ودعاهم من سوء الرأي وفساد الاعتقاد إلى ما مذِلوا به وتتابعوا فيه؛ حتى إن أكثر ما ترى من هذه الآراء المختلفة، والأقوال المستشنعة، إنما دعا إليها القائلين بها تعلُّقهم بظواهر هذه الأماكن، دون أن يبحثوا عن سرّ معانيها ومعاقد أغراضها‏.‏ فمن ذلك قول سيبويه في بعض ألفاظه‏:‏ حتَّى الناصبة للفعل، يعني في نحو قولنا‏:‏ اتَّق الله حتى يُدخلك الجنَّة‏.‏ فإذا سمع هذا مَن يضعف نظره اعتدّها في جملة الحروف الناصبة للفعل، وإنما النصب بعدها بأن مضمرة‏»[103].

– باب في أغلاط العرب: «وكأن الذي استهوى في تشبيه ياء مصيبة بياء صحيفة أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل، وإنما هي بدل من الأصل، والبدل من الأصل ليس أصلاً، وقد عومل لذلك معاملة الزائد؛ حَكَى سيبويه[104] عن أبي الخطّاب أنهم يقولون في راية‏:‏ راءة‏.‏ فهؤلاء همزوا بعد الألف وإن لم تكن زائدة وكانت بدلاً؛ كما يهمزون بعد الألف الزائدة في فضاء وسقاء‏.‏ وعلّة ذلك أن هذه الألف وإن لم تكن زائدة فإنها بدل، والبدل مشبِه للزائد‏.‏ والتقاؤهما أن كل واحد منهما ليس أصلاً»‏[105].

– «وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال‏:‏ سأل رجل سيبويه عن قول الشاعر[106]‏:‏

*  يا صاحِ ياذا الضامرُ العَنْسِ  *

فرفع سيبويه الضامر فقال له الرجل‏:‏ إن فيها

*  والرحلِ ذى الاقتاد والحِلْس  *

فقال سيبويه‏:‏ من هذا هربت‏.‏ وصعد فى الدَرَجة‏.‏ فقال أبو الفتح‏:‏ هذا عندنا محمول على معناه دون لفظه‏.‏ وإنما أراد‏:‏ ياذا العنِس الضامر، والرحل ذى الاقتاد فحمله على معناه، دون لفظه[107]‏»[108].

– باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية: «ومن ذلك حيَّة وحوّاء، فليس حوّاء من لفظ حيَّة كعطَّار من العطر، وقطّان من القُطْن، بل حيَّة من لفظ ‏(ح ي ي)‏ من مضاعف الياء، وحوَّاء من تركيب ‏(ح و ى)‏ كشوَّاء وطوّاء‏.‏ ويَدلّ على أن الحيَّة من مضاعف الياء ما حكاه صاحب الكتاب[109] من قولهم في الإضافة إلى حَيّة بن بَهْدَلة‏:‏ حَيَوِىّ‏.‏ فظهور الياء عيناً في حيوى قد علِمنا منه كون العين ياء، وإذا كانت العين ياء واللام معتلَّة فالكلمة من مضاعف الياء البتة؛ ألا ترى أنه ليس في كلامهم نحو حَيَوْتُ‏.‏ وهذا واضح»[110].

– «ألا ترى أن تكرير الفاء لم يأت به ثبت إلا في مرمرِيس، وحكى غير صاحب الكتاب أيضاً مرمريت، وليس بالبعيد أن تكون التاء بدلاً من السين (…) فإن قلت: فإنا نجد للمرمريت أصلا يجتازه إليه وهو المَرْت، قيل هذا هو الذي دعانا إلى أن قلنا: إنه يجوز أن تكون التاء في مرمريت بدلا من سين مرمريس ولولا أن معنا مَرْتا لقلنا فيه: إن التاء بدل من السين البتّة[111]‏»[112].‏

– باب في شجاعة العربية: «ومنه قوله – عزّ اسمه- ‏:‏ ‏»وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ»[113] أي أهلها‏.‏ وقد حذف المضاف مكرراً؛ نحو قوله تعالى‏:‏ ‏»فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ»‏[114] أي من تراب أثَر حافر فرس الرسول‏.‏ ومثله مسئلة الكتاب‏:‏ أنت مِنى فرسخان؛ أي ذو مسافة فرسخين‏‏»[115].‏

– «إلا أن استعمال الجملة التي هي صفة للمبتدأ مكانه أسهل من استعمالها فاعلة؛ لأنه ليس يلزم أن يكون المبتدأ اسماً محضاً‏.‏ كلزوم ذلك في الفاعل؛ ألا ترى إلى قولهم‏:‏ تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه؛ أي سماعك به خير من رؤيته‏.‏ وقد تقصَّينا ذلك في غير موضع‏.‏ وقد حُذِفت الصفة ودلَّت الحال عليها‏.‏ وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم‏:‏ سِير عليه ليل، وهم يريدون‏:‏ ليل طويل‏.‏ وكأنّ هذا إنما حذفت فيه الصفة لِما دلّ من الحال على موضعها‏»‏[116].

– «وسألت أبا علي – رحمه الله-  عن مسئلة الكتاب[117]‏:‏ رأيتك إياك قائماً، الحال لمن هي؟ فقال‏:‏ لـ(ـإياك‏).‏ قلت‏:‏ فالعامل فيها ما هو؟ قال‏:‏ رأيت هذه الظاهرة‏.‏ قلت‏:‏ أفلا تعلم أن (إياك) معمول فعل آخر غير الأول؟ وهذا يقود إلى أن الناصب للحال هو الناصب لصاحبها أعني الفعل المقدّر؟ فقال‏:‏ لمّا لم يظهر ذلك العامل ضعف حكمه، وصارت المعاملة مع هذا الظاهر‏»[118].

– باب في التجريد: «وقد تستعمل الباء هنا فتقول‏:‏ لقيت به الأسد، وجاورت به البحر، أي لقيت بلقائي إياه الأسد‏.‏ ومنه مسئلة الكتاب[119]‏:‏ أمّا أبوك فلك أب، أي لك منه أو به بمكانه أب»‏[120].‏

– «وذلك كقولهم في التمثيل من الفعل في حَبَنْطى‏:‏ فَعَنْلى‏.‏ فيظهرون النون ساكنة قبل اللام‏.‏ وهذا شيء ليس موجوداً في شيء من كلامهم؛ ألا ترى أن صاحب الكتاب قال‏:‏ ليس في الكلام مثل قِنْرٍ، وعَنْلِ‏»[121].  ‏

– باب في مطل الحروف: «ونحو مما نحن عليه حكاية الكتاب[122]‏:‏ هذا سَيْفُنِى وهو يريد‏:‏ سيفُ من أمره كذا، أو من حديثه كذا‏. ‏فلما أراد الوصل أثبت التنوين، ولمّا كان ساكنا صحيحا لم يجر الصوت فيه، فلما لم يجر فيه حرّكه بالكسر –كما يجد في مثله-  ثم أشبع كسرته، فأنشأ عنها ياء، فقال سيفني. هذا حكم الساكن الصحيح عند التذكّر»[123].

– «وأنشد أبوزيد:

هـل تعـرف ببَـيْـدا إِنّـَهْ  ***  دار لخَوْد قد تِعفَّـت إِنَّــهْ

فانهـلَّت العينان تسفـحَنَّـهْ *** مثل الجُمَان جال في سِلْكِنَّـهْ

لا تعجبي منّي  سُلَيْمَى إِنَّـهْ  ***  إنا لحـلاَّلـون بالثَـغْرِنَّـهْ

وهذه أبيات عملها (شرحها) أبو عليّ في المسائل البغدادية. فأجاز في جميع قوافيها أن يكون أراد: إنَّ، وبيَّن الحركة بالهاء، وأطال فيها هناك. وأجاز أيضا أن يكون أراد: ببيداء ثم صرف وشدّد التنوين للقافية، وأراد: في سلك، فبنى منه فِعْلِنًا كفِرْسِن، ثم شدّده لنيّة الوقف، فصار: سلكنَّ. وأراد: بالثغر، فبنى منه للضرورة فَعْلِنا، وإن لم يكن هذا مثالاً معروفاً؛ لأنه أمر ارتجله مع الضرورة إليه، وألحق الهاء في سلكنه والثغرنه؛ كحكاية الكتاب[124]‏:‏ أعطني أَبْيَضَّه»‏[125].

– «ولأجل ذلك ما أجاز[126] (سيبويه) في جمع ذَيت إذا سمَّيت بها ذياتٍ بتخفيف الياء، وإن كان يبقى معك من الاسم حرفان، والثاني منهما حرف لين‏.‏ ولأجل ذلك ما صَحَّ في لغة هُذَيل قولهم[127]‏:‏ جَوَزات وبَيَضات، لمَّا كان التحريك أمرا عرض مع تاء جماعة المؤنَّث؛ قال‏:‏

أبو بَيَضات رائح متأوّب  ***  رفيق بمسح المنكبين سَبوحُ

فهذا طريق من الجواب عمَّا تقدَّم من السؤال في هذا الباب‏.‏ وإن شئت سلكت فيه مذهب الكِتاب فقلت‏:‏ كثر فُعُل، وقلّ فِعِل، وكثرت الواو فاء، وقلَّت الياء هنالك لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون»‏[128].

– «يدلّ على ذلك أنهم إذا أضافوا إلى نحو أُسَيِّد حذفوا الياء المحرّكة، فقالوا‏:‏ أُسَيْدِيّ كراهية لتقارب أربع ياءات، فإذا أضافوا إلى نحو مُهَيِّيم لم يحذفوا، فقالوا مُهَيِّيميّ، فقاربوا بين خمس ياءات لَمَّا مُطِل الصوت فلان بياء المدّ‏.‏ وهذا واضح‏.‏ فمذهب الكتاب – على شرفه، وعلوّ طريقتِه-  يدخل عليه هذا‏.‏ وما قدّمناه نحن فيه لا يكاد يعرِض شيء من هذا الدَخَل[129] له‏.‏ فاعرفه وقِسه وتأتّ له ولا تَحْرَجْ صَدْرا به‏»[130]. ‏

– باب في الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف: ومنه قولهم في الخبر‏.‏ إنما سُمِّيت هانئاً لنهنأ‏.‏ وعليه جاء نابغة؛ لأنه نبغ فسمي بذلك‏.‏ فهذا – لعمري-  صفة غلبت، فبقي عليها بعد التسمية بها بعضُ ما كانت تفيده من معنى الفعل من قبل‏.‏ وعليه مذهب الكتاب[131] في ترك صرف أحمر إذا سمي به، ثم نكِّر‏.‏ وقد ذكرنا ذلك في غير موضع إلا أنك على الأحوال قد انتزعت من العَلَم معنى الصفة «[132].‏

– باب في الجمع بين الأضعف والأقوى في عقد واحد: «وقال:

*  أنك يا معاوِيا بن الأفضل[133]  *

قال صاحب الكتاب‏:‏ أراد‏:‏ يا معاوية، فرخَّمه على يا حارُ، فصار: يا معاوى، ثم رخّمه ثانيا على قولك‏:‏ يا حارِ فصار‏:‏ يامعاو؛ كما ترى»[134].

– باب في جمع الأشباه من حيث يغمض الاشتباه : «ونحو من ذلك ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم‏:‏ لا أكلِّمك حيرِى دَهْرٍ، بإسكان الياء في الكلام وعن غير ضرورة من الشعر‏.‏ وذلك أنه أراد‏:‏ حِيرىّ دهر – أى امتداد الدهر، وهو من الحَيْرة؛ لأنها مؤذنة بالوقوف والمطاولة-  فحذف الياء الأخيرة، وبقيت الياء الأولى على سكونها، وجعل بقاؤها ساكنة على الحال التي كانت عليها قبل حذف الأخرى من بعدها، دليلا على إرادة هذا المعنى فيها، وأنها ليست مبنيَّة على التخفيف في أوّل أمرها؛ إذ لو كانت كذلك لوجب تحريكها بالفتح، فيقال‏:‏ لا أكلمك حيرَى دهر؛ كقولك‏:‏ مدة الدهر وأبد الأبد ويد المُسْنَد»[135].

المبحث الثالث: يستدلّ ابن جني بآراء سيبويه لحل بعض المسائل الخلافية

لقد اُخْتُلِف في مذهب أبي الفتح النحوي؛ «فهو بصري عند طائفة، بغدادي عند آخرين، ومتخذ لنفسه منهجاً وسطاً بين الكوفية والبصرية كما يذكر غيرهم، وصاحب مذهب مستقل كما يصوره بعض الباحثين، وكان في مذهبه هذا أقرب إلى البصريين أو البغدَاديين»[136].

والمُلاحظُ أنّ ابن جني يقول برأي البصريين في معظم المسائل الخلافية؛ لذلك أكّد الأستاذ علي النجار في مقدّمة الخصائص أنّه كان مثل شيخه أبي علي بصرياً؛ «فهو يجري في كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب»[137]؛ إلاّ أنّه «لا يشترط في النحوي أن يقول بجميع آراء مذهبه فله أن يجتهد ضمن حدود هذا المذهب فيوافق رأي الكوفيين أو ينفرد برأيه في طائفة من المسائل –كما هو معلوم- وهذا الاجتهاد والمخالفة لا ينزع عنه صفته في انتمائه إلى مدرسته»[138]. ويمكن أن نقدّم نماذج من دراسات ابن جني في المسائل الخلافية، والتي قال فيها برأي البصريين ومن ذلك:

المصدر أصل والفعل فرع عليه، وقد جاء في الخصائص: «وقد دعاهم إيثارهم لتشبيه الأشياء بعضها ببعض أن حملوا الأصل على الفرع؛ ألا تراهم يعلّون المصدر لإعلال فعله، ويصحّحونه لصحّته. وذلك نحو قولك: قمت قياما، وقاومت قِوَاما. فإذا حملوا الأصل الذي هو المصدر على الفرع الذي هو الفعل، فهل بقي في وضوح الدلالة على إيثارهم تشبيه الأشياء المتقاربة بعضها ببعض شبهة!»[139].

يقول ابن جني: «قد أحَطْنا عِلْماً بأن الفعل إنّما يُشتقّ من الحدث لا من الجوهر؛ ألا ترى إلى قوله[140] (وأمّا الفِعْل فأمثِلة أُخِذت من لفظ أحداث الأسماء) فإذا كان كذلك وجب أن يكون استنوق مشتقّا من المصدر»[141]. وقال: «وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يَتَخالج شكّ في الفعل الذي هو الفرع»[142].

«وأبو الفتح يستعمل اصطلاحات البصريين فيما يبحث كما يبدو في جميع كتبه»[143]. وقد تساءل الدكتور فاضل السامرائي: مع من يعد ابن جني نفسه؟ وأجاب بأنّ النّاظر في كتب أبي الفتح لا شك واجد أنّه يعدّ نفسه من البصريين لا من البغداديين؛ خصوصاً حين يقول في الخصائص: «ولم يثبت أصحابنا «قنيت» وإن كان البغداديون قد حكوها»[144]. «وأصحابه هنا هم البصريون فإنّهم هم الذين لم يثبتوا «قنيت» فهو كما ترى قد وضع نفسه بمعزل عن البغداديين»[145].

وممّا خالف به ابن جني سيبويه:

الهنّك: قيل همزة أن مبتدلة هاء مع تأكيد الخبر أو تجريده يقول ابن جني: «(لهِنّك قائم) أي لَئنَّك قائم. وعليه قوله –فيما رويناه عن محمد بن سلمة عن أبي العباس[146]-:

ألا يا سَنَا برقٍ على قُلَلِ الحِمَى  ***  لهِنَّكَ مِن برقٍ عليَّ كريمُ»[147].

هذا ما اختاره ابن جني وابن مالك، وذهب سيبويه وابن السراج إلى أنها لام قسم مقدر لا لام أن. قال سيبويه وهذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين.

توكيد المحذوف في نحو الذي ضربت نفسَه زيد: أجازه الخليل وسيبويه والمازني، ومنعه الأخفش والفارسي وابن جني[148] وثعلب[149].

ولا يبالي ابن جني إذا وافق الجمهور أو خالفهم –أحياناً- بانفراده بآرائه الخاصّة، وهذا يدلّ على سعة صدر ابن جني ورحابة فكره وغزارة معرفته وهي درجة سامية ومستوى رفيع لا يصله إلاّ القليل من العلماء المجدّين والمجتهدين.

والمُلاحظُ أنّ ابن جني قد اعتمد في نُصرة مذهبه ومذهب سيبويه –خاصّة- على سبيل الإنصاف لا التعصّب والإسراف؛ فقد كان واسع الأفق لا ينتقص من مخالفي مذهبه؛ كما أنّه لا يمتنع أن يقول برأي غيره إذا رآه أقوى حجّة وأوضح دليلاً:

– قال ابن جني في جمع أشد على حذف الزيادة: «ويجوز عندي أيضا أن يكون جمع أجمع على حذف الزيادة؛ وعليه حمل أبو عُبيدة قول الله تعالى: «ولمّا بَلَغَ أشدّه» أنه جمع أشَدّ، على حذف الزيادة (…) وذهب سيبويه في أشُد هذه إلى أنها جمع شِدّة كنِعمة وأنْعُم‏. وذهب أبو عثمان[150] فيما رويناه عن أحمد بن يحيى عنه إلى أنه جمع لا واحد له»[151].‏

– «ومثل ذلك ما نقوله في «عُيَنة» أنه إنما سُمِّي به مصغَّرا فبقي بعدُ بحاله قبلُ، ولو كان إنما حُقِّر بعد أن سمِّى بهِ لوجب ترك إلحاق علامة التأنيث بهِ؛ كما أنك لو سمَّيت رجلا هندا، ثم حقَّرت قلت: هُنَيد: ولو سميته بها محقَّرة قبل التسمية لوجب أن تُقِرَّ التاء بحالها، فتقول: هذا هُنَيدة مقبِلا. هذا مذهب الكتاب[152] وإن كان يونس يقول بضده‏»[153].‏

– جواز تقديم خبر ليس عليها: «وذلك كإنكار أبي العبّاس (المبرد) جواز تقديم خبر ليس عليها؛ فأحَدُ ما يحتجّ به عليه أن يقال له‏:‏ إجازةُ هذا مذهب سيبويه[154] وأبي الحسن وكافّة أصحابنا، والكوفيون أيضاً معنا‏.‏ فإذا كانت إجازة ذلك مذهبا للكافّة من البلدين (البصرة والكوفة) وجب عليك –يا أبا العبّاس- أن تنفِر عن خلافه، وتستوحِشَ منه ولا تأنس بأوّل خاطرٍ يبدو لك فيه»[155].

– الياء في طيس أصل وفي طيسل زائدة: «ومن ذلك قولهم‏:‏ عدد طَيْس، وطَيْسل‏.‏ فالياء في طيس أصل، وتركيبه من ‏»‏ط ي س‏»‏ وهي في طيسل زائدة، وهو من تركيب ‏»‏ط س ل‏»‏‏ (…)‏ وذهب سيبويه[156] في عنسل إلى زيادة النون[157] (…) وذهب محمد بن حبيبَ في ذلك إلى أنه من لفظ العَنْس وأن اللام زائدة، وذهب بها مذهب زيادتها في ذلك، وأُولالِك، وعَبْدَل وبابه‏.‏ وقياس قول محمد ابن حبيبَ هذا أن تكون اللام في فيشلة وطيسل زائدة‏.‏ وما أراه إلا أضعف القولين؛ لأن زيادة النون ثانيةً أكثر من زيادة اللام في كل موضع، فكيف بزيادة النون غير ثانية‏»[158].

– الهمزة معرضة للعلة وكثيرة الانقلاب عن حروف العلة: «وليس كذلك حديث الياء والواو والألف في الاعتلال، بل ذلك فيها في عامّ أحوالها التي اعتلّت فيها أمر واجب أو مستحسن في حكم الواجب، أعني باب حارِيّ، وطائيّ، وياجَلُ، وياءسُ، وآيةٍ في قول سيبويه[159]‏.‏ فإن قلت فقد قرأ الأعمش بعذاب بيئس، فإنما ذاك لأن الهمزة وإن لم تكن حرف علة فإنها معرضة للعلة، وكثيرة الانقلاب عن حروف العلة فأجريت بيئس عنده مجرى سيد، وهين، كما أجريت التجزئة مجرى التعزية في باب الحذف والتعويض، وتابع أبو بكر البغداديين في أن الحاء الثانية في حثحثت بدل من ثاء، وأن أصل حثثت‏.‏ وكذلك قال في نحو ثرة وثرثارة‏:‏ إن الأصل فيها ثرارة فأبدل من الراء الثانية ثاء فقالوا ثرثارة‏»[160].

– باب في المثلين: كيف حالهما في الأصليّة والزيادة، وإذا كان أحدهما زائدا فأيُّهما هو؟ «ومنها أن أهل الحجاز يقولون للصوّاغ‏:‏ الصّيّاغ فيما، رويناه عن الفرّاء؛ وفي ذلك دلالة على ما نحن بسبيله‏.‏ ووجه الاستدلال منه أنهم كرهوا التقاء الواوين (…) فصار تقديره‏:‏ الصِّيْواغ، فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو للياء قبلها، فقالوا الصَّيَّاغ‏.‏ فإبدالهم العين الأولى من الصوّاغ دليل على أنها هي الزائدة؛ لأن الإعلال بالزائد أولى منه بالأصل‏ (…) واذكر قول الخليل وسيبويه في باب مَقُول ومَبيع، وأن الزائد عندهما هو المحذوف، أعني واو مفعول؛ من حيث كان الزائد أولى بالإعلال من الأصل‏.‏ فإن قلت‏:‏ فما أنكرت أن يكونوا إنما أبدلوا العين الثانية في صوّاغ دون الأولى، فصار التقدير به إلى صَوْياغ، ثم وقع التغيير فيما بعد؟ قيل‏:‏ يمنع من ذلك أن العرب إذا غيَّرت كلمة عن صورة إلى أخرى اختارت أن تكون الثانيةُ مشابهة لأصول كلامهم ومُعتاد أمثلتهم»[161].

– باب في اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين في الحروف والحركات والسكون: «ومن ذلك أن توقع في قافية اسماً لا ينصرف منصوباً في لغة من نون القافية في الإنشاد نحو قوله[162]‏:‏

*  أَقِلِّى اللوم عاذِلَ والعِتابَنْ  *

فتقول في القافية‏:‏ رأيت سعاداً، فأنت في هذه النون مخيَّر‏:‏ إن شئت اعتقدت أنها نون الصرف، وأنك صرفت الاسم ضرورة، أو على لغة[163] من صرف جميع ما لا ينصرف، كقول الله تعالى: ‏»‏سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا‏»[164]‏ وإن شئت جعلت هذه النون في سعاداً نون الإنشاد كقوله‏:‏

دايَنْتُ أَرْوَى والديونُ تُقْضَنْ  ***  فمطَلَتْ بعضاً وأدّتْ بَعْضَنْ[165]

وكذلك تكون النون التي في قوله: وأدّت بعضن، هي اللاحقة للإنشاد؛ كقوله[166]:

*  يا أبَتَا علّكَ أو عساكَنْ  *

ولكن إنما يُفعَل ذلك في لغة من وقف على المنصوب بلا ألف؛ كقول الأعشى‏:‏

*  وآخُذ مِن كل حَيّ عِصَمْ  *

وكما رويناه عن قطرب من قول آخر‏:‏

شئِز[167] جنبِي كأنّي مُهْدَأٌ  ***  جعل القينُ على الدِّفِّ إبر

وعليه قال أهل هذه اللغة في الوقف‏:‏ رأيت فَرَحْ‏.‏ ولم يحك سيبويه هذه اللغة لكن حكاها الجماعة‏:‏ أبو الحسن، وأبو عُبَيْدَة، وقُطْرُب، وأكثر الكوفيّين‏.‏ فعلى هذه اللغة يكون قوله‏:‏

*  فمطلَتْ بعضاً وأدّت بعضن  *

إنما نونه نون الإنشاد لا نون الصرف؛ ألا ترى أن صاحب هذه اللغة إنما يقف على حرف الإعراب ساكنا، فيقول‏:‏ رأيت زَيْد، كالمرفوع والمجرور‏.‏ هذا هو الظاهر من الأمر»[168]‏. ‏

– باب في اتفاق المصاير على اختلاف المصادر: «ومن ذلك قولك في الإضافة إلى مائة في قول سيبويه ويونس جميعاً فيمن ردَّ اللام‏:‏ مِئَوىّ كمِعَوِىّ فتوافى اللفظان على أصلين مختلفين‏.‏ ووجه ذلك أن مائة أصلها عند الجماعة مِئْية ساكنة العين، فلمَّا حذفت اللام تخفيفاً جاورَتِ العينُ تاء التأنيث، فانفتحت على العادة والعُرْف في ذلك فقيل‏:‏ مئة‏.‏ فإذا رددت اللام فمذهب سيبويه أن يقِرَّ العين بحالها متحرّكة وقد كانت قبل الردّ مفتوحة، فتقلب لها اللام ألفاً، فيصير تقديرها‏:‏ مِئا كمِعي فإذا أضفت إليها أبدلت الألف واوا فقلت‏:‏ مِئَوى كثِنَوِىّ‏»[169].

– باب في الإدغام الأصغر: «ومن ذلك تقريب الصوت من الصوت مع حروف الحلق؛ نحوشِعِيرٍ، وبِعِيرٍ، ورِغِيفٍ. وسمعت الشجريّ غير مرّة يقول: زئِير الأسد، يريد الزَئِير. وحكى أبو زيد عنهم: الجنّةُ لمن خاف وِعِيد الله. فأمّا مِغِيرة فليس إِتباعه لأجل حرف الحلق؛ إنما هو من باب مِنْتِن، ومن قولهم أنا أَجُوءُك وأَنْبُؤُك‏.‏ والقُرُفْصَاء، والسُلُطان، وهو مُنْحُدُر من الجَبَل، وحكى سيبويه أيضاً مُنْتُن ففيه إذاً ثلاث لغات‏:‏ مُنْتِن وهو الأصل، ثم يليه مِنْتِن وأقلها مُنْتُن‏.‏ فأما قول من قال‏:‏ إنّ مُنْتِن من قولهم أنتن، ومِنْتِن من قولهم نَتُن الشيء فإن ذلك لكنة منه‏»[170].

– «وقال محمد بن حبيب في الفَرْتَنَى الفاجرة‏:‏ إنها من الفُرَات، وحَكَم بزيادة النون والألف. فهي على هذا كقولهم لها هَلُوك. قال الهذليّ:

السالك الثُّغرةِ اليقظانِ كالئِها  ***  مَشْى الهلوكِ عليها الخَيْعَل الفُضُل[171]

وقياس مذهب سيبويه أن تكون فَرْتَنَى فعللى رباعية كجحجبى‏.‏ ومنه الفُرَات لأنه الماء العذب، وإذا عَذُب الشيء مِيل عليه، ونِيل منه؛ ألا ترى إلى قوله‏:

مُمْقِرٌ مُرٌّ على أعدائه  ***  وعلى الأدنين حُلْو كالعَسَل[172]»[173].

– باب في التطوع بما لا يلزم: «ومما يسأل عنه من هذا النحو قول الثقفيّ يزيد بن الحَكَم‏:‏

وكم منزلٍ لولاي طحتَ كما هَوَى بها  ***  بأجرامه من قُلّة النِيق مُنْهَوِ

التزم الواو والياء فيها كلّها‏.‏ والجواب أنها واوية لأمرين‏:‏ أحدهما أنك إذا جعلتها واويَّة كانت مطلقة، ولو جعلتها يائية كانت مقيَّدة؛ والشعر المطلَق أضعاف المقيَّد، والحمل إنما يجب أن يكون على الأكثر لا على الأقلّ‏.‏ (…) فإن قلت‏:‏ فإن هذه القلة أفخر من الكثرة؛ ألا ترى أنها دالَّة على قوّة الشاعر‏ (…) قيل‏:‏ كيف تصرّفت الحال فينبغي أن يحمل على الأكثر لا على الأقلّ، وإن كان الأقلّ أقوى قياساً؛ ألا ترى إلى قوة قياس قول بني تميم في ‏»‏ما‏»‏ وأنها ينبغي أن تكون غير عاملة في أقوى القياسين عن سيبويه‏.‏ ومع ذا فأكثر المسموع عنهم إنما هو لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن‏.‏ وذلك أننا بكلامهم ننطق فينبغي أن يكون على ما استكثروا منه يحمل‏.‏ هذا هو قياس مذهبهم وطريق اقتفائهم»[174].

– «وقال سيبويه[175] في ميم فاعلته مفاعلة‏:‏ إنها عوض من ألف فاعلته‏.‏ وتتبع ذلك محمد بن يزيد، فقال‏:‏ ألف فاعلت موجودة في المفاعلة فكيف يعوَّض من حرف هو موجود غير معدوم‏.‏ وقد ذكرنا ما في هذا ووجه سقوطه عن سيبويه في موضع غير هذا‏.‏ لكن الألف في المفاعَل بلا هاء هي ألف فاعلته لا محالة، وذلك نحو قاتلته مقاتلاً، وضاربته مضارَباً، قال‏:‏

أقاتِلُ حتى لا أرى لي مقاتَلاً  ***  وأنجو إذا لم ينج إلاَّ المكيَّس

وقال‏:‏

أقاتل حتى لا أرى لي مقاتَلاً *** وأنجو إذا غُمَّ الجبان من الكرب[176]

فأمّا أقمت إقامة، وأردت إرادة ونحو ذلك فإن الهاء فيه على مذهب الخليل وسيبويه عوض من ألف إفعال الزائدة‏.‏ وهي في قول أبي الحسن عوض من عين إفعال، على مذهبهما في باب مفعول من نحو مبيع ومقُول‏.‏ والخلاف في ذلك قد عُرف وأحيط بحال المذهبين فيه، فتركناه لذلك‏»[177].

– باب محل الحركات من الحروف أمعها أم قبلها أم بعدها: «أما مذهب سيبويه فإن الحركة تحدث بعد الحرف‏.‏ وقال غيره‏:‏ معه‏.‏ وذهب غيرهما إلى أنها تحدث قبله‏.‏ قال أبو علي‏:‏ وسبب هذا الخلاف لُطْف الأمر وغموض الحال‏.‏ فإذا كان هذا أمرا يعرض للمحسوس الذي إليه تتحاكم النفوس فحسبك به لطفاً وبالتوقف فيه لَبْساً‏.‏ فمِمَّا يشهد لسيبويه بأن الحركة حادثة بعد الحرف وجودنا إياها فاصلة بين المثلين مانعة من إدغام الأول في الآخر؛ نحو الملل والضّعَف والمَشَش؛ كما تفصل الألف بعدها بينهما؛ نحو الملال والضفاف والمشاش‏.‏ وهذا مفهوم‏»[178]. ‏

– باب في ملاطفة الصنعة: «ومن ذلك مذهب أبي الحسن في قول الله تعالى‏:‏ «‏وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً»[179] لأنه ذهب إلى أنه حذف حرف الجر فصار تجزيه، ثم حذف الضمير فصار تجزى‏.‏ فهذا ملاطفة من الصنعة‏.‏ ومذهب سيبويه أنه حذف فيه دفعة واحدة‏»[180]. ‏

– باب في اللفظ يرد محتملاً لأمرين أحدهما أقوى من صاحبه أيجازان جميعا فيه، أم يقتصر على الأقوى منهما دون صاحبه؟: «ومثله قول الآخر[181]‏:‏

*  جارية من قيسٍ ابنِ ثعلبه  *

(…) ألا ترى أن العالم الواجد قد يجيب في الشيء الواحد أجوبة وإن كان بعضها أقوى من بعض، ولا تمنعه قوة القَوِّى من إجازة الوجه الآخر، إذ كان من مذاهبهم وعلى سمت كلامهم (…) فإذا رأيت العالِم قد أفتى في شيء من ذلك بأحد الأجوبة الجائزة فيه فلأنه وضع يده على أظهرَها عنده، فأفتى به وإن كان مجيزاً للآخر وقائلاً به ألا ترى إلى قول سيبويه[182] في قولهم‏:‏ لفه مائة بِيضاً‏:‏ إنه حال من النكرة وإن كان جائزاً أن يكون بِيضا حالاً من الضمير المعرفة المرفوع في له. وعلى ذلك حمل قوله[183]:

*  لعزَّة موحشا طلل  *

فقال فيه‏:‏ إنه حال من النكرة ولم يحمله على الضمير في الظرف‏.‏ أفيحسن بأحد أن يدَّعى على أحد متوسّطينا أن يَخفى هذا الموضعُ عليه، فضلاً عن المشهود له بالفضل‏:‏ سيبويه‏.‏ نعم، وربما أفتى بالوجه الأضعف عنده؛ لأنه على الحالات وجه صحيح‏.‏ وقد فعلت العرب ذلك عينه ألا ترى إلى قول عُمَارة لأبي العباس وقد سأله عما أراد بقراءته‏:‏ ‏»‏وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ»‏ فقال له‏:‏ ما أردت؟ فقال أردت‏:‏ سابقٌ النهار؛ فقال له أبو العباس‏:‏ فهلاَّ قلتَه؟ فقال لو قلتُه لكان أوزن أي أقوى‏.‏ وهذا واضح‏.‏ فاعرف ذلك ونحوه مذهباً يقتاس به ويُفزع إليه‏»[184].‏

– باب في تسمية الفعل: «ومنها لبِّ وهو اسم اسم لبَّيْك، وَوَيْك‏:‏ اسم أتعجّب‏.‏ وذهب الكسائيّ إلى أن ويك محذوفة من ويلك؛ قال‏[185]:‏

*  … … ويك عنترَ أقدِم  *

والكاف عندنا للخطاب حرف عارٍ من الأسميَّة‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏»وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء‏»[186]‏ فذهب سيبويه[187] والخليل إلى أنه وَيْ، ثم قال‏:‏ كأن الله‏.‏ وذهب أبو الحسن إلى أنها ويك، حتى كأنه قال عنده‏:‏ أعجب أن الله يبسط الرزق‏.‏

ومن أبيات الكتاب[188]‏:‏

وَيْ كأنْ مَنْ يكن له نَشَب يُحْـ  ***  بَبْ ومن يفتقرْ يعش عَيْشَ ضُرِّ

والرواية تحتمل التأويلين جميعاً‏»[189].

– باب في أن سبب الحكم قد يكون سببا لضِدّه على وجه: «ومن ذلك قوله‏[190]:‏

إذا المرء لم يخش الكريهَة أَوشكتْ  ***  حبال الهُوَينَى بالفتى أن تَقَطَّعا

وهذا عندهم قبيح، وهو إعادة الثاني مظهَرا بغير لفظه الأول؛ وإنما سبيله أن يأتي مضمَراً؛ نحو‏:‏ زيد مررت به‏.‏ فإن لم يأت مضمراً وجاء مظهرا فأجود ذلك أن يعاد لفظ الأول البتّ؛ نحو‏:‏ زيد مررت بزيد، كقول الله سبحانه‏:‏ ‏»الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ‏»‏ و»‏الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ‏»‏؛ وقوله[191]‏:‏

لا أرى الموت يسبق الموتَ شيءٌ ***  نغَّض الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا

ولو قال‏:‏ زيد مررت بأبي محمد وكنيته أبو محمد لم يجز عند سيبويه، وإن كان أبو الحسن قد أجازه‏.‏ وذلك أنه لم يعد على الأوّل ضميره، كما يجب، ولا عاد عليه لفظه‏.‏ فهذا وجه القبح‏.‏ ويمكن أن يجعله جاعل سبب الحسن وذلك أنه لمّا لم يعد لفظ الأوّل البتّة، وعاد مخالفا للأوّل شابه -بخلافه له- المضمر الذي هو أبدا مخالف للمظهر «[192].

– باب في تركيب المذاهب: «قد كنا أفرطنا في هذا الكتاب تركيب اللغات[193]‏.‏ وهذا الباب نذكر فيه كيف تتركب المذاهب إذا ضممت بعضها إلى بعض وأنتجت بين ذلك مذهبا‏.‏ وذلك أن أبا عثمان كان يعتقد مذهب يونس في ردّ المحذوف في التحقير وإن غنِى المثال عنه، فيقول في تحقير هارٍ: هو يئر، وفي يضع اسم رجل: يويضِع، وفي بالة من قولك ما باليت به بالة‏:‏ بويلية‏.‏ وسيبويهِ إذا استوفى التحقيرُ مثاله لم يردد ما كان قبل ذلك محذوفاً‏.‏ فيقول هُوَيْر، ويُضيْع، وبَويْلة‏.‏ وكان أبو عثمان أيضاً يرى رأي سيبويه في صرف[194] نحو جَوارٍ عَلَما وإجرائه بعد العلميّة على ما كان عليه قبلها‏.‏ فيقول في رجل أو امرأة اسمها جَوارٍ أو غواشٍ بالصرف في الرفع والجرّ على حاله قبل نقله، ويونس لا يصرف ذلك ونحوه عَلَما، ويُجريه مُجرى الصحيح في ترك الصرف‏.‏ فقد تحصَّل إذًا لأبي عثمان مذهب مركّب من مذهبيَ الرجلين؛ وهو الصرف على مذهب سيبويه، والرد على مذهب يونس‏.‏ فتقول على قول أبي عثمان في تحقير اسم رجل سمَّيته بيَري‏:‏ هذا يُرَىْءٍ كيرَيع‏.‏ فترد الهمزة على قول يونس وتصرف على قول سيبويه‏.‏ ويونس يقول في هذا‏:‏ يُرَبْئى بوزن يُرَيْعِي فلا يصرِف. وقياس قول سيبويه يُرَىُّ، فلا يردّ، وإذا لم يردّ لم يقع الطَرَف بعد كسرة، فلا يصرف إذاً، كما لم يصرف أُحَيّ تصغير أَحْوي‏.‏ وقياس قول عيسى أن يصرف فيقول‏:‏ يُرَيٌّ؛ كما يصرف تحقير أحوي‏:‏ أُحَيٌّ. فقد عرفت إذاً تركب مذهب أبي عثمان من قولي الرجلين‏»[195].

– «فإن خفّفت همزة يُرَىْءٍ قلت يريىِّ، فجمعت في اللفظ بين ثلاث ياءات، والوسطى مكسورة‏.‏ ولم يَلْزمْ حذف الطَرف للاستثقال، كما حذف في تحقير أحوي إذا قلت‏:‏ أُحَيّ؛ من قِبَل أن الياء الثانية ليست ياء مخلَصة، وإنما هي همزة مخففة فهي في تقدير الهمز‏.‏ فكما لا تحذف في قولك‏:‏ يُرَىْءٍ، كذلك لا تحذف في قولك‏:‏ يُرَيِّى‏.‏ ولو ردّ عيسى كما ردّ يونس لَلَزِمَهُ ألاّ يصرف في النصب لتمام مثال الفعل؛ فيقول‏:‏ رأيت يريئَىِ ويريِّىَ، وأن يصرف في الرفع والجر على مذهب سيبويه حملا لذلك على صرف جوار»ٍ‏[196].‏

– «ومن ذلك قول أبي عُمَر[197] في حرف التثنية‏:‏ إن الألف حرف الإعراب ولا إعراب فيها، وهذا هو قول سيبويه‏.‏ وكان يقول‏:‏ إن انقلاب الألف إلى الياء هو الإعراب‏.‏ وهذا هو قول الفرّاء، أفلا تراه كيف تركّب له في التثنية مذهب ليس بواحد من المذهبين الآخرين‏»[198].

– باب في وجوب الجائز: «وكذلك البريَّة فيمن أخذها من برأ الله الخلق -وعليه أكثر الناس -والنبي عند سيبويه[199] ومن تبعه فيه، والذُّرِّيَّة فيمن أخذها من ذرأ الله الخَلْق‏.‏ وكذلك ترى وأرى ونرى ويرى في أكثر الأمر، والخابية، ونحو ذلك مما أُلزِم التخفيف‏.‏ ومنه ما أُلزم البدل وهو النبي -عند سيبويه- وعِيد لقولهم‏:‏ أعياد، وعُيَيد‏(…)‏ فاعرف ذلك ونحوه مذهباً للعرب، فمهما ورد منه فتلقّه عليه‏»[200].

– باب في توجه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين : «ومن ذلك قول الله تعالى‏:‏ ‏»‏وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏»‏‏[201].‏ فذهب الخليل وسيبويه فيه إلى أنه وَيْ مفصول، وهو اسم سمِّي به الفعل في الخبر، وهو معنى أعجب، ثم قال مبتدئاً‏:‏ كأنه لا يفلح الكافرون وأنشد فيه‏:‏

ويْ كأن من يكن له نشب يُحـ  ***  ـبَبْ ومن يفتقر يعِشْ عيش ضرِّ[202]

وذهب أبو الحسن فيه إلى أنه‏:‏ وَيْكَ أنه لا يفلح الكافرون، أراد: ويك أي أعجب أنه لا يفلح الكافرون، أي أعجب لسوء اختيارهم ونحو ذلك فعلَّق أن بما في ويك من معنى الفعل، وجعل الكاف حرف خطاب بمنزلة كاف ذلك وهنالك‏.‏ قال أبو علي ناصراً لقول سيبويه‏:‏ قد جاءت كأنّ كالزائدة؛ وأنشد بيت عمر[203]‏:‏

كأنني حين أمسي لا تكلِّمني  ***  ذو بُغية يشتهى ما ليس موجودا

أي أنا كذلك‏.‏ وكذلك قول الله سبحانه ‏»‏وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ»‏ أي‏ هم لا يفلحون.‏ وقال الكسائيّ‏:‏ أراد‏:‏ ويلك، ثم حذف اللام‏»[204].

– إعلال واو ثيرة: «فأما ثيرة ففي إعلال واوه ثلاثة أقوال‏:‏ أما صاحب الكتاب[205] فحمله على الشذوذ، وأما أبو العباس[206] فذكر أنهم أعلّوه ليفصلوا بذلك بين الثور من الحيوان وبين الثور، وهو القطعة من الأقِط لأنهم لا يقولون فيه إلا ثِوَرة بالتصحيح لا غير‏.‏ وأمّا أبو بكر فذهب في إعلال ثِيَرة إلى أن ذلك لأنها منقوصة من ثيارة، فتركوا الإعلال في العين أمارةً لما نَوَوْه من الألف؛ كما جعلوا تصحيح نحو اجتوروا، واعتونوا، دليلا على أنه في معنى ما لا بدّ من صحته، وهو تجاوروا وتعاونوا. وقد قالوا أيضا: ثِيْرة»[207].

– «وأما تنوفى[208] فمختلف في أمرها‏.‏ وأكثر أحوالها ضعف روايتها، والاختلاف الواقع في لفظها‏.‏ وإنما رواها السُكَّريّ وحده‏، وأسندها إلى امرىء القيس في قوله‏:‏

كأن دثاراً حلقت بلبونه  ***  عقاب تنوفى لا عقاب الفواعل[209]

والذي رويته عن أحمد بن يحيى‏:‏

*  عقاب تَنُوَفَ لا عقاب القواعل  *

وقال القواعل إكام حولها؛ وقال أبو حاتم‏:‏ هِي ثَنِيَّة طّيىء وهي مرتفعة‏.‏ وكذا رواها ابن الأعرابي وأبو عَمْرو الشيباني‏.‏ ورواية أبي عبيدة‏:‏ تَنُوفَى‏.‏ وأنا أرى أنَّ تنوف ليست فَعُولاً؛ بل هي تفعل من النوف وهو الارتفاع‏.‏ سميت بذلك لعلوّها‏.‏ ومنه أناف على الشيء إذا ارتفع عليه، والنَيِّف في العدد من هذا؛ هو فَيْعِل بمنزلة صَيِّب ومَيِّت‏.‏ ولو كسَّرْت النيف على مذهب أبي الحسن لقلت‏:‏ نياوف، فأظهرْت عينه‏.‏ فتنوف -في أنه علم، على تفعُل- بمنزلة يشكر، ويعصر‏.‏ وقلت مرّة لأبي علي -وهذا الموضع يقرأ عليه من كتاب أصول أبي بكر رحمه الله-‏:‏ يجوز أن يكون تنوفى مقصورة من تنوفاء بمنزلة بَرُوكاء فسمع ذلك وعرف صحَّته»‏[210].

المبحث الرابع: الانتصار لنفسه أو لبعض شيوخه.

ينصح ابن جني -في كتابه المنصف- كلّ من يطّلع على كتاب ذي قيمة وينظر في مؤلّف قد عُنِي به وَاضعه، وانصرف إلى الاهتمام به مُصَنِّفُه، فحظي منه بأقصى ما طلب، ووصل إلى غايته من كَثَب بأن يلتزم بالأمور الآتية:

– أن يحمد الله على ما وهبه له مِن فهْمه.

– وأن يُسلِّم لصاحبه ما وَفَّره اللهُ عليه منْ حفْظه.

– وأن يعتزِيَ فيما يحكيه عنه إليه.

«فإن فَعَل ذلك فَعلى مَحَجَّةِ أهْل العلم والأدَبِ وَقف، وإن أبَى إلا كُفْران النّعمة فَعَن المروءة والإنسانية صَدَف»[211].

وأمّا موقف ابن جني من سيبويه فإنّه موقف الحبّ والإعجاب والتقدير البالغ له ولكتابه، وهو يكرّر الاعتراف بهذا في كثير من المواضع في كتابه الخصائص، ومن أمثلة ذلك ما جاء في الخصائص في باب القول على إجماع أهل العربيَّة متى يكون حُجَّة يقول ابن جني: «إذا قال العالِم قولا متقدّما فللمتعلّم الاقتداء به والانتصار له، والاحتجاج لخلافه، إن وجد إلى ذلك سبيلا»[212].

ومن خلال النّظر في نصّي ابن جني يظهر أنّ منهجه في الاغتراف من معارف الأسلاف والاختلاف معهم يرتكز على الاقتداء والإتباع؛ إلاّ أنّ مسألة الاقتداء والإتباع –في نظره- لا تنفي مسألة الإبداع واستقلالية الرأي، وأسوق هذه النصوص مستغنية عن التّعليق ولو شئت لنقلت الكثير جدّاً، وإن شئت فارجع إلى الخصائص ففيه ما يدلّك على سموّ مكانة الكتاب وصاحبه وعلوّ منزلته:

– «ومثله ما رويناه عنهم من قولهم: رجل إِنْزَهْوٌ، وامرأة إِزَنْهُوة، ورجال إِنْزهْوون، ونساء إنْزَهْوات، إذا كان ذا زهو[213]؛ فهذا إذاً إِنْفَعْل. ولم يحك سيبويه من هذا الوزن إلا إنقحلا وحده؛ وأنشد الأصمعيّ -رحمه الله-‏:‏

*  لما رأتني خَلَقاً إِنْقَحْلا  *

ويجوز عندي في إنزهوٍ غيرُ هذا، وهو أن تكون همزته بدلاً من عين، فيكون أصلَه عِنْزَهْو‏:‏ فِنْعَلْو، من العِزْهَاة، وهو الذي لا يقرب النساء‏. ‏والتقاؤهما أن فيه انقباضا وإعراضا، وذلك طَرَف من أطراف الزهو»[214].

– باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني: «اعلم أن هذا موضع شريف لطيف‏.‏ وقد نبّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقَّته الجماعة بالقبول له، والاعتراف بصحّتِه‏.‏ قال الخليل‏:‏ كأنهم توهّموا في صوت الجُنْدُب استطالة ومدّاً فقالوا‏:‏ صرَّ، وتوهّموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا‏:‏ صرصر‏.‏ وقال سيبويه[215] في المصادر التي جاءت على الفَعَلان‏:‏ إنها تأتي للاضطراب والحركة، نحو النَقَزان[216]، والغلبان، والغَثَيان‏.‏ فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال[217]‏.‏ ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سَمْت ما حدّاه، ومنهاج ما مثَّلاه‏.‏ وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعَّفة تأتي للتكرير؛ نحو الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والصعصعة، والجرجرة، والقرقرة»‏[218].‏

– «فكما تبِعت أفعال الإجابة أفعالَ الطلب، كذلك تبعت حروفُ الأصل الحروفَ الزائدة التي وضعت للالتماس والمسئلة‏.‏ وذلك نحو استخرج، واستقدم، واستوهب، واستمنح، واستعطى، واستدنى‏.‏ فهذا على سَمْتِ الصنعة التي تقدّمت في رأي الخليل وسيبويه؛ إلا أن هذه أغمض من تلك‏.‏ غير أنها وإن كانت كذلك فإنها منقولة عنها، ومعقودة عليها‏.‏ ومن وجد مقالاً قال به وإن لم يسبق إليه غيره‏.‏ فكيف به إذا تبع العلماء فيه، وتلاهم على تمثيل معانيه»‏[219].

– باب في الجوار: «وكأنه إنما جاء هذا النحوُ في الأزمنة دون الأمكنة، من حيث كان كلّ جزء من الزمان لا يجتمع مع جزء آخر منه، إنما يلي الثاني الأول خالفا له وعوضا منه‏.‏ ولهذا قيل -عندى- للدهر عَوْضُ -وقد ذكرت هذا في كتابي في التعاقب-  فصار الوقتان كأنهما واحد وليس كذلك المكان؛ لأن المكانين يوجَدان في الوقت الواحد بل في أوقات كثيرة غير منقضية‏ (…) فإن قلت‏:‏ فقد تقول‏:‏ سرت من بغداد إلى البصرة نهرِ الدَيْر، قيل‏:‏ ليس هذا من حديث الجِوار في شيء، وإنما هو من باب بدل البعض؛ لأنه بعض طريق البصرة؛ يدلّ على ذلك أنك لا تقول‏:‏ سرت من بغداد إلى البصرة نهر الأمير؛ لأنه أطول من طريق البصرة زائدة عليه، والبدل لا يجوز إذا كان الثاني أكثر من الأوّل، كما يجوز إذا كان الأول أكثر من الثاني؛ ألا ترى أنهم لم يجيزوا أن يكون رَبْع من قوله‏:‏

اعتاد قلبـَك من سلْمَى عوائدُه  ***  وهاج أهواءك المكنونَة الطللُ

رَبْعٌ قَوَاء أذاع المعصِراتُ به  ***  وكلُّ حَيْران سارٍ مـاؤه خَضِل[220]

بدلا من الطلل؛ من حيث كان الربع أكثر من الطلل‏.‏ ولهذا ما حمله سيبويه على القطع والابتداء، دون البدل والإتباع هذا إن أردت بالبصرة حقيقةَ نفسِ البلد‏.‏ فإن أردت جهتها وصُقْعها جاز‏:‏ انحدرت من بغداد إلى البصرة نهرِ الأمير‏.‏ وغرضنا فيما قدّمناه أن تريد بالبصرة نفس البلد البتّة‏.‏ وهذا التجاور الذي ذكرناه في الأحوال والأحيان لم يعرض له أحد من أصحابنا‏.‏ وإنما ذكروا تجاور الألفاظ فيما مضى‏»[221].

– باب في اللفظين على المعنى الواحد يرِدَان عن العالم متضادَّين: «وكذلك إن قلت‏:‏ إذا كان سيبويه لا يَجمع بين ياءي الإضافة وبين صيغة بنت، وأخت، من حيث كانت الصيغة عَلَماً لتأنيثهما فلِمَ صرفهما (سيبويه) عَلَمين لمذكَّر، وقد أثبتَ فيهما علامة تأنيث بفكّها ونقضها مع ما لا يجامع علامة التأنيث‏:‏ من ياءي الإضافة في بَنَوِيّ، وأَخَوِي؟ فإذا أثبت[222] في الاسمين بها علامة للتأنيث، فهلاَّ منع (أي سيبويه) الاسمين الصرفَ بها مع التعريف، كما تمنع الصرف باجتماع التأنيث إلى التعريف في نحو طلحة، وحمزة، وبابهما، فإن هذا أيضاً ممّا قد أجبنا عنه في موضع آخر‏»[223].‏

– باب في ترافع الأحكام: «هذا موضع من العربيّة لطيف، لم أرَ لأحد من أصحابنا فيه رَسْماً، ولا نقلوا إلينا فيه ذِكرا‏.‏ من ذلك مذهب العرب في تكسير ما كان من فَعِلٍ على أفعال؛ نحو عَلَم وأعلام، وقدمٍ وأقدام، ورَسنٍ وأرسان، وفَدَنٍ وأفدانٍ‏.‏ قال سيبويه‏[224]:‏ فإن كان على فَعَلة كسروه على أَفْعُلٍ؛ نحو أَكَمةٍ وآكُمٍ‏.‏ ولأجل ذلك ما حمل أَمَةً على أنها فَعَلة لقولهم في تكسيرها‏:‏ آمٍ إلى هنا انتهى كلامه، إلا أنه أرسله ولم يعلِّله‏.‏ والقول فيه عندي أن حركة العين قد عاقبت في بعض المواضع تاء التأنيث، وذلك في الأدواء؛ نحو قولهم‏:‏ رَمَث رَمثا، وحَبِط حَبَطا، وحَبِج حَبَجاً»‏[225].

– «وكذلك قولهم‏:‏ ربَّ رجل وأخيه، ولو قلت‏:‏ وربّ أخيه لم يُجز، وإن كانت رُبَّ مرادة هناك ومقدَّرة‏.‏ فقد علمت بهذا وغيره أن ما تقدره وهْماً ليس كما تلفظ به لفظا‏.‏ فلهذا يسقط عندنا إلزام سيبويه هذه الزيادة‏‏»[226].

– «فأمَّا قول من قال نحو هذا‏:‏ إنه إنما بني لوقوعه موقع المبنيّ، يعني أَدرِك واسكت، فلن يخلو من أحد أمرين‏:‏ إما أن يريد أن علّة بنائه إنما هي نفس وقوعه موقع المبني لا غير، وإما أن يريد أن وقوعه موقع فعل الأمر ضمَّنه معنى حرف الأمر‏.‏ فإن أراد الأول فسد، لأنه إنما علة بناء الاسم تضمنه معنى الحرف، أو وقوعه موقعه‏.‏ هذا هو عِلّة بنائه لا غير، وعليه قول سيبويه والجماعة‏.‏ فقد ثبت بذلك أن هذه الأسماء، نحو صه وإيه وويْها وأشباه ذلك؛ إنما بنيت لتضمنها معنى حرف الأمر لا غير‏»[227].

– «ومن البدل البتّة النبيّ في مذهب سيبويه‏.‏ وقد ذكرناه‏.‏ وكذلك البريَّة عند غيره‏.‏ ومنه الخابية، لم تسمع مهموزة‏.‏ فإما أن يكون تخفيفا اجتُمع عليه؛ كيرى وأخواته، وإما أن يكون بدلا؛ً قال[228]‏:‏

أُرِي عينيَّ ما لم ترْأَياه  ***  كلانا عالمٌ بالتُرَّهاتِ

والنبوّة عندنا مخفَّفة لا مبدلة‏ (…) وحدثنا أبو عليّ قال‏:‏ لقي أبو زيد سيبويه فقال له‏:‏ سمعت العرب تقول‏:‏ قريت وتوضّيت‏.‏ فقال له سيبويه‏:‏ كيف تقول في أفعلُ منه؟ قال‏:‏ أقرأ‏.‏ وزاد أبو العباس هنا‏:‏ فقال له سيبويه‏:‏ فقد تركتَ مذهبك، أي لو كان البدل قويّاً للزم ووجب أن تقول‏:‏ أقرِي؛ كرميت أرمِي‏.‏ وهذا بيان»‏[229].‏

– يقول ابن جني في باب في دَوْرِ الاعتلالِ: «ذهب محمّد بن يزيد في وجوبِ إسكان اللام في نحو ضَرَبْن، وضَرَبْت إلى أنه لحركةِ ما بعده من الضميرِ: يعني مع الحركتينِ قبل. وذهب أيضا في حركةِ الضمير من نحو هذا أنها إنما وجبت لسكونِ ما قبله. فتارة اعتلّ لهذا بهذا، ثمّ دار تارةً أخرى، فاعتلّ بهذا لهذا (…) ومثله ما أجازه سيبويه في جر ‏»‏الوجه‏»‏ من قولك‏:‏ هذا الحسن الوجه‏ (…) وقد أحطنا علماً بأن الجر إنما جاز في الضارب الرجل ونحوه مما كان في الثاني منهما منصوبا؛ لتشبيههم إيّاه بالحسن الوجهِ، أفلا ترى كيف صار كلّ واحدٍ من الموضعين عِلَّة لصاحبه في الحكم الواحدِ الجاري عليهما جميعا»[230].

– ويقول في نفس الباب: «لكن ما أجازه أبو العبّاس وذهب إليه في باب ضَرَبْنَ وضربت من تسكين اللامِ لحركة الضمير، وتحريك الضمير لسكون اللامِ شنيع الظاهر، والعذر فيه أضعف منه في مسئلة الكتاب؛ ألا ترى أن الشيء لا يكون عِلّة نفسه، وإذا لم يكن كذلك كان مِنْ أن يكون علة علّتِه أبعد، وليس كذلك قول سيبويه؛ وذلك أن الفروع إذا تمكَّنت ‏قوِيت قوَّةً تسوّغ‏ حمل الأصول عليها‏.‏ وذلك لإِرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوَّة الحكم»[231].

– باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادَّين: «فأما قول يونس‏:‏ بِنْتيّ وأخْتِيّ فمردود عند سيبويه‏. وليس هذا الموضع موضوعا للحكم بينهما، وإن كان لقول يونس أصول تجتذِبه وتسوِّغه»[232].

– «وكذلك إن قلت‏:‏ إذا كان سيبويه لا يَجمع بين ياءي الإضافة وبين صيغة بنت، وأخت، من حيث كانت الصيغة عَلَماً لتأنيثهما فلِمَ صرفهما (سيبويه) عَلَمين لمذكَّر، وقد أثبتَ فيهما علامة تأنيث بفكّها ونقضها مع ما لا يجامع علامة التأنيث‏:‏ من ياءي الإضافة في بَنَوِيّ، وأَخَوِي؟ فإذا أثبت[233] في الاسمين بها علامة للتأنيث، فهلاَّ منع (أي سيبويه) الاسمين الصرفَ بها مع التعريف، كما تمنع الصرف باجتماع التأنيث إلى التعريف في نحو طلحة، وحمزة، وبابهما‏»[234].‏

– «ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتَبَّع به كلام سيبويه وسماه مسائل الغَلَطِ‏. فحدثني أبو عليّ عن أبي بكر أن أبا العبّاس كان يعتذر منه ويقول: هذا شيء كنّا رأيناه في أيّام الحَدَاثَة، فأمّا الآن فلا»[235].

– باب في الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير: «ومن ذلك قولهم‏:‏ اطمأن‏ّّ.‏ ذهب سيبويه[236] فيه إلى أنه مقلوب، وأنّ أصله من طأمن، وخالفه أبو عُمَر[237] فرأى ضدّ ذلك‏.‏ وحجة سيبويه فيه أن طأمن غير ذي زيادة، واطمأن ذو زيادة، والزيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضرب من الوَهْن لذلك»‏[238]. ‏

– «ولمّا كان النحويُّون بالعرب لاحِقين، وعلى سَمْتِهم آخذين، وبألفاظهم متحلِّين، ولمعانيهم وقُـصُدوهم آمِّين، جاز لصاحب هذا العلم الذي جمع شَعاعه، وشرع أوضاعه، ورسم أشكاله، ووسم أغفاله، وخلج أشطانه، وبعج أحضانه، وزمَّ شوارده، وأفاء فوارده، أن يرى فيه نحو ما رأوا، ويحذوه على أمثلتهم التي حذَوا (…) لاسيما والقياس إليه مُصْغٍ، وله قابل، وعنه غير متثاقل. فاعرِف إذاً ما نحن عليه للعرب مذهبا، ولمن شرح لغاتها مُضطرَبا، وأن سيبويه لاحق بهم، وغير بعيد فيه عنهم،‏ ولذلك عندنا لم يتعقّب هذا الموضعَ عليه أحد من أصحابه، ولا غيرهم، ولا أضافوه إلى ما نَعوه عليه، وإن كان بحمد الله ساقطاً عنه، وحرًى بالاعتذار هم منه»[239].‏

– «قال أبو علي‏:‏ يقوِّي قول من قال‏:‏ إن الحركة تحدث مع الحرف أن النون الساكنة مخرجها مع حروف الفم من الأنف، والمتحركة مخرجها من الفم، فلو كانت حركة الحرف تحدث من بعده لوجب أن تكون النون المتحرّكة أيضاً من الأنف‏.‏ وذلك أن الحركة إنما تحدث بعدها، فكان ينبغي ألاّ تغني عنها شيئا؛ لسبقها هي لحركتها. كذا قال رحمه الله ورأيته معنِيّاً بهذا الدليل‏.‏ وهو عندي ساقط عن سيبويه وغير لازم له‏.‏»[240]

– «وكذلك يقال أيضا: هو من عمره مابين الخمسين إلى الستين، فيقال ذلك فيمن له خمس وخمسون سنة (…) وهذا جليّ غير مشكِل. فهذا أحد الموضعين. وأما الآخر فإن أكثر ما في هذا أن يكون حقيقة عند القوم، وأن يكونوا مريديه ومعتقِديه‏.‏ ولو أرادوه واعتقدوه وذهبوا إليه لما كان دليلاً على موضع الخلاف‏.‏ وذلك أن هذا موضع إنما يُتحاكم فيه إلى النفس والحسّ، ولا يرجع فيه إلى إجماع ولا إلى سابق سُنّة ولا قديم مِلّة؛ ألا ترى أن إجماع النحويين في هذا ونحوه لا يكون حُجّة؛ لأن كل واحد منهم إنما يردّك ويرجع بك فيه إلى التأمّل والطبع لا إلى التبعية والشرع‏.‏ هذا لو كان لا بدّ من أن يكونوا قد أرادوا ما عزاه السائل إليهم واعتقده لهم‏.‏ فهذا كله يشهد بصحَّة مذهب سيبويه في أن الحركة حادثة بعد حرفِها المحرّك بها‏.‏ وقد كنا قلنا فيه قديماً قولاً آخر مستقيماً‏.‏ وهو أن الحركة قد ثبت أنها بعض حرف‏.‏ فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو‏»[241]. ‏

– باب الساكن والمتحرّك: «وأما ‏»إن الله يأمُرْكم»‏ و‏»فتوبوا إلى بارئْكم‏»‏ فرواها القُرّاء[242] عن أبي عمرو بالإسكان، ورواها سيبويه بالاختلاس، وإن لم يكن كان أزكى، فقد كان أذكى، ولا كان بحمد الله مُزَنّا برِيبة، ولا مغموزاً في رواية‏»[243].

– «ولا يستنكر الاعتداد بما لم يخرج إلى اللفظ؛ لأن الدليل إذا قام على شيء كان في حكم الملفوظ به وإن لم يجر على ألسنتهم استعمالُه؛ ألا ترى إلى قول سيبويه[244] في سُودَد‏:‏ إنه إنما ظهر تضعيفه لأنه ملحق بما لم يجئ‏.‏ هذا وقد علمنا أن الإلحاق إنما هو صناعة لفظية، ومع هذا فلم يظهر ذاك الذي قدّره ملحقاً هذا به‏.‏ فلولا أن ما يقوم الدليل عليه مما لم يظهر إلى النطق به بمنزلة الملفوظ به لما ألحقوا سُرْدَدا وسُودَدا بما لم يفوهوا به، ولا تجشّموا استعماله‏»[245].‏

– فصل في التقديم والتأخير‏: «ومن ذلك قراءة ابن عامر‏:‏ ‏»وكذلك زين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهُمْ شركائهم»‏ وهذا في النثر وحال السعة صعب جداً ولا سيما والمفصول به مفعول لا ظرف‏.‏

ومنه بيت الأعشى‏:‏

إلا بُدَاهة أو عُلا  ***  لةَ قارِح نَهْدِ الجُزاره[246]

ومذهب سيبويه[247] فيه الفصل بين بُدَاهة وقارِح؛ وهذا أمثل عندنا من مذهب غيره فيه؛ لما قدّمنا في غير هذا الموضع‏»[248].‏

– باب في أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة: «فإن قلت‏:‏ فقد أحال سيبويه[249] قولنا‏:‏ أشربُ ماء البحر، وهذا منه حظر للمجاز الذي أنت مدّع شِياعه وانتشاره‏.‏ قيل‏:‏ إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة، وهذا مستقيم[250] إذ الإنسان الواحد لا يشرب جميع ماء البحر‏.‏ فأما إن أراد به بضعه ثم أطلق هناك اللفظ يريد به جميعه فلا محالة من جوازه؛ ألا ترى إلى قول الأسود بن يعفر:

نزلوا بأنقِرة يسيل عليهم  ***  ماءُ الفرات يجيء من أطواد

فلم يحصل هنا جميعه؛ لأنه قد يمكن أن يكون بعضُ مائه مختلَجاً قبل وصوله إلى أرضهم بشرب أو بسقي زرع ونحوه‏.‏ فسيبويه إذاً إنما وضع هذه اللفظة في هذا الموضع على أصل وضعها في اللغة من العموم، واجتنب المستعمل فيه من الخصوص‏»[251]. ‏

– باب في غلبة الزائد للأصلي: «وفي قولهم‏:‏ خنافق تقوية لقول سيبويه في تحقير مقعنسِس وتكسيره مقاعس ومقيعِس فاعرفه؛ فإنه قويّ في بابه‏.‏ بل إذا كانوا قد حذقوا الملحِق للملحِق فحذف الملحِق لذي المعنى -وهو الميم- أقوى وأحجى‏.‏ وكأنهم إنما أسرعوا إلى حذف الأصل للزائد؛ تنويهاً به، وإعلاء له، وتثبيتاً لقَدَمه في أنفسهم، وليُعلِموا بذلك قدره عندهم وحرمته في تصوّرهم ولحاقه بأصول الكلم في معتقدهم؛ ألا تراهم قد يقرّونه في الاشتقاق مما هو فيه إقرارَهم الأصول»‏[252].‏

– باب القول على فوائت الكتاب: «اعلم أن الأمثلة المأخوذة على صاحبه سنذكرها، ونقول فيها ما يَدْحضُ عنه ظاهر معرّتها لو صحّت عليه‏.‏ ولو لم تكن فيها حيلة تدرأ شناعة إخلاله بها عنه، لكانت معلاة له لا مزراة عليه، وشاهدة بفضله ونقص المتتبع له بها لا نقصِه، إن كان أوردها مريداً بها حطَّ رتبته، والغضّ من فضيلته‏.‏ وذلك لكلفة هذا الأمر، وبعد أطرافه، وإيعار أكنافه أن يحاط بها، أو يشتمل تحجّر عليها‏.‏ وإن إنسانا –يعني سيبويه– أحاط بقاصي هذه اللغات المنتشرة، وتحجر أذراءها[253] المترامية، على سعة البلاد، وتعادي ألسنتها اللِداد، وكثرة التواضع بين أهليها من حاضر وباد، حتى اغترف[254] جميع كلام الصرحاء والهجناء، والعبيد والإماء في أطرار الأرض[255] ذات الطول والعرض ما بين منثور إلى منظومٍ ومخطوب به إلى مسجوع حتى لغات الرعاة الأجلاف، والرواعي ذوات صرار الأخلاف، وعقلائهم والمدخولين، وهذاتهم الموسوسين في جدهم وهزلهم وحربهم وسلمهم وتغاير الأحوال عليهم فلم يخلل من جميع ذلك -على سعته وانبثاثه وتناشره واختلافه- إلا بأحرف تافهة المقدار، متهافتة على البحث والاعتبار -ولعلها أو أكثرها مأخوذة عمَّن فسدت لغته، فلم تلزم عهدته- لجدير أن يعلم بذلك توفيقه، وأن يُخلِّي له إلى غايته طريقه. ولنذكر ما أورد عليه معقبا به، ولنقل فيه ما يحضرنا من إماطة الفحش به عنه بإذن الله»[256].

– ذكر الأمثلة الفائتة للكتاب: «أما تِلقَّامة[257] وتِلعّابة[258] فإنه[259] وإن لم يَذكر ذلك في الصفات فقد ذكر في المصادر تفعّلت تِفعّالاً؛ نحو تحملت تِحمَّالاً[260] ومثله تقرَّبت تِقرَّاباً (…) وعلى الجملة فإن هذه الفوائت عند أكثر الناس إذا فُحِص عن حالها، وتؤمِّلت حق تأملها، فإنها –إلا ما لا بال به- ساقطة عن صاحب الكتاب (…) وعلى أنا قد قلنا في ذلك، ودللنا به على أنه من مناقب هذا الرجل ومحاسنه‏:‏ أن يستدرك عليه من هذه اللغة الفائضة السائرة المنتشرة ما هذا قدره، وهذه حال محصوله‏ (…) فكأن تلقامة بعد ذلك كله اسم لا صفة، وإذا كان اسما أو كالاسم سقط الاعتذار منه؛ لأن سيبويه قد ذكر في المصادر تفعّلت تِفِعالاً فإذا ذكره أغنى عن ذكره في الأبنية، ولم يجز لقائل أن يذكره مثالاً معتداً عليه‏.‏ كما أن ترعاية[261] في الصفات تسقط عنه أيضاً من هذا الوجه (…) وإذا كان كذلك سقط عنه أيضاً أن لم يذكر تِفِعَّالا في الصفة‏ (…) وأما فِرناس[262] فقد ذكره[263] في الأبنية في آخر ما لحقته الألف رابعة مع غيرها من الزوائد‏ (…) وأمّا شحم أُمْهُج[264] فلعمري إنّ سيبويه قد حَظر في الصفة أُفْعُل‏.‏ وقد يمكن أن يكون محذوفاً من أُمهوج كأُسكوب‏.‏ وجدت بخط أبي علي عن الفراء‏:‏ لبَن أُمهوج (…) وكنت قلت لأبي علي -رحمه الله- وقت القراءة‏:‏ يكون أُمْهُج محذوفاً من أُمهوج فقبل ذلك ولم يأبه‏ (…) ‏وأما مُهْوَأَنّ ففائت للكتاب‏.‏ وذهب بعضهم إلى أنه بمنزلة مطمأنّ‏.‏ وهذا سهو ظاهر‏.‏ وذلك لأن الواو لا تكون أصلاً في ذوات الأربعة إلا عن تضعيف‏ (…) وقد يجوز من وجه آخر أن يكون واو مهوأن أصلاً‏.‏ وذلك بأن يكون سيبويه قد سأل جماعة من الفصحاء عن تحقير مهوأن على الترخيم، فحذفوا الميم وإحدى النونين ولم يحذفوا الواو البتة (…) وامتنعوا من حذف واو مهوأن، فقطع سيبويه بأنها أصل فلم يذكره‏.‏ وإذا كان هذا جائزاً، وعلى مذهب إحسان الظن به سائغاً، كان فيه نُصرة له و تجميل لأثره فاعرفه (…) وأما يَنَابِعات فما أظرف أبا بكر أن أورده على أنه أحد الفوائت‏!‏ ألا يعلم أن سيبويه[265] قد قال‏:‏ ويكون على يَفَاعِل نحو اليحامِد[266] واليرامِع[267]‏ (…) وأما الهُنْدَلِع فبقلة، وقيل‏:‏ إنها غريبة ولا تنبت في كل سنة‏.‏ وما كانت هذه سبيله كان الإخلال بذكره قدرا مسموحا به، ومعفوّا عنه (…) وأما حَوْرِيت فدخلت يوماً على أبي علي -رحمه الله- فحين رأنى قال‏:‏ أين أنت‏!‏ أنا أطلبك‏.‏ قلت‏:‏ وما هو؟ قال‏:‏ ما تقول في حوريت؟ فخضنا فيه فرأيناه خارجاً عن الكتاب‏.‏ وصانع أبو عليّ عنه بأن قال‏:‏ إنه ليس من لغة ابْنَيْ نِزار[268]، فأقَلَّ الحَفْل به لذلك‏.‏ وأقرب ما ينسب إليه أن يكون فَعْلِيتا قريباً من عِفرِيت‏ (…) ووجدت بخطّ أبي عليّ‏:‏ قال الفراء‏:‏ لا يلتفت إلى ما رواه البصريون من قولهم‏:‏ إصْبُع؛ فإنا بحثنا عنها فلم نجدها‏.‏ وقد حكيت أيضا‏:‏ زئبر وضئبل وخرْفُعح وجميع ذلك شاذّ لا يلتفت إلى مثله، لضعفه في القياس وقلّته في الاستعمال»‏[269].‏

– باب في قوة اللفظ لقوة المعنى: «ومن هنا حمل سيبويه مثال التحقير على مثال التكسير، فقال تقول‏:‏ سريحين؛ لقولك‏:‏ سراحين، وضبيعين؛ لقولك‏:‏ ضباعين‏:‏ وتقول سكيران‏:‏ لأنك لا تقول سكارين‏.‏ هذا معنى قوله وإن لم يحضرنا الآن حقيقة لفظه[270]‏.‏ وسألت أبا عليّ عن ردّ سيبويه مثال التحقير إلى مثال التكسير فأجاب بما أثبتنا آنفاً‏‏»[271].

– باب في سقطات العلماء: «وأمّا ما تعقب به أبو العبّاس محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سمَّاها مسائل الغلط، فقلَّما يلزم صاحبَ الكتاب منه إلا الشيء النَّزْر‏.‏ وهو أيضاً -مع قِلَّته- من كلام غير أبي العباس‏.‏ وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال‏:‏ إن هذا كتاب كنا عملناه في أوان الشبيبة والحداثة، واعتذر أبو العباس منه‏»[272].

– «وكان قد ثبت في نفس أبي عليّ على أبي العباس في تعاطيه الردّ على سيبويه ما كان لا يكاد يملك معه نفسه‏.‏ ومعذورا كان ‏عندي في ذلك لأنه أمر وضع من أبي العباس، وقَدَح فيه وغضّ كل الغض منه‏»[273].

– باب في صدق النَقَلة، وثقة الرُواة والحَمَلة: «وحَسْبُنا من هذا حديثُ سيبويه، وقد حطب بكتابه -وهو ألف ورقة- عِلْما مبتكَرا، ووضعا متجاوزا لما يسمع ويرى، قلَّما تُسند إليه حكاية، أو توصل به رواية، إلا الشاذّ الفذّ الذي لا حفْل به ولا قدر‏.‏ فلولا تحفُّظ من يليه، ولزومه طريق ما يعنيه، لكثرت الحكايات عنه، ونيطت أسبابها به، لكن أخلد كل إنسان منهم إلى عصمته، واُدّرع جلباب ثقته، وحمى جانبه من صدقه وأمانته، ما أريد من صون هذا العلم الشريف له به (…) فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله والمتفيئين بظلّه، كريم الطرفين، جَدَد السمتين، لما تسابُّوا بالهُجْنة فيه، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه، ليطووا ثوبه على أعدل غروره ومطاويه‏.‏ نعم، وإذا كانت هذه المناقضات والمثقافات موجودة بين السَلَف القديم، ومن باء فيه بالمنصِب والشرف العميم، ممن هم سُرُج الأنام، والمؤتمّ بهديهم في الحلال والحرام، ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه، ولا غاضّا منه، ولا عائدا بطَرَف من أطراف التبِعة عليه، جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب، الذي لا يخلُص جميعه للدين خلوصَ الكلام والفقه له، ولا يكاد يعدَم أهلُه الأَنَق به، والارتياح لمحاسنه‏.‏ ولله أبو العباس أحمد بن يحيى، وتقدّمه في نفوس أصحاب الحديث ثقةً وأمانة، وعصمة وحصانة‏.‏ وهم عِيار هذا الشان، وأساس هذا البنيان‏.‏

– وهذا أبو علي رحمه الله، كأنه بَعْدُ معنا، ولم تَبِنْ به الحالُ عناّ، كان من تحوّبه وتأنّيه، وتحرّجه كثير التوقّف فيما يحكيه دائم الاستظهار لإيراد ما يرويه‏ (…)‏ هذا جزء من جملة، وغصن من دَوْحة، وقَطْرة من بحر، مما يقال في هذا الأمر‏»‏[274].

– باب ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية: «ألا ترى إلى قراءة أبي عمرو ‏»‏مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ‏»‏ مختلساً لا محققا؛ً وكذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏»أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏»‏ مخفًى لا مستوفى، وكذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏»‏فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ‏»‏ مختلِساً غير ممكّن كسر الهمزة، حتى دعا ذلك مَن لطف عليه تحصيل اللفظ، إلى أن ادّعى أن أبا عمرو كان يسكّن الهمزة، والذي رواه صاحب الكتاب[275] اختلاس هذه الحركة، لا حذفها البتة، وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القراء الذين رَووه ساكناً‏. ‏ولم  يُؤْت القوم في ذلك من ضعف أمانة، لكن أُتُوا من ضعف دراية»[276].

– باب في امتناع العرب من الكلام بما يجوز في القياس: «وإذا كان كذلك علمت زيادة الزاد في قول جرير‏:‏

تزوّد مثل زادِ أبيك فينا  ***  فنِعم الزاد زاد أبيكَ زادا[277]

وذلك أن فاعل ‏»‏نِعم‏»‏ مُظْهر فلا حاجة به إلى أن يفسّر، فهذا يسقط اعتراض محمد بن يزيد عن صاحب الكتاب[278] في هذا الموضع‏.‏ واعلم أن الشاعر إذا اضطرّ جاز له أن ينطق بما يبيحه القياس، وإن لم يرد به سماع‏»[279]. ‏

– باب محل الحركات من الحروف أمعها أم قبلها أم بعدها: «وإذا كان كذلك لم تجد أمراً تقلب له الواو الثانية ياء، فكان يجب على هذا أن تخرج الواو الثانية من (اطو أوجل) صحيحة غير معتلة، لترافع ما قبلها من الواو والكسرة أحكامهما؛ وتكافؤهما فيما ذكرنا. لا، بل دلّ قلب الواو الثانية من (اطو اوجل) ياء حتى صارت (اطو أيجل) على أن الكسرة أدنى إليها من الواو قبلها‏.‏ وإذا كانت أدنى إليها كانت بعد الواو المحركة بها لا محالة‏.‏ فهذا إسقاط قول من ذهب إلى أنها تحدث مع الحرف، وقول من ذهب إلى أنها تحدث قبله؛ ألا تراها لو كانت الكسرة في باب (اطو) قبل الواو لكانت الواو الأولى حاجزة بينها وبين الثانية، كما كانت ميم ميزان تكون أيضاً حاجزة بينهما -على ما قدمنا-، فإذا بطل هذان ثبت قول صاحب الكتاب، وسقطت عنه فضولُ المقال‏.‏ قال أبو علي‏:‏ يقوِّي قول من قال‏:‏ إن الحركة تحدث مع الحرف أن النون الساكنة مخرجها مع حروف الفم من الأنف، والمتحركة مخرجها من الفم، فلو كانت حركة الحرف تحدث مِن بعده لوجب أن تكون النون المتحركة أيضاً من الأنف. وذلك أن الحركة إنما تحدث بعدها، فكان ينبغي ألاّ تغني عنها شيئا؛ لسبقها هي لحركتها. كذا قال -رحمه الله- ورأيته معنِيّا بهذا الدليل‏.‏ وهو عندي ساقط عن سيبويه، وغير لازم له‏‏»[280]. ‏


[1] – لقد عرّف ابن جني «النحو» بقوله: «انتحاء سمت كلام العرب في تصرّفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم». انظر الخصائص: 1/34.

[2] – انظر الخصائص: 1/2-3.

[3] – يريد بدور الاعتلال أن يعلّل الشّيء بعلّة معلّلة بذلك الشّيء. والدّور بين شيئين توقّف كلّ منهما على الآخر (…- فإنّ الدّوَران هو حدوث الحكم بحدوث العلّة، وانعدامه بعدمها، كما في حرمة النّبيذ تدور مع الإسكار وجوداً وعدماً، والدّوران من مسالك العلّة، والدّور أدنى إلى أن يكون من قوادحها.

[4] – الخصائص: 1/183-184.

[5] – الخصائص: 1/183-184. ويقول ابن جني في باب في الشيء يَرِد مع نظيره مَوْرِدَه مع نقيضه: «قيل: الأصل –لقوته- أحمل لهذا المعنى، من الفرع لضعفه (…- فالأصول لقوتها –يتصرف فيها، والفروع– يتوقف بها ويقصر عن بعض ما تسوغه القوة لأصولها». انظر الخصائص: 2/204-205. ويقول في موضع آخر: «الأصول المنصرف عنها إلى الفروع على ضربين: ما إذا احتيج إليه جاز أن يراجع. والآخر ما لا تمكن مراجعته؛ لأن العرب انصرفت عنه فلم تستعمله». انظر الخصائص: 2/347.

[6] – الخصائص: 1/295-298.

[7] – الخصائص: 1/295-298.

[8] – ورد النص  في الخصائص كالآتي: «وقال الراعي:

*  على جُماليَّةٍ كالفَحْل هِملاجِ  *

وهو كثير. فلمّا شاع ذلك واطّرد صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا فشبهوا الجمل بالناقة في ذلك؛ فقال:

وقرَّبوا كل جُمَالِيّ عَضِهْ  ***  قريبةٍ نُدوتُه من مَحْمَضِهْ

فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل، ونظائره في هذه اللغة كثيرة. وهذا المعنى عينُه قد استعمله النحويون في صناعتهم، فشبَّهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل، ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك‏:‏ هذا الحسن الوجه أن يكون الجر في الوجهِ من موضعين (…- فإن قيل‏:‏ وما الذي سوّغ سيبويه هذا، وليس ممَّا يرويه عن العرب روايًة، وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلَّل به؟ قيل يدلّ على صحّة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه‏:‏ من أن العرب إذا شبَّهت شيئاً بشيء مكّنت ذلك الشّبَه لهما، وعَمَرت به الحال بينهما؛ ألا تراهم لما شبّهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه، تمَّموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه‏». ‏انظر الخصائص: 1/303-304.

[9] – الخصائص: 1/303-304.

[10] – الخصائص: 1/308.

[11] – انظر الخصائص: 1/300.

[12] – الخصائص: 2/176.

[13] –  انظر الكتاب: 1/32.

[14] –  انظر الكتاب: 1/13، والعبارة فيه: «وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها».

[15] –  الخصائص: 1/53- 54.

[16] –  انظر الكتاب: 1/13.

[17] –  الخصائص: 1/214.

[18] –  ما هنا زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية.

[19] –  أبو بكر بن السرّاج، وأبو إسحق هو الزجّاج، وكلاهما تلميذ المبرّد. يقول الأستاذ علي النجار: «وكان الزجاج مسرفا في الاشتقاق وابن السراج مقتصدا فيه». انظر الخصائص هامش: 1/66.

[20] –  الخصائص: 1/66.

[21] –  تعليق: يحاول ابن جني في هذا النص أن يبيّن أنّ الاشتقاق لا يوصلنا دائماً إلى معاني الألفاظ الحقيقة أو الأصلية لبعد الأمر جدّاً – في بعض الأحيان-  أو لأنّ الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر، كما علل ذلك سيبويه وأبو بكر ابن السراج هذا الأخير الذي احتجّ بأنّه لا يؤمَن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها، ولم ندر ما حديثها..

[22] –  الخصائص: 1/248.

[23] –  الخصائص: 1/68- 69.

[24] –  الخصائص: 2/6- 7.

[25] –  الخصائص: 2/164- 165.

[26] –  انظر الخصائص: 2/217- 218.

[27] –  انظر الكتاب: 1/15.

[28] –  انظر الخصائص: 2/217- 218.

[29] –  انظر الكتاب: 2/62 نسخة بولاق. 3/320- 322. والنص فيه «سمعت من العرب من يقول: ألا تا، بلى فا فإنما أرادوا ألا تفعل، وبلى فافعل، ولكنه قطع». وانظر  الخصائص: 1/30.

[30] –  الخصائص: 1/247.

[31] –  فاضل السامرائي: ابن جني النحوي، ص: 217.

[32] –  وهو القائل في (باب  في أن العرب قد أرادت من العِلَل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها- : «رب إشارةٍ أبلغُ من عبارة» وحكاية الكتاب من هذا الحديث، وهي قوله: (ألا تا-  و(بلا فا- ». انظر الخصائص: 1/247. يقول الأستاذ علي النجار في هامش كتاب الخصائص: «والنص فيه: «وسمعت من العرب من يقول: ألا تا، بلى فا فإنما أرادوا: ألَا تفعل، وبلى فافعل، ولكنه قطع». انظر الكتاب: 2/62. وانظر الخصائص: 1/30.

[33] –  يريد كتاب سيبويه: 2/315. يقول: «ويكون فعلا في الاسم نحو ‘بل. وهو قليل لا نعلم في الأسماء والصفات غيره».

[34] –  الخصائص: 1/197.

[35] –  الكتاب: 2/82 «وأما بنت فإنك تقول: بنويّ من قبل أن هذه التاء التي للتأنيث لا تثبت في الإضافة. وانظر أيضا 2/348 من الكتاب.

[36] –  انظر الكتاب: 2/13.

[37] –  الخصائص:1/200.

[38] –  الخصائص: 1/222- 223.

[39] –  انظر الكتاب: 2/136. والسيد: الأسد، والذئب. وذكر الجوهري في الصحاح، والمجد في القاموس  (سيدا-  في تركيب (س و د- ، ويقول في التاج: «وهو قول أكثر أئمة الصرف» وكأنهم راعوا الحمل على الأكثر. وهو وجه صحيح.

[40] –  الخصائص: 1/251.

[41] –  انظر الكتاب: 1/372. يقال: سقاء عين وعين –بفتح الياء المشددة وكسرها-  إذا رق فلم يمسك الماء.

[42] –  الصحيح.

[43] –  الخصائص:1/254.

[44] –  انظر الكتاب: 2/191- 251.

[45] –  الخصائص: 1/266.

[46] –  الخصائص: 1/269.

[47] –  انظر الخصائص: 1/236.

[48] –  انظر الخصائص: 1/236.

[49] –  الخصائص: 1/271.

[50] –  انظر الكتاب: 2/108.

[51] –  الخصائص: 1/354.

[52] –  انظر ص: 195 من الجزء الأول من الخصائص.

[53] –  انظر الكتاب: 2/206، «… وعلماء يقولها من لا يقول إلا عالم».

[54] –  الخصائص: 1/381- 382.

[55] –   الكتاب: 1/300.

[56] –  الخصائص:1/395- 396.

[57] –  الخصائص: 2/6- 7.

[58] –  انظر الكتاب: 2/129، 333.

[59] –  الخصائص: 2/75- 76.

[60] –  الخصائص: 2/106- 107.

[61] –  الخصائص: 2/182- 183.

[62] –  الخصائص: 2/185.

[63] –  هو النابغة، يهجو زرعة الكلابيّ، وكان لقي النابغة بسوق عكاظ، وحبب إليه الغدر ببني أسد.

[64] –  الخصائص: 2/198- 199.

[65] –  انظر الكتاب: 2/183، وانظر الخصائص: 1/86.

[66] –  الخصائص: 2/222- 223.

[67] –  انظر الكتاب: 1/435.

[68] –  نسب في كتاب سيبويه إلى حسان بن ثابت.

[69] –  الخصائص: 2/281.

[70] –  انظر الكتاب: 1/309. يريد بذلك لفظ الجلالة من (أله-  والقول الآخر أنه من (ليه-  يقال: لاه يليه إذا تستر.

[71] –  الخصائص: 2/288.

[72] –  انظر الخصائص: 1/225،2، 2/75.

[73] –  الخصائص: 2/289.

[74] –  الخصائص: 2/289- 290.

[75] –  انظر الكتاب: 2/243، وانظر هامش الكتاب في الموطن السابق.

[76] –  انظر الخصائص: 1/367.

[77] –  الخصائص: 2/304- 305.

[78] –  البيت للقحيف العقيلي يمدح حكيم بن المسيب القشيري.

[79] –  الخصائص: 2/311.

[80] –  الخصائص: 2/321- 322.

[81] –  الخصائص: 2/322.

[82] –  انظر الكتاب: 1/435.

[83] –  نسب في كتاب سيبويه إلى حسان بن ثابت.

[84] –  الخصائص: 2/281.

[85] –  انظر الكتاب: 1/144. البيت لابن قيس الرقيات.

[86] –  الخصائص: 2/429.

[87] –  انظر الخصائص: 2/178.

[88] –  انظر الكتاب: 1/176. وعبارة سيبويه: «ومن العرب من يقول: لب، فيجريه مجرى أمس وغاق». وترى أن هذه العبارة ليس فيها ما نقله المؤلف، وهو «فيجره كجرّ أمس وغاق». وقد يكون هذا في نسخة المؤلف، أو تصحف عليه نص الكتاب. ولب في معنى لبيك.

[89] –  الخصائص: 2/468- 469.

[90] –  انظر الكتاب: 1/126.

[91] –  الخصائص: 3/41- 43.

[92] –  انظر الكتاب: 2/136، وانظر الخصائص: 1/251- 252.

[93] –  الخصائص: 3/67.

[94] –  أي أبي النجم في أرجوزته الطويلة. والبيت في وصف الراعي لإبل أطال في وصفها.

[95] –  خلبن: هي الحمقاء.

[96] –  علجن: هي الناقة الغليظة.

[97] –  الخصائص: 3/68- 69.

[98] –  [الأحقاف/15].

[99] –  اللبان المعروف في الرواية: البنان. واللبان: الصدر، والعظلم: صبغ أحمر، يريد به ما علاه من الدم. وعنترة يتحدث عن قرن له في الحرب، نازله فقتله.

[100] –  الخصائص: 3/117- 118.

[101] –  انظر الخصائص: 1/285.

[102] –  الخصائص: 3/149- 150.

[103] –  الخصائص: 3/260- 261.

[104] –  انظر الكتاب: 2/130.

[105] –  الخصائص: 3/277.

[106] –  هو خالد بن المهاجر في رواية الأغاني.

[107] –  ويريد ابن جني في الجواب عن سيبويه أن الشاعر لما قال: يا هذا الضامر العنس كأنه قال: يا هذا الضامر عنسه، وإذا كان عنسه ضامرا كان ذا عنس ضامر، فكأنه في المعنى يا ذا الضامر العنس أي يا صاحب الضامر العنس؛ فساغ له أن يعطف عليه: والرحل ..

[108] –  الخصائص: 3/302- 303.

[109] –  انظر الكتاب: 2/73.

[110] –  الخصائص: 2/35- 36.

[111] –  هو المكان الذي لا نبت فيه.

[112] –  الخصائص: 2/53.

[113] –  [يوسف/82].

[114] –  [طه/96].

[115] –  الخصائص: 2/362- 363.

[116] –  الخصائص: 2/270- 271.

[117] –  أنظر الكتاب: 1/393، ورأى هذا المثال بصرية حتى يكون «قائما» حالا. ومثال سيبويه: «ضربته إياه قائما». ولم يكن صاحب الحال المبدل منه للفصل بالبدل، وهو في قوة جملة أخرى. وأنت إذا قلت: ضربت الرجل محمدا قائما، كان صاحب الحال البدل لا محالة.

[118] –  الخصائص: 2/428.

[119] –  أنظر الكتاب: 1/195.

[120] –  الخصائص: 2/475.

[121] –  الخصائص: 3/96.

[122] –  انظر الكتاب: 2/304، البيت للنابغة من قصيدته المتجردة. وصدره:

*  أزف الترحل غير أن ركابنا  *

[123] –  الخصائص: 3/130- 131.

[124] –  انظر الكتاب: 2/283.

[125] –  انظر الخصائص: 3/168- 169.

[126] –  انظر الكتاب: 2/102.

[127] –  انظر الكتاب: 2/191. في لغة هذيل.

[128] –  الخصائص: 3/183- 184.

[129] –  الدخل: الفساد والعيب.

[130] –  الخصائص: 3/184- 185.

[131] –  الكتاب: 2/4.

[132] –  الخصائص: 3/281.

[133] –  انظر الكتاب: 1/334. الرجز منسوب إلى العجاج:

فقد رأى الرامون البطل  ***  أنك  يا معويا ابن الأفضل

[134] –  الخصائص: 3/316- 317.

[135] –  الخصائص: 3/326- 327.

[136] – ابن جني النحوي: فاضل السامرائي، ص: 245.

[137] – مقدمة الخصائص، ص: 44.

[138] – انظر كتاب ابن جني النحوي للدكتور فاضل السامرائي، ص: 252.

[139] – الخصائص: 1/113.

[140] – يريد سيبويه في صدر كتابه.

[141] – انظر الخصائص: 1/119.

[142] – الخصائص: 1/121.

[143] – ابن جني النحوي: فاضل السامرائي، ص: 265.

[144] – الخصائص: 1/137.

[145] – ابن جني النحوي: فاضل السامرائي، ص: 268.

[146] – هو المبرد.

[147] – الخصائص: 1/315.

[148] – يقول ابن جني: «إذا كان المحذوف للدّلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاءِ المحذوفةِ في نحو قولك: الذي ضربت زيد، فتقولَ: الذي ضربت نفسَه زيد؛ كما تقول: الذي ضربته نفسَه زيد؟ قيل هذا عندنا غير جائز..». انظر الخصائص: 1/287.

[149]

[150] – أبو عثمان المازني (ت 249هـ-. وجاء في سرّ الصناعة في حرف الباء: «أخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحي، قال قال أبو عثمان يعني المازني …» وأحمد بن يحيى الذي يروي عنه محمد بن الحسن هو ثعلب بلا ريب.

[151] – الخصائص: 1/86.

[152] – انظر كتاب سيبويه: 2/137.

[153] – الخصائص: 1/157.

[154] – عبارة ابن عقيل عند قول ابن مالك:

*  ومنع سبق خبر ليس اصطفى  *

«اختلف النحويون في جواز تقديم خبر ليس عليها، فذهب الكوفيون والمبرد والزجاج وابن السراج وأكثر المتأخرين –ومنهم المنصف- إلى المنع، وذهب أبو علي الفارسي وابن برهان إلى الجواز، فتقول: قائما ليس زيد. واختلف النقل عن سيبويه، فنسب قوم إليه الجواز وقوم المنع». وفي الإنصاف في المسألة 8، ص 73: «ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها. وإليه ذهب أبو العباس المبرد من البصؤيين؛ وزعم بعضهم أنه مذهب سيبويه، وليس بصحيح. والصحيح أنه ليس له في ذلك نص. وذهب البصريون إلى أنه يجوز خبر ليس عليها» وفي الإرتشاف نسخة الدار رقم 1006 نحو في الورقة 167: «أما تقديم خبر ليس عليها فذهب جمهور الكوفيين والمبرد وابن السراج والسيرافي وأبو علي في الحلبيات وابن عبد الوارث والجرجاني والسهيلي وأكثر المتأخرين إلى أنه لا يجوز. وذهب قدماء البصريين والفراء وابوعلي في المشهور وابن برهان والزمخشري والأستاذ أبو علي إلى جواز ذلك، واختاره ابن عصفور، وروي أيضا عن السيرافي. واختلف النقل في ذلك عن سيبويه، فنسب الجواز والمنع إليه. وقال ابن جني في الخصائص عن المبرد خالف في ذلك البصريين والكوفيين».

[155] – الخصائص: 1/188-189.

[156] – انظر الكتاب: 2/350. وعبارته: «ومما جعلته زائدا بثبت العنسل لأنهم يريدون العسول» وتراه لم يورد البيت الذي أورده المِلف. والعنسل الناقة السريعة.

[157] – وأخذها من قوله (أي لبيد، وقيل النابغة الجعدي. وانظر اللسان في عسل-:‏

عَسَلان الذئب أمسى قارِباً  ***  بَرَدَ الليلُ عليهِ فنسل

[158] – الخصائص: 2/48-49.

[159] – انظر الكتاب: 2/388.

[160] – الخصائص: 2/54-55.

[161] – الخصائص: 2/65-67.

[162] – أي جرير، وهو مطلع قصيدته المشهورة في هجاء الراعي النمري. وتمامه:

*  وقولي إن أصبت لقد أصابن  *

[163] – هذه لغة حكاها ثعلب على ما في الأشموني والتصريح في أواخر باب ما لا ينصرف. وحكاها الأخفش على ما في الهمع 1/73، وقال: «وكأن هذه لغة الشعراء لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر، فجرت ألسنتهم على ذلك في الكلام».

[164] – [الإنسان/4].

[165] – ورد هذا الرجز في الكتاب: 2/300.

[166] – أي رِبة، وقيل العجاج. وانظر الكتاب: 1/388، 299.

[167] – شئِز: قلِق.

[168] – الخصائص: 95-98.

[169] – الخصائص: 2/106.

[170] – الخصائص: 2/143.

[171] – الثغرة موضع المخافة، وكالئها: حافظها. والخيعل ثوب يخاط أحد شقيه ويترك الآخر. والفضل هو الخيعل ليس تحته إزار ولا سراويل. يقول: إن من شأنه سلوك موضع المخافة متمكنا منها غير هياب كما تمشي المرأة المتبخترة.

[172] – قائله لبيد، وهو من قصيدة في مرثية أربد في الديوان. وأمقر الشيء: إذا كان مرّا كالمقر وهو الصبر.

[173] – الخصائص: 2/167.

[174] – الخصائص: 2/259-260.

[175] – انظر الكتاب: 2/243، وانظر هامش الكتاب في الموطن السابق.

[176] – انظر الخصائص: 1/367.

[177] – الخصائص: 2/304-305.

[178] – الخصائص: 2/321-322.

[179] – [البقرة/48].

[180] – الخصائص: 2/473.

[181] – انظر الكتاب: 2/148. الشاعر هو الأغلب العجليّ. والشطر من أرجوزة يذكر فيها امرأة كان يهاجيها، تسمى كلبة وقد عناها بالجارية.

[182] – انظر الكتاب: 1/272.

[183] – الشاعر هو كثير عزة. انظر الكتاب: 1/276.

[184] – الخصائص: 2/491-492.

[185] – هو عنترة في معلقته، والبيت بتمامه:

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها  ***  قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

[186] – [القصص/82].

[187] – انظر الكتاب: 1/290.

[188] – انظر الكتاب: 1/290.

[189] – الخصائص: 3/40-41.

[190] – أي كحلبة العرني. وهو من مقطوعة في المفضليات.

[191] – انظر الكتاب: 1/30. البيت لسوادة بن عديّ. وقيل لأمية بن أبي الصلت.

[192] – الخصائص: 3/53-54.

[193] – انظر الخصائص: 1/374.

[194] – يريد بالصرف التنوين. ومعروف أنه تنوين عوض لا تنوين صرف.

[195] – الخصائص: 3/71-72.

[196] – الخصائص: 3/73.

[197] – هو الجرميّ. وانظر في الإنصاف المسألة الثالثة.

[198] – الخصائص: 3/73.

[199] – انظر الكتاب: 2/170. ويأخذها بعض اللغويين من البرى أي التراب.

[200] – الخصائص: 3/86-87.

[201] – [القصص/82].

[202] – انظر الخصائص: 3/41.

[203] – يزيد عمر بن ربيعة. أنظر اللسان (عود-.

[204] – الخصائص: 3/169-170.

[205] – انظر الكتاب: 2/369. ولفظه: «وقد قالوا: ثورة وثيرة. قلبوها حيث كانت بعد كسرة، واستثقلوا ذلك، كما استثقلوا أن تثبتفي ديم. وهذا ليس بمطرد، يعني ثيرة.

[206] – يريد المبرد، وأبو بكر هو ابن السراج.

[207] – الخصائص: 1/112-113.

[208] – تنوفى: إسم موضع.

[209] – دثار راعي إبل امرئ القيس. واللبون: الإبل ذوات اللبن. والفواعل: الجبال الصغار. كان امرؤ القيس نزل في طيء فأغير على إبله ونهبت، فهو يقول: كأنما اختطفتها عقاب فحلّقت بها في الجو، والتحليق: ارتفاع الطائر فلا يرجى رجوعها. ووصف أن العقاب عقاب هضبة عالية ليكون أقوى لها.

[210] – الخصائص: 3/191-192.

[211] – انظر كتاب المُنْصِف: شرح الإمام أبي الفتح عثمان بن جني النحوي لكتاب التَّصْرِيف للإمام أبي عثمان المازني النحوي البصري، تحقيق لجنة من الأستاذين: إبراهيم مصطفى العضو بالمجمع اللغوي بالقاهرة، وعبد الله أمين أحد نظار مدارس المعلمين الأولين السابقين، إدارة إحياء التراث القديم دار الثقافة العامة بوزارة المعارف-مصر، الطبعة الأولى: 1373ه/1954م، الجزء الأول، ص: 5-6.

[212] – الخصائص: 1/190/191.

[213] – هذا راجع للوصف الأول وهو إنزهو.

[214] – الخصائص: 1/229.

[215] -عبارة سيبويه في الكتاب: 2/218: «ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني قولك: النزوان والنقزان والنفزان. وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع. ومثله العسلان والرتكان… ومثل هذا الغليان لأنه زعزعة وتحرّك. ومثله الغثيان لأنه تجيش نفسه وتثور، ومثله الخطران والمعان لأن هذا اضطراب وتحرّك، ومثل ذلك اللهبان والوهجان لأنه تحرّك الحرّ وتثوره، فإنما هو بمنزلة الغليان».

[216] – يقال: نقز الظبي: وثب صعدا.

[217] – هذا من كلام ابن جني لا من كلام سيبويه، كما يعلم من نص سيبويه السابق.

[218] – الخصائص: 2/152-153.

[219] – الخصائص: 2/154-155.

[220] – انظر الكتاب: 1/142. القواء: القفر. وأذاع: فرق وغيّر. والمعصرات: السحاب ذوات المطر. وأراد بالحيران سحابا تردّد بمطره عليه ولازمه فهو كالحيران. والخضل: الغزير. وقد نسب البغدادي في شواهد المغني البيتين إلى عمر بن أبي ربيعة.

[221] – الخصائص: 3/225-227.

[222] – وما أثبته أوفق للسياق، والحديث في هذا كله عن سيبويه.

[223] – الخصائص: 1/202.

[224] – انظر الكتاب: 2/191.

[225] – الخصائص: 2/108-109.

[226] – الخصائص: 2/409.

[227] – الخصائص: 3/49-50.

[228] – أي سراقة البارقيّ. كان وقع في أسر المختار الثقفيّ، فزعم  له أنه رأى ملائكة على خيل بلق تحارب في جيش المختار فأطلق سراحه.

[229] – الخصائص: 3/152-154.

[230] – الخصائص: 1/183.

[231] – الخصائص: 1/184.

[232] – الخصائص: 1/201.

[233] – وما أثبته أوفق للسياق، والحديث في هذا كلّه عن سيبويه.

[234] – الخصائص: 1/202.

[235] – الخصائص: 1/206.

[236] – انظر الكتاب: 2/130، 380.

[237] – هو الجرميّ صلح ابن إسحاق؛ كما ذكره ابن جني في شرح تصريف المازنيّ. وقد أثبت: عمر طبقا لأصول الخصائص، وهو الحق.

[238] – الخصائص: 2/73-75.

[239] – الخصائص: 1/308-309.

[240] – الخصائص: 2/324.

[241] – الخصائص: 2/326-327.

[242] – انظر الكتاب: 1/72.

[243] – الخصائص: 2/340.

[244] – انظر الكتاب: 2/401. ابن جني يريد أن سوددا –بفتح الدال الأولى- ملحق؛ إذ لولا هذا لجرى فيه الإدغام. ولا يثبت البصريون من أوزان الرباعي فعللا –بفتح الام الأولى- حتى يلحق به. فمن ثم جعل ابن جني سيبويه إذ يقول بالإلحاق في نحو سودد يقول بلإلحاق بما لم يستعمل. وسيبويه في 2/401 يجعل قعددا –ومثله سودد- ملحقا بجندب وعنصل، وهما مزيدا. ومعنى هذا أن الإلحاق عند سيبويه يجوز أن يكون بالمزيد. وعلى هذا يكون سودد ملحقا بما جاء واستعمل.

[245] – الخصائص: 2/343.

[246] – هذا من قصيدة له يذكر فيها بأس قومه. وقبل البيت على ما في اللسان (جزر- والكتاب 1/76:

ولا نقاتل بالعصـ  ***  ــى ولا نرامى بالحجارة

والقارح من الخيل الذي أكمل خمس سنين، وبداهته أول جريه، وعلالته بقية جريه. يريد أن قتالهم ليس بالعصيّ وليس بالحجارة، وإنما هو الخيل يمتطيها الفوارس بالسلاح. ووقع هنا تقديم «بداهة» على «علالة»…

[247] – انظر الكتاب: 1/76.

[248] – الخصائص: 2/407.

[249] – انظر الكتاب: 1/8. وعبارته: «وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس».

[250] – أي الحكم بإحالة شرب ماء البحر على سبيل الحقيقة مستقيم. وقد يكون الأصل: «وهذا غير مستقيم» أي شرب ماء البحر على سبيل الحقيقة.

[251] – الخصائص: 2/455-456.

[252] – الخصائص: 2/479.

[253] – أذرائها: أطرافها.

[254] – اغترف: استوعب.

[255] – أطرار الأرض: نواحيها.

[256] – الخصائص: 3/185-187.

[257] – تلقامة: يقال رجل تلقامة أي عظيم اللقم في الأكل.

[258] – تلعابة: كثير اللعب.

[259] – أي سيبويه.

[260] – انظر الكتاب: 2/243.

[261] – يقال رجل ترعاية إذا كان يجيد رعية الإبل. وفي تائه الضم أيضا.

[262] – هو من أسماء الأسد.

[263] – انظر الكتاب: 2/323.

[264] – أمهج: رقيق أو نيء.

[265] – انظر الكتاب: 2/319.

[266] – اليحامد المنسوبون إلى يحمد –في وزن يمنع- وهي قبيلة من الأزد.

[267] – اليرامع: جمع اليرمع. ومن معانيها حجارة رخوة إذا فتتت تفتتت.

[268] – يريد ربيعة ومضر.

[269] – الخصائص: 3/187-218. تكلّم ابن جني على فوائت الكتاب في 31 صفحة من الخصائص.

[270] – انظر الكتاب: 2/108 وما بعدها.

[271] – الخصائص: 3/268-269.

[272] – الخصائص: 3/287.

[273] – الخصائص: 3/389.

[274] – الخصائص: 3/312-313.

[275] – يريد سيبويه. وانظر كتابه: 2/297، وهذا الذي رواه صاحب الكتاب رواه القُراء أيضا، ورووا مع هذا الإسكان. وممن روى الإسكان أبو محمد اليزيدي، وهو من هو في القراءة والبصر بالعربية. ومثل أبي محمد ما كان ليرمى بإساءة السمع، وقد روى أدق من هذا وأصنع عن أبي عمرو؛ فقد ذكر أن أبا عمرو كان يشمّ الهاء من يهدي والخاء من يخصمون شيئا من الفتح، وهذا من اللطف بمكان.

[276] – الخصائص: 1/72-73.

[277] – الخصائص: 1/83.

[278] – الكتاب: 1/300.

[279] – الخصائص: 1/396.

[280] – الخصائص: 2/323-324.

[281] – الكتاب: 1/32.

[282] – انظر النص كاملا في الكتاب: 1/26-32.

[283] – السيد إبراهيم محمد: الضرورة الشعرية: دراسة أسلوبية، دار الأندلس-بيروت، الطبعة الثالثة: 1983م، ص: 13.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.