منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (٥) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (٥) سلسلة "نتغير لنغير"/ د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (٥) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

 

لن يغير ما بنفسه ويفلحَ في ذلك إلا من تَزَكَّىٰ، لقوله تعالى:﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ الشمس:٩، وقوله:﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ الأعلى:١٤. فالآيتان تضعنا أمام سنة من سنن الفلاح، وعامل من عوامل النجاح وتحقيق المراد .. “التزكية”.

تقرران أن بلوغ الإنسان غاية مسعاه مرهون بتزكية نفسه، أي بإكسابها الزكاة، وهي نماؤها بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم. وأصل التزكية نفي ما يُستقبح قولا أو فعلا، وحقيقتها الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان [1]. وبتعبير آخر هي تطهير النفس من الرذائل، وترقيتها في مدارج الفضيلة، ليبلغ صاحبها الصفاتِ الحميدةَ، والأخلاقَ الرفيعةَ، التي تؤهله لأداء مهمته الاستخلافية في الأرض أحسن الأداء، فيحفظ الأمانة، وينجح في الابتلاء. ولا يصلح لخلافة الله في الأرض “إلا من كان طاهر النفس، لأن الخلافة هي الاقتداء به تعالى على قدر طاقة البشر في تحري الأفعال الإلهية، ومن لم يكن طاهر النفس لم يكن طاهر القول والفعل؛ فكل إناء بالذي فيه ينضح … ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله، ومن خبثت نفسه خبث عمله …﴿وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّیِّبُ یَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥبِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِی خَبُثَ لَا یَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدࣰاۚ﴾ الأعراف:٥٨، ولأجل أنه لا يطيب عمل من خبثت نفسه، قال تعالى:﴿أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ الحجرات:٣”[2].

موضوع التزكية إذاً، هذا الإنسان المستخلَف في الأرض، وهو موضوع الإصلاح في الواقع الإنساني، إصلاح الفرد والجماعة والدولة والأمة، ولا إصلاح في أي مجال من مجالات هذا الواقع، ولا معنى له إلا إذا انطبق عليه واستهدف ترقيته في مراتب التزكية [3].. هي سبيله نحو اكتماله الإنساني بما يقمع من نوازع الفجور فيه، وبما يكتسب من معاني التقوى علماً وعملاً. بمقدار ما تتحقق بها النفس، انصلح حالها، فحملته على الإصلاح في الواقع، بينما إذا طغت وفجرت، غدا الإنسان أداة إفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل، وقد وصف الله تعالى من كان هذا حاله بالطغيان بقوله:﴿كَلَّاۤ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَیَطۡغَىٰۤ * أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰۤ﴾ العلق:٦-٧..

فخطورة ما يمتلكه الإنسان من ملكات وقدرات وصفات، أنها بدون التزكية تنسيه حقيقة نفسه، وقدره الحقيقي في الوجود، وتجعله يتأله على الناس، فيطغى ويفجر ويبغي ويظلم ويفسد، من حيث كان ينبغي أن يعرف حدوده ويحسن، فيترفق بالعباد والبلاد، ويسير في الأرض بالخير والصلاح. وما الطغيان البشري وكل صنوف الفساد التي تحصل في الأخلاق أو الذمم أو التربية أو السياسات، التي نعاينها في واقعنا من جرائم ومعاص ومفاسد، إلا نتيجة تحرر تلك الصفات من الانضباط بأي قيد أخلاقي. مردها نفوس لم تتزك، ولم تتشبع بالقيم الربانية، فاستبدت بها المطامع والأوهام والشهوات .. ومن هذا حاله، يكون ذاهلاً عن وجود رقيب عتيدٍ يلاحظ كل تصرفاته، فينطلق يفعل كل ما تسول له نفسه ويملي عليه هواه. فهل علمنا بعدُ لمَ التزكية ضرورية ومهمة ؟؟

لأنها تقي الإنسان من شر نفسه وجوانبها المدمرة، ومن ضنك العيش: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ طه:١٢٤.

بدون التزكية يحصل: ﴿وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ الشمس:١٠؛ إنه التدسية؛ أي النقص والإخفاء بالفجور، فمعنى”دَسّاها” “حالَ بينها وبين فعل الخير. وأصل فعل(دَسّى): دس، إذا أدخل شيئا تحت شيء فأخفاه”[4]، أي “أغواها إغواءً عظيماً وأفسدها، ودنّس محياها، وقذَرها وحقَّرها، وأهلكها بخبائث الاعتقاد ومساوئ الأعمال، وقبائح النيات والأحوال، وأخْفاها بِالجهالة والفسوق، والجلافة والعقوق”[5].

فالوقاية من هذا الحال بقوة التزكية والتقوى الدافعة التي توجه الإنسان إلى الصلاح، وتمنعه من أن يستعمل ملكاته إلا من حدها المفيد، لأنها “تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها، وتتجه بها إلى وجهة واحدة، وتطلقها تستمد من قوة الله، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها، وفي دفع الفساد والفتنة عنها، وفي ترقية الحياة ونمائها. وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية … وتقوى الله يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور، في دفعة الحركة ودفعة الحياة.. وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج؛ فلا يعتدي، ولا يتهور، ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح” [6].

وإذاً، ستظل حاجة الإنسان إليها دائمةً لا تتوقف ما بقيت الحياة، وما بقي الإنسان المليئة نفسه بالشوائب، والممكنة بأخطر الإمكانات والقدرات..

لكن.. ولأن الله تعالى هو العالم بالإنسان، والعارف بما يوافقه ويوائم طبيعة تكوينه وما سواه الله عليه، لا يدع له أن يفعل ذلك وفق هواه، وبما يميله عليه عقله؛ بل رسم له منهجا كاملاً متكاملا للتزكية والتسامي؛ إذ شرع له من أحكاماً وتشريعات هاديةً حكيمةً، ووضع له قيماً ومبادئ ومفاهيم وتصورات، لإصلاح هذه النفس، وتأهيلها إلى حالة السواء عقليا ووجدانيا، تبلغ للمبتغى من السعادة والرضا في المعاش والمعاد..

****

في المقالات القادمة بإذن الله تعالى سنتعرف على معالم منهج التزكي ومقوماتها ووسائلها .

يتبع


[1]– المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق: عبد الحميد حمدان، عالم الكتب، القاهرة، ط١، (١٤١٠ه /١٩٩٠م)،  ص 96.

[2]– الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١٩٨٠م، ص ٣٦-٣٧.

[3]– فتحي ملكاوي، منظومة القيم العليا؛. التوحيد التزكية العمران، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ٢٠١٣م، ص٨١.

[4]– التحرير والتنوير، مرجع سابق، ٣٠/٣٧١.

[5]– البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج٢٢، دار الكتاب الإسلامي- القاهرة، ط ١، (١٤٠٤ه/١٩٨٤م)، ص ٧٨-٧٩.

[6]– في ظلال القرآن، 3/1339.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.