الحلقة الثالثة: من أصحب؟|| سلسلة منارات حديثية
محمد الصادق
سلسلة منارات حديثية
الحلقة الثالثة: من أصحب؟
بقلم: محمد الصادق
عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة”.[1]
إشارات لغوية
المسك: كلمة معربة كانت العرب تسميه المشموم وهو طيب من دم الغزال
يحذيك: يعطيك ويهديك
الكير: منفاخ من الجلد الغليظ يستخدمه الحداد للنفخ في النار
منتنة: رائحته كريهة
معاني في الحديث
لقد اقتضت حكمة الله في خلقه أن جعل الانسان ميالا بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم والاجتماع بهم هذه المجالسة لها أثرها الواضح في فكر الانسان وسلوكه وتعامله مع نفسه ومجتمعه ومحيطه وبيئته. وهي بذلك سبب فعال في مصير الانسان وسعادته الدنيوية والاخروية لأن المرء يتأثر بجلسيه ويصطبغ بصبغته فكرا وعقيدة وسلوكا وعملا.
بين عليه الصلاة والسلام أن الجليس له تأثير على جليسه سلبا أو ايجابا بحسبه صلاحه وفساده حيث شبه الجليس صالح بحامل المسك، فإنك إذا جالسته لا بد أن ان يحصل لك منه واحدة من ثلاث إما أن يحديك أي يعطيك ويهدي إليك أو تشتري منه أو أدنى الحالات تجد منه الرائحة الطيبة المؤثرة في نفسك وبدنك وثيابك، فكذلك جليسك الصالح تنفع بمجالسته ولابد لك من فوائد في مجالسة أهل الخير والصلاح.
الناس يتفاوتون فيما بينهم، فمنهم من هو مفتاح للخير دال عليه ومنهم من هو مفتاح الشر جالب إليه كما قال عليه صلاة والسلام ” إن من الناس ناسا مفاتيح للخير معاليق للشر. وإن من الناس ناسا مفاتيح للشر مخاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه”.[2]
إن المسك الذي جاء في الحديث هو تعبير مجازي فلكل جليس مسكه والمسك درجات منه من مسكه لا يتجاوز الثرى ومنافعه أرضية صرفة مثل المعاملة الاجتماعية والتعليم والتعلم وأحيانا الترفيه مباح، ومنه من مسكه يحلق بك في الثريا يأخذ بيدك ليعلمك الإيمان ومكارم الأخلاق والعلوم التي ترقى بك في مدارج السمو الروحي، وأرقاه منزلة وأنفسه معدنا من يدل على من يدلك على الله فإن وجدته فعض عليه بالنواجد.
شبه أيضا عليه الصلاة والسلام الجليس السوء بنافخ الكير فهو إما أن يتطاير عليك من شرر ناره فيحرق ثيابك أو تجد من الرائحة الكريهة التي تصيب بدنك وثيابك وكذلك جليس السوء لا بد أن تتضرر بمجالسته.
وبما أن المسك درجات فإن نفخ الكير دركات منه من يحرق ثيابك أي تخسر متاع الدنيا الحسية والمعنوية وأشده من يحرقك أنت حين تخسر نفسك وروحك ومقامك عند الله، عفانا الله منه.
فقد كان الصحابة ومن تبعهم بإحسان يحرصون على مجالسة أهل الخير والصلاح لما يعرفون له من كبير القيمة في الدنيا والآخرة وإليكم القصة كما أوردها الإمام مالك. “عن أَبي إِدريس الخَولانيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ، فَإِذَا فَتًى بَرَّاقُ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ مَعهُ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا في شَيءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، ووَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صلاتَهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ للَّهِ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ، فَأَخَذَني بِحَبْوَةِ رِدَائي، فجذبني إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: قالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتَجالِسِينَ فيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَالمُتَباذِلِينَ فيَّ”.[3]
قال الشاعر عدي بن زيد:
عَنِ الَمرءِ لا تَسأَل وسَل عَن قَرينِه ::: فكُلُّ قَرينٍ بالُمقارَنِ يَقتَدي
فإِن كانَ ذا شَرٍّ فَجَانِبهُ سُرعَةً ::: وإن كانَ ذا خَيرٍ فقارِنهُ تَهتَدي
إذا كنتَ في قَومٍ فَصَاحِب خَيارَهُم ::: ولا تَصحَبِ الأَردَى فَترَدى مَعَ الرَّدي
أهم الفوائد المستخلصة من هذا الحديث:
- من يجالس الصالحين تشمله بركة مجالستهم ويعمه الخير الحاصل لهم وإن لم يكن عمله بالغا مبلغهم. كما جاء في الحديث القدسي” ….. هم القوم لا يشقى جليسهم “.[4]
- إن المرء مجبول على الاقتداء بجليسه والتأثر بعمله وعلمه وسلوكه، إن التأثير عن طريق القدوة أبلغ من التأثير بالمقال والنصح. قال صلى الله عليه وسلم ” المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.[5]
قال الخطابي في كتاب العزلة: قوله المرء على دين خليله، معناه لا تخالل الا من رضيت دينه وامانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه قال ابن مسعود: “ما من شيء أدلُ على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب”.
وقال ابن حبان: “إن من أعظم الدلائل على معرفة ما فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الاعتبار بمن يحادثه ويوده لأن المرء على دين خليله وطير السماء على أشكالها تقع”. [6]
- إن جليسك الصالح يبصرك بعيوبك ويدلك على جهات النقص مواطن العلل فتنطلق نحو العلاج وإصلاح العيوب.
- التماس الدعاء من الصحبة الصالحة حضوريا وعن ظهر الغيب وهو أرجى وأحب. عَنْ أبي در أَنَّ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ يقُولُ: “دَعْوةُ المرءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابةٌ، عِنْد رأْسِهِ ملَكٌ مُوكَّلٌ كلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بخيرٍ قَال المَلَكُ المُوكَّلُ بِهِ: آمِينَ، ولَكَ بمِثْلٍ”.[7]
- الصحبة الصالحة لها امتداد إلى الآخرة لا تنتهي بالموت ولكن خيرها مستمر إلى لقاء الله. قال تعالى:” الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين”. سورة الزخرف الآية 67
- كل صحبة وكل مجالسة لا تبني أسرة ومجتمعا وأمة هي محدودة الأثر قليلة المنافع ضعيفة المناعة قد لا تصمد عند أول عاصفة، وعلى هذا الأساس -أي صحبة ومجالسة سعت إلى بناء أمة- صحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتابعت هذه الصحبة بالوراثة القلبية، واستحقوا خيري الدنيا والآخرة.
- كل الفوائد التي ذكرناها في مجالسة الأخيار تنقلب على عكسها حين تجالس الاشرار.
[1]: أخرجه البخاري (2101)، ومسلم (2628)
[2]: رواه ابن ماجة.
[3]: رواه مالِكٌ في “الموطأ بإِسنادِهِ الصَّحيحِ
[4]: جزء من حديث قدسي رواه مسلم
[5]: رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
[6]: روضة العقلاء لابن حبان ص 109
[7]: رواه مسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله