القرآن الكريم وتعدد زوايا التلقي: قراءة في تجربة العقاد والرافعي ودراز
عيد محمد عبد الغني
القرآن الكريم وتعدد زوايا التلقي:
قراءة في تجربة العقاد والرافعي ودراز
بقلم: عيد محمد عبد الغني
يتميز القرآن الكريم بثراء دلالي واتساع في آفاق النظر إليه، بما يتيح تعدد زوايا التلقي وتنوع طرائق قراءته، دون أن يعني ذلك تعددًا في النص أو اضطرابًا في دلالاته؛ فالقرآن نص واحد في مصدره، ثابت في أصوله، بينما تتنوع طرائق الاقتراب منه بتنوع أدوات القارئ وتكوينه العلمي ومجاله المعرفي. ومن ثم، فإن اختلاف القراءات لا يعني بالضرورة اختلاف المقروء، بل قد يكشف عن تعدد الأبعاد التي يتيحها النص الواحد لمن يتعامل معه بوعي بأدواته ومناهجه.
وقد شهد الفكر الإسلامي الحديث نماذج متعددة في الاقتراب من القرآن الكريم، غير أن عباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، ومحمد عبد الله دراز يقدمون ثلاثة نماذج جديرة بالتأمل والمقارنة؛ إذ ارتبطت قراءة كل واحد منهم بتكوينه العلمي والأدبي ومشروعه الفكري، فكان لكل منهم مدخله الخاص إلى النص القرآني.
فقد اقترب العقاد من القرآن من منظور المفكر الذي ينشغل بقضايا العقل والإنسان والعقيدة والحضارة، ويستحضر النص القرآني في معالجة الأسئلة الفكرية ومناقشة الإشكالات الفلسفية والثقافية. بينما اتخذت قراءة الرافعي من اللغة والبيان والإعجاز الأدبي محورًا بارزًا، فانصرف اهتمامه إلى الكشف عن الخصائص البيانية التي يتفرد بها القرآن في نظمه وأسلوبه وتعبيره. أما دراز فقد اتجه إلى قراءة تجمع بين التكوين العلمي والتدبر الإيماني، وتتجاوز الوقوف عند الآيات في عزلة عن سياقها إلى النظر في ترابطها، ووحدة السورة، وبناء القرآن الكلي، ومقاصده.
وعليه، فإن المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة لا تستهدف مجرد رصد ما كتبه أصحابها عن القرآن الكريم، وإنما تتجه إلى سؤال أكثر دقة: كيف قرأ كل واحد منهم القرآن؟ وما الأدوات التي شكلت قراءته؟ وما الأبعاد التي كشفت عنها تلك الأدوات؟
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى النماذج الثلاثة باعتبارها ثلاث طرائق متمايزة في التلقي: العقاد يمثل مدخل العقل والفكرة، والرافعي يمثل مدخل اللغة والبيان، ودراز يمثل مدخل التدبر والنظر في البناء القرآني. ولا تكمن أهمية هذه التعددية في المفاضلة المجردة بين القراءات، وإنما في إمكان النظر إليها بوصفها زوايا متجاورة تكشف، كلٌّ منها، عن جانب من ثراء النص القرآني واتساع مجالات النظر فيه.
أولًا: العقاد ــ قراءة القرآن بعين المفكر
إذا كان تعدد زوايا القراءة القرآنية مرتبطًا بتنوع أدوات القارئ وتكوينه المعرفي، فإن العقاد يقدم نموذجًا واضحًا للعلاقة بين التكوين الفكري وأسلوب التلقي. فقد دخل إلى القرآن من بوابة الفكر والعقل، ولم يتعامل معه بوصفه مادة وعظية أو مجرد مصدر للاستشهاد، وإنما رآه نصًّا مؤسسًا لرؤية متكاملة للإنسان والوجود والحياة، وقادرًا على مخاطبة العقل، وإقامة الحجة، وتوجيه التفكير.
وتكشف كتابات العقاد عن حضور القرآن في صميم مشروعه الفكري؛ فهو يستحضره عند مناقشة قضايا العقيدة والإنسان والأخلاق والحضارة، ويستثمر دلالاته في معالجة عدد من الأسئلة التي شغلت الفكر الحديث. ومن ثم، فإن قراءته للقرآن لا تنفصل عن مشروعه العام في بناء الوعي الإسلامي على أساس من الإيمان الذي لا يصادم العقل، بل يستنهضه ويوجهه إلى النظر والتدبر والاستدلال.
ومن أبرز سمات هذه القراءة أن العقاد ينظر إلى العقل بوصفه أداة أصيلة في الخطاب القرآني؛ فالقرآن، في تصوره، لا يدعو الإنسان إلى تعطيل عقله أمام النص، وإنما يحفزه على النظر في الكون، والتفكر في النفس، وإعمال البرهان، ومراجعة المسلمات. ومن هنا يصبح إبراز البعد العقلي في القرآن عند العقاد وسيلة لإظهار طبيعته بوصفه خطابًا يخاطب الإنسان في ملكاته المختلفة، ويقيم صلة وثيقة بين الإيمان والتفكير.
كما ارتبطت قراءته القرآنية بمحاولة مواجهة الأسئلة الفكرية الحديثة من داخل المرجعية الإسلامية؛ فلم يكن العقاد يكتفي بعرض الموقف القرآني، بل كان يدخله في حوار مع الأفكار والمذاهب والتيارات التي عرفها عصره، مستفيدًا من أدواته الفكرية والأدبية في تحليل القضايا وبيان قوة التصور الإسلامي في معالجتها.
وهنا تظهر خصوصية العقاد؛ فهو لا يقرأ القرآن بمعزل عن أسئلة عصره، بل يقرأه في مواجهة العصر ومن أجل الإنسان الذي يعيش فيه؛ يستخرج منه ما يعين على بناء الوعي، وتحرير العقل من الجمود، وتأسيس رؤية إيمانية قادرة على التعامل مع التحولات الفكرية والحضارية.
ومن ثم يمكن القول إن العقل والفكرة يمثلان مركز الثقل في قراءة العقاد للقرآن؛ فهو ينظر إلى النص القرآني بوصفه مصدرًا للتصور، ومجالًا للتفكير، وأساسًا لمحاورة العقل الحديث.
ثانيًا: الرافعي ــ قراءة القرآن بعين الأديب
وإذا كان العقاد قد اتخذ من العقل والفكرة مدخلًا رئيسًا إلى القرآن الكريم، فإن الرافعي يمثل مدخلًا آخر تتصدره اللغة والبيان والتذوق الأدبي. فقد كان تكوينه الأدبي واللغوي عاملًا حاسمًا في تشكيل نظرته إلى القرآن، حتى غدا الكشف عن أسرار البيان القرآني وإعجازه اللغوي أحد أبرز المحاور في مشروعه الفكري.
لم يتعامل الرافعي مع القرآن بوصفه نصًّا عربيًا بليغًا فحسب، وإنما نظر إليه باعتباره النموذج الأعلى للبيان العربي، ورأى أن خصوصية إعجازه لا تنحصر في المعاني التي يتضمنها، وإنما تمتد إلى الطريقة التي انتظمت بها هذه المعاني في ألفاظه وتراكيبه ونظمه وإيقاعه. ومن هنا جاء اهتمامه بالمفردة القرآنية، واختيار اللفظ، وتركيب الجملة، والعلاقات الدقيقة بين الألفاظ والمعاني، بوصفها مداخل أساسية للكشف عن جانب من الإعجاز القرآني.
ولهذا جاءت قراءة الرافعي قائمة على التذوق والتحليل معًا؛ فهو لا يكتفي بالإحساس بجمال التعبير القرآني، وإنما يحاول أن ينقل هذا الإحساس إلى مجال التحليل، فيبحث عن سر القوة في العبارة، وعن التناسب بين اللفظ والمعنى، وعن الخصائص التي تمنح الأسلوب القرآني تفرده وتميزه. فالبيان عنده ليس زخرفًا لغويًا منفصلًا عن المعنى، وإنما هو جزء من بنية الخطاب ودلالته.
ومن هنا ارتبط دفاع الرافعي عن القرآن بدفاعه عن العربية بوصفها لغة الوحي؛ فاللغة عنده ليست أداة محايدة يمكن فصلها عن مضمون النص، وإنما هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم خصوصيته وإدراك جانب من إعجازه. ولذلك جمع في كتاباته بين الدفاع عن القرآن والدفاع عن خصائص العربية وطاقتها البيانية.
وتظهر هذه النزعة بوضوح في كتابه «تحت راية القرآن»، حيث لم يكن الاشتغال بالقرآن منفصلًا عن معركته الأدبية والفكرية، بل كان القرآن حاضرًا بوصفه معيارًا للبيان، وميدانًا للكشف عن خصائص العربية، ومجالًا لإبراز ما يراه الرافعي من تفرد النص القرآني عن كلام البشر.
وعليه، فإن الرافعي لا يقدم مجرد قراءة أدبية للقرآن، وإنما يقدم قراءة تجعل البيان طريقًا إلى إدراك الإعجاز؛ فاللغة عنده ليست مرحلة تمهيدية تسبق فهم القرآن ثم تنتهي، بل هي إحدى الساحات التي يتجلى فيها تفرده.
وهكذا، إذا كان سؤال العقاد المركزي ينصرف إلى ما يبنيه القرآن في العقل والإنسان والتصور، فإن سؤال الرافعي يتجه بدرجة أكبر إلى ما يجعل الخطاب القرآني متفردًا في بيانه ونظمه وتعبيره.
ثالثًا: دراز ــ قراءة القرآن بعين العالم المتدبر
وبينما اقترب العقاد من القرآن من جهة الفكرة والعقل، والرافعي من جهة اللغة والبيان، يقدم محمد عبد الله دراز نموذجًا ثالثًا تتداخل فيه أدوات العالم بالأصولي والمفكر، وتتجه القراءة فيه إلى الكشف عن وحدة القرآن وتماسك بنائه ومقاصده وأثره في النفس الإنسانية.
فدراز لا يقف عند الآية منفردة عن سياقها، ولا يتعامل مع السور بوصفها مجموعة من الموضوعات المتجاورة، وإنما ينظر إلى القرآن باعتباره بناءً متكاملًا تتساند أجزاؤه وتتآزر موضوعاته. ومن هنا تظهر عنايته بالكشف عن الروابط بين مقاطع السورة، وعن وحدتها، وعن العلاقة بين مطالعها وخواتيمها، وعن الطريقة التي تنتظم بها القضايا المتعددة داخل السياق القرآني في نسق متماسك.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في كتابه «النبأ العظيم»، حيث لم يكن هدفه مجرد الدفاع عن القرآن أو شرح بعض معانيه، وإنما تقديم مدخل منهجي إلى فهم خصائصه، والكشف عن طبيعة الخطاب القرآني ومقوماته، وإقامة الدليل على مصدره الإلهي من خلال النظر في بنائه وخصائصه وأثره.
ومن أهم ما يميز قراءة دراز أنها تجمع بين التحليل العقلي والتدبر الإيماني؛ فهو لا يفصل بين العقل الذي يبحث عن البرهان، والقلب الذي يتلقى الهداية، بل يجعل التدبر قائمًا على التفاعل بين النظر العقلي والاستجابة الوجدانية. ولذلك تتجاوز معالجته للقرآن القراءة التجزيئية التي تقف عند المعاني المفردة، إلى قراءة تبحث عن العلاقات والروابط والسنن الكلية التي تنتظم النص.
كما يتعامل دراز مع القرآن بوصفه خطابًا موجهًا إلى الإنسان، ولذلك لا تنتهي قراءته عند إثبات الإعجاز أو بيان التماسك، وإنما تمتد إلى الكشف عن أثر القرآن في بناء الاعتقاد والسلوك وتوجيه الإرادة. فالنص القرآني عنده ليس بناءً محكمًا فحسب، وإنما خطاب هداية يتجه إلى الإنسان ليؤثر في وعيه ووجدانه وسلوكه.
ومن هنا يمكن القول إن خصوصية دراز تكمن في انتقاله من ملاحظة الخصائص المتفرقة إلى النظر في الكيان القرآني بوصفه وحدة متماسكة؛ فالسورة لها سياقها ووحدتها، والآية تزداد دلالتها وضوحًا بالنظر في سياقها، والموضوع الجزئي يتصل بالمقصد الكلي.
رابعًا: من تعدد القراءات إلى تكاملها
إذا كان العقاد قد دخل إلى القرآن من باب العقل والفكرة، والرافعي من باب اللغة والبيان، ودراز من باب التدبر والنظر في البناء الكلي، فإن هذه المداخل لا تبدو متعارضة، بقدر ما تكشف عن جوانب متكاملة في التعامل مع النص القرآني؛ فالقرآن يخاطب العقل، ويتفرد ببيانه، وينتظم في بناء محكم تتآزر أجزاؤه ومقاصده.
فالرافعي يكشف جانبًا من جمال الخطاب القرآني وإعجازه البياني، والعقاد يبرز قدرته على بناء العقل والتصور وتوجيه الإنسان، بينما يلفت دراز النظر إلى وحدة النص وترابطه ومقاصده. وبذلك يضيء كل واحد منهم جانبًا لا يمثل بالضرورة مركز اهتمام الآخر.
ويمكن تلخيص العلاقة بين القراءات الثلاث في أن الرافعي يضيء لغة القرآن وبيانه، والعقاد يضيء فكره وأثره في الإنسان، ودراز يضيء بناءه ووحدته ومقاصده. وهي جوانب متداخلة؛ فالبيان يحمل المعنى، والمعنى يسهم في بناء التصور، والتصور ينتظم داخل سياق قرآني يقود إلى المقصد.
ومن هنا فإن قيمة الجمع بين العقاد والرافعي ودراز لا تكمن في المفاضلة بينهم، وإنما في تكامل زوايا النظر؛ فالعقل والبيان والتدبر، حين تتفاعل، تتيح قراءة أوسع للنص القرآني، وتكشف عن ثرائه دون اختزاله في زاوية واحدة.
خاتمة: اختلاف التلقي ووحدة المقروء
تكشف المقارنة بين العقاد والرافعي ودراز أن اختلاف التلقي لا يعني اختلاف النص، وإنما يعكس تنوع الأدوات التي يقترب بها القارئ من القرآن الكريم. فالعقاد قرأه بعين المفكر، والرافعي بعين الأديب، ودراز بعين العالم المتدبر؛ فبرز في قراءة الأول العقل والفكرة، وفي الثانية اللغة والبيان، وفي الثالثة التدبر والبناء والمقصد.
وهذا الاختلاف ليس بالضرورة موطن تباعد، بل يمكن أن يكون مصدر إثراء؛ إذ إن تعدد زوايا النظر قد يوسع دائرة الفهم، ويكشف من النص الواحد عن أبعاد لا تستوعبها أداة واحدة. ومن هنا فإن القراءة القرآنية الأعمق ليست بالضرورة تلك التي تنحصر في مدخل واحد، وإنما التي تستفيد من تعدد الأدوات مع المحافظة على وحدة النص وسياقه ومركزيته.
ولعل أهم ما تكشف عنه هذه النماذج أن وحدة القرآن لا تمنع تعدد طرق تلقيه، كما أن تعدد القراءات لا يلغي وحدة المقروء. فالعقاد والرافعي ودراز، على اختلاف تكوينهم ومداخلهم، التقوا عند القرآن، وسعى كل منهم إلى الكشف عن جانب من جوانب عظمته؛ فكان العقل عند العقاد، والبيان عند الرافعي، والتدبر والنظر الكلي عند دراز.
رحم الله العقاد والرافعي ودراز رحمة واسعة، وجزاهم عن القرآن وأهل العلم خير الجزاء، ورفع درجاتهم بما قدموا من جهد في خدمته والدفاع عنه والكشف عن بعض وجوه عظمته، وجمعنا وإياهم في مستقر رحمته، ورزقنا صدق التلاوة، وحسن التدبر، والعمل بما أنزل الله تعالى، وجعل القرآن حجة لنا لا علينا.