القرآن في عيون المنصفين: شهادة جاري ميلر على إعجاز الوحي
عيد محمد عبدالغني
القرآن في عيون المنصفين:
شهادة جاري ميلر على إعجاز الوحي
بقلم: عيد محمد عبدالغني
القرآن الكريم، ذلك الكتاب المعجز في كل تفاصيله، المدهش في مضمونه، الذي لا ريب فيه، ولا شك في أنه كلام الله تعالى. ودليل ذلك ما اشتمل عليه من وجوه الإعجاز، وما أحدثه من إبهار للعقول والأفهام، وما امتاز به من توافق عجيب مع العقل والنفس والروح والقلب. وذلك راجع إلى وحدة المصدر؛ فالذي أنزل القرآن بكل سوره وآياته هو الذي خلق الإنسان بعقله وقلبه ونفسه.
والحديث عن إعجاز القرآن يطول، فلا تسعه المطولات من الكتب، ولا تحده الموسوعات الضخام؛ لأن وجوه إعجازه تتجدد كلما أعملت العقول النظر فيه، وأقبلت القلوب على تدبره.
وقد أدهشني ما اطلعت عليه من جهود العلماء المسلمين في إبراز وجوه الإعجاز فيه بأنواعها المختلفة؛ سواء من جهة ألفاظه ومقاصده، أو رسمه وخطه، أو تعبيره وأسلوبه، أو عقيدته وتشريعه، أو إخباره عن السابقين واللاحقين، أو حديثه عن مظاهر الكون منذ نشأته إلى نهايته، وعن بداية الإنسان ونهايته، وعن تفسيره للظواهر الإنسانية والنفسية والعضوية، إلى غير ذلك من وجوه الإعجاز.
وكل ذلك يثبت أن القرآن ليس من كلام البشر، وإنما هو كلام رب البشر، الذي خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وأحاط علمه بكل شيء، فلا يشوبه جهل، ولا يتطرق إليه نقص؛ فله الحمد أولًا وآخرًا.
وربما يقول قائل: إن هذا إنما يقوله المسلمون المتأثرون بدينهم، وقدسية كتابهم، فلا تكون شهادتهم حجة عند غيرهم.
غير أن هذه الفكرة راودتني، فانطلقت أبحث عن القرآن في كتابات بعض مفكري الغرب وباحثيه؛ لعلي أجد ما يؤيد هذا الاعتراض أو ينقضه، فإذا بي أفاجأ بسيل من الشهادات والدراسات التي تناولت القرآن بإعجاب وإنصاف، وكانت الدهشة أعظم مما توقعت.
وإليك -عزيزي القارئ- نموذجًا من تلك النماذج، وهو الدكتور جاري ميلر، الرياضياتي والباحث الكندي، والناشط السابق في التبشير بالمسيحية. فقد دخل إلى دراسة القرآن قاصدًا البحث عن الأخطاء التاريخية والعلمية فيه؛ ليجعلها وسيلةً يستعين بها هو وغيره من المبشرين في تنصير المسلمين، غير أن الأمر انتهى إلى عكس ما أراد؛ إذ تملَّك القرآن قلبه وعقله، وغلبه الإنصاف، فكتب كتابه (The Amazing Qur’an)، الذي تُرجم إلى العربية بعنوان «القرآن المعجز»، وهو كتاب قلَّ نظيره في بابه، تناول فيه عددًا من وجوه إعجاز القرآن بأسلوب علمي رصين، وعقلية منطقية متأملة.
ومن التدبرات التي ذكرها في كتابه ما يتعلق بأسلوب التحدي القرآني؛ إذ أشار إلى أن القرآن تحدى البشرية في أكثر من موضع، فقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾، ثم خفف التحدي فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، ولا يزال هذا التحدي قائمًا إلى يوم الناس هذا، وإلى يوم القيامة.
وفي موضع آخر نفى أن يكون القرآن من تأليف البشر، فقال بما معناه: «لا يوجد مؤلف في العالم يجرؤ على أن يؤلف كتابًا، ثم يزعم أنه خالٍ من الأخطاء، ثم يتحدى الناس جميعًا أن يجدوا فيه خطأً، أما القرآن فإنه يفعل ذلك بكل وضوح». وهو يشير إلى ما تضمنته آيات القرآن من الثقة المطلقة بسلامته من التناقض والاضطراب.
كما يستعرض في موضع آخر ملاحظةً لافتةً بعقليته الرياضية، فيقول: «هناك سورة كاملة في القرآن تسمى سورة مريم، وفيها تكريم لمريم عليها السلام بما لا نظير له في الكتاب المقدس، بينما لا توجد سورة باسم عائشة أو فاطمة، كما أن عيسى عليه السلام ذُكر باسمه خمسًا وعشرين مرة، في حين لم يُذكر محمد صلى الله عليه وسلم باسمه إلا خمس مرات». ويرى في ذلك دلالةً على موضوعية الخطاب القرآني، وبعده عن النزعة الشخصية، بل فيه دلالة علي أن جزء كبير من الخطاب القرآني موجه لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وكانت له وقفة أخرى مع سورة المسد؛ إذ رأى فيها دليلًا قويًا على صدق الوحي، فقال: «نزلت سورة المسد قبل وفاة أبي لهب بعشر سنوات، وكان أمامه 365 × 10 = 3650 فرصة لإثبات أن هذا الكتاب وهم، ولكن ما هذا التحدي؟ لم يسلم أبو لهب ولو بالتظاهر، وظلت الآيات تتلى حتى اليوم، كيف يكون الرسول واثقا خلال عشر سنوات أن ما لديه حق، لو لم يكن يعلم أنه وحي من الله؟».
كما ناقش دعوى من زعم أن الشياطين هي التي ألقت القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، متسائلًا: كيف يمكن أن تؤلف الشياطين كتابًا يذمها، ويأمر بالاستعاذة منها؟
ولم يقف الدكتور ميلر عند هذا الحد، بل انتقد ما ورد في الموسوعة الكاثوليكية الجديدة عند حديثها عن القرآن، مبينًا أنها عرضت كثيرًا من النظريات التي حاولت تفسير مصدر القرآن بعيدًا عن الوحي، ثم انتهت إلى عدم صلاحية تلك النظريات للاعتماد عليها علميًا. ويعلق ميلر على ذلك بقوله: إن المؤسسة الكنسية، مع رغبتها في تبني إحدى تلك النظريات، لم تجد ما يسوغ قبولها، وإن لم تمتلك الجرأة على الإقرار بصحة ما يعتقده المسلمون.
وغير ذلك كثير من الوقفات التدبرية التي ساقها جاري ميلر في كتابه، وقد اكتفيت بذكر بعضها، وتركت كثيرًا منها؛ ليكون ذلك باعثًا على قراءة الكتاب، والوقوف على ما تضمنه من تأملات، والاستفادة من منهجه في النظر والتدبر في كتاب الله تعالى.
وجدير بالذكر أن جاري ميلر أعلن إسلامه بعد رحلته في دراسة القرآن، واشتهر بعد إسلامه باسم عبد الأحد عمر. وتشير أكثر المصادر تداولًا إلى أن إسلامه كان عام 1978م، بعد أن بدأ دراسة القرآن عام 1977م. نسأل الله أن يثبته على الحق، وأن يجزيه خيرًا على ما قدم.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.