وظائف الجامعة ورهان التنمية
كمال براشد
باحث في قضايا التربية والتعليم والفكر الإسلامي
تعد الجامعة مؤسسة محورية لا يمكن الاستغناء عنها في أي مجتمع، فهي المؤسسة الأكثر تطوراً وتأثيراً في حياة المجتمعات عبر العصور، وهي المؤسسة الوحيدة التي ينتظر منها تخريج أجيال متعاقبة من الكفاءات والأطر العليا المعنية بتولي الوظائف المختلفة لتسيير شؤون الدولة وخدمة المجتمع لتوفر حاجاته وتحقق مصالحه وتجيب عن انتظاراته، بحيث أن باقي المؤسسات الأخرى تحتاج بشكل دائم ومستمر إلى الخدمات التي توفرها الجامعة وتضمنها لها. لذلك نجد معظم الدول في العالم خاصة التي تتغيى التنمية الشاملة تعنى ببناء المؤسسات الجامعية وتطوير خدماتها وتيسير أسباب الالتحاق بها، للتمكن من الانتظام في الدراسة والاهتمام بالتكوين والبحث العلمي والإسهام في تحقيق تنمية المجتمعات.
لكل ذلك وانطلاقا من إدراك الدول أن الإنفاق على التعليم العالي يعتبر استثمارا حقيقيا في تكوين الرأس مال البشري، وبعدا أساسيا ضمن سياسة التنمية الشاملة؛
- ما هي الوظائف التي تناط بالجامعة حتى تستحق كل هذا الاهتمام وهذه العناية؟
- كيف يمكن للجامعة أن تسهم في التنمية الشاملة في ظل التحولات المعاصرة؟
تتحدد وظائف الجامعة في أي مجتمع في عدة مهام تتكامل فيما بينها تكاملا وظيفيا ولا تغني واحدة منها عن الأخرى، وقد قُسِّمت هذه الوظائف في المؤتمر العالمي لمنظمة اليونسكو (المؤتمر العالمي الأول بشأن التعليم العالي: الرؤيا والعمل)[1] المنعقد بباريس سنة 1998 إلى ثلاث وظائف رئيسية وهي:
نقل المعارف والمهارات من خلال التعليم، وإنتاج المزيد من المعرفة من خلال البحث العلمي، وثالثة الأثافي تنمية المجتمع من خلال توظيف واستثمار تلك المعرفة في جميع الميادين (المعرفة الوظيفية)، وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل كما يلي :
التعليم
إن أول وظيفة تقوم بها الجامعة هي التعليم ونقل المعرفة ف”التعليم والتعلم هدفان أساسيان تسعى الجامعة لتحقيقهما؛ نظرا لأنها المكان الأمثل للتدريس والتعليم الجيد، فعن طريق التعليم والتعلم يكتسب المتعلم آليات مواجهة تحديات العصر والإسهام إيجابيا في تحسين وتطوير نوعية الحياة وتحقيق أهدافه التنموية في المجتمع، واستثمار قدراته وطاقاته البشرية والإبداعية والقدرة على التفكير وفقا لأسس علمية وموضوعية.”[2]
فمهمة الجامعة إذن هو تقديم تعليم مستمر للطلبة الملتحقين بها وفق نظام تعليمي معين، من خلال البرامج والأنشطة التعليمية في مختلف التخصصات، بهدف تزويدهم بالمعارف والخبرات والمهارات العلمية النظرية والتطبيقية التي تؤهلهم للتأقلم مع البيئة الحياتية والعلمية، وتقلد مسؤوليات القطاعات المختلفة للدولة والمجتمع، مما يؤدي إلى الإسهام في التنمية الاقتصادية وتنمية المجتمع.
ويتولى القيام بمهمة التعليم أساتذة ذوو تأهيل علمي عال وحاصلون على أعلى الدرجات العلمية، مهمتهم الرئيسية هي التدريس والإرشاد والتوجيه والإشراف على الرسائل والدراسات، كما يمارسون مهام البحث العلمي؛ فهم بهذا يمثلون قوة الجامعة ومستواها ونوعيتها وسمعتها، وعليه فهم أنفسهم معنيون بتطوير مهاراتهم وتنمية معارفهم والتعمق في تخصصاتهم ومواكبة مسارات التطور العلمي المستمر حتى يقومون بمهمتهم المنوطة بهم على أكمل وجه.
البحث العلمي
يقول محمد مسعد ياقوت وهو يتحدث عن أزمة البحث العلمي في مصر والوطن العربي: ” وللبحث العلمي أهمية كبيرة للحياة المجتمعية والجامعية، تتمثل في: الارتقاء بمستوى الإنسان فكريا وثقافيا ومدنيا، التغلب على الصعوبات التي قد يواجهها الإنسان سياسية أو اقتصادية أو بيئية، تقصي الحقائق والوصول لأفضل الحلول، فهم جديد للماضي وانطلاق للحاضر وتقديم رؤية استشرافية للمستقبل وإحياء التراث والأفكار والموضوعات القديمة وتحقيقها تحقيقا علميا دقيقا”[3]
لهذا فالاهتمام بالبحث العلمي هو اهتمام بتحليل واقع المجتمعات واستشراف مستقبلها من خلال تقديم الأجوبة والحلول المناسبة للتغلب على الصعوبات السياسية و الاقتصادية والبيئية التي تواجهها هذه المجتمعات.
إن مؤسسة الجامعة تسعى دائما وخصوصا أثناء المرحلة الجامعية الأولى ومن خلال برامجها وأنشطتها واستراتيجياتها التعليمية إلى تدريب الطالب على اكتساب مهارات البحث والتنقيب وجمع المعلومات وتحريرها باتباع أساليب ومناهج علمية محددة للوصول إلى الحقائق العلمية، ثم ينتقل الطلبة المتخرجون بعد ذلك لمرحلة جامعية ثانية تكون مهمتهم الأساسية هي البحث العلمي، بغرض التأكيد على صحة حقائق علمية أوتعديلها أو الوصول إلى معارف جديدة تنضاف إلى رصيد المعرفة العلمية المكتسبكة سابقا، وهذا بطبيعة الحال يتطلب استعدادات وكفايات خاصة كالأهلية العلمية والذكاء والصبر على البحث وطول النفس …
كما تعد الجامعة البيئة العلمية المناسبة للبحث العلمي بالنسبة للأساتذة والطلبة، فمن خلالها يتم تيسير إنشاء المختبرات العلمية، ودعم تكوين وحدات البحث وتمكينها من مختلف الوسائل الضرورية، بغرض توظيف نتائج أبحاثهم العلمية في نفع المجتمع المحلي والوطني ونفع الإنسانية بشكل عام من خلال نشر هذه البحوث والتعريف بها في الندوات والمحافل الوطنية والدولية.
تنمية المجتمع
إن هذه الوظيفة تشكل عنصرا أساسيا بالنسبة للجامعة ولا تقل أهميتها عن الوظيفتين السابقتين لكون الجامعة جزء لا يتجزأ عن المجتمع، بحيث نجد أن هدف جل المجتمعات في عالمنا المعاصر المتسم بالتطور العلمي والتقدم التكنولوجي، هو السعي نحو المزيد من الرقي وتحقيق أعلى الدرجات في التنمية في جميع المستويات. وقد أثبتت التجارب الإنسانية منذ القدم أن السعي نحو تحقيق أي تنمية كيفما كان نوعها وفي أي مجال، لن تتم إلا إذا كان عمادها وروحها ومبناها قائما على العلم والمعرفة، ثم حسن توظيف واستثمار هذه المعرفة.
يقول طارق عبدالرؤوف عامر” وتعمل الجامعة على تقديم خدمات للمجتمع من خلال عدة ممارسات وأنشطة كتقديم الاستشارات وعقد اللقاءات والمؤتمرات وإقامة المعارض، تعرف الإنسان المهارات التكنولوجية المتعلقة بالبيئة المحيطة، العمل على عقد علاقات علمية بينها وبين المنظمات الإقليمية الأخرى، القيام بأبحاث ميدانية تفيد في إبراز الواقع ووضع حلول لها.”[4]
ومن ثم يمكن القول: إن الجامعة هي المسؤولة الأولى عن تهيئة أسباب التنمية الشاملة والمستدامة عن طريق تقديم الأبحاث والمعارف والخبرات الضرورية لدفع عجلة التنمية وتقدم المجتمعات على كل المستويات، وذلك من خلال برامجها وأنشطتها المختلفة من الاستشارات التخصصية وعقد اللقاءات والمؤتمرات العلمية والأبحاث الميدانية التي تفيد في معالجة المشاكل والقضايا التي تواجه المجتمع ووضع حلول لها. وبهذا أصبح تقدم المجتمعات في هذا العصر – عصر اقتصاد المعرفة – يقاس بمدى قدرتها على إنتاج المعرفة وتطويرها وتوظيفها التوظيف الأمثل حتى تستطيع أن تواكب مجتمعات أخرى متقدمة في عالم تسوده التنافسية.
من هذا المنطلق يتبين أهمية ودور التعليم العالي كسبيل لتحقيق هذه الأهداف، والدور الريادي الذي تقوم به المؤسسات الجامعية في خدمة المجتمع، عبر إسهامها في عملية التنمية ونقل الثقافة والحفاظ على الهوية الاجتماعية والعمل على تكوين رأس المال البشري، فضلا عن نقل المعارف والتقنيات، وتقديم خدماتها بصورة مباشرة للأفراد في المجتمع.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن أهم مهمة تقوم بها الجامعة تجاه المجتمع، هي قيادة الحركة الفكرية والثقافية في المجتمع بما يتوفر لديها من علماء وأطر وأساتذة وباحثين وخريجين؛ فمن خلال الإنتاجات العلمية والثقافية والفكرية لهؤلاء النخب ، والترويج لها عبر المشاركات في برامج ووسائل الإعلام المختلفة والمقالات المنشورة في الجرائد والمجلات الورقية والإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي، ستسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في نشر الأفكار العلمية الصحيحة، وفي تصحيح المفاهيم الخاطئة وتقويم مسار الحركة الثقافية والفكرية، ومن ثم منع الاختلالات التي يمكن أن يتعرض لها المجتمع بفعل الانحرافات الفكرية والثقافية، والتي قد يتسبب فيها البعض ممن تتاح لهم فرصة اختراق الحياة الثقافية –خصوصا في ظل الثورة المعلوماتية التي نعيشها مع وسائل التواصل الاجتماعي- والتأثير في أفكار عموم الناس وتضليل معتقداتهم وتوجهاتهم.
لهذا ومن خلال كل ما سبق وجب تغيير النظرة التقليدية للجامعة، فبعدما كان ينظر إلى التعليم بصفة عامة وإلى التعليم العالي بصفة خاصة على أنه عبارة عن استهلاك لخدمات تعليمية تقدمها الدولة لمواطنيها انطلاقا من واجباتها نحوهم، ولا علاقة له بتنمية المجتمع ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، والجامعة مجرد مؤسسة يكاد ينحصر هدفها في تخريج المختصين في بعض فروع المعرفة الإنسانية؛ أصبح من الضرورة في العصر الحديث ومع التحولات التي عرفها العالم مع العولمة واقتصاد المعرفة وسياسة التنافسية والسوق المفتوح، أن تُعنى الجامعة بمطالب وحاجات مجتمعها، وتحاول أن تحققها من خلال ما تعده من العناصر البشرية المؤهلة التي تأخذ الدور الريادي في التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أن التعليم العالي هو استثمار في رأس المال البشري الذي يعتبر أكثر أهمية من رأس المال المادي ومحركا له.
هذه النظرة الجديدة التي أساسها ما أصبح يعرف ب”الوظيفة الثالثة” للتعليم العالي (التعليم العالي في خدمة المجتمع) وهي العلاقة التي تربط مؤسسات التعليم مع محيطها، جعلت معظم الدول تضع الخطط والبرامج والأهداف وتوفير الإمكانات المادية والتعليمية والمناهج الحديثة ، بهدف الرقي برأس المال البشري وتنمية كفايات الموارد البشرية المؤهلة لتحمل مسؤولياتها داخل المجتمع، وهذا ما أشار إليه التقرير القطاعي للمجلس الأعلى للتربية والتعليم سنة 2018[5] وبدأ العمل به في السنوات الأخيرة بالمغرب عبر بناء نموذج جديد ( خاصة مع توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الواردة في تقريره رقم 5/2019، الرافعة الأولى، التوصية الأولى)، يصـون المهـام الكونـية للجامعـة، مـع الحـرص علـى جعلهـا مهتمـة تمـام الاهتمـام بالرهانـات والتحديـات ذات الصلـة بالتحولات التـي تشهدها الساحتان، الوطنـية والدولية.
وعليه يصبح التعليم العالي مصدرا رئيسا وعنصرا مهمّا لتحقيق التنمية الشاملة عبر مخرجاته، والتي هي في الوقت نفسه مدخلات مهمة لرفع مستوى البلاد في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية.
ختاما لابد من التذكير بأن تدعيم العلاقات بين الجامعة والمجتمع لا يأت اعتباطا أو كمرحلة منفصلة، بل لابد أن ينطلق من العديد من المنطلقات المختلفة، التي رغم اختلافها فإنها تظل متكاملة فيما بينها:
- المنطلقات الجغرافية: إن العمل على تدعيم التنمية المحلية يفرض على واضعي السياسات التعليمية ومعهم مؤسسات التعليم العالي عند صياغتها لرسالتها وأهدافها ومناهجها وبرامجها، استحضار ومراعاة البيئة الجغرافية الخاصة بالمجتمع الذي تتواجد فيه، حتى لا تكون هذه المناطق معزولة جغرافيا وتنمويا (العدالة المجالية).
- المنطلقاات الاقتصادية: أصبح الاقتصاد بجميع دول العالم بحاجة ملحة إلى قوى بشرية مؤهلة وذات كفاءات عالية، مما يجعل الجامعة مطالبة بتوفير التعليم لمختلف الشرائح مع ضمان العدالة الاجتماعية، وتأهيلهم مهنيا لتحسين وضعياتهم المهنية والاقتصادية، وذلك من خلال الجمع بين التعليم النظري والتدريب التطبيقي للمهارات الحيايتية مع تقديم برامج تعليمية مبنية على الحاجات الحقيقية للمجتمع ومتطلبات التنمية الشاملة به.
- المنطلقات السياسية: لاشك أن مع التحولات السياسية الدولية وتزايد الخوف من انعدام الاستقرار السياسي بالدول، أصبحت المجتمعات والنظم السياسية تحتاج إلى مساعدة مؤسسات التعليم العالي من أجل ضمان الاستقرار والأمن ونشر الوعي بين أفراد المجتمع ومختلف مؤسساته وشرائحه وطبقاته الاجتماعية وطوائفه الدينية والإديولوجية… بالإضافة إلى تشجيعها في القيام بدورها في أداء رسالتها تجاه المجتمع من خلال تنمية الوعي السياسي للمواطنين.
- المنطلقات الدينية والاجتماعية والثقافية: إن الثورة المعلوماتية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل أو بآخر في الغزو الثقافي وذوبان الثقافات بعضها في بعض، الأمر الذي أدى إلى محو الهويات الوطنية للعديد من المجتمعات خاصة النامية منها، وأصبح من الضروري على مؤسسة الجامعة مواجهة هذه التغيرات الثقافية والاجتماعية عن طريق تواصلها مع المجتمع بشتى الوسائل المتاحة لها، لتنمية روح التضامن والتلاحم بين أفراده، وبهذا تكون مؤسسة الجامعة بمثابة قائدة للمجتمع ومحافظة على هويته الخاصة التي تميزه عن باقي المجتمعات.
ولاستمرار العلاقة بين التعليم الجامعي والتنمية لابد لمؤسسات التعليم الجامعي أن تعمل على خدمة مجتمعاتها؛ فتبحث باستمرار عن الحقائق وتواجه التحولات بجميع مستوياتها، وتسهم في إيجاد حلول لمشكلات المجتمع وتمد سوق العمل بالأطر البشرية المؤهلة لتلبي حاجياته.
[1] موقع اليونيسكو الإلكتروني www.ar.unesco.org (منظمة اليونسكو هي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، تابعة منظمةة الأمم المتحدة،تأسست سنة 1945)
[2] .مجدي عزيز إبراهيم: اإلبداع وجودة التعليم والتعلم، عالم الكتب، القاهرة، 2009، ص 29-34
[3] .محمد مسعد ياقوت: أزمة البحث العلمي في مصر والوطن العربي، دار النشر للجامعات، القاهرة، 2007، ص 16-17
[4] طارق عبدالرؤوف عامر: الجامعة وخدمة المجتمع، مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2012، ص 85-87
[5] المجلس الأعلى للتربية والتعليم، التعليم العالي بالمغرب: فعالية ونجاعة وتحديات النظام الجامعي ذي الولوج المفتوح، التقرير القطاعي 2018، ص 26