منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ (٦)  سلسلة “نتغير لنغير” 

﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ (٦)  سلسلة "نتغير لنغير" / د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ (٦)  سلسلة “نتغير لنغير” 

بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه

 

ويستمر حديث التزكية التي موضوعها الإنسان صاحب وظيفة خلافة الله تعالى في الأرض، التي لا يصلح لها إلا من كان طاهر النفس، نقي السريرة.

ومن لم يكن كذلك، لم يكن طاهر القول والفعل؛ لأن كل إناء بالذي فيه ينضح، والله تعالى يقول:﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ الأعراف:٥٨. ولأجل أنه لا يطيب عمل من خبثت نفسه قال تعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الحجرات:٣. إنه امتحان التزكِّي الذي شرع الله سبحانه وتعالى منهجه؛ جعل أساسَه ومقومَه الأول هويةَ الإنسان، وعنوانَ معالم شخصيته، بل جعله -إن جاز لنا أن نقول- اسمه الذي ينادى به: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟﴾..

الحديث هنا عن قوةٍ مغروسةٍ في داخلنا لنزكي بها أنفسنا، لن تأتينا من الخارج. إنها عقيدة صافية، وإيمان نقي غير معقد، الإيمان بالله وتوحيده، ذلك العمل النفسي، الذي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بكل جوانبها، لا حياة لأرواحنا بدونه، ولا راحة بال وفكر بسواه؛ فهو المجيب عن كل سؤالاتنا عن الوجود والمصير، وعن كيف الحياة وأين المصير.

هو قضية الإنسان الكبرى في هذا الوجود، وواهمٌ من يظن أنها قضية هامشية يجوز الغفلة عنها والاستخفاف بها، فهي قضية المصير؛ إنها سعادة الأبد أو شقوته، وإنها لجنةٌ أبداً، أو لنارٌ أبداً .

ولنا أن نتخيل إنساناً بلا إيمان، إنه كريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تعرف لها وجهة، ولا تسكن إلى قرار مكين. والفرد بغير إيمان ليس له قيمة ولا جذور، قلق متبرم حائر، لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده، لا يدري من ألبسه ثوب الحياة ولم أُلبسَهُ؟ ولم ينزعه عنه بعد حين؟! وَإِلَى أين يصير؟ هو بغير إيمان حيوان شره أو سبع فاتك، لا تستطيع الثقافة ولا القانون -وحدهما- أن يحدا من شراهته، أو يقلما أظفاره. والمجتمع بغير إيمان غابة موحشة، يأكل فيها القوي الضعيف، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة، لأن الحياة والبقاء فيه للأقوى لا للأتقى، مجتمع تعاسة وشقاء، وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم، مجتمع تافه لأن غايات أهله لا تتجاوز شهوات المادة، حالهم كحال:﴿وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یَتَمَتَّعُونَ وَیَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوࣰى لَّهُمۡ﴾ محمد:١٢، وحال:﴿یَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرࣰا مِّنَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ﴾ الروم:٧.

إن العلم العصري وإن امتد رواقه، واتسعت ميادينه، لا يستطيع تحقيق السعادة والطمأنينة للناس، لأن دوره أن يهيئ لهم وسائل الحياة، ولكنه لا يهدهم إلى غاياتها.. إنه يزين لهم ظاهرها، ولكنه لا يصلهم بأعماقها وما ورائياتها. وما أتعس الإنسان إذا أغرقته الوسائل فذهل عن الغايات، وإذا شغل بالسطح عن القاع، وبالقشر عن اللباب! .

ألم يقل النبي ﷺ:{… ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ، وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ} .

الإيمان أمان النفس وأمن الوجدان، غذاء الروح، بل وزينة القلوب:﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَیۡكُمُ ٱلۡإِیمَـٰنَ وَزَیَّنَهُۥ فِی قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَیۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡیَانَۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلرَّ ٰ⁠شِدُونَ﴾ الحجرات:٧، وما أطيبها من حياة وهي تتزيى بالإيمان والتوحيد لله!!

هو الضرورة الكبرى والأعلى للعيش، لا عيش إلا عيش الإيمان، بدونه يعيش الإنسان مستعبداً لطاغوت الهوى، الذي حذر منه سبحانه أشد تحذير:﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ الجاثية:23، ويعيش حيران لا يعرف من يتبع، وبم يؤمن ويقتنع، وقد قال تعالى:﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا رَّجُلࣰا فِیهِ شُرَكَاۤءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلࣰا سَلَمࣰا لِّرَجُلٍ هَلۡ یَسۡتَوِیَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ الزمر:٢٩، ففي الآية ضرب للمثل لرجلين:

الأول: حال من لا يؤمن بالله في تقسُّمِ عقله بين آلهة كثيرين؛ فَهو في حيرة وشك مِن رِضى بعضهم عنه وغضب بعض، وفي تردد عبادته إن أرْضى بِها أحد آلهته، لعله يُغضب بِها ضده، فرغباتهم مختلفة، ويبقى هو ضائِعًا لا يدري عَلى أيهم يعتمد، فوهمه شعاع، وقلبه أوزاع، بِحالِ مملوكٍ اشترك فيه مالكون لا يَخلون مِن أنْ يَكون بينهم اختلافٌ وتنازع، فهم يَتَعاورونه في مهن شتى، ويتدافعونه في حَوائجهم، فهو حيران في إرْضائهم، تعبان في أداء حقوقهم، لا يستقل لحظةً، ولا يتمكن من استراحة..

والثاني: حال المسلم الموحِّد، الذي يقوم بما كلفه ربه عارفاً بمرضاته، مُؤَمِّلًا رِضاه وجزاءه، مستقر البال، هو حال العبد المملوك الخالص لِمالك واحد، قد عرف مراد مولاه، وعلم ما أوجبه عليه؛ فَفهمه واحِد، وقلبه مجتمعٌ” .

إن الحياة بالإيمان لهي الحياة الحقيقية، ذات معنى وطعم، طعم العيش الهنيئ والشعور بالمعنى، وما أصعب العيش بلا معنى!.. بسره “تتحقق مزايا الكون وكمالاته، وتدرك الوظائف الراقية للموجودات، وتتقرر نتيجة خلق المخلوقات، وتعرف أهمية المصنوعات، وتبرز ما في هذا العالم من مقاصد إلهية، وتظهر حكمةُ خلق ذوي الحياة، وسر وجود ذوي المشاعر” ..

فبشرى للذين آمنوا؛ لأنهم يمتلكون القوة العظمى في الوجود: الإيمان بالله وتوحيده، التي تتجه بهم إلى الوجهة الواحدة؛ بالاستمداد من قوته القاهرة فوق جميع القوى، والتفويض للأمر كله له وحده، والتوكل عليه وحده، قوة تَحَرُّرٍ من كل العبوديات، تخرج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد كما قال ربعي بن عامر.. هي قوتهم التي يزكون بها أنفسهم، ويرتقون بها إلى المعالي، وهي مأمنهم ضد مخاوف الحياة وعواصفها، تجعلهم يقفون واثقين ثابتين يملؤهم اليقين في الله الذي بيده مقاليد كل شيء، وتقذِفُ بمقادير كبيرة من الطمأنينة في فؤادهم، مهما اضطربت الأحداث، وتقلبت الأحوال فلن تبت فيها إلا المشيئة العليا:﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ يوسف:٢١.

يتبع

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.