القرآن: طريق المعرفة (قصة قصيرة 2)
القرآن: طريق المعرفة (قصة قصيرة 2)/ حسن الوفيق
القرآن: طريق المعرفة (قصة قصيرة 2)
بقلم: حسن الوفيق
على هذه الأرض، ما يستحق الحياة. إنه كتاب الله.
على أساسه يمكن أن تسير مطمئنا، دون أن تعاني أو تضيع.
وهو الأمر الذي خبِره السيد أحمد، ولا يحتاج فيه إلى برهان.
كان جوابه جاهزا، لمن يشير عليه بعمل آخر:
- لا تتعب نفسك معي يا سيد…
- إذا تحول الجبل عن مكانه، فلن أحيد عن القرآن.
بات السيد أحمد، على عتبة الأربعين. وآن الأوان، لكي يعود إلى المدينة.
هناك تابع تعليمه للقرآن، في الكتاتيب الرسمية. ونصب عينيه، وصية والده.
يحافظ عليها حرفيا. التحق أقرانه بالتعليم العصري، وتغيرت العادات.
وظل السيد أحمد، متمسكا بالرسم العثماني، واللوح الخشبي، والجلوس على الأرض،
يعيش جو القراءة جماعة، تملأ المكان طيبا، تتعطر منه الأنفاس.
نهجٌ حافظ عليه السيد أحمد، كما حافظ على هيبته.
زاره موجه من الأوقاف، يريد التقويم:
- المطلوب يا حاج تجديد الطريقة، واعتماد المنهاج المقرر.
رد عليه السيد أحمد بوضوح:
- هل أكملت رسالتك؟ بارك الله فيك، أنا لا أعرف غير هذه الطريقة.
كان السيد أحمد على قدر من العلم الشرعي، ولا يتصور وصيا على “الفقيه” مدرس القرآن.
وحين وصل الستّين، حاول ابن أخيه الثري، ثنيه عن مساره:
- انظر يا عم، ألا ترتاح من الكُتَّاب، ما رأيك في مشروع؟
- لا خبرة لدي يا ولدي، وأنا مرتاح في الكُتَّاب.
- لن تشتغل يا عم، فقط تأتي لتستلم المال آخر الشهر.
- يا ولدي، ما جعل الله لرجل من قلبين…
ظل السيد أحمد وفيا لعهد الوالد، لا يبغي عن القرآن بدلا، ولا يرى بعد القرآن غنى.
تخرج أبناؤه واشتغلوا، وكفاه الله أمر دنياه. وذلك ولا شك، من بركات القرآن.
وعاش حديث الرسول الكريم: (ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَضِ ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ).
قلبه متعلق بالله، وكلام الله، وأهل الله… كما يبدو من دعائه، الذي أصبح وردا: “يا من لا يعلم قدره إلا هو…”. موقف يذكرنا، برأس العلم كله: خشية الله.
وقد ترك الكثير من أهل القرآن، يحبونه ويدعون له، ويواصلون مسيرته،
وإن لم ينجح في ترسيخ القرآن، في ذريته أسوة بأجداده.
من وصاياه لولده، من عالم الغيب العجيب:
- عليك بـ (ن ۚ والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون)