منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمانة التبليغ؛ الخطبة (15) ” منهج النبي صلى الله عليه وسلم في أداء أمانة التزكية “

الدكتور أحمد الزقاقي

0
أمانة التبليغ؛
الخطبة (15)
” منهج النبي صلى الله عليه وسلم في أداء أمانة التزكية “
الدكتور أحمد الزقاقي

الخطبة الأولى: 

الحمد لله رب العالمين، الذي علا فقهر، ومَلَكَ فقدر، وعفا فغفر، وعلِمَ فستر، وهزَمَ ونصر، وخلق ونشر، الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السموات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء، الحمد لله على كل شيء، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، أصدق من آمن وعمل، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات
إن الله عز وجل قد أرسل رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وإن من أعظم وظائف النبوة التعليم والتزكية، قال ربنا سبحانه:( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، وبمقتضى هذه الآية تشمل الوظائف النبوية:
– أولا تلاوة الآيات، أي القرآن قال تعالى (إن الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته)، أي يتبعونه حق اتباعه، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه ولا يحرفونه، ولا يتأولون منه شيئا على غير تأويله الصحيح، قال مجاهد: “(يتلونه حق تلاوته) يعملون به حق عمله”، وقال الإمام الألوسي:”هي قراءة تأخذ بمجامع القلب، فيُراعى فيها ضبط اللفظ، والتأمل في المعنى، وحق الأمر والنهي”
– ثانيا :التزكية، فيزكيهم أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان ، ويطهرهم من الكفر والذنوب ، ويأخذ زكاة أعمالهم.
– ثالثا: التعليم، تعليم الكتاب والحكمة، وقد قيل في تعليم الكتاب إنه القرآن ، وإنه الخط بالقلم، وإنه معرفة الخير والشر كما يعرفه المخاطَبون بالكتاب ليفعلوا الخير، ويكفوا عن الشر، أما تعليم الحكمة فقيل في معنى الحكمة إنها السنة، وإنها الفقه في الدين، وإنها الفهم والاتعاظ.
ولقد جاءت التزكية مقدَّمة على التعليم مما يدل على مركزيتها وأسبقيتها في دعوة ومشروع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتعليم الذي يصحح التصورات الكبرى عن الله والإنسان والكون والآخرة يقتضي أولا ربط القلوب بالله تعالى، لتكون القراءة لكتاب الله المنظور وكتابه المسطور باسمه، قال سبحانه: (اِقرأ باسم ربك الذي خلق) وإن لم تكن القراءة باسم الله فهي بالجهل أشبه، ودونكم الأخطار التي تتهدد البشرية بفعل تطور علمي غير منضبط لا يراعي مصلحة الإنسان، ولا يستحضر رقابة الرحمان.
لقد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجا للتزكية من خلال خطوات:
– فنقل الناس من ضيق الشرك والنفاق والشقاق إلى رحابة التوحيد ليطيعوا الله ويعبدوه وحده، ويخشوه وحده، ويعتقدون أن الضر والنفع منه وحده سبحانه، مع ما لهذا الاعتقاد من انعكاس على تأليف قلوبهم ووحدة مجتمعهم.
– وأعطاهم المثال من نفسه فكان قرآنا يمشي بين الناس، يدعو إلى الفضيلة ويعيشها، يشاهد الناس أحوالَه وهو يحارب، وهو يسالم، وهو قائد وهو تاجر ، فكان هيِّنا ليِّنا في كل أحواله، حتى إذا انتُهكت حرمات الله يغضب ويُقيم الحق ولو على نفسه صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه يشهد له بذلك (وإنك العلى خلق عظيم)، وقال سبحانه يَمتنُّ على عباده المؤمنين (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم).
– وجمعهم في المساجد يصلون ويذكرون الله بقلوب مفعمة بالحب والود والإيثارقال سبحانه (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخش إلا الله) فلم تكن مساجدهم مساجد ركود وانعزال، بل كانوا منها ينطلقون ليستحضروا أخلاق المسجد في كل شأن من شؤون حياتهم الخاصة والعامة.
– وكان يزن إيمانهم بأعمالهم ،لأن أثر الإيمان والتزكية يجب أن يظهر في السلوك، فمما قاله لهم (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قالوا: من يارسول الله قال :الذي بات شبعان وجاره جائع)، وقال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، وليس من علامة الإيمان والتزكية نصرة الظالمين قال عليه الصلاة والسلام: (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم ياظالم فقد تُودِّع منها).
نفعنا الله وإياكم بالقرآن العظيم، وهدانا وإياكم إلى صراطه المستقيم، ووفقنا لخير القول والعمل.
الخطبة الثانية
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وآله وصحبه
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات
قال الله تعالى ( إنما المومنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) ، فليست التزكية مجرد مواجيد ذوقية ينسحب صاحبها من الاهتمام بأمر المسلمين والمستضعفين، ولذلك وهو يزكيهم صلى الله عليه وسلم لم يكن يحب أن يراهم سلبيين انعزاليين، ففي غزوة أحد، لما خرج لملاقاة قريش في المعركة، وقد كان رأيه ألا يخرج، لكن حماس مجموعة من الشباب لم يشهدوا بدرا، فاحبوا أن يشاركوا في انتصار جديد يوم أحد، وبعد المشاورة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبل المعركة أعطى تعليماته للجند، وكانت النتيجة بعد انقضاء المعركة انهزام الجيش المسلم، ورغم ذلك نزل القرآن الكريم يقول “(فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر)، حتى بعد الهزيمة أُمر صلى الله عليه وسلم ألا يتخلى عن الشورى، حتى لا يظن المسلمون أن الهزيمة جاءت بسبب الشورى، وإنما أتت من عصيانهم لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة، هكذا يتكامل منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أداء أمانة التزكية بالجمع بين القلب النقي والعقل الواعي، وبين المجاهدة والجهاد والاجتهاد.
إن التزكية في هذا العصر ايه المؤمنون، أيتها المؤمنات ليست لغزا ولا طلسما، وإنما هي منظومة سلوكية تربوية تهدف إلى تنظيم وقت المؤمن بين واجباته الدنيوية وعباداته الأخروية، إقامة للصلاة في وقتها وفي الجماعة، لاسيما صلاة الفجر، وركعات يركعهن في جوف الليل والأعين نائمة، والسكينة نازلة، وتربية النفس على دوام الذكر وحضور القلب، لا مجرد حركات جوارح، في كل الأحوال والأوقات، والحرص على أذكار الصباح والمساء لاسيما الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله)، ونصيب يومي من القرآن الكريم قراءة وتدبرا، وفهما وعملا، وجلسات للتعليم والتعلم والتفقه لأن الله تعالى يعبد بالعلم، ويظهر أثر كل هذا في أعمال ينتفع بها الناس والمجتمع، إسداء للخير وكفا للأيدي عن المال العام والخاص، وللألسن عن أعراض الناس، وتنزيه الأقلام والمكتوبات عن كل ما يسبب الأذى للغير.
فاتقوا الله عباد الله، واعملوا صالحا تكونوا من المفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة، ونجعل مسك الختام الصلاة والسلام على أشرف الأنام سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم ارفع البلاء عن أهلنا في الشمال، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدم ولا غَرق، آمين.. آمين والحمد لله رب العالمين.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.