سؤال الأخلاق في نسق المقاصد الشرعية
عند الإمام الشاطبي
د. هشام لعشوش
رئيس المركز الدولي لقضايا التعليم والبحث العلمي
ICESRI
مقدمة:
المتأمل في علم مقاصد الشريعة يدرك أنه كان وما يزال فتحا عظيما في تاريخ العلوم الإسلامية، وعلامة فارقة امتدت آثارها واتسعت مساحة الاهتمام بها والإفادة منها، حتى عدت من الأسس المنهجية والمعرفية التي حفظت للقيم الإسلامية عناصر الزيال والتفرد.
وفي هذا الصدد شكلت المدونة المقاصدية عند الإمام الشاطبي عبر تمثلاتها المعرفية والمنهجية، مادة سخية جدا، يمكن أن تسهم في الإجابة عن سؤال الأخلاق الذي ظل رهينا في كثير من انشغالاته -خلال قرنين من الزمان- للفلسفات والمدارس الفكرية الدخيلة.
غاية هذا البحث إذن مساءلة الفكر الأخلاقي ومرتكزاته عند الإمام الشاطبي في نسق المقاصد الشرعية أو بعبارة أخرى: استكمال البحث في الموارد المعرفية المؤسسة لتصور أخلاقي نظري كلي، من خلال تفكيك شفرة المقاصد الشرعية ونخلها من خلال المبحثين الآتيين:
المحور الأول: “الاستقراء المعنوي” وسيلة الشاطبي لبناء صحيح الاعتقاد والفقه والأخلاق
المحور الثاني: النظرية المقاصدية عند الشاطبي نظرية مصلحية أخلاقية بالأساس
المحور الأول: “الاستقراء المعنوي”: وسيلة الشاطبي لبناء صحيح الاعتقاد والفقه والأخلاق
مقاصد الشريعة كما قعد لها الإمام الشاطبي هي آليه منهجية تتغيى في جوهرها تجاوز حالة الارتباك التي طبعت مباحث علم أصول الفقه، ذلك أن هيمنة الانشغالات الكلامية أفضت الى حيرة الدرس الأصولي، وتخبطه بين ما هو من صلبه وما هو من ملحه، وما ليس من صلبه ولا من ملحه.
لقد أدرك الإمام الشاطبي خطورة هذا التخبط وآثار هذه الحيرة، فعمد إلى بناء النظرية المقاصدية، ليقوده سعيه في ذلك إلى اختيار منهج “الاستقراء” وجعله الدعامة المركزية الأهم، والعدة المنهجية الأساسية التي اعتمدها في إعادة صياغة قواعد النظر الأصولي في فهم الخطاب الشرعي، قال في المقدمة الأولى من كتابه الموافقات: ” إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي، وبيان الأول ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع، وبيان الثاني من أوجه: الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة، وذلك قطعي أيضا، ولا ثالث لهذين إلا المجموع منهما، والمؤلف من القطعيات قطعي، وذلك أصول الفقه”([1]).
أضحت المادة الأصولية مع الشاطبي إذن مادة تفيد القطع، لأنها استندت إلى استقراء أدلة الشرع استقراء ينطلق من الجزئي وصولا إلى الكلي، كما استندت إلى أحكام العقل الثلاثة: الوجوب والجواز والاستحالة ([2]).
لقد مكن منهج الاستقراء الإمام من تحصيل قدرة كبيرة على المزاوجة بين النقل والعقل، كما مكنه من تبصر أدلة الشريعة وغاياتها ومآلاتها بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
وهما خطوتان منهجيتان شكلتا في استدعاء بعضهما البعض ترادف لحظتين؛ “لحظة الكشف عن أخطاء المعرفة والكشف عن فساد الواقع، ثم لحظة البناء وهو ما تم بواسطة تحديد الموضوع وضبط الغاية، فكان الموضوع هو العمل، والغاية هي صلاح المكلف في الدارين”([3]).
فالعملية الاستقرائية مجهود اجتهادي يمتد إلى مساحة اعتبارية في إعمال الفكر وبذل الوسع واستجماع المعطيات، تبدأ ببناء الكليات انطلاقا من تقص للجزئيات والفروع، إذ إن “تلقي العلم الكلي إنما هو من عرض الجزئيات واستقرائها”([4])، وتصل إلى ضبط مآلات الأفعال ومدى تحقيقها لمقاصدها المرعية وفق تراتبية منهجية تداخلت فيها ضوابط النظر بمآلات الفعل في دائرة التكليف الإنساني، بين مصلحة راجحة ومفسدة مرجوحة.
إن حرص الشاطبي على جعل كليات الشريعة كليات قطعية، سيكون العامل الأساس لقوله بأن الاستقراء بنوعيه التام والناقص يفيدان القطع، مؤكدا أن “تخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا”([5]).
لقد أقر الشاطبي أن غالبية الاستقراء ناقص، وأرجع سبب ذلك الى أن الجزئيات المستقرأة ليست على وجه واحد، بل وجوه متعددة “قد يدركها العقل وقد لا يدركها، وإذا أدركها فقد يدركها بنسبة إلى حال دون حال، أو زمان دون زمان، أو عادة دون عادة؛ فيكون اعتبارها على الإطلاق خرما للقاعدة نفسها…… وأيضا فقد يعتبر الشارع من ذلك ما لا تدركه العقول إلا بالنص عليه، وهو أكثر ما دلت عليه الشريعة في الجزئيات”([6]).
فلا خلاف على قطعية دلالة الاستقراء التام كونه جاء مستوعبا جميع أجزاء القضية التي هي موضوع الدراسة، حيث أحاط بها دراسة وتحليلا، وإن كان هذا النوع كذلك ترد عليه مجموعة من التعقيبات والملحوظات التي تكفلت ببسطها دراسات أخرى([7]).
أما الاستقراء الناقص الذي يعرف بأنه انتقال من “جزئيات محدودة إلى نتيجة كلية تشمل تلك المقدمات وزيادة”([8])، فقد اتفق معظم الأصوليين والمناطقة على أنه يفيد الظن([9])، خالفهم في ذلك الشاطبي وانفرد بابتداع مفهوم جديد لهذا الاستقراء؛ وهو (الاستقراء المعنوي)، مستعينا في وضع قواعده ومستلهما مرتكزاته من ضوابط التواتر المعنوي الذي يدل على تغاير الألفاظ مع الاشتراك في معنى كلي.
شرع الشاطبي في تأسيس تصور جديد للاستقراء المعنوي، والذي “لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة، على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم وشجاعة علي رضي الله عنه”([10]).
هو مفهوم جديد متفرد “راعى فيه خصوصية المفردات القائمة في الكلية دون حدوث خرم هذه الأخيرة، إذ الأدلة الشرعية لا تفيد القطع بآحادها الظنية، إلا أن التواثر في اجتماع هذه الآحاد الظنية يفيد القطع في العلم”([11])، شأنه في ذلك شأن التواتر المعنوي الذي تنتقل فيه دلالة أخبار الآحاد من الظن إلى القطع؛ بتظافر الأخبار كجود حاتم وشجاعة علي.
إن البحث في دلالة الاستقراء المعنوي، يحيلنا على دلالة وصفية فاعلة في الجمع بين الفعل وبين قيمة الفعل، ثم بين مقتضى الحكم الشرعي وبين غاياته المرجوه، وكذلك بين المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية التي أسسها الاستقراء وبين تمثلاتها الغائية ومآلاتها المتحققة.
قاعدة الاستقراء المعنوي جعلها الشاطبي دعامة منهجية أساسية، انطلق منها لإعادة صياغة أصول الفقه وتأسيس قواعده وفق منطق إصلاحي، هدف إلى بناء تصورات كلية لصحيح الاعتقاد والتشريع والسلوك، تجاوزت أخلاقية النظر المتجرد كما هي عند أرسطو وكشفت عن أخلاقية النظر والفعل معا، عبر البحث في آليات وسبل التنزيل العملي لهذه المقتضيات الأخلاقية في متغيرات الأحوال والوقائع.
وهذا ما يدل بوضوح على إمكانية انفكاك التصور الأخلاقي عن نزعته المتعالية والصورية، وتخلصه كذلك من غلبة الهوى واتباع الظن، لأنه انبنى على قواعد ومناهج محصلة للقطع، فصار كما الشريعة “علما من جملة العلوم ورسما كسائر الرسوم”([12])، وفق قواعد علمية “مطردة عامة، ثابثة غير زائلة ولا متبدلة، وحاكمة غير محكوم عليها، وهذه خواص الكليات العقلية”([13]).
المحور الثاني: النظرية المقاصدية عند الشاطبي نظرية مصلحية أخلاقية بالأساس
مقاصد الشريعة عند الشاطبي عمل عقلي في غاية التركيز، ونظرية منهجية تسعى إلى فهم النص التشريعي وتفعيل أحكامه من أجل مجتمع أخلاقي، يجسد بسلوكه أخلاق القرآن وقيمه، وفي هذا السياق أماطت اللثام عن وسائل الفهم ومقتضيات التفعيل، فعمدت إلى بناء الاجتهاد -باعتباره وسيلة النص المتناهي لمعالجة المتغيرات الزمانية والمكانية اللامتناهية- وفق مرتكز أساسي تمثل في تحقيق المصلحة، يقول الإمام الشاطبي “إن وضع الشرائع إنما هو لصالح العباد في العاجل والآجل معا”([14])، ويقول أيضا “إنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء ولا ينازع فيه الرازي ولا غيره”([15]).
لقد جعل مدار المقاصد العامة والخاصة، الكلية والجزئية، للشريعة هو تحقيق المصالح الشرعية، فهي ليست تصورا نظريا معزولا عن السلوك، بل هو منهج -دل عليه الاستقراء- يؤطر الحياة الإنسانية، هذه المصالح معتبرة شرعا ومعقولة بحسب وسائل الإدراك الطبيعية وبحسب منطق الأمية الفطرية([16]) التي تعي الصلاح والفساد في إطار الخطاب الشرعي، وليس النزوات والأهواء، فالمصالح “المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى”([17]).
وإدراك هذه المصالح يقتضي الجمع بين معطيات النص ومقتضيات العقل، فالأول أحال استقراء على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد، والثاني أدرك أن العدل والحب والرحمة هي من معاني الصلاح وليس الفساد؛ وهذا إدراك عقلي مشترك عام، فالناس “في الفهم وتأتي التكليف ليسوا على وزن واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها، وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا، ولم يكونوا بحيث يتعمقون في كلامهم ولا في أعمالهم مالا يخل بمقاصدهم”([18]).
هو نفسه الإدراك العقلي الذي أبان عنه الإمام العز بن عبد السلام قبل ذلك، فأكد أن “معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل وذلك معظم الشرائع؛ إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن”([19])، ذلك أن إدراك التراتبية الاختيارية بين الصلاح والأصلح والفساد والأفسد مركوز في طبائع العباد، لا يخل بها إلا شقي أو جاهل([20]).
إن الشاطبي بإدماجه (نظرية الصلاح) -العبارة للدكتور طه عبد الرحمن([21])– في النسق الأصولي عامة ومقاصد الشريعة على وجه الخصوص، قد أحال على وجه من وجوه الانشغال الأخلاقي، إذ كل بناء يروم تحقيق هذه المصالح إنما هو إجابة عن عناصر السؤال الأخلاقي.
وهي من جهة الخطاب الشرعي مصالح محضة لا تخالطها مفسدة، والمفاسد فيها كذلك محضة، لأن الشريعة ما جاءت إلا لمصالح العباد، وهي مصالح يمتد صلاحها في الدنيا والآخرة، خاضعة لمراد الشارع لا لأهواء المكلف؛ إذ تخرجه عن داعية هواه وتعتد بالفعل الخاضع للشرع وليس الخاضع للهوى، حتى لو كان موافقا لصورة الفعل المطلوب شرعا.
أما المصالح الدنيوية الخالصة والتي عدها العز بن عبد السلام (عزيزة الوجود)([22])، وهي عند أبي إسحاق مستحيلة لا تتمحض، “ذلك أن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبيلين، فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك”([23]).
هي تداخل للمصالح والمفاسد، لأنها “مشوبة بتكاليف ومشاق قلت أو كثرت تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها، كالأكل والشرب، واللبس، والسكنى… فإن هذه الأمور لا تنال إلا بكد وتعب”([24]).
ثم إن المصالح التي هي في حكم العادة الطبيعية على ضربين هما:
- ما لا يناقض المنطق وداخلة في وسع الإدراك الإنساني، فهي عائدة إلى حكم العادة الذي تغلب فيه المصالح على المفاسد.
- ما يفوق القدرة الإنسانية، فتؤول فيه المصالح إلى مفاسد، وهي “تجري مجرى المصالح الشرعية عند رجحانها، لأنها المقصودة شرعا إذا كانت الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد”([25]).
والخلاصة أن ضوابط المصلحة عند الشاطبي من جهة مقاصد الخطاب الشرعي، ومن جهة التفعيل المقاصدي لمقتضيات هذا الخطاب، ألا تناقض الكليات العامة للشريعة الإسلامية، وأن توافق دلائل العقل السليم المركوزة في الإنسان بما بث فيه من قدرة على الإدراك، وموافقة لمراد الشارع من التشريع ومحققة لمآلات معتبرة، داخلة في قدرة المكلف ورافعة للحرج والمشقة اللذين يتنافيان مع مسلمة كون الشارع إنما قصد مصالح العباد في العاجل والآجل، وإلا استحال دخول المكلف تحتها.
هذا الضابط الأخير دل عليه تشريع الرخص، إذ لو كانت الأحكام كلها عزائم لانتهت المصالح المقصودة إلى ضرب من المفاسد، قال الشاطبي: “العزائم حق الله على العباد، والرخص حق العباد من لطف الله؛ فتشترك المباحات مع الرخص على هذا الترتيب، من حيث كانا معا توسعة على العبد، ورفع حرج عنه وإثباتا لحظه”([26]).
فالرخص جانب من جوانب مراعات الإمكان البشري والتكليف بما يطاق، أعطت للأحكام الشرعية بعدها الإنساني، فالعزيمة “من حيث كانت كلية، هي مقصودة للشارع بالقصد الأول، والحرج من حيث هو جزئي عارض لتلك الكلية، إن قصده الشارع بالرخصة فمن جهة القصد الثاني، والله المستعان” ([27]).
إن ما ذكر آنفا شكل دعامة أساسية انطلق منها السؤال الأخلاقي باحثا عن أجوبة ذات نسقية معرفية أصيلة، فالعزائم التي هي حق الله على العباد تمثل مجموع النظم والقيم الأخلاقية المؤطرة، والرخص التي هي لطف الله تمثل آليات وسبل التنزيل العملي لهذه القيم، أضف إلى ذلك تطابق النظرية المقاصدية والنظرية الأخلاقية في تحقيق المصالح ودرء المفاسد التي يحددها الشرع لا الهوى.
هو اهتمام مشترك إذن بين النظريتين، ودعامة لهما تمثلت في المصلحة التي أدمجها الشاطبي في بنية الفعل التكليفي حالا ومآلا مع بعض الاختلافات المنهجية، استدعتها طبيعة السؤال وطبيعة الجواب.
لقد نبه طه عبد الرحمان إلى أهمية المادة المقاصدية عند الشاطبي في بناء التصور الأخلاقي الإسلامي، مبينا أن “المصلحة ليست اسم ذات متحيزة، وإنما هو اسم معنى مجرد تكون مرادفة لمفهوم الصلاح”([28])، ومؤكدا أنها مسلك إصلاحي يمتد من الحياة إلى ما بعدها وليس غاية تدرك، فالمصلحة إذن بهذا المعنى صارت هي”التجلي المعقول للقانون الأخلاقي وقد اتخذت ميزة أساسية، إنها وصف طبيعي، ولأن المصلحة قانون أخلاقي حاكم سيخول لها هذا الوصف الطبيعي أن ينزل منزلة المنظم للعلاقات الإلهية الإنسانية والعلاقات الإنسانية الإنسانية، بحيث ترجع تكاليفها إلى حفظ مقاصدها في الخلق”([29]).
لقد صنف الشاطبي المادة المقاصدية تصنيفا رام من خلاله ربط الأحكام الشرعية بوظائفها المصلحية، معتبرا أن غاية الصلاح في الحال والمآل هي الغاية الأعظم للشريعة، ورتب على ذلك قواعد بناء نظري عبرت عن هاته المصالح وضبطتها ورجحت بينها، ومنها قوله بالتعليل الذي يشمل النظر والعمل، والفكرة والسلوك.
ومما نقرأه عند الشاطبي من مراعاة القيم الأخلاقية ونزولها منزلة رفيعة في السلوك التربوي للمؤمن، كلامه عن إسقاط الحظوظ عند صنف من الناس، خصوصا عند من ضعفت حظوظ أنفسهم لديهم فآثروا حقوق الآخرين عليها، فصار فعلهم هذا هو عين العبادة، بل أرقى أنواع العبادات، وهو النموذج المثالي للمجتمع المسلم الذي تشيع فيه قيمة الإيثار على طلب الحقوق والتزاحم على طلبها، يقول: “وإذا سقطت الحظوظ لحق ما هو بدل عنه، لأن زمان طلب الحظ لا يبقى خاليا، فدخل فيه من الأعمال كثير، وإذا عمل على حظه من حيث الأمر فهو عبادة كما سيأتي، فصار عبادة بعدما كان عادة، فهو ساقط من جهته، ثابت من جهة الأمر كسائر الطاعات، ومن هنا صار مسقط الحظ أعبد الناس، بل يصير أكثر عمله في الواجبات”([30]).
خاتمة:
هكذا، وبعد أن قادنا سعينا في مساءلة الفكر الأخلاقي عند الإمام الشاطبي إلى النظر في مدونته المقاصدية، الوارفة بناء، المتسقة منهجا، والخصيبة عطاء، وبعد هذه الجولة العلمية المتنوعة الموارد، الملتبدة المرامي والمقاصد، أختم هذه الدراسة بأهم النتائج التي توصلت إليها والمتمثلة في:
- أشارت هذه الدراسة إلى أن “الاستقراء المعنوي” هو الدعامة المنهجية الأهم التي اعتمدها الشاطبي لإعادة صياغة أصول الفقه وتأسيس قواعده بشكل علمي، وكذا نقله من الظن إلى القطع، وهو ما يمكن الإفادة منه في التأسيس لنظرية علمية أخلاقية.
- أظهرت الدراسة أن إدماج الشاطبي لنظرية “المصلحة” في بنية المقاصد الشرعية، قد أحال على وجه من وجوه الانشغال الأخلاقي.
- أكدت الدراسة على أن التعليل المصلحي قد أسعف الشاطبي للنظر في الوقائع المتجددة نظرة أخلاقية إصلاحية.
والحمد لله رب العالمين
لائحة المصادر والمراجع:
- ابن سينا، حسين بن عبد الله، الإشارات والتنبيهات، (قم، دار القدس، ط1،1375ه).
- ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، (قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1425ه-2004م).
- بوحناش، نورة، مقاصد الشريعة الإسلامية عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي، (الرباط: دار الأمان، 1433ه-2012م).
- الحساسنة، أحسن، الفقه المقاصدي عند الإمام الشاطبي وأثره على مباحث أصول التشريع الإسلامي، (القاهرة، دار السلام، ط:1- 2008).
- الريسوني، أحمد، نظرية مقاصد الشريعة عند الإمام الشاطبي، (الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط: الثانية، 1412ه-1992م).
- الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، (دار ابن عفان، ط: 1417هـ/ 1997م).
- طه عبد الرحمان، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، مجلة المسلم المعاصر، العدد:103.
- العز بن عبد السلام، أبو محمد، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ط جديدة مضبوطة منقحة، 1414ه-1991م).
- الغزالي، محمد بن محمد، المستصفى، (دار الكتب العلمية، ط: الأولى، 1313ه-1993م).
[1]– الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، (دار ابن عفان،ط: 1417هـ/ 1997م)، ج1 ص 19.
[2]– المرجع نفسه، ج1ص 25.
[3]– بوحناش، نورة، مقاصد الشريعة الإسلامية عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي،(الرباط: دار الأمان، 1433ه-2012م)، ص 309- 310.
[4]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج6 ص 423.
[5]– المرجع نفسه، ج6 ص 423.
[6]– المرجع نفسه، ج3 ص 177-180.
[7]– انظر مثلا: الريسوني، أحمد، نظرية مقاصد الشريعة عند الإمام الشاطبي الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط: الثانية، 1412ه-1992م، ص 215-216
[8]– المرجع نفسه، ص 216.
[9]– انظر مثلا: ابن سينا، حسين بن عبد الله، الإشارات والتنبيهات، (قم، دار القدس، ط1،1375ه) ج1 ص 321، والغزالي، محمد بن محمد، المستصفى (دار الكتب العلمية، ط: الأولى، 1313ه-1993م) ص 242.
[10]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج2 ص 81.
[11]– بوحناش، نورة، مقاصد الشريعة الإسلامية عند الشاطبي، ص 327.
[12]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1 ص 11.
[13]– المرجع نفسه، ج1 ص 108.
[14]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق ج2 ص9.
[15]– المرجع نفسه، ج1 ص 41.
[16]– ذكر الشاطبي أن” الأمي منسوب إلى الأم وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره، فهو على أصل خلقته التي ولد عليها” ومعناها: سلامة الفطرة، انظر: الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج2 ص 110.
[17]– المرجع نفسه، ج2 ص 63.
[18]– ا الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق ج2 ص 136.
[19]– العز بن عبد السلام، أبو محمد، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ط جديدة مضبوطة منقحة، 1414ه-1991م)، ج1 ص 5.
[20]– ابن عاشور، الطاهر محمد، مقاصد الشريعة الإسلامية، (قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1425ه-2004م)
ج2 ص 93 – ج3 ص 204.
[21]– طه عبد الرحمن، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، مجلة المسلم المعاصر، العدد:103، ص42.
[22]– العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مرجع سابق، ج1 ص7.
[23]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج2 ص 44.
[24]– المرجع نفسه، ج2 ص 44.
[25]– المرجع نفسه، بتصرف، ج2 ص 63.
[26]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1 ص 473.
[27]– المرجع نفسه، ج1 ص 541.
[28]– طه عبد الرحمن، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص214.
[29]– بوحناش، نورة، مقاصد الشريعة الإسلامية عند الشاطبي، مرجع سابق، ص 429.
[30]– الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج2 ص 255.