ثُمّ سَكَت..
د. عبد القادر الدحمني
أحسّ بقدميه منسحقتين تماما، هو مجرّد تقدير فقط، فالإحساس بهما صار منعدما، رغم الصاعق الكهربائي الذي يرسل شحناته المسعورة إلى دماغه ويجعله جسده كتلة ألم لا يُحتمل، لكنه مع ذلك، ذكر الله والدار الآخرة، واستحضر الجزاء الأعظم يوم اللقاء.
بالنسبة إليه، كان الأهم هو الوليد الصغير الذي تحضنه ريّا، ناداها منذ بداية انقشاع الغبار، فأجابته بهلع، أن سَنَدا لم يصبه شيء. ثم سكتت، لم يستطع أن يسألها عن حالها هي، رجّح الكارثة، كأن تكون مهشّمة تماما، وعظامها مسحوقة. لن يفعل. وحتى التلقين الذي خطر بباله كي تستعين به عمّا تجده، توجّس أن يؤدِّيَ مفعولا عكسيا، فرأى أن يذكر الله جهرا، كي تأنس، وتنسج على المنوال. وجد صوته واهنا، وتكاد موجة خدر تسري في كل كيانه.
سمعها تسعل بقوة، تخيّلها تقيئ دما، لا، هو مجرد غبار أسود لعين، تسرب إلى الحلق والأنف والأذنين، فأعمى وأصم، ولكنّ المعوّل على القلب المربوط بوجود الواجد. بشرط أن تظل على قيد الوعي لتُحَيِّنَ ما يتوجّب.
فجأة سمع صراخ الوليد سَنَد، كان كأنه يستفيق تدريجيا في صباح طبيعي، بلا طائرات ولا قصف ولا صواريخ، ولا حقد متعفّن.
في البداية، بدأ يتصاعد بكاء سَنَد بالتدريج، أَمِنَ الجوع؟! أم من الإصابة؟! أم من الإدراك الفطري لحجم الكارثة؟! ظل يبكي بقوة رغم محاولات المواساة الباكية المتعَبَة لِرَيّا، يسمعها ترجوه وتتوسّل إليه أن يصبر، وتندبه بصوت أسيان غافلة عمّا بها، كأنها في سريرها الوثير ذات ربيع مزهر.
صمت الصراخ.
ظل الصمت مسيطرا بضعة دقائق، وفجأة، تفجّر صوتها هي، جريحا كالحا، كأنما كانت تلك الدقائق مجرّد وقت لاستيعاب متعسّر لما يحدث. لكنه يعتقد أنها ربما كانت خلاله قد استسلمت لِسِنَةِ نومٍ قاهر، هو رحمة من الله تعالى ومنّة منه سبحانه في الملّمات المرعبة لينزل بعض السكينة ويخفّف ألم المصاب، هو خيط وُدٍّ وحنان عُلْوِيّ يمتدّ في لحظة إطباق اليأس وفقدان السيطرة.
لقد استشهد سند بالتأكيد، ربما كانت خلال تلك الدقائق تفحصه كمجنونة، تتشمّم أنفساه، تحاول أن تنصت إلى وهم نبض تلاشى في الصمت القاسي.
لم يسمع صوتا خارج البيت، لا أحد. سوى ذلك الصّوت المحلّق كأنه صوت الشرّ المزمن في الساكن منذ سنين طويلة في سماء البلد.
ظلت تصرخ دون توقّف، رجاها أن تهدأ وتخبره عمّا جرى، رغم علمه بأن الوقت قد تأخّر كثيرا عن جدوى السؤال، والظلام الدامس يعيق استطلاع الحال.
لم تفعل، أصرت على استكمال عويلها المفجوع دون أن تلتفت إلى محاولاته العبثية لتهدئتها، ثم تحوّل الصراخ المرّ إلى صرخات متقطِّعة كأنها استجابة لِلَسَعَات سامّة لا ترحم. وبعد، لا يدري كم من الوقت، لبكائه الصامت، ودعواته الملهوفة التي لم تتوقف، كان صوتها قد تحوّل إلى أنين واهن، صار ينخفض تدريجيا، تتخلّله، عبارات وجمل متضاربة الأزمان، تتفوّه بها من أثر الصدمة، أو جراء جنون محتمل. كانت العبارات، تتعلّق بلحظة ولادة سند، وأحيانا بتعبيرات عن حفل العرس. وأخرى عن الحِنّاء والزعتر والقهوة، وأبواب الجنّة العظيمة، وعودة الفرسان المظفّرين، وتكبيرات العيد.
انقطع الصوت.
كأنه استفاق من دعائه وذكره وسَبْحِهِ متوسّلا في الأعتاب العليّة رجاءً ودعاءً وانكسارًا. ناداها بأعلى ما تفجّر من حبٍّ وشوق وألم في صوته المتفجّع: رَيّا! رَيّا!رَيّا!رَيّا!رَيّا!رَيّا!رَيّا!رَيّااااااا ظل يضرخُ لا يدري كم من الوقت.
ولمّأ يئس، عاد ينادي: سَندَ! يا سَنَد! يا سَناااااااد..
انتبه فجأة إلى نفسه كصوفي مهتبل بذكر المحبوب:
سَنَد سَنَد سَنَدْ، رَيّا رَيّا، ريّا..
ريّا سَنَد، رَيّا سنَد، رَيَّا سَنَد..
سَنَدرَيَّا، سَنَدرَيَّا، سَنَدرَيَّا..
ثم سطع نور هائل، فرآها واقفة، تحمل سَنَدها على صدرها متوشّحة بعباءة زرقاء ساحرة جلّلتها النباتات البرية التي تزيّن صدرها وحوافّها ومعاقد أكمامها، كانت تناغي الوليد، وتنهنه في أذنيه بصوت عذب يسترخي على إثره وينام، لكن الصوت العذب كان يَصِلُهُ هو أيضا ويتسرّب إلى حلقه كعسل، ويسحبه من ظلمة الظلام والركام صوبها.
فابتسم واستسلم لخدر السحب وهو يهزج بما حفظه في تلك المسرحية القديمة عن الدار ودوالي العنب، وشرفة البيت، وركوة القهوة بالهال، وانتظار الحبيب في المساء البعيد.
وحين التفتت إليه ثانية، ابتسمت له، ابتسامة يعرفها عن ظهر جنون.
فابتسم هو الآخر، ثم سكت.