منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دور ابن جني في تطوير أصول النحو (الإجماع والاستحسان)

دور ابن جني في تطوير أصول النحو (الإجماع والاستحسان)/الدكتورة رشيدة مصلاحي

0

دور ابن جني في تطوير أصول النحو (الإجماع والاستحسان)

بقلم: الدكتورة رشيدة مصلاحي

المبحث الأول: تصوّر ابن جني للمجتهد المبدع في علم العربية من خلال بلورته للإجماع

يمكن القول إنّ ابن جني قد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه؛ حين أباح مخالفة إجماع أهل العربية؛ إذ أكّد غير ما مرّة –في ثنايا كتابه الخصائص- أنّ إجماعهم لا يكون حجّة دائماً، وذلك «أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سُنّة أنّهم لا يجتمعون على الخطأ، كما جاء النّص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «أمتي لا تجتمع على ضلالة» وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة. فكل من فرق له عن علة صحيحة، وطريق نَهْجَةٍ[1] كان خليل نفسه، وأبا عمرو فكره»[2].

فابن جني يُفرِّق بين الإجماع في أصول النحو والإجماع في أصول الفقه؛ فهذا الأخير منصوص على كونه حجّة، أمّا الأوّل فباب الاجتهاد فيه مفتوح لكل من استطاع أن يقدّم تعليلاً مقبولاً؛ أو تبريراً صحيحاً أو أن يسلك طريقاً واضحة وبيّنة.

والمُلاحظ أنّ ابن جني لا يُبيح مخالفة الإجماع في العربية بصفة دائمة؛ لذلك يستطرد قائلاً: «إلّا أنّنا –مع هذا الذي رأيناه وسوَّغنا مُرتكَبه– لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثُها، وتقدَّم نظرها، وتتالت أواخِرَ على أوائلِ، وأعجازا على كلاكِل (…) إلاَّ بعد أن يناهضه إتقانا ويثبته عِرفانا، ولا يُخْلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نَزْوَةٍ من نَزَواتِ تفكّره. فإذا هو حذا على هذا المثالِ، وباشر بإنعام تصفُّحه أحناء الحال، أمضى الرأي فيما يريه الله منه غير معاز به، ولا غاضّ من السَّلَف -رحمهم الله– في شيء منه. فإنه إذا فعل ذلك سُدِّدَ رأيه. وشُيِّع خاطره، وكان بالصواب مِئَنَّة، ومن التوفيق مظنَّة»[3].

وإذا تمّ التأمّل في مضامين هذا النص يمكن الخروج بتصوّر ابن جني للمجتهد المبدع في علم العربية؛ إذ يشترط فيه عدّة ميزات علمية ومنهجية وأخلاقية متنوّعة. فباب الاجتهاد الذي فتحه (أو وجده مفتوحاً) لا يدخل منه كل من هبّ ودبّ، ولكن لا بدّ لمن رام الولوج في غمار العربية، والغوص في بحر علمها من أن تتوفّر فيه مواصفات معيّنة.

ويظهر جلياّ أنّ ابن جني يُساهم -بنصه هذا- في بناء وصناعة العالم المجتهد المتفوِّق والموفَّق الذي يُسْمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة؛ اختلاف تنوع لا سبيل فيه إلى الاعتراض أو المطاولة.

وهكذا فـ»للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس، ما لم يُلْوِ بنصّ[4] أو ينْتهك حُرْمة شرع»[5]، و»أنه إذا أداك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدع ما كنت عليه إلى ما هم عليه. فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير: تستعمل أيهما شئت. فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة، وأعددت ما كان قياسك أداك إليه لشاعر مولد، أو لساجع، أو لضرورة؛ لأنه على قياس كلامهم. بذلك وصى أبو الحسن»[6].

ولم يدْعُ ابن جني إلى الاكتفاء بنقل آراء السّابقين فحسب؛ بل طالب بتناولها بالدّرس والنّقد والتّوجيه، وذلك بعقلية العالم البصير والمنظّر الخبير، وهكذا نجده يقول في أحد نصوص الخصائص: «ومعاذ الله أن جميع اللّغة تُستدرك بالأدلّة قياساً، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا ونبهنا عليه، كما فعله من قبلنا ممن نحن له متبعون وعلى مثله وأوضاعه حاذون»[7].

ويقول ابن جني في نصّ آخر: «فالخلاف إذن بين العلماء أعمّ منه بين العرب وذلك أن العلماء اختلفوا في الاعتلال لما اتفقت العرب عليه كما اختلفوا أيضا فيما اختلفت العرب فيه، وكل ذهب مذهباً وإن كان بعضه قويا، وبعضه ضعيفا». ويقول في نصّ آخر: «نعم، وإذا كانت هذه المناقضات والمثاقفات[8] موجودة بين السلف القديم، ممن هم سُرُج الأنام، والمؤتم بهديهم في الحلال والحرام، ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه، ولا غاضا منه، ولا عائدا بطرف من أطراف التبعة عليه، جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب، الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه له، ولا يكاد أهله الأنق به، والارتياح لمحاسنه (…) وهم عيار هذا الشأن، وأساس هذا البنيان»[9].

ويظهر من خلال استكناه مضامين هذا النصّ أنّ الخلاف النحوي لا يوجد فقط بين المدارس النّحوية، ولكن بين المدرسة الواحدة؛ لأنّ النّحاة واللّغويين لم يبلغوا مبلغ بعض الأصوليين والمتكلّمين الذين كفّروا منكري الإجماع.

وتجدر الإشارة إلى أنّ ابن جني يقدّم لقارئ الخصائص تصوّراً متميزاً للمجتهد المبدع في علم العربية؛ إذ يشترط فيه مجموعة من الصّفات الأخلاقية والميزات العلمية والمواصفات المنهجية؛ فالمجتهد عنده هو ذلك العالم المقتدر، والمنظّر الكبير الذي يستطيع بجرأته العلمية، وخبرته المعرفية أن يؤسّس بناء تأمّلاته، ويشيّد صرح اجتهاداته على ثلاثة أصول ثابتة وهي:

– التمسّك بأدب الاختلاف مع الأسلاف.

– امتلاك معرفتهم، وتمثُّل أفكارهم.

– استشراف مستقبل أفضل للعلم الذي يُرام الاجتهاد فيه.

وبذلك لا بغيره يصل المجتهد المبدع –في نظر ابن جني- إلى ذروة الإنجاز، ويرتقي إلى قمّة الإبداع، وذلك بتطوير الآراء السابقة؛ بل وتجاوزها في كثير من الأحيان.

ونستنتج ممّا سبق أنّ ابن جني قد استطاع -بتأليف كتابه الخصائص وغيره من المؤلّفات الرّائدة- أن يجعل من نفسه -هو الآخر- عالماً مجتهداً؛ إذ طوّر معارف سالفيه بعدم الاكتفاء بآرائهم وما جاء في مصنّفاتهم؛ فهو لم يعتبر كتاب سيبويه –مثلاً- قرآناً؛ بل أثنى عليه في مواطن الثّناء، واستدرك عليه في مواطن كثيرة من خصائصه، ولم يمنعه اعترافه بفضل أستاذه أبي علي الفارسيّ، وتصريحه بالإعجاب بعلمه وشخصيته؛ من الاستطراد عليه في أماكن عديدة من مؤلَّفه؛ بل والتّفوّق عليه في مسائل وقضايا مختلفة.

المبحث الثاني: لابن جني آراء متفرّدة خالف بها إجماع علماء العربية

لقد اعتبر ابن جني مسألة الاغتراف من علوم السابقين، وتمثّل معارفهم، وتوصيل تجاربهم للاحقين هو مدار العلم البشري على امتداد الزمان والمكان، «ولذلك قيل: لا يزال الناس بخير ما بقِيَ الأوَّلُ يتعلم منه الآخِرُ»[10].

و»قال أبو عثمان عمرو بن بَحْر الجاحظ: ما على الناس شيء أضرَّ من قولهم:

ما ترك الأوَّلُ للآخِرِ شيئاً (…) وقال الطائي الكبير:

يقول مَن تطرُق أسْمَاعَهُ  ***  كَمْ تَرَك الأوّلُ للْآخِرِ!

ويدحض ابن جني هذا القول الأخير برأي أبي عثمان المازني الذي يؤكّد فيه أنّه: «إذا قال العالم قولا متقدما فللمتعلم الاقتداء به والانتصار له، والاحتجاج لخلافه، إن وجد إلى ذلك سبيلا»[11].

وقد كانت لابن جني آراء متفرّدة وتأمّلات متميّزة في مسائل لغوية ونحوية كثيرة؛ خالف بها إجماع علماء العربية، يقول -في باب القول على إجماع العربيَّة متى يكون حُجَّة-: «فـممّا جاز خلافُ الإجماع الواقعِ فيه منذ بُدِئ هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت، ما رأيته أنا في قولهم: هذا جُحْر ضَبٍّ خَربٍ. فهذا يتناوله آخِرٌ عن أوّلٍ، وتالٍ عن ماض على أنه غـَلَط من العرب، لا يختلفون فيه ولا يتوقـّفون عنه، وأنه من الشاذّ الذي لا يُحمل عليه، ولا يجوز ردّ غيره إليه. وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل هذا الموضع نيـِّفاً على ألف موضع. وذلك أنه على حذف المضاف لا غير»[12].

ويقول في باب في الردّ على من اُدّعى على العرب عنايتَها بالألفاظ وإغفالَها المعاني: «وسألت أبا عليّ –رحمه الله- عن تِجفافٍ أتاؤه للإلحاق بباب قِرطاس؟ فقال نعم. واحتجّ في ذلك بما انضاف إليها من زيادة الألِف..»[13]. ثم يعقب ابن جني على كلام أستاذه قائلا: «ويبعد هذا عندي»[14]. ثم يبدأ في الكشف عن رأيه كالآتي: «لأنّه يلزم منه. أنّ باب إِعصارٍ وإِسنامٍ ملحَقا بباب حِدْبارٍ وهِلقامٍ، وباب إفعالٍ لا يكون ملحَقا؛ ألا ترى أنه في الأصل للمصدر؛ نحو إكرام، وإِحسان، وإجمال، وإنعام، وهذ مصدر فِعْلٍ غير ملحَق، فيجب أن يكون المصدر في ذلك على سمت فعله غير مخالف له..»[15].

ولقد اتّضح جليّاً أنّ ابن جني قد قام بجمع ما تشتّت من كلام القدماء، وحاول صياغة نظرية تنسحب على معظم الظّواهر اللّغوية، لذا بلغ كلامه من النُّضج ما فاق به أسلافه وأقرانه، وفي موضوع الاشتقاق -الذي تخصّص فيه- من الجدّة ما لم يسبق إليه.

ويمكن الجزم بأنّ ابن جني عالم مجتهد في مجال اللّغة والنّحو والأدب تمكّن من كشف أبعاد مختلفة لظواهر لغوية ونحوية وبلاغية لم تكن معروفة لدى سابقيه. وقد شكّلت معرفة ما يتعلّق بأسرار العربية جزءاً جوهرياً من اهتمامه، وربّما يلتقط الإشارة أو العبارة يعتقد غيرُه أنّها من البديهيات؛ فيواجهها هو مواجهة تحليل وتقييم وتوجيه تنمّ عن خصوصية رفيعة وعالية في تناول الأشياء. ويبقى ما أتى به ابن جني من استدراكات على العلماء، وابتداع لبعض المصطلحات اللّغوية والنحوية مؤكّداً على مبدأ التفرّد والابتداء.

وإذا كان هذا حال ابن جني مع أسلافه، وهو من هو رجاحة عقل ورحابة فكر وغزارة معرفة، كيف يكون حالنا معه ونحن القطرة في بحر علمه؟ وما الموقف ممّا قدّمه وما زال يقدّمه لعلم العربية؟ وكيف يمكن قراءته وتأمّله كتراث –بعيون العصر الحالي- له وجوده المتميّز؟ خصوصاً وأنّه ما زال يطرح نفسه للتدبّر والنّقاش بصفة مستمرّة، وما زال نصّ كتابه الخصائص يتجدّد عبر العصور، ويحمل في طياته بذور الكثير من الأفكار الحديثة المصاغة بلغة قديمة؟

إنّ طرح أسئلة من هذا القبيل يمكّن من الاستفادة من التّراث اللّغوي، ومن أسئلته ولحظاته الإبداعية بشكل عميق ومتّسع؛ خصوصاً وأنّه يمكن اعتبار ابن جني وحده تراثاً لغوياً مستقلّاً بذاته، يمكن الاغتراف من معارفه العلمية العديدة، والمبثوثة في كتابه الخصائص على مستوى واسع النّطاق[16].

ويتّضح جليّاً أنّ من فضائل ابن جني أنّه كان جسراً ممتداً بين من سبقه وبين من أتى بعده؛ فلقد نقل علوم السابقين نقلاً فيه إبداع وإضافة وتقليب نظر إلى اللّاحقين الذين كان على رأسهم عبد القاهر الجرجاني؛ هذا الذي امتلك القدرة على تطوير علم أصول النّحو بالكشف عن مركزيته في عملية الإبداع اللّغوي والأدبي، وبذلك شكّل انعطافة كُبْرى في مسار علم اللّغة العربية[17].

المبحث الثالث: دور دليل الاستحسان في عملية إغناء اللغة وتطويرها

يتّضح للمتأمّل في تصوّر ابن جني للأصول المودعة في الخصائص أنّ عمل الرّجل لم يقتصر على تقديم أصول النّحو بصفتها مراجع يرجع إليها خلاف الفروع[18]؛ بل تجاوز الأمر إلى ما وراء ذلك؛ حين ركّز على إبراز صفتها النظرية والمنهجية[19]، واجتهد في الكشف عن دورها الرّائد في عملية إغناء اللّغة وتطويرها.

وبذلك يظهر أنّ لابن جني تصوّرا خاصّا لمعظم أصول النحو، إذ يعتبر السّماع –مثلاً- آليةً منهجيةً تُوظّفُ لتوليد القواعد وإنتاج الأحكام والأوصاف في اللّغة إلى جانب القياس. وبذلك لم يعُد ممكناً -في نظر ابن جني- اعتبار أيّ متكلّم لغوي مستمعاً لغوياً؛ خصوصاً حين اشترط فيه مجموعة من المواصفات الضّرورية مثل: العلم والمعرفة المؤسّسين على الفصاحة وسلامة السّليقة[20].

وقد اشترط ابن جني نفس الشّرط (الفصاحة والمعرفة) في العالم الذي يقوم بالعمليات الاستدلالية الأخرى، والتي اختلف علماء العربية في الأخذ بها مثل الإجماع والاستحسان وغيرهما؛ إذ مثّل دليل الاستحسان –مثلا- بالنّسبة لابن جني نوعاً من الاتّساع والتّصرّف الذي يُستخدم لإبداع صيغ جديدة ومبتكرة في العربية.

لهذا كلّه قدّم ابن جني دليل الاستحسان بكونه ضرباً من شجاعة العربية، ونوعاً من الاتّساع والتّصرّف الذي ساهم بشكل كبير في عملية إغناء اللّغة وتطويرها؛ لأنّه يمكّن المتكلّم اللّغوي من الجرأة على ابتكار الصيغ التعبيرية المختلفة، ويساعده على إبداع الأساليب الشّعرية المتنوّعة بالاعتماد على الرأي والذّوق؛ شريطة أن يكون عالماً بالعربية وعارفاً بأساليب تصرّف أهلها.

المبحث الرابع: مفهوم الاستحسان عند ابن جني

لقد افتتح ابن جني «باب الاستحسان» في خصائصه بأن أقرّ «أن علّته ضعيفة غير مستحكِمةٍ»، غير أنّه بيّن الفائدة العملية منه وهي: «أنّ فيه ضرباً من الاتّساع والتصرّف»[21]. يقول ابن منظور في معجمه لسان العرب مبيّناً المعنى اللغوي لهذا المفهوم: «يستحسن الشيء يعدّه حسنًا»[22]. وقد استعمل هذا المصطلح الفقهي في مجال أصول الفقه، وهو أحد الأدلّة الفقهية عند الحنفية.

ويقول علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي (ت816ه) في كتابه التعريفات: «الاستحسان في اللّغة: هو عدّ الشيء واعتقاده حسنًا، واصطلاحًا: هو اسم لدليل من الأدلّة الأربعة، يعارض القياس الجلي، ويعمل به إذا كان أقوى منه، سموه بذلك؛ لأنّه في الأغلب يكون أقوى من القياس الجلي، فيكون قياسًا مستحسنًا، قال الله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبَادِ، اُلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اُلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» [الزمر: 18]. وترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس»[23].

ويضيف نصر الدين تونسي[24] «الاستحسان في اللغة: هو عد الشيء حسناً، وضدّه الاستقباح. وفي علم أصول الفقه، عرّفه بعض الحنفية بأنه: اسم لدليل يقابل القياس الجلي، يكون بالنص، أو الإجماع، أو الضرورة، أو القياس الخفي، كما يطلق عند الحنفية –في كتاب الكراهة والاستحسان- على استخراج المسائل الحسان، فهو استفعال بمعنى إفعال، كاستخراج بمعنى إخراج، قال النجم النسفي: فكأنّ الاستحسان هاهنا إحسان المسائل، وإتقان الدلائل»[25].

وذكر علي النجّار أن في تحديد مفهوم الاستحسان اختلافاً كثيراً ثم أورد قول «السعد في حاشيته على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب: اعلم أن الذي استقرّ عليه رأي المتأخرين هو أن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل القياس الجليّ الذي تسبق إليه الأفهام»[26]. «وقد عرض السيوطي في الإقتراح للاستحسان، ونقل فيه بحث ابن جني في هذا الكتاب، ونقل عن ابن الأنباريّ الخلاف في الأخذ به في العربية»[27].

والمُلاحظ هو أنّ ابن جني قد وظّف مفهوم الاستحسان لتعليل ظواهر لغوية يرتبط أغلبها بمسألتي الإعلال والإبدال، وقسّمه إلى عدّة أنواع نذكر منها:

ترك الأخف إلى الأثقل، نحو: ألفاظ منها الفتوى والتقوى، ذلك أن هذه الألفاظ بوزن «فعلى» ويأتي هذا الوزن في العربية في الأسماء والصّفات. وأصل صيغة هذا الوزن أن يكون بالياء لا بالواو، ولكن العرب قلبوا الياء واواً «من غير استحكام علّة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة»[28].

و»يفيد الاستحسان في النص السابق، اتّساع نسق اللغة لاحتواء صيغ على غير قياس ومن دون علة قوية تسوغ استعمالها، غير استحسان الفصحاء لها»[29]. ويظهر لنا جلياً وكأنّ الاستحسان ضربا من القياس الخفي يلجأ إليه الفصحاء لإغناء اللغة. ولا يخالفنا ابن جني في ذلك، حين يقول: «إن العربي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرّف وارتجل ما لم يسبق إليه»[30].

ومن الاستحسان إلحاق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيهاً له بالفعل المضارع كقول الراجز:

أريت إن جئت به أملودا  ***  مرجلاً ويلبس البرودا

*  أقائلن أحضروا الشهودا *

والشاهد فيه (أقائلن)، إذ ألحقت نون التوكيد اسم الفاعل «لا عن قوة علة ولا استمرار عادة»، فهو إذن من الاستحسان.

وهناك نوع آخر من الاستحسان يتمثل في قلب الواو ياءً إذا وقع ساكن بين الكسرة والواو، نحو صبية وقنية، والأصل فيهما: صبوت، وقنوت[31].

ويؤكّد بعض الدّارسين المعاصرين[32] أنّ الاستحسان علّة استخدمها ابن جني في تأويله لظواهر اللّغة، واُلْتِمَاسه للحكمة الكامنة خلف ما تتّسم به من اتّساع. فالاستحسان هو ذلك الحكم المعتمد على الرّأي والذّوق الصّادرين عن عالم عارف، وهو في تصوّر ابن جني ضرب من التصرّف اللّغوي المؤسّس على فصاحة الشاعر وسموّ طبعه، إذ لا يجوز -في اعتقاده- أن يُقبل من ظنين ضعيف.

ويبقى الطابع الذي يميز الصيغ التعبيرية المستحسنة هو أنّها تجري على غير قياس. فهي تجافي القواعد الأصلية من غير علّة تسوغها، وهذا يفيد أنّ نسق اللغة العربية يتّسع لضروب من التصرّف استحسنها الفصحاء واستجادها البلغاء.

إنّ دليل الاستحسان وثيق الصّلة بشجاعة العربية، وهما معاً يكشفان عن طاقة العربية في توليد الإمكانات التعبيرية التي يلوذ بها الشّعراء. ولا يخفى علينا اعتداد ابن جني هنا بالذّوق والطّبع فيما يسمّى الإبداع اللّغوي، وهي فكرة سيكون لها آثار في تصوّره لعلاقة الشاعر باللغة فيما أسماه بالإصلاح؛ ويرى محمد مشبال أن هذا المفهوم يلتقي في أبعاده البلاغية والجمالية بمفهوم النظم الذي يشكل محور نظرية عبد القاهر الجرجاني.

ويظهر مما سبق تقديمه ومناقشته، أن غرض ابن جني الأساس هو إظهار وجوه حكمة اللغة العربية وشرفها. ويشعر قارئ الخصائص أن شغف صاحبه بالعربية ليس سوى ترجمة لإعجاب أصحاب اللّغة أنفسهم بلغتهم. يقول ابن جني: «والمروي عنهم في شغفهم بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها أكثر من أن يورد أو جزءٌ من أجزاء كثيرة منه»[33]. لقد نصّب ابن جني نفسه عالماً مجتهداً، حمل على عاتقه مسؤولية تبيان مَكَامِن هذا الشّغف وإظهار أسراره؛ فكان نتيجة ذلك أن قام ببلورة وتطوير كثير من المبادئ والأصول التي تعكس «الأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة: من خصائص الحكمة[34]، وما نيطت به من علائق الإتقان والصنعة»[35].

المبحث الخامس: تصوّر الإمام عبد القاهر لمفهوم الاستحسان

ويبقى دليل الاستحسان من الأصول المعتبرة التي أسّس عليها عبد القاهر الجرجاني نظريته في النّظم إلى جانب أصول أخرى مثل الإصلاح وغيره؛ لذلك سنعرض للعديد من النّصوص المتناثرة في الدلائل؛ حتّى نتبيّن مركزية دليل الاستحسان في إدراك مدارج إعجاز القرآن الكريم ومنازله. ويبقى السّؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تحدث الإمام الجرجاني عن أصول النحو، وهل الاستحسان الذي تحدث عنه الإمام هو الاستحسان عند الأصوليين؟

فإذا تأمّلنا في مضامين الدّلائل يتمظهر دليل الاستحسان بصفته باباً من أبواب العلم «إذا أنت فتحته اطّلعت منه على فوائد جليلة، ومعانٍ شريفة، ورأيت له أثراً في الدين عظيماً وفائدةً جسيمة، ووجدته سبباً إلى حسم كثيرٍ من الفساد فيما يعود إلى التّنزيل وإصلاح أنواعٍ من الخلل فيما يتعلّق بالتأويل»[36].

وتتمثّل فائدته ووظيفته في كونه «يؤمّنك من أن تغالط في دعواك، وتدافع عن مغزاك، ويربأ بك عن أن تستبين هدًى ثم لا تهدي إليه، وتدل بعرفانٍ ثم لا تستطيع أن تدل عليه، وتقول: «قد نظرتُ فرأيتُ فضلاً ومزيَّةً، وصادفتُ لذلك أريحيَّةً، فاُنظر لتعرفَ كما عرفتُ، وراجع نفسك، واُسْبُر وذُقْ، لتجد مثل الذي وجدتُ»، فإن عَرَف فذاك، وإلا فبينكما التَّنَاكُر، تَنْسِبُهُ إلى سوء التأمُّل، ويَنْسِبُك إلى فساد في التخيُّل»[37].

ثم يبرز عبد القاهر الجرجاني أهمية «الاستحسان» وقيمته وفضله بكونه على الجملة بحثًا «يَنْتَقِي لك من علم الإعراب خالصَه ولبَّه، ويأخذ لك منه أناسيَّ العيون وحبَّاتِ القلوب، وما لا يدفعُ الفضلَ فيه دافعٌ، ولا ينكر رُجْحانه في موازين العقول مُنْكر»[38].

وإذا تأمّلنا في مضامين هذه النّصوص تبيّن لنا أنّ تصوُّر عبد القاهر الجرجاني لمفهوم الاستحسان يخالف إلى حدٍّ كبير تصوُّر ابن جني؛ فالاستحسان –عند الإمام عبد القاهر- بحثٌ «يَنْتَقِي لك من علم الإعراب خالصَه ولبَّه»[39]، وهو ذلك الباب من العلم الذي إذا أنت فتحته وولجت منه حصلت على ما يعينك على «حسم كثيرٍ من الفساد فيما يعود إلى التّنزيل وإصلاح أنواعٍ من الخلل فيما يتعلّق بالتأويل»[40].

والمُلاحظ أنّ الإمام عبد القاهر الجرجاني يُساهم –بنصّه هذا- في بناء وصناعة العالم المجتهد الذي يُسْمح له بالإقدام على ممارسة عملية الاستحسان. فباب الاستحسان المفتوح في كتاب «دلائل الإعجاز»؛ لا يدخل منه كلّ من هبّ ودبّ، ولكن لا بدّ لمن رام ولوجه من أن تتوفّر في شخصه عدّة مواصفات علمية ومعرفية معيّنة.

المبحث السادس: دور دليل الاستحسان في إدراك مدارج الإعجاز القرآني ومنازله

يقول الإمام عبد القاهر: «وجملة الأمر (…) أن ههنا دقائق وأسراراً طريقُ العِلم بها الرَّوِيَّة والفِكْرُ، ولطائف مُسْتقَاها العقل، وخصائصُ معانٍ ينفرد بها قومٌ قد هُدُوا إليها، ودُلّوا عليها، وكُشِف لهم عنها، ورُفِعَت الُحُجُبُ بينهم ويبنها، وأَنَّها السببُ في أن عَرَضت المزِيَّة في الكلام، ووجب أن يَفْضُل بَعضه بعضاً، وأن يَبْعُد الشَّأْوُ في ذلك، وتمتدَّ الغاية، ويَعْلُوَ المرتقى، ويَعزَّ المطلب، حَتَّى ينتهي الأمر إلى الإِعجازِ، وإلى أن يخرج عن طَوْق البشر»[41].

وقد بالغ الإمام عبد القاهر الجرجاني في الكشف عن أهمية الإدلاء بالدّليل في القيام بعملية الاستحسان[42] في معرض حديثه عن دليل إعجاز القرآن الكريم حين قال: «وجملة ما أردتُ أَن أبيِّنه لك: أنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده، من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومةٌ وعلةٌ معقولةٌ، وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل، وعلى صحة ما ادّعيناه من ذلك دليل»[43].

ويصرّح الإِمَام الفقِيهِ الأُصُولي أبو الوَليد سليمَان بن خلف البَاجي بأنّه «لا فرق بين استحسان العامِّي والطِّفل والعالِمِ إلاَّ من جهة الدَّليل، وقد أجمعنا على استحسان العامِّي والطِّفل لا يجوز الحكم به؛ لأنَّه حكم عن غير دليل، فكذلك استحسان العالم إذا صدر عن غير دليل»[44].

يقول الإمام عبد القاهر «وإذْ قد عرفتَ ذلك، فَاُعْمِد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشَاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل «النظم» خصوصاً، دون غيره مما يُسْتَحْسَنُ له الشعر أو غيرُ الشعر، من معنى لطيف (…) أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمَّلْه، فإذا رأيتَكَ قد ارتحتَ واهتززت واستحسنت، فاُنظر إلى حركات الأَرْيَحيَّة ممَّ كانت؟ وعندمَا ذَا ظهرت؟ فإنك ترى عِياناً أَن الذي قلتُ لك كما قلت»[45].

ويظهر -في النّص الموالي- أنّ للاستحسان درجات ومنازل؛ بل ربَّما أضحى الإعجاز أرقى درجات الاستحسان وأعلى منازله. يقول الإمام عبد القاهر في معرض حديثه عن سبب تأليف دلائل الإعجاز: «وأَنه كما يَفْضُل هناك النظمُ النظمَ، والتأليفُ التأليفَ، والنسجُ النسجَ، والصياغةُ الصياغةَ، ثم يَعْظُم الفضلُ، وتكثُر المَزِيَّة، حتى يفوقَ الشيء نظيرَه والمجانسَ له درجاتٍ كثيرةً، وحتى تتفاوت القِيَمُ التفاوتَ الشديد، كذلك يفْضُل بعض الكلام بعضاً، ويتقدَّم منه الشيءُ الشيءَ، ثم يزدادُ فضلُه ذلك ويترقى منزلةً فوق منزلةٍ، ويعلو مَرْقَباً بعد مَرْقَبٍ، ويُستَأنَفُ له غاية بعد غايةٍ، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتَحْسَرُ الظنون، وتسقطُ القُوَى، وتستوي الأقدامُ في العَجْز»[46].

ويظهر للنّاظر في تصوّر الإمام عبد القاهر لمفهوم الاستحسان أنّ المُسْتحْسِن (العالم المؤهّل للإقدام على القيام بعملية الاستحسان) يجب أن يكون مجهّزاً بآليات معرفية، ومسلّحاً بتقنيات منهجية تؤهّله للقيام بهذه العملية المتميّزة. فقد كان يدرك -تماماً- أنّ الاستحسان من عمل المتكلّم، ولعلّ هذا ما جعل مهمّته تتأسّس على استكشاف ما دار في ذهن المتكلّم دون قصد أحياناً.

وسيكون لنا عدّة وقفات مع الدّلائل –فيما سيستقبل من بحوث- لكي نظهر صلته الوثيقة بالخصائص، ونكشف بشكل واضح على قدرة صاحبه المُنقطعة النّظير في تطوير علم أصول النّحو، وذلك بإبراز مركزية هذا العلم المتميّز في عملية الإبداع اللّغوي والأدبي.

وتجدر الإشارة –في نهاية المطاف- إلى أنّ مبحث البلاغة كان جزءاً لا يتجزّأ من علم النحو، والذي تصوّره ابن جنّي –سابقاً- بكونه انتحاء لسمت كلام العرب في تصرّفه[47]. وإذا تدبّرنا مضامين قول ابن جني على النحو وأصوله ألفيناه يربط عملية إدراك كنه نحو العربية بفهم وإدراك معاني أربع كلمات بارزة وهي: الانتحاء والسّمت وكلام العرب والتّصرّف، وما نلاحظه هو أنّ لمعاني هذه الأخيرة ارتباط وثيق بمعاني أخرى أكثر شمولية، وأوفر عمقاً تتوارى خلف التّعبير اللّغوي لتستقرّ في ضمير المتكلّم اللّغوي.

حتّى إذا تتبّعنا منطق ابن جني في عرضه لأصول النحو بدت لنا رغبته الملحّة في الكشف عن ذلك الخيط الراّبط بين المتكلّم واللّغة، وظهر لنا -بشكل واضح- إصراره الصّارخ على إزالة الحجاب عن أمر هام، وهو: مركزية أصول النحو في الفعل الإبداعي في مجال اللّغة خصوصاً والأدب عموماً.

ففي نظر ابن جني لا يكون العالم المجتهد من أهل الإبداع في لغة ما بمجرّد امتلاكه لناصية النحو فحسب؛ بل لا بد له من معرفة كافية بأصول النحو كذلك. ومن ثمّ لا يكون الإنسان من أهل لغة ما إلاّ إذا أبدع فيها، ولا يمكن أن يبدع فيها إلا إذا أحبّها، ولا يمكن أن يحبّها إلاّ إذا عرفها -لأنّ الإنسان عدوّ ما يجهل- ولا يمكن أن يعرفها إلاّ إذا عَلِمَ أصولها، وَوَرَدَ مصادرها. لذلك فالمجتهد المبدع في اللّغة هو العارف بها والعالم بأصولها.

ولعلّ هذا ما جعل عبد القاهر الجرجاني يقول -في مرحلة لاحقة- في مدخل دلائله: «هذا كلام وجيزٌ يطلع به الناظر على أصول النحو جملةً، وكل ما به يكون النظم دفعةً، وينظر في مرآةٍ تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة قد اُلتقت له حتى رآها في مكانٍ واحدٍ»[48]. ويقول في بعض أبياته[49]:

فما لنظم كلامٍ أنت ناظمه  ***  معنىً سوى حكم إعرابٍ تزجيه

وقد علمنا بأن النظم ليس سوى *** حكمٍ من النحو نمضي في توخيه

فالنّظم عند الإمام عبد القاهر الجرجاني هو توخّي معاني النحو؛ لذلك يفسره بقوله: «اعلم أن ليس «النَّظْمُ» إلا أن تضع كلامك الوضعَ الذي يقتضيه «علم النحو» وتعملَ على قوانينه وأُصوله، وتعرف مَناهجه التي نُهِجَتْ فلا تزيغ عنها، وتحفَظَ الرسومَ التي رُسِمت لك، فلا تُخِلُّ بشيء منها»[50].

ويقول الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه «النحو والدلالة»: «لقد كان عبد القاهر نحوياً خالصاً، له بالنصوص بصر، وبالأساليب فقه، وبتفسيرها ولوع. وقد هداه بصره بالنصوص وفقهه بالأساليب وولوعه بالتفسير إلى نظريته المعروفة بنظرية «النظم»، وهي تقوم على معاني النحو»[51].

هكذا ارتبط التفكير البلاغي العربي بأصول النّحو، و»الذي نروم التنبيه عليه، هو أن البلاغة التي نتحدث عنها، نمط من التفكير نما في أحظان النحو في صورته الأولى عندما كان موصولًا بالبحث في خصائص العربية. هكذا كان لنظر ابن جني في جملة من المقومات الصوتية والصرفية والتركيبية، أن أفضى به إلى الكشف عما تحمله من إمكانات أسلوبية تمثل خصائص هذه اللغة في التعبير البلاغي والجمالي. وبناء عليه، لم يكن ما انتهت إليه بلاغة الشّعر من مقوّمات سوى امتداد للتفكير في الخصائص الجمالية للغة العربية»[52].

وقد درس النحاة واللّغويون العرب –ومن بينهم ابن جني وعبد القاهر الجرجاني- كثيراً من الظّواهر اللّغوية مثل: التّقديم والتّأخير والزّيادة والحذف وغيرهما دراسة تربط بين فكر المتكلّم وكلامه، وإذا كانت بعض الاتّجاهات في علم اللّغة الحديث ترفض مثل هذا الرّبط؛ فإنّ ذلك لا يعدو أن يكون رأياً يمكن دحضه؛ خصوصاً من طرف رائد المدرسة التوليدية العالم الأمريكي (نوام تشومسكي) الذي ربط بين الواقع اللّغوي والفكر الإنساني في نماذجه اللّسانية المتميّزة.

ولقد كانت أساليب القدماء تربط بين التّركيب اللّغوي والواقع الفكري؛ أو قل: تجعل نُظُم اللّغة الخارجية مطابقة لترتيب الأفكار في ذهن المتكلّم. وهو قانون من القوانين الأساسية للعربية. فالتّركيب اللّغوي –كما هو معروف- علاقات معنوية ذات تأثير لفظي، وهذا موجود في العربية وفي غيرها من اللّغات[53].


[1] – نهجة: واضحة.

[2] – الخصائص: 1/189- 190.

[3] – الخصائص: 1/190.

[4] – يقال ألوى بالكلام: خالف به عن جهته، وانحرف به عن قصده.

[5] – الخصائص: 1/189.

[6] – الخصائص: 1/125.

[7] – الخصائص: 2/43.

[8] – أي المخاصمات. وهو من قولهم: ثاقف الرجل: غالبه في الثقف وهو الحذق والفطنة.

[9] – الخصائص: 3/212-213.

[10]عباس أرحيلة: الكتاب وصناعة التأليف عند الجاحظ، المطبعة والوراقة الوطنية- المغرب، الطبعة الأولى:2004م،

ص: 37.

[11] – الخصائص: 1/190/191.

[12] – الخصائص: 1/191-192.

[13] – الخصائص: 1/231.

[14] –  محمد علي النجار: مقدمة الخصائص، 1/19، 1/231.

[15] – الخصائص: 1/231-232.

[16] – وهذا بخلاف ما ذهب إليه بعض اللّغويين المعاصرين وفي مقدّمتهم الأستاذ الفاسي الفهري، والذي يؤكّد أنّ الآلة الواصفة للّغة العربية الحالية أو القديمة لا تحتاج ضرورة إلى مفاهيم القدماء وأصولهم أو إلى الفكر النّحوي العربي القديم، ويعتبر ذلك من التّصورات الخاطئة للتّراث. ففي نظر الأستاذ الفاسي أنّ الآلة الواصفة الموجودة عند القدماء ليس لها أيّ امتياز، بل يعتبرها غير لائقة لوصف العربية في كثير من الأحوال.

وقد عمّم الأستاذ الفاسي الفهري موقفه من الفكر اللغوي العربي القديم، ورأى أنّ مواجهته بالفكر اللساني المعاصر يؤدّي إلى نوع من اللاتاريخية. «إذ يضطرّنا إلى الحكم على فكر نشأ في ظروف معرفية وتكنولوجية بمقاييس عصر وصل فيه العلم والتكنولوجيا إلى نتائج لم يعد ممكنا معها أن نأخذ بتحاليل القدماء برمّتها، بل يمكن فقط أن نستأنس بها، وأن نأخذ بعض الجزئيات فيها، أو بعض الخطوط العامة». وفي هذا النطاق، بيّن –في كتابه المتميّز اللسانيات واللغة العربية: نمادج تركيبية ودلالية، أنّ عدداً من المفاهيم الوصفية عند القدماء (كمفاهيم المبتدأ والجملة الاسمية والنواسخ …- لا يمكن الاحتفاظ بها في نموذج لساني حالي. انظر كتاب اللسانيات واللغة العربية نمادج تركيبية ودلالية، للأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، الكتاب الأول، دار توبقال للنشر- المغرب، الطبعة الأولى: 1985م، هامش ص: 61. بتصرف.

[17] – سيبويه وابن جني والجرجاني ثالوث مبدع في مسار علم اللّغة العربي، والالتفات إليه في ما يستقبل من مقالات وبحوث يُمكّن من إدراك كنه الفكر اللّغوي عند العرب ويُبرز حقيقته؛ إذ لا يمكن إغفال الكثير من الأفكار والآراء التي تعبّر عن كيفية خاصّة من التّناص بين هؤلاء الرّجال، والتي شاركت في تأسيس النّقد اللّغوي عند العرب، وشكّلت نواةً محورية للعديد من النظريات المتطوّرة في مجال النقد والبلاغة والأدب وغيرها.

[18] – يقول الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بودرع: «الأصول مراجع يرجع إليها، ولا تراجُعَ عنها لأنها أوائل، وليس تحت الأصل ما يرجع إليه، على خلاف الفروع التي تتضاعف وتتصاعد وتظلّ مشدودة إلى مرجعها الأوّل، وهذا سمت العرب في لسانها تأنس به ولا تنبو عنه». انظر الأساس المعرفي للغويات العربية، مرجع سابق، هامش ص: 112.

[19] – يظهر للنّاظر في تصوّر ابن جني لمفهوم السّماع –مثلاً- أن المستمع اللّغوي يجب أن يكون مجهّزاً بآليات معرفية، ومسلّحاً بتقنيات منهجية تؤهّله للقيام بهذه العملية المتميّزة. فقد كان يدرك -تماماً- أنّ القياس من عمل المتكلم، ولعل هذا ما جعل مهمّته تتأسّس على استكشاف ما دار في ذهن المتكلّم دون قصد أحيانا.

ثمّ إنّ ابن جني لم يَعتبر أيّ متكلّم لغوي مستمعاً لغوياً؛ لذلك كان يحذّر كلّ من يريد التقاط السّماع اللّغوي من الخلود إلى كلّ ما يسمعه، وينصحه بتأَمَّل حال مُورِده، وكيف موقعُه من الفصاحة، وبعد ذلك يحكم عليه أو له. يقول ابن جني: «فإياك أن تُخْلِد إلى كلّ ما تسمعه، بل تأَمَّل حال مُورِده، وكيف موقعُه من الفصاحة، فاحكم عليه وله». انظر الخصائص: 2/10.

[20] – لهذا نجد ابن جني يقول -في أحد النصوص المُقتطفة من الخصائص-: «وسألته يوماً (يعني مُستمعه الخاصّ أبا عبد الله الشّجري- فقلت له: كيف تجمع (دكانا-؟ فقال: دكاكين، قلت: فسرحانا؟ قال: سراحين، قلت: فقرطانا؟ قال: قراطين، قلت: فعثمانا؟ قال: عثمانون؛ فقلت له: هلاّ قلت أيضا: عثامين؟ قال: أيش عثامين! أرأيت إنساناً يتكلّم بما ليس من لغته والله لا أقولها أبدا».

ويسمح التأمّل في هذا النص بالقول إنّ المستمع اللّغوي في نظر ابن جني لم يكن مستمعاً عادياً، ولم يكن مستمعاً مثالياً، وإنّما كان متكلّماً فصيحاً ذا سليقةً سليمةً، ومعرفة متميزة بالعربية. ويمكن أن نستنتج أن ابن جني ينظر إلى من يأخذ عنهم اللغة نظرة متفحّصة ودقيقة تدلّ على فهمه لتطوّر اللغة وتغيّرها.

[21] – الخصائص: 1/133.

[22] – انظر لسان العرب للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، دار صادر- بيروت، الطبعة الثالثة: 1414ه/1994م، 13/117.

[23]علي بن محمد بن علي الحسني الجرجاني الحنفي: كتاب التعريفات، حقّقه وعلّق عليه: نصر الدّين تونسي مدرّس أوّل اللّغة العربية والعلوم الشرعية بمجمع معاهد العلم والإيمان الأزهري الخاص، شركة القدس للتصدير 8 شارع جوهر-الدراسة-القاهرة، الطبعة الأولى:2007م، ص: 37.

[24] – محقق كتاب التعريفات لعلي بن محمد بن علي الحسني الجرجاني الحنفي.

[25] – انظر هامش الصفحة: 37 من كتاب التعريفات لعلي بن محمد بن علي الحسني الجرجاني الحنفي، مرجع سابق، (نقلا عن الموسوعة الفقهية (3/218-، والكليات (107-..-.

[26] – أنظر هامش الخصائص: 1/133.

[27] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[28] – الخصائص: 1/134.

[29] – لقد علق الأستاذ محمد مشبال بهذا القول على النص السّابق في كتابه البلاغة والأصول، دراسة في أسس التفكير البلاغي العربي، نموذج ابن جني، أفريقيا الشرق- المغرب: 2007م، ص: 66.

[30] – الخصائص: 1/137.

[31] – انظر «دليل الاستحسان» في الخصائص: 1/134-137، وانظر ابن الأنباري: لمع الأدلة، مرجع سابق، ص: 133- 134، والسيوطي: الإقتراح، تحقيق محمد حسن إسماعيل الشافعي، مرجع سابق، ص: 105- 106.

[32] – أمثال الدكتور: محمد مشبال.

[33] – الخصائص: 1/242.

[34] – وفي نفس المعنى يقول محمد مشبال:»من هنا كان النزوع نحو إظهار وجوه الحكمة، الغاية التي وجهت ابن جني في معظم الأبواب التي عقدها في كتابه «الخصائص» وكان خلف جملة من المبادئ التي تنبه لها في اللغة العربية». البلاغة والأصول، مرجع سابق، ص: 48.

[35] – انظر خطبة الخصائص: 1/1.

[36]دلائل الإعجاز تأليف: عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلّق عليه: أبو فهر محمود محمد شاكر، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية: 1410ه/1989م، ص: 41.

[37] – المصدر نفسه، ص: 42.

[38] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[39] – دلائل الإعجاز تأليف: عبد القاهر الجرجاني، ص: 42.

[40] – دلائل الإعجاز، مرجع سابق، ص: 41.

[41] – دلائل الإعجاز، ص:7.

[42] – ويقول الفقيهُ الأُصُولي الإمَام أبو الوَليد سليمَان بن خلف البَاجي في «فصل في الاستحسان» (في الفقه-: «معنى الاستحسان الذي ذهب إليه مالك رحمه الله: القول بأقوى الدَّليلين. وقد عرّف الحنفيَّة الاستحسان بتعريفات متعدّدة (…- فقال بعضهم: هو العُدول عن موجب قياسٍ إلى قياس أقوى منه. وقال بعضهم: هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه. وقال أبو الحسن الكرخي: هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى، وبنحو تعريف الكرخي عرفه أبو الحسن البصري فقال: إنَّ ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شاملٍ شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه». انظر كتاب «إِحْكَامُ الفُصُول في أَحْكَامِ الأُصُول»، مرجع سابق، الجزء الأول، ص: 564.

[43] – الدلائل، ص: 41.

[44] – و»استدلُّوا بقوله تعالى: «الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبعون أَحْسَنَهُ» [الزمر: 18]. والجواب أنّ أحسنه هو الذي يكون مع الدليل (…- استدلُّوا: بما روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَناً، فهو عند الله حَسَنٌ». أخرجه أحمد في كتاب السُّنَّة من حديث وائل، عن ابن مسعود رقم (3600-، وهو موقوف حسن، وكذا أخرجه البزَّار والطيالسي والطَّبراني، ورواية الرفع ضعيفة. انظر «المقاصد الحسنة» 367.

والجواب أنَّ المسلمين إذا رأوا شيئاً حسناً، كان ذلك إجماعاً وصواباً، لعصمة جميع المؤمنين، وليس خلافنا معكم في نفس الحسن. وإنَّما اختلفنا في جهة الاستحسان، وعندنا أنَّ الأُمَّةَ لا تجتمع على حُسنِ حَسَن إلاّ عند دليلٍ، وإلاّ كان إجماعها خطأ، فَدُلُّوا على أنَّها أجمعت على الحكم شهوة وميلاً إليه بغير دليل..». انظر كتاب «إِحْكَامُ الفُصُول في أَحْكَامِ الأُصُول» للإِمَام الفقِيهِ الأُصُولي أبي الوَليد سليمَان بن خلف البَاجي، مرجع سابق، الجزء الأول، ص: 566-567.

[45] – انظر الدلائل، ص: 84-85.

[46] – الدلائل، ص: 35.

[47] – لقد عرّف ابن جني النّحو بقوله: هو «انتحاء سَمْت كلام العرب في تصرّفه من إعراب وغيره». وينحصر مجال اشتغال النحو في كونه يتولّى مستويين: صرفي (المفردة-: ما يتّصل ببنية الكلمة وصيغها من تغيير، وتركيبي (الإعراب-: مبحث في العلاقات النّحوية بين المفردات والجمل والتراكيب. انظر الخصائص: 1/34.

[48] – الدلائل، ص: 3.

[49] – المصدر نفسه، ص: 10.

[50] – المصدر نفسه، ص: 80.

[51] – انظر كتاب الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف «النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي والدلالي»، دار الشروق-القاهرة، الطبعة الأولى: 1420ه/2000م، ص: 27.

[52] – البلاغة والأصول، مرجع سابق، ص: 105.

[53] – انظر كتاب أصول النحو لمحمد خير الدين الحلواني، مطبعة إفريقيا الشرق- الناشر الأطسي الدار البيضاء، الطبعة الثانية: 1983م، ص: 8-9.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.