﴿ٱقۡرَأۡ﴾ أول فرائض التغيير (٤) سلسلة “نتغير لنغير”
﴿ٱقۡرَأۡ﴾ أول فرائض التغيير (٤) سلسلة "نتغير لنغير"/ د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ٱقۡرَأۡ﴾ أول فرائض التغيير (٤) سلسلة “نتغير لنغير”
بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه
إذا علمنا أن التغيير لواقعنا يبدأ من تغيير ما بالنفس، مصداقا لقوله تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ الرعد:١١، وتعرفنا على شرط الإرادة ليمكن هذا التغيير، وعلى المنطلق الذي هو أول المنهج القرآني التغييري النفسي وهو النقد الذاتي، لقوله تعالى:﴿قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ آل عمران:١٦٥، فإنا نحتاج الوسيلة الأولى والأعظم المحققة للتقدم، والموصلة إلى التغيير المطلوب بدءاً بتغيير ما بالأنفس .. إنها طريق العلم ووسيلة القراءة ..
لما نزلت كلمة ﴿ٱقۡرَأۡ﴾ كأول ما نزل، بدأ عداد التغيير في حياة الأفراد .. لقد كانت الفريضة الشرعية الأولى في الإسلام إيذاناً بنهاية عهد الأمية والجهل وبداية عهد جديد، عهد العلم والمعرفة والرقي الفكري، والنبل الأخلاقي، فصارت الأمة التي نزلت فيها، أمة العلم والمعرفة والتقدم والحضارة ..
والعلم الذي تتقدم به حياة الأفراد والمجتمعات، مرهون بالقراءة، فهي توسع مدارك الإنسان، وتكسبه القدرة على تجديد حياته، وحل مشكلاتها والإبداع فيها، كما تمكنه من معرفة ما في العالم، ومن الحضور في الواقع، بل والمشاركة في تغييره وصنعه .. وذلك من صور الشهادة على الناس:﴿وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰا﴾ البقرة:١٤٣.
والمفارقة العجيبة والمؤسفة في واقعنا، أن الله يأمر:﴿ٱقۡرَأۡ﴾،”بينما المسلمون يظنون أنهم إن قرأوا فسوف يضلون، إنهم لا يثقون بعقولهم، بينما الله يثق بالإنسان، فيقول:﴿فَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟﴾ آل عمران: ١٣٧.. لو علم الله أننا سنضل إذا سرنا أو قرأنا لما قال لنا:﴿سِیرُوا۟ۡ﴾، ولما قال:﴿ٱقۡرَأۡ﴾، ولأن المسلمين لم يتبعوا أوامر القرآن ظل عالمنا الإسلامي غائبا، والذين تعلموا عرفوا التاريخ جيدا، وقرأوا الماضي ويقرأون الحاضر، وسيقرأون في المستقبل، سيخرجون مجتهدين كبارا في العالم الإسلامي”[1]..
لما تخلى عن القراءة، وأهمل هذه الفريضة التغييرية الأولى في الإسلام، فقد الكرامة، أما قال تعالى بعد الأمر بالقراءة:﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ العلق:٣؟!!!.. لقد صار في أعين الآخرين أنموذج التخلف، وموضوع دراساته، ففقد الشهادة على الناس، تلك الوظيفة التي تتطلب الحضور في العالم، والمشاركة في أحداثه ومتغيراته ومستجداته .. وهو ما يتطلب القراءة الشاملة والواسعة والمتواصلة التي تجعل الإنسان عالميا يتجاوز الألوان والثقافات،كما تجعله منفتحا متسامحا يقبل الاختلاف والتنوع، وتمنحه الوقار والرقي والسماحة .. حين تخلى المسلمون عن هذه الكرامة وأراحوا عقولهم من التفكير، وحرموها من غذائها ورياضتها، تسببوا بذلك في شللها وجمودها ..
فيكون لزاما على كل فرد منا أي يسعى ليغذي حبه ونهمه للمعرفة، وأن يوقد في الآخرين الخاملين حب
العلم والاندفاع للتزود به .. فالإنسان مجبول على حب المعرفة والاضطلاع على الجديد، ويصاب بالقلق الشديد حين يتحدث الناس بشيء لا يعلمه، لذا ينبغي الاستفادة من هذا الأمر لتحفيز ما عنده من هم وشوق للعلم والمعرفة. فالاستعداد الفطري وحده غير كاف ليصبح الإنسان قارئا، بل لا بد من تحفيز هذه الاستعدادات لدفعه في طريق المعرفة [2]..
ويجدر التنويه هنا أن القراءة المنشودة، تلك التي تُكسِبُ المعرفة والعلم ليتحول إلى عمل وفعل تغييري، وإنجاز في الحياة وأثر اجتماعي .. القراءة المطلوبة تلك التي تغَير مابالأنفس أولا؛ إذ تقوِّم الأفكار، وتصحح المفاهيم والتصورات، وتحرك للإنجاز والإبداع .. المطلوب العلم الذي يصنع إنساناً يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول .. لأن الجهل هو الذي يجعل المرء يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقبله العلم، فيضعه في موقف شائن ومهين، تمثل في قوله تعالى:﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَالَا تَفۡعَلُونَ* كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ الصف:٢-٣..
من هنا كانت العلوم التي يحتاج عالمنا الإسلامي إلى العناية والاهتمام بها، تلك التي تصنع الإنسان بعقلية قويمة، وفكر راق، ونفسية مستقيمة؛ أي أن “العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية، فهذه تعد خطرا في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم. ومعرفة إنسان الحضارة وإعداده، أشق كثيرا من صنع محرك أو ترويض قرد على استخدام رباط عنق”[3]..
إن الحكم الشرعي الأول إذًا الذي ينبغي دعوة الناس إلى تطبيقه لأجل تغيير والتقدم يتعلق بالقراءة والعلم..
إن القراءة فتح لآفاق في التفكير والحياة واسعة، ولا تستطيع الكلمات هنا وصفها وآثارها وثمارها حتى يجرب المرء بنفسه .. إنه إذا قرأ عرف ذاته، وعرف معنى الحياة والوجود .. بل القراءة هي ما تعطي للحياة والوجود معنى ..
القِراءةُ وَعيٌ وانفتاح على العالم .. وعي بما يدور من أحداث وارتباطاتها وعلائقها .. إنها السبيل لتنمية قدرة الإنسان على الفهم والتحليل والربط والاستنتاج ..
فاقرأ إن كنت تريد تصحيح مفاهيمك .. اقرأ إن كنت تريد أن تنجز حلمك وتنجح في عملك، وتحل مشاكلك وتحدياتك …… اقرأ لترقى … لتحقق الكرامة:﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ العلق:٣ ..
اقرأ فإنَّ للقراءة لسحراً .. وإن لها لحلاوة .. مهما وصفنا لن تعرف حتى تتذوق ..
في القراءة سيشعر أنه يحيى حياة مختلفة متميزة عن التي يحياها.. بل تمنحه حياة أخرى غيرها .. فيحيى حَيوات متعددة تضيف إلى عمره أعماراً، ويرى عصوراً لا عصره فحسب .. ويتعرف على ثقافاتٍ مختلفة لا ثقافته وحده ..
القراءة تحرير من قيود العادات والأشياء والأفكار والآراء والأوهام والخرافات..
القِراءةُ سِياحة في أرجاءِ العالم الواسع وسيرٌ في ساحات الكون المختلفة .. إنها صيد للنفيس من كنوز المعرفة والثقافة.. يقول الله تعالى:﴿قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَ﴾ العنكبوت:٢٠، والقراءة خير ما يتحقق به السير في الأرض فيأتي المبتغى .. به تتوسع معارف الإنسان ومداركه فيما كان “مِن أحوال إيجاد المخلوقات، وتعاقب الأمم وخلف بعضها عن بعضٍ، فَإن تعود النّاس بِما بين أيديهم يصرف عقوله، عن التأمل فِيما وراء ذلك مِن دلائل دَقائِقِها عَلى ما تدل عليه؛ فلذلك أمر الله رسوله أن يدعوهم إلى السير في الأرض ليشاهدوا آثار خلق اللَّه الأشياء مِن عدم … وإنّما أمر بِالسّير في الأرض لِأن السير يدني إلى الرّائي مشاهدات جَمّة مِن مُختلف الأرضين بِجبالها وأنْهارِها ومحتوياتها، ويمر به عَلى منازل الأمم حاضرها وبائدها، فيرى كثيراً مِن أشْياء وأحوال لم يعتد رؤية أمْثالِها، فَإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جولاناً لم يكن يخطر له ببال حينما كان يشاهز أمْثال تلك المخلوقات في ديار قومه؛ لِأنه لما نشأ فِيها مِن زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله، اعتاد أن يمر ببصره عليها بدون استنتاج مِن دلائلها، حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائباً عن بصره، جالت في نفسه فكرة الاستدلال. فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل؛ فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة”[4].
إن القِراءة غذاء الروح والعقل والفكر.. ورقي في المشاعر .. وارتقاء في الذوق والجمال والأدب ..
القراءة علاج متأن متئدٍ لأمراض الفكر وسمومه وأوهامه .. إنها أنس ضد الوحدة والملل واليأس والبؤس .. القراءة أصدق من الصديق والرفيق والصاحب ..
إذا أحببتها لا تتركك تعيشُ بدونها .. تجعلك تفكر فيها كل وقت وحين .. بل يحصل أن تذهلك عن نفسك..
القراءة رقي وارتقاءٌ في الدرجات، واعتلاء للمعالي .. ويحفظ من الحكمة النبوية الجامعة:{يقالُ لصاحِبِ القرآنِ اقرَأ وارقَ ورتِّل كما كُنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها}[5] ..
اقرأ لتتغير.. لتغير.. إن في القِراءةِ لَّذةً ومُتعةً .. تحرر وكرامة .. ووقاية في الآخرة من الندامة ..
ولعل أمتع ما نظم حول القراءة وفضلها قول شاعر:
أنا مُلتقَى الأَفكارِ والآراءِ
وَمَوارِدُ الفُصَحاءِ والبُلَغاءِ
في جَوْفِيَ انْتَهتِ المعارِفُ والنُّهَى
وَتَشَكّلتْ لُغَةُ الدُّنا بوِعائي
كَمْ كاتبٍ صَنَعَ البُطولةَ عِندما
ألقَى خُلاصَةَ ذِهنهِ بِإِنائي
فأنا ذَخَرْتُ تَجارِبَ العُلَماءِ
والأمُراءِ والأدَباءِ والشُّعَراءِ
في بعضِ أسْطُريَ القليلةِ أنفُسٌ
ماتتْ، وعاشتْ رُوحُها بِفَضائي
مرّتْ على ساحِي دُهورٌ وانْقَضَتْ
وَبَقِيتُ وحدي سيِّدَ الأحْياءِ
سُمّيتُ فخرًا (بالكِتابِ) وخالِقي
سَمَّى (الكِتابَ) فَأَشْبَهتْ أَسْمائي
لولايَ ما عرفَ القرونَ وسِرَّها
أَحَدٌ ولا أَصْغَى إِلى أَنْبَائي
مِنْ كَنْزِيَ اغْتَرفَ الغَنِيُّ ونَالَهُ
مَنْ كانَ يَقْصِدُهُ مِنَ الفُقَراء
قامتْ حُروبٌ بِالحُروفِ تسطّرتْ
ونوازلٌ نزلَتْ بكلِّ قَضاءِ
وتنازَعَ القَلَمُ الأَبِيُّ مُفاخِرًا
سَيْفًا يرى الأَمْجادَ في الهيجاءِ
وَتَحالفَ الأعداءُ ثُمَّ تَخَالَفُوا
وَمَضَوْا، ولَمْ أَعبأْ بِغَيْرِ مَضَائِي
فَاقْرَأْ سُطُورِي إِنْ أَرَدْتَ مَكانةً
فَالمَجْدُ يَحْني الرّأسَ للقُرّاءِ
لولا عَظِيمُ الأمر في:﴿ٱقۡرَأۡ﴾ لَمَا
بَدأتْ رِسالَتَنا بِغارِ حِراءِ
إنّ القراءَةَ للنّفوسِ حياتُها
كالجَدْبِ يُخصِبُ من فراتِ الماءِ
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ آيةً ترضَى بِها
إنّ (الكتابَ) لآيةُ العُظَماءِ[6].
[1]– جودت سعيد، مفهوم التغيير، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط١، ١٩٩٥م، ص ٢٢٠-٢٢١.
[2]– انظر جودت سعيد، رياح التغيير، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط١، ١٩٩٥م، ص ١٧٩.
[3]– مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، دار الفكر، ط٥، ١٩٩١م، ص ٣٨.
[4]– ابن عاشور، التحرير والتنوير، طبعة الدار التونسية، ٢٠/٢٣٠.
[5]– أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي وأحمد.
[6]– أيمن العتوم في مدونات، بتاريخ:٢٠١٧/٠٩/١١، موقع الجزيرة. نت.