القرآن: طريق الغنى / (قصة قصيرة 1)
بقلم: حسن الوفيق
صادق رجل فقير، من حي الفقراء، لكن سمة الفقر لا تناسبه.
مهما عصفت الريح، لا تراه سوى مبتسما، كأنه يهزأ بالأشياء، أو لا يعبأ بها أصلا.
والسر في ذلك، يكمن في القرآن الكريم، الذي تعلمه من والده، وعاش في ظلال يقينه. الناس يتراكضون كالفراش، وصادق كالليل الهادئ، في وقت التجلي، مستغرق في تلاوة القرآن، وكأنه ينزل عليه. يتطلع الناس في حيّه إلى حياة الثراء، ويتطلع صادق إلى شيء آخر.
تعليم القرآن لولده أحمد، حتى يصبح بدوره معلما، يعشق القرآن ويخدمه.
هذا دعاؤه وحلمه، الذي حاول تحقيقه. لكن الظروف حالت.
التحقت زوجته بالدار الآخرة. ومرض صادق، مرضا شديدا أوهنه.
أدرك حينها قرب وفاته، وفكر في توجيه أحمد:
- تعال يا أحمد، أريد أن أوصيك بالقرآن.
- هل تذكر الشيخ صالح، في قرية الوادي، سافر إليه…
انسكب الدمع على وجه أحمد، وهو يودع والده ومعلمه.
وشرد بخياله نحو القادم من الأيام، واضعا يده على المصحف الشريف،
وكلمات الوصية ترن في أذنيه، وكأنه يأخذ على نفسه العهد، ألا يتهاون فيها.
سافر أحمد دون تأخير، إلى الشيخ صالح، يلتمس القرآن.
لكنه فوجئ بالعمل الشاق ينتظره هناك. مقابل الإقامة في بيت متهالك،
وشيء من خبز يابس. وكان عليه أن يجلب الماء كل يوم، من قرية نائية.
في خضم المعاناة، وقف أحمد لحظة يتساءل ويتحمل:
- كيف يجتمع القرآن مع هذا الشقاء؟
- وما هدف الشيخ من هذا الاختبار؟
وكأن نافذة من الغيب فتحت أمامه، لم يتمالك نفسه، فهُرع إلى القرية، بأعلى صوته:
- الماء قادم، الماء قادم، الوادي يبعث من جديد…
- الماء قادم، الماء قادم، من جهة الغرب…
في اليوم التالي، فَهِم القوم، ما رآه أحمد، لقد كان حقيقة، لا مجرد وهم.
على إثر ذلك، تغيرت نظرة القرية إليه، والجميع صار يرى وجوده بركة.
وأُعفي من العمل الشاق، وتفرغ للقرآن حتى أتقنه.
شارف أحمد على العشرين، شابا قويا، يعمل في الحقول.
وتمكن في وقت قصير، من اقتناء أرض، وتكوين أسرة صغيرة.
وبدأت أنوار القرآن، تزهر في طريقه، وحلم والده يتحقق،
يسافر في بلاد الله الواسعة، يعلّم كتاب الله ويتعلم القراءات.
ويعيش قوله تعالى: (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى).