﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ (٧) سلسلة “نتغير لنغير”
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ (٧) سلسلة "نتغير لنغير"/ د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ (٧) سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
إننا نمتلك أعظم قوة في الوجود، تلك القوة الداخلية المغروسة فينا، وأداتنا الكبرى لتزكية أنفسنا وتغيير ما بها، فلا حاجة بنا أن نبحث في خارجنا، أو انتظار قوى خارقة تنقذنا من تخلفنا، فالوسيلة المضمونة النتائج عندنا، نحتاج فقط أن نعيد اكتشافها والوعي بها، وأن نعيد تشغيلها..
إنها قوة الإيمان بالله تعالى ..
وطبعاً، لسنا بحاجة أن نبرهن على الإيمان بالله، وجوداً وربوبية، فأزمتنا ليست هذه؛ لأننا عارفون مؤمنون بوجوده، موقنون بذلك .. أزمتنا أن إيماننا هذا غير كاملٍ، وينقصه الجزء الأهم؛ فلا يكفي العلم والمعرفة. ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا، ونجيبها بصدق: هل نحن راضون عن حال إيماننا؟!!
حين يخالط الإيمان بشاشة القلب، وتستيقنه الضمائر، ويشرق به الوجدان، ويمتزج بالنفوس، وينير العقول، ويصيغ المشاعر، فإنه لا بد فاعل فعله وأثره في الحياة على كل المستويات الفردية والجماعية والعمرانية. إنه لا يكون صحيحًا ولا صادقاً إلا حين ينعكس على الفكر فيصححه، وعلى الاعتقاد فيطهره، وعلى الوجدان فيحرره، وعلى السلوك فيقومه، وعلى الخُلُق فيحسنه، وعلى الحياة فيجعلها حياة طيبة؛ ذات معنى، وعلى نظمها فيجعلها صالحة قائمة على الهدى، والحق، والعدل، والأمانة، وتساوي الناس، ووحدتهم، وألفتهم، وتعاونهم، أما إذا لم يفعل ذلك كليا أو جزئيا، فمعناه وجود خلل في التحقق بحقيقته، وتعلمه التعلم الصحيح، أو أن هناك شوائبَ قد شابته فحالت دون انعكاسه وامتداده وفعله فينا وفي الحياة [1]. ولنتذكر مثلا ما روي عن النبي ﷺ حين قال:{لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه}[2] .. إن الإيمان لا يكتمل إلا إذا أحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه، وحرص على مصلحة الغير حرصه على مصلحته الشخصية، والعكس كذلك: فما لا تحبه لنفسك لا تحبه لغيرك، وما تنهى عنه غيرك انته منه أنت أولاً.
وعليه، فإن الإيمان الحقيقي هو تلك القوة المتعدية أسوار النفس، إلى ساحات الحياة الاجتماعية، وميادين العلاقات الإنسانية، ومجالات العمران المختلفة. صحيح أن “الايمان في القلب”! لكن ليس صحيحاً أن يتوقف وينحصر هناك، لأنه سيكون تعطيلاً وتجميداً له، وتكميناً لقوته. الصحيح أن يكون الإيمان محرك فعلنا، ووقود حركتنا، وشرطينا الضابط في طريقنا، وضميرنا الحي، الذي لا يدعنا وشأننا حتى نصلح، وحتى نقوم بالصواب والصحيح في أي موقف وقفناه؛ إذ الإسلام عقيدة متحركة، تأبى السلبية والعجز والكسل، فبمجرد تحققها في عالم الشعور، تتحرك لتترجم نفسها إلى حركة وعمل في عالم الواقع. ومنهج الإسلام الثابت في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها، إلى حركة مرورية في دروب الحياة وشعابها المختلفة. وجماع ذلك قول الله تبارك وتعالى:﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ الاحقاف:١٣؛ “أي إن الذِينَ جمعوا بين التوحيد الذِي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الدين الَّتِي هي منتهى العمل”[3]. وبتعبير سيد قطب، فـإن “قولة:﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾، ليست كلمة تقال، بل إنها ليست مجرد عقيدة في الضمير، إنما هي منهج كامل للحياة، يشمل كل نشاط فيها وكل اتجاه، وكل حركة وكل خالجة؛ ويقيم ميزانا للتفكير والشعور، وللناس والأشياء، وللأعمال والأحداث، وللروابط والوشائج في كل هذا الوجود..﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾، وهذه أخرى؛ فالاستقامة والاطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج: استقامة النفس وطمأنينة القلب، استقامة المشاعر والخوالج، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات، وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة. واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار، وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات، وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك!.﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ منهج، والاستقامة عليه درجة بعد معرفته واختياره”[4].
إن الحديث هنا إذاً هو عن فاعلية الإيمان في النفس والحياة، وعما أخبر به الله تعالى في الآية، ويؤكده قول النبي ﷺ:{قل آمنت بالله ثم استقم}[5]..
فلنسأل الآن أنفسنا: هل هذا هو حال إيماننا؟؟ أليس قد هال عليه التراب، أو علاه الصدأ، فتراكم عبر السنين والعصور، حتى تعطل، فاحتاج إلى إعادة التشغيل مع التجديد؟؟ أليس إيماننا في الغالب الأعم وراثياً تقليدياً مأخوذاً عن الآباء:﴿قَالُوۤا۟ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ﴾ الزخرف:٢٢؟ أليس سطحيّاً ينقصه اليقين والرسوخ التام، ويفتقر إلى الفاعلية المطلوبة؟؟ ربما لأنه لم يحصل نتيجة النظر والتعلم والتدبر والتفكر والاعتبار؟ ..
ليس معنى أن يجدد المسلم إيمانه معرفة ما ينبغي اعتقاده من جديد، ويؤمن بوجود الله، فهو لم يتخل مطلقا عن عقيدته، بل بقي مؤمنا متدينا، المشكل أن عقيدته هذه قد تجردت من فاعليتها، لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي، ليست المشكلة أن نعلمه عقيدة هو يملكها أصلا، وإنما المهم أن نرد إليها فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي. وبعبارة أخرى: إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن على وجود الله، بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتباره مصدرا للطاقة، والدفع للفعل، مرشداً للسلوك [6].
وعليه، فإنا بحاجة إلى إعادة إيماننا إلى ساحة الفاعلية والفعالية، وأن التحول من الرجل الكل إلى الرجل العدل:﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا رَّجُلَیۡنِ أَحَدُهُمَاۤ أَبۡكَمُ لَا یَقۡدِرُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَیۡنَمَا یُوَجِّههُّ لَایَأۡتِ بِخَیۡرٍ هَلۡ یَسۡتَوِی هُوَ وَمَن یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ النحل:٧٦.
فالتجديد التجديد … والفاعلية الفاعلية …
وفي المقالات القادمة نتحدث في هذه الفاعلية المطلوبة، وذلك من خلال تجديد الدخول إلى المدارس الإسلامية العليا، لتجدد الوعي فيها، وفقه العلوم من جديد .. والله المستعان.
[1]– طه جابر العلواني، التوحيد التركية العمران، طبعة دار الهادي، بيروت، ٢٠٠٣م، ص ١٧.
[2]– أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
[3]– الالوسي، روح المعاني، طبعة المنيرية، ٢٦/١٦.
[4]– في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، ط١٠، ١٩٨٢، ٦/٣٢٥٩.
[5]– اخرجه مسلم وابن حبان في الصحيح.
[6]– مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، طبعة ٢٠٠٢، دار الفكر، بيروت ودمشق، ص ٥٤.